ما جاء في التلبية على المذهب المالكي

       ما جاء في التلبية على المذهب المالكي
61

اسم الكتاب:
المدونة




[مَا جَاءَ فِي التَّلْبِيَةِ]

ِ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ يَذْكُرُ الْمُحْرِمُ شَيْئًا سِوَى التَّلْبِيَةِ إذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ، أَمْ تُجْزِئُهُ التَّلْبِيَةُ وَيَنْوِي بِهَا مَا يُرِيدُ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَلَا يَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي مُحْرِمٌ بِحَجَّةٍ أَوْ بِعُمْرَةٍ؟

قَالَ: كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: تُجْزِئُهُ التَّلْبِيَةُ يَنْوِي بِهَا الْإِحْرَامَ الَّذِي يُرِيدُ وَلَا يَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي مُحْرِمٌ بِحَجَّةٍ، وَكَانَ ذَلِكَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِحَجٍّ أَوْ بِعُمْرَةٍ.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَتَى يُلَبِّي فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَفِي دُبُرِ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ أَمْ فِي دُبُرِ صَلَاةٍ نَافِلَةٍ، أَوْ إذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ أَوْ إذَا انْطَلَقَتْ بِهِ؟

قَالَ: يُلَبِّي إذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ فِي فِنَاءِ الْمَسْجِدِ.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ كُنْتُ فِيمَا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ

(1/394)

أُحْرِمَ، لِمَ أَمَرَنِي مَالِكٌ أَنْ أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ يَأْمُرُنِي أَنْ أُحْرِمَ إذَا اسْتَوَتْ بِي رَاحِلَتِي، وَلَا يَأْمُرُنِي أَنْ أَحْرُمَ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ؟
قَالَ: كَانَ مَالِكٌ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ نَافِلَةً إذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ إذَا كَانَ فِي سَاعَةٍ يُصَلَّى فِيهَا، قُلْنَا لَهُ: فَفِي هَذِهِ النَّافِلَةِ حَدٌّ؟

قَالَ: لَا. قُلْنَا لَهُ: فَلَوْ صَلَّى مَكْتُوبَةً لَيْسَ بَعْدَهَا نَافِلَةً أَيُحْرِمُ بَعْدَهَا؟

قَالَ: نَعَمْ. قُلْنَا لَهُ: فَلَوْ جَاءَ فِي إبَّانٍ لَيْسَ فِيهِ صَلَاةٌ بَعْدَ الصُّبْحِ أَوْ فِي بَعْدِ الْعَصْرِ وَقَدْ صَلَّى الصُّبْحَ أَوْ الْعَصْرَ؟

قَالَ: لَا يَبْرَحُ حَتَّى يَحِلَّ وَقْتُ صَلَاةٍ فَيُصَلِّيَهَا، ثُمَّ يُحْرِمُ إذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلًا مُرَاهِقًا يَخَافُ فَوَاتَ حَجِّهِ أَوْ رَجُلًا خَائِفًا أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْعُذْرِ، فَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُحْرِمَ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ تَوَجَّهَ نَاسِيًا لِلتَّلْبِيَةِ مِنْ فِنَاءِ الْمَسْجِدِ أَيَكُونُ فِي تَوَجُّهِهِ مُحْرِمًا؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَرَاهُ مُحْرِمًا بِنِيَّتِهِ فَإِنْ ذَكَرَ مِنْ قَرِيبٍ لَبَّى وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ تَرَكَهُ حَتَّى فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ رَأَيْتُ أَنْ يُهْرِيقَ دَمًا. وَقَالَ مَالِكٌ: يَدْهُنُ الْمُحْرِمُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَبَعْدَ حِلَاقَةِ رَأْسِهِ بِالزَّيْتِ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَبِالْبَانِ السَّمْحِ وَهُوَ الْبَانُ غَيْرُ الْمُطَيَّبِ، وَأَمَّا كُلُّ شَيْءٍ يَبْقَى رِيحُهُ فَلَا يُعْجِبُنِي.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يُوَسِّعُ فِي ثَوْبَيْهِ إذَا كَانَا غَيْرَ جَدِيدَيْنِ إذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ أَنْ لَا يَغْسِلَهُمَا؟

قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: عِنْدِي ثَوْبٌ قَدْ أَحْرَمْتُ فِيهِ حِجَجًا وَمَا غَسَلْتُهُ وَلَمْ يَكُنْ يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا.


الْقَاسِمِ: مَتَى يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: إذَا رَاحَ إلَى الْمَسْجِدِ، يُرِيدُ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَرَاحَ يُرِيدُ الصَّلَاةَ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ. قَالَ: وَوَقَفْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ فَأَخْبَرَنَا بِمَا أَخْبَرْتُكَ، فَكَانَ مِمَّا ثَبَتَ بِهِ هَذَا عِنْدَنَا وَعِلْمنَا أَنَّهُ رَأْيُهُ، إنَّهُ قَالَ: لَا يُلَبِّي الْإِمَامُ يَوْمَ عَرَفَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَيُكَبِّرُ بَيْنَ ظَهْرَانِي خُطْبَتِهِ. قَالَ: وَلَمْ يُوَقِّتْ لَنَا فِي تَكْبِيرِهِ وَقْتًا، قَالَ: وَكَانَ مَالِكٌ قَبْلَ ذَلِكَ يَقُولُ: يَقْطَعُ الْمُحْرِمُ التَّلْبِيَةَ إذَا رَاحَ إلَى الْمَوْقِفِ، وَكَانَ يَقُولُ يَقْطَعُ إذْ زَاغَتْ الشَّمْسُ، فَلَمَّا وَقَفْنَاهُ عَلَيْهِ قَالَ: إذَا رَاحَ إلَى الْمَسْجِدِ قَطَعَ، يُرِيدُ إذَا كَانَ رَوَاحُهُ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَكَانَ مَالِكٌ يَأْمُرُ بِالتَّكْبِيرِ إذَا قَطَعَ الْمُحْرِمُ التَّلْبِيَةَ؟

قَالَ: مَا سَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُكَبِّرَ.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ الصَّلَاةَ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ أَيُكَبِّرُ فِي دُبُرِهَا فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ؟ قَالَ: لَا.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَتَى يَقْطَعُ الَّذِي فَاتَهُ الْحَجُّ التَّلْبِيَةَ؟

قَالَ: إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ.

قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ عُمْرَةً.

قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَالْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ لَا يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَرُوحَ إلَى الصَّلَاةِ يَوْمَ عَرَفَةَ، إلَّا أَنَّهُ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَوَّلَ مَا يَدْخُلُ فَطَافَ بِالْبَيْتِ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى تَلْبِيَتِهِ حَتَّى يَرُوحَ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَى الصَّلَاةِ.

قَالَ: وَإِنْ لَبَّى إذَا دَخَلَ حَوْلَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ لَمْ أَرَ ذَلِكَ ضَيِّقًا عَلَيْهِ، وَرَأَيْته فِي سَعَةٍ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يُلَبِّيَ فِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَذَلِكَ وَاسِعٌ.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ لَهُ إذَا دَخَلَ فِي الطَّوَافِ الْأَوَّلِ يَوْمَ يَدْخُلُ مَكَّةَ وَهُوَ مُفْرِدٌ بِالْحَجِّ أَوْ قَارِنٌ أَنْ يُلَبِّيَ مِنْ حِينِ يَبْتَدِئُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ إلَى أَنْ يَفْرُغَ مِنْ سَعْيِهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟

قَالَ نَعَمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَاهُ ضَيِّقًا عَلَيْهِ إذَا لَبَّى.

قَالَ: وَكَانَ مَالِكٌ إذَا أَفْتَى بِهَذَا يَقُولُ: لَا يُلَبِّي مِنْ حِينِ يَبْتَدِئُ الطَّوَافَ إلَى أَنْ يَفْرُغَ مِنْ سَعْيِهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، يَقُولُ عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ: وَإِنْ لَبَّى فَهُوَ فِي سَعَةٍ، قَالَ: وَإِذَا فَرَغَ مِنْ سَعْيِهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَادَ إلَى التَّلْبِيَةِ.

قَالَ ابْن الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: وَالْمُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ مَنْ مِيقَاتِهِ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ ثُمَّ لَا يَعُودُ إلَيْهَا، وَاَلَّذِي يُحْرِمُ مِنْ غَيْرِ مِيقَاتِهِ مِثْلُ الْجِعْرَانَةِ وَالتَّنْعِيمِ يَقْطَعُونَ إذَا دَخَلُوا بُيُوتَ مَكَّةَ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: أَوْ الْمَسْجِدَ؟

قَالَ: أَوْ الْمَسْجِدَ كُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ.


قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ الْمُحْصَرَ بِمَرَضٍ فِي حَجَّتِهِ مِنْ أَيْنَ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إذَا فَاتَهُ الْحَجُّ؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلَ الْحَرَمِ.

قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُحِلُّهُ مِنْ إحْرَامِهِ إلَّا الْبَيْتُ وَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ بِهِ سِنِينَ.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ هُوَ تَطَاوَلَ بِهِ مَرَضُهُ حَتَّى جَاءَ فِي حَجٍّ قَابِلٍ فَخَرَجَ فَوَافَى الْحَجَّ وَهُوَ فِي إحْرَامِهِ الَّذِي كَانَ أُحْصِرَ فِيهِ وَحَجَّ بِهِ قَابِلًا؟ قَالَ: يُجْزِئُهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: وَيَكُونُ عَلَيْهِ الدَّمُ فِي هَذَا؟

قَالَ: لَا دَمَ عَلَيْهِ فِي هَذَا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَالْمَحْصُورُ بِعَدُوٍّ يُحِلُّ بِمَوْضِعِهِ الَّذِي حُصِرَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ، وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ وَلَا بُدَّ لَهُ

(1/397)

مِنْ الْحَلْقِ أَوْ التَّقْصِيرِ.
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَكَانَ مَالِكٌ يَأْمُرُ بِالْهَدْيِ إذَا أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ أَنْ يَنْحَرَ هَدْيَهُ الَّذِي هُوَ مَعَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.

قَالَ: وَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَإِنْ كَانَ الْمَحْصُورُ بِعَدُوٍّ ضَرُورَةً أَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: لَا يُجْزِئُهُ وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ مِنْ قَابِلٍ.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ هَذَا الْمَحْصُورَ بِعَدُوٍّ إنْ كَانَ قَدْ قَضَى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أُحْصِرَ فَصُدَّ عَنْ الْبَيْتِ، أَيَكُونُ عَلَيْهِ قَضَاءُ هَذِهِ الْحَجَّةِ الَّتِي صُدَّ عَنْهَا؟ قَالَ: لَا.

قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ صُدَّ عَنْ الْعُمْرَةِ بِعَدُوٍّ حَصَرَهُ؟

قَالَ: نَعَمْ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.

قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟

قَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ: فَإِنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ قَبْلَ أَنْ تَمْضِيَ أَيَّامُ الْحَجِّ وَيَفُوتَ الْحَجُّ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ مَحْصُورًا وَإِنْ حَصَرَهُ الْعَدُوُّ حَتَّى يَفُوتَهُ الْحَجُّ.

قُلْتُ: فَإِنْ أُحْصِرَ فَصَارَ إنْ حَلَّ لَمْ يُدْرِكْ الْحَجَّ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْأَيَّامِ، أَيَكُونُ مَحْصُورًا أَوْ يُحِلُّ مَكَانَهُ وَلَا يَنْتَظِرُ ذَهَابَ الْحَجِّ؟ قَالَ: نَعَمْ هُوَ الْآنَ مَحْصُورٌ.

قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: مَا أَدْرِي، أَوْقَفْتُهُ عَلَيْهِ وَهُوَ رَأْيِي.


قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَيُلَبِّي الْقَارِنُ وَالْحَاجُّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؟

قَالَ: وَالْحَاجُّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؟

قَالَ: نَعَمْ.


قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَتَى يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ الْمَجَامِعُ فِي الْحَجِّ؟ قَالَ: يَفْعَلُ كَمَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ فِي جَمِيعِ أَمْرِهِ، وَلَا يَقْطَعُ إلَّا كَمَا يَقْطَعُ الْحَاجُّ، قَالَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.


قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ أَنْ يُلَبِّيَ الرَّجُلُ وَهُوَ لَا يُرِيدُ الْحَجَّ؟ قَالَ: نَعَمْ كَانَ يَكْرَهُهُ وَيَرَاهُ خَرْقًا لِمَنْ فَعَلَهُ.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَلَيْسَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ مَنْ لَبَّى يُرِيدُ الْإِحْرَامَ فَهُوَ مُحْرِمٌ إنْ أَرَادَ حَجًّا فَحَجَّ وَإِنْ أَرَادَ عُمْرَةً فَعُمْرَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ.


قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَا حَدُّ مَا تَرْفَعُ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ صَوْتَهَا عِنْدَ مَالِكٍ فِي التَّلْبِيَةِ؟

قَالَ: قَدْرُ مَا تُسْمِعُ نَفْسَهَا.


قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ الصَّبِيَّ إذَا كَانَ لَا يَتَكَلَّمُ فَحَجَّ بِهِ أَبُوهُ أَيُلَبِّي عَنْهُ أَوَّلَ مَا يُحْرِمُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

قَالَ: لَا وَلَكِنْ يُجَرِّدُهُ، قَالَ مَالِكٌ وَلَا يُجَرِّدُهُ إذَا كَانَ صَغِيرًا هَكَذَا حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الْحَرَمِ.

قَالَ مَالِكٌ: وَالصِّبْيَانُ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفُونَ، مِنْهُمْ الْكَبِيرُ قَدْ نَاهَزَ وَمِنْهُمْ الصَّغِيرُ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ وَثَمَانِ سِنِينَ الَّذِي لَا يَجْتَنِبُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ، فَذَلِكَ يَقْرُبُ مِنْ الْحَرَمِ ثُمَّ يُحْرِمُ وَاَلَّذِي قَدْ نَاهَزَ فَمِنْ الْمِيقَاتِ لِأَنَّهُ يَدَعُ مَا يُؤْمَرُ بِتَرْكِهِ.

قَالَ مَالِكٌ: وَالصَّغِيرُ الَّذِي لَا يَتَكَلَّمُ إذَا جَرَّدَهُ أَبُوهُ، يُرِيدُ بِتَجْرِيدِهِ الْإِحْرَامَ فَهُوَ مُحْرِمٌ وَيُجَنِّبُهُ مَا يُجَنِّبُ الْكَبِيرَ، قَالَ: وَإِذَا طَافُوا فَلَا يَطُوفَنَّ بِهِ أَحَدٌ لَمْ يَطُفْ طَوَافَهُ الْوَاجِبَ، لِأَنَّهُ يُدْخِلُ طَوَافَيْنِ فِي طَوَافٍ، طَوَافَ الصَّبِيِّ وَطَوَافَ الَّذِي يَطُوفُ بِهِ.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَمَا الطَّوَافُ الْوَاجِبُ عِنْدَ مَالِكٍ؟

قَالَ: طَوَافُهُ الَّذِي يَصِلُ بِهِ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: يَسْعَى بِهَذَا الصَّبِيِّ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَنْ لَمْ يَسْعَ بَيْنَهُمَا السَّعْيَ الَّذِي عَلَيْهِ؟

قَالَ: السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي هَذَا أَخَفُّ عِنْدِي مِنْ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ إنْ فَعَلَ وَلَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَجْمَعَهُ لِنَفْسِهِ

(1/398)

وَلِلصَّبِيِّ فِي الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، لِأَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ عِنْدَهُ كَالصَّلَاةِ وَأَنَّهُ لَا يَطُوفُ أَحَدٌ إلَّا وَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لَيْسَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، قَدْ يَسْعَى مَنْ لَيْسَ عَلَى وُضُوءٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَرْمِي عَنْ الصَّبِيِّ مَنْ لَمْ يَكُنْ رَمَى عَنْ نَفْسِهِ، يَرْمِي عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ الصَّبِيِّ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَرْمِيَ عَنْ نَفْسِهِ فَيَفْرُغُ مِنْ رَمْيِهِ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ يَرْمِي عَنْ الصَّبِيِّ، وَقَالَ: ذَلِكَ وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ سَوَاءٌ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ حَتَّى يَرْمِيَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ عَنْ الصَّبِيِّ.


قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ دَخَلَ مُرَاهِقًا وَهُوَ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ أَوْ قَارِنٌ أَوْ مُتَمَتِّعٌ: أَنَّهُ إنْ خَافَ إنْ طَافَ بِالْبَيْتِ أَنْ يَفُوتَهُ الْحَجُّ، قَالَ: يَمْضِي لِوَجْهِهِ وَيَدَعُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ إنْ كَانَ مُفْرِدًا بِالْحَجِّ أَوْ قَارِنًا، وَإِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَرْدَفَ الْحَجَّ أَيْضًا وَمَضَى لِوَجْهِهِ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَصِيرُ قَارِنًا وَيَقْضِي حَجَّهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يَرَى قَضَاءً لِلْعُمْرَةِ فِي جَمِيعِ هَذَا وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ دَمٌ لِمَا تَرَكَ مِنْ طَوَافِهِ بِالْبَيْتِ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ لِأَنَّهُ كَانَ مُرَاهِقًا.

قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ دَخَلَ غَيْرَ مُرَاهِقٍ مُفْرِدًا بِالْحَجِّ أَوْ قَارِنًا فَلَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى مَضَى إلَى عَرَفَاتٍ، فَإِنَّهُ يُهْرِيقُ دَمًا لِأَنَّهُ فَرَّطَ فِي الطَّوَافِ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ حَتَّى خَرَجَ إلَى عَرَفَاتٍ.


قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ دَخَلَ غَيْرَ مُرَاهِقٍ مُعْتَمِرًا أَوْ قَارِنًا فَلَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ حَتَّى خَرَجَ إلَى عَرَفَاتٍ فَفَرَضَ الْمُعْتَمِرُ الْحَجَّ وَخَرَجَ إلَى عَرَفَاتٍ وَمَضَى الْقَارِنُ وَلَمْ يَطُفْ حَتَّى خَرَجَ إلَى عَرَفَاتٍ؟

قَالَ: يَكُونَانِ قَارِنَيْنِ جَمِيعًا وَيَكُونُ عَلَيْهِمَا دَمُ الْقِرَانِ، وَيَكُونُ عَلَى الْقَارِنِ أَيْضًا دَمٌ آخَرُ لِمَا أَخَّرَ مِنْ طَوَافِهِ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُعْتَمِرِ غَيْرُ دَمِ الْقِرَانِ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُضِيفَ الْحَجَّ إلَى الْعُمْرَةِ مَا لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ.


قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: هَلْ الْوَصِيُّ إذَا خَرَجَ بِالصَّبِيِّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا أَحْفَظُ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْوَصِيِّ أَنْ يَحُجَّ بِالصَّبِيِّ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ وَجْهٌ يَخَافُ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ وَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَكْفُلُهُ، فَإِنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ رَأَيْتُ أَنْ يَضْمَنَ مَا أُنْفِقَ عَلَى الصَّبِيِّ مِنْ مَالِهِ وَيَجُوزُ لَهُ إخْرَاجُهُ إذَا خَافَ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَكْفُلُهُ، فَإِذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَهُ وَيُنْفِقَ عَلَى الصَّبِيِّ مِنْ مَالِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُحْرِمَهُ.

قُلْتُ: فَالْوَالِدَةُ فِي الصَّبِيِّ أَتَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ؟ قَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ حَجّ بِهِ وَالِدُهُ أَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مَنْ مَالِ الصَّبِيِّ؟ قَالَ: لَا أَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ، وَلَا يَنْبَغِي لِوَالِدِهِ أَنْ يُحِجَّ الصَّبِيَّ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ إلَّا أَنْ يَخْشَى عَلَيْهِ مِثْلَ مَا خَشِيَ الْوَصِيُّ فَيَجُوزُ مَا أُنْفِقَ عَلَى الصَّبِيِّ، فَإِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ ضَيْعَةً وَوَجَدَ مَنْ يَكْفُلُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ فَيُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ، فَإِنْ فَعَلَ كَانَ ضَامِنًا لِمَا اكْتَرَى لَهُ وَمَا أَنْفَقَ فِي الطَّرِيقِ إلَّا قَدْرَ نَفَقَتِهِ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُهَا عَلَيْهِ إنْ لَوْ لَمْ يَشْخَصْ بِهِ.

قَالَ: وَالْأُمُّ إذَا خَافَتْ عَلَى الصَّبِيِّ الضَّيْعَةَ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ فِي جَمِيعِ مَا وَصَفْتُ لَكَ. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ كَانَ هَذَا الصَّبِيُّ لَا يَتَكَلَّمُ فَأَحْرَمَهُ مَنْ ذَكَرَتْ لَكَ مَنْ

(1/399)

أَبٍ أَوْ وَصِيٍّ أَوْ أُمٍّ أَوْ مَنْ هُوَ فِي حِجْرِهِ مِنْ غَيْرِ هَؤُلَاءِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّينَ أَوْ الْأَقَارِبِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الصَّبِيُّ الَّذِي رُفِعَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْمِحَفَّةِ، إنَّمَا رَفَعْتُهُ امْرَأَةٌ «فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ.» قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّ مَعَهُ وَالِدًا. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِذَا أَحْرَمَتْهُ أُمُّهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَازَ الْإِحْرَامُ، فَأَرَى كُلَّ مَنْ كَانَ الصَّبِيُّ فِي حِجْرِهِ يَجُوزُ لَهُ مَا جَازَ لِلْأُمِّ.


قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الذُّكُورِ الْغِلْمَانِ الصِّغَارِ يُحْرَمُ بِهِمْ وَعَلَيْهِمْ الْأَسْوِرَةُ وَفِي أَرْجُلِهِمْ الْخَلَاخِلُ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَفَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ لِلصِّبْيَانِ الذُّكُورِ الصِّغَارِ حُلِيَّ الذَّهَبِ؟ قَالَ: نَعَمْ قَدْ سَأَلْتُهُ عَنْهُ غَيْرَ مَرَّةٍ فَكَرِهَهُ.


قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَهْلُ مَكَّةَ فِي التَّلْبِيَةِ كَغَيْرِهِمْ مِنْ النَّاسِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُحْرِمَ أَهْلُ مَكَّةَ إذَا أَهَلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ. قَالَ: وَكَانَ مَالِكٌ يَأْمُرُ أَهْلَ مَكَّةَ وَكُلَّ مَنْ أَنْشَأَ الْحَجَّ مِنْ مَكَّةَ أَنْ يُؤَخِّرَ طَوَافَهُ الْوَاجِبَ وَسَعْيَهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ عَرَفَاتٍ، قَالَ: وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ تَطَوُّعًا بَعْدَمَا أَحْرَمَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ فَلْيَطُفْ، وَلَكِنْ لَا يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَّا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ عَرَفَاتٍ، فَإِذَا رَجَعَ طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَيَكُونُ هَذَا الطَّوَافُ الَّذِي وَصَلَ بِهِ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ هُوَ الطَّوَافُ الْوَاجِبُ.


قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ الْأَخْرَسَ إذَا أَحْرَمَ فَأَصَابَ صَيْدًا أَيُحْكَمُ عَلَيْهِ كَمَا يُحْكَمُ عَلَى غَيْرِهِ؟

قَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟

قَالَ: لَا.


قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ فَأَضَافَ إلَيْهِ عُمْرَةً فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَتَلْزَمُهُ الْعُمْرَةُ؟

قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ فَعَلَ فَمَا قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ أَتَلْزَمُهُ الْعُمْرَةُ أَمْ لَا؟

قَالَ: بَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَلْزَمُهُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا أَرَى الْعُمْرَةَ تَلْزَمُهُ وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ، وَلَا أَرَى عَلَيْهِ دَمَ الْقِرَانِ وَقَدْ سَمِعْتُ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ.


قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَيُّ شَيْءٍ يَجْزِي فِي دَمِ الْقِرَانِ عِنْدَ مَالِكٍ؟

قَالَ: شَاةٌ وَكَانَ يُجِيزُهَا عَلَى تَكَرُّهٍ، يَقُولُ إنْ لَمْ يَجِدْ، وَكَانَ يَقُولُ الَّذِي يُسْتَحَبُّ فِيهِ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَانَ مَالِكٌ إذَا اُضْطُرَّ إلَى الْكَلَامِ قَالَ تُجْزِئُ عَنْهُ الشَّاةُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي كَانَ يَسْتَحِبُّهُ مَالِكٌ فِيمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ الْبَقَرَةُ دُونَ الْبَعِيرِ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ طَوَافَ الزِّيَارَةِ، قَالَ وَقَالَ مَالِكٌ: وَنَاسٌ يَقُولُونَ زُرْنَا قَبْرَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: فَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ هَذَا وَيُعَظِّمُهُ أَنْ يُقَالَ إنَّ النَّبِيَّ يُزَارُ.


قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَمَا قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَكَانَ يَكْرَهُ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ بَعْدَمَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ لَدُنْ أَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حَجِّهِ وَيُحِلَّ؟

قَالَ: نَعَمْ كَانَ يَكْرَهُهُ لَهُ.

قُلْتُ: فَإِنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ بَعْدَمَا طَافَ بِالْبَيْتِ أَوَّلَ مَا دَخَلَ مَكَّةَ أَوْ بَعْدَمَا خَرَجَ إلَى مِنًى أَوْ فِي وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ أَوْ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ؟ قَالَ: كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُهُ.

قُلْتُ: أَفَتَحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُهُ بِرَفْضِ الْعُمْرَةُ إنْ أَحْرَمَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الَّتِي ذَكَرْتُ لَكَ؟

(1/400)

قَالَ: لَا أَحْفَظُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِرَفْضِهَا.
قُلْتُ: أَفَتَحْفَظُ أَنَّهُ قَالَ تَلْزَمُهُ؟

قَالَ: لَا أَحْفَظُ أَنَّهُ قَالَ تَلْزَمُهُ.

قُلْتُ: فَمَا رَأْيُكَ؟ قَالَ: أَرَى أَنَّهُ قَدْ أَسَاءَ فِيمَا صَنَعَ حِينَ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ بَعْدَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مَنْ حَجِّهِ، وَلَا أَرَى الْعُمْرَةَ تَلْزَمُهُ وَهُوَ رَأْيِي وَقَدْ بَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: وَيَكُونُ عَلَيْهِ الْعُمْرَةُ مَكَانَ هَذِهِ الَّتِي أَحْرَمَ بِهَا فِي أَيَّامِ الْحَجِّ بَعْدَ فَرَاغِهِ بِهَذِهِ الَّتِي زَعَمْتَ أَنَّهَا لَا تَلْزَمُهُ؟

قَالَ: لَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا.


قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ مَنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَضَافَ الْحَجَّ إلَى الْعُمْرَةِ أَيَلْزَمُهُ الْحَجَّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

قَالَ: نَعَمْ وَالسُّنَّةُ إذَا فَعَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ الْحَجُّ.


قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَمَا قَوْلُ مَالِكٍ إنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فَطَافَ لَهَا ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ؟ قَالَ: تَلْزَمُهُ الْحَجَّةُ وَيَصِيرُ قَارِنًا وَعَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ،


قُلْتُ أَرَأَيْتَ إنْ أَضَافَ الْحَجَّ إلَى الْعُمْرَةِ بَعْدَمَا سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِعُمْرَتِهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَلْزَمُهُ الْحَجُّ وَيَصِيرُ غَيْرَ قَارِنٍ، وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ وَيَكُونُ عَلَيْهِ دَمٌ لِمَا
أَخَّرَ مِنْ حِلَاقِ رَأْسِهِ فِي عُمْرَتِهِ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ دَمٌ لِمُتْعَتِهِ إنْ كَانَ حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَإِنْ كَانَ إحْلَالُهُ مِنْ عُمْرَتِهِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَمٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَمَتِّعٍ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَالَ مَالِكٌ: فَمَنْ تَمَتَّعَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ قَرَنَ فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَقْرِنُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ أَحَدٌ مِنْ دَاخِلِ الْحَرَمِ، قَالَ: وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: لَا يُحْرِمُ أَحَدٌ بِالْعُمْرَةِ مِنْ دَاخِلِ الْحَرَمِ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْقِرَانُ عِنْدِي مِثْلُهُ، لِأَنَّهُ يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ مِنْ دَاخِلِ الْحَرَمِ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: إحْرَامُ أَهْلِ مَكَّةَ بِالْحَجِّ وَمَنْ دَخَلَ بِعُمْرَةٍ مِنْ دَاخِلِ الْحَرَمِ.


قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ دَخَلَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ وَعَلَيْهِ نَفْسٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَخْرُجَ إلَى مِيقَاتِهِ فَيُحْرِمُ مِنْهُ بِالْحَجِّ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، قَالَ: وَلَوْ أَنَّهُ أَقَامَ حَتَّى يُحْرِمَ مِنْ مَكَّةَ كَانَ ذَلِكَ لَهُ.


قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ مَكِّيًّا أَتَى الْمِيقَاتَ أَوْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ إلَى مِصْرَ أَوْ إلَى الْمَدِينَةِ فِي تِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَأَقَامَ بِمِصْرَ أَوْ بِالْمَدِينَةِ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَّخِذَ الْمَدِينَةَ أَوْ مِصْرَ وَطَنًا يَسْكُنُهَا، فَرَجَعَ إلَى مَكَّةَ وَهِيَ وَطَنُهُ فَقَرَنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ قِرَانُهُ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ.


قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ وَرَاءِ الْمِيقَاتِ إلَى مَكَّةَ مِثْلَ أَهْلِ قُدَيْدٍ وَعُسْفَانَ وَمَرِّ الظَّهْرَانِ، أَهُمْ عِنْدَ مَالِكٍ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَكَّةَ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِمْ - إنْ قَرَنُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ - دَمُ الْقِرَانِ؟

قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ قَرَنُوا فَعَلَيْهِمْ دَمُ الْقِرَانِ، وَلَا يَكُونُوا بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَكَّةَ إنْ قَرَنُوا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَعَلَيْهِمْ دَمُ الْقِرَانِ.

قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَاَلَّذِينَ لَا دَمَ عَلَيْهِمْ إنْ قَرَنُوا أَوْ تَمَتَّعُوا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إنَّمَا هُمْ أَهْلُ مَكَّةَ وَذِي طَوًى لَا غَيْرُهُمْ، قَالَ: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ مِنًى الَّذِينَ يَسْكُنُونَ مِنًى أَوْ غَيْرَهُمْ مِنْ سُكَّانِ الْحَرَمِ قَرَنُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مِنْ مَوْضِعٍ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَقْرِنُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مِنْهُ، أَوْ دَخَلُوا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ أَقَامُوا بِمَكَّةَ حَتَّى حَجُّوا كَانُوا مُتَمَتِّعِينَ وَلَيْسُوا كَأَهْلِ مَكَّةَ وَأَهْلِ ذِي طَوًى فِي هَذَا.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَمَا

(1/401)

قَوْلُ مَالِكٍ مِنْ أَيْنَ يُهِلُّ أَهْلُ قُدَيْدٍ وَعُسْفَانَ وَمَرِّ الظَّهْرَانِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مِنْ مَنَازِلِهِمْ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: مِيقَاتُ كُلِّ مَنْ كَانَ دُونَ الْمِيقَاتِ إلَى مَكَّةَ مِنْ مَنْزِلِهِ.


قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مِمَّنْ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ جَاهِلًا وَلَمْ يُحْرِمْ مِنْهُ فَلْيَرْجِعْ إلَى الْمِيقَاتِ إنْ كَانَ لَا يَخَافُ فَوَاتَ الْحَجِّ فَلْيُحْرِمْ مِنْ الْمِيقَاتِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ، فَإِنْ خَافَ فَوَاتَ الْحَجِّ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ وَعَلَيْهِ لِمَا تَرَكَ مِنْ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ دَمٌ، قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْرَمَ حِينَ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ وَتَرَكَ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ فَلْيَمْضِ وَلَا يَرْجِعُ، مُرَاهِقًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُرَاهِقٍ وَلْيُهْرِقْ دَمًا، قَالَ: وَلَيْسَ لِمَنْ تَعَدَّى الْمِيقَاتَ فَأَحْرَمَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْمِيقَاتِ فَيُنْقَضُ إحْرَامُهُ.

قُلْتُ: فَأَهْلُ الْقُرَى الَّذِينَ بَيْنَ مَكَّةَ وَذِي الْحُلَيْفَةِ عِنْدَ مَالِكٍ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْآفَاقِ؟ قَالَ: لَا أَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ وَلَكِنَّهُمْ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْآفَاقِ لِأَنَّ مَوَاقِيتَهُمْ مِنْ مَنَازِلِهِمْ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ إلَى مَكَّةَ فَأَحْرَمَ بَعْدَمَا تَعَدَّى الْمِيقَاتَ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمِ، أَيُجْزِئُهُ مَكَانُ هَذَا الدَّمِ طَعَامٌ أَوْ صِيَامٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

قَالَ: لَا يُجْزِئُهُ الطَّعَامُ وَيُجْزِئُهُ الصِّيَامُ إنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا يَكُونُ الصِّيَامُ أَوْ الطَّعَامُ مَكَانَ الْهَدْيِ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى أَوْ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَأَمَّا فِي دَمِ الْمُتْعَةِ إذَا لَمْ يَجِدْ فَصِيَامٌ وَلَا يَكُونُ مَوْضِعَ دَمِ الْمُتْعَةِ طَعَامٌ.

قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ هَدْيٍ وَجَبَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَجْلِ عَجْزٍ عَنْ الْمَشْيِ أَوْ وَطِئَ أَهْلَهُ أَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ أَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ لِشَيْءٍ تَرَكَهُ مِنْ الْحَجِّ، يَجْبُرُ بِذَلِكَ الدَّمُ مَا تَرَكَ مِنْ حَجِّهِ فَإِنَّهُ يَهْدِي، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا صَامَ، وَلَا يَرَى الطَّعَامَ مَوْضِعَ هَذَا الْهَدْيِ وَلَكِنْ يَرَى مَكَانَهُ الصِّيَامَ.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَكَمْ يَصُومُ مَكَانَ هَذَا الْهَدْيِ؟ قَالَ: يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَسَبْعَةً تُحْمَلُ مَحْمَلَ هَدْيِ الْمُتَمَتِّعِ، وَإِنَّمَا يَجْعَلُ لَهُ مَالِكٌ فِي هَذَا كُلِّهِ أَنْ يَصُومَ مَكَانَ هَذَا الْهَدْيِ إذْ هُوَ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ.


قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ مَنْ كَانَ وَرَاءَ الْمِيقَاتِ إلَى مَكَّةَ فَتَعَدَّى وَهُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ فَأَحْرَمَ بَعْدَمَا جَاوَزَ مَنْزِلَهُ إلَى مَكَّةَ وَتَعَدَّاهُ أَتَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الدَّمُ، قَالَ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي فِي مِيقَاتِ أَهْلِ عُسْفَانَ وَقَدِيدٍ وَتِلْكَ الْمَنَاهِلِ: إنَّهَا مِنْ مَنَازِلِهِمْ، فَلَمَّا جَعَلَ مَالِكٌ مَنَازِلَهُمْ لَهُمْ مِيقَاتًا رَأَيْتُ إنْ هُمْ تَعَدَّوْا مَنَازِلَهُمْ فَقَدْ تَعَدَّوْا مِيقَاتَهُمْ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا تَقَدَّمُوا لِحَاجَةٍ وَهُمْ لَا يُرِيدُونَ الْحَجَّ فَبَدَا لَهُمْ أَنْ يَحُجُّوا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُحْرِمُوا مِنْ مَوْضِعِهِمْ الَّذِي بَلَغُوهُ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ جَازُوا مَنَازِلَهُمْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ.

قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مِصْرَ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِعُسْفَانَ فَبَلَغَ عُسْفَانَ وَهُوَ لَا يُرِيدُ الْحَجَّ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَحُجَّ مِنْ عُسْفَانَ فَلْيَحُجَّ مِنْ عُسْفَانَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِمَا تَرَكَ مِنْ الْمِيقَاتِ، لِأَنَّهُ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ وَهُوَ لَا يُرِيدُ الْحَجَّ ثُمَّ بَدَا لَهُ بَعْدَمَا جَاوَزَ أَنْ يَحُجَّ، فَلْيَحُجَّ وَلْيَعْتَمِرْ مِنْ حَيْثُ بَدَا لَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ.


قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي مَكِّيٍّ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ بِالْحَجِّ فَحُصِرَ بِمَرَضٍ، أَوْ رَجُلٌ دَخَلَ

(1/402)

مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فَفَرَغَ مَنْ عُمْرَتِهِ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ فَحُصِرَ فَبَقِيَا مَحْصُورَيْنِ حَتَّى فَرَغَ النَّاسُ مِنْ حَجِّهِمْ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَخْرُجَانِ إلَى الْحِلِّ فَيُلَبِّيَانِ مِنْ الْحِلِّ، وَيَفْعَلَانِ مَا يَفْعَلُ الْمُعْتَمِرُ وَيُحِلَّانِ وَعَلَيْهِمَا الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ وَالْهَدْيُ مَعَ حَجِّهِمَا قَابِلًا.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قُلْتُ لَكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا فَاتَهُ الْحَجُّ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ أَيْنَ يَجْعَلُ هَذَا الْهَدْيَ؟ قَالَ: فِي حَجِّهِ مِنْ قَابِلٍ الَّذِي يَكُونُ قَضَاءً لِهَذَا الْحَجِّ الْفَائِتِ.

قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُقَدِّمَ هَذَا الدَّمَ قَبْلَ حَجٍّ قَابِلٍ خَوْفًا مِنْ الْمَوْتِ؟

قَالَ: يَجْعَلُهُ فِي حَجٍّ قَابِلٍ.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَلَيْسَ إنَّمَا يُهْرِيقُهُ فِي حَجٍّ قَابِلٍ فِي قَوْلِ مَالِكٍ بِمِنًى؟

قَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ: فَإِنْ فَاتَهُ أَنْ يَنْحَرَهُ بِمِنًى اشْتَرَاهُ فَسَاقَهُ إلَى الْحِلِّ ثُمَّ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ فِي الْحِلِّ إنْ كَانَ مِمَّا يُقَلِّدُ وَيُشْعِرُ، ثُمَّ أَدْخُلهُ مَكَّةَ فَنَحْرَهُ بِهَا أَيُجْزِئُ عَنْهُ؟

قَالَ: نَعَمْ.


قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَفَاتَهُ الْحَجُّ فَأَقْبَلَ مِنْ السَّنَةِ الْمُقْبِلَةِ حَاجًّا يُرِيدُ قَضَاءَ الْحَجِّ الْفَائِتِ، أَلَهُ أَنْ يَقْرِنَ وَيُضِيفَ إلَى هَذِهِ الْحَجَّةِ - الَّتِي هِيَ قَضَاءٌ لِحَجَّتِهِ - عُمْرَةً؟ قَالَ: لَا وَلَكِنْ يُفْرِدُ كَمَا كَانَ حَجُّهُ الَّذِي أَفْسَدَهُ مُفْرِدًا.


قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ كَانَ قَارِنًا فَأَفْسَدَ حَجَّهُ أَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ، مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ إنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ الْقَضَاءَ فَيَقْضِيَ الْعُمْرَةَ وَحْدَهَا وَيَقْضِيَ الْحَجَّةَ وَحْدَهَا وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا؟

قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَقْضِيهِمَا جَمِيعًا قَارِنًا كَمَا أَفْسَدَهُمَا قَارِنًا، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا.


قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ فِي مَكِّيٍّ أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ مِنْ الْحَرَمِ ثُمَّ أُحْصِرَ، أَنَّهُ يَخْرُجُ إلَى الْحِلِّ فَيُلَبِّي مِنْ هُنَاكَ لِأَنَّهُ أَمَرَ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَقَدْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ، أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ فَيَعْمَلَ فِيمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مَا يَعْمَلُ الْمُعْتَمِرُ وَيُحِلُّ.


قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَأَرَادَ الْحَجَّ مِنْ عَامِهِ أَلَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ بَعْدَ عُمْرَتِهِ تِلْكَ عُمْرَةً أُخْرَى قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَعْتَمِرُ بَعْدَ عُمْرَتِهِ حَتَّى يَحُجَّ. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ مَنْ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، لِمَ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ بَعْدَ عُمْرَتِهِ؟ قَالَ: لِأَنَّ مَالِكًا كَانَ يَقُولُ: الْعُمْرَةُ فِي السَّنَةِ إنَّمَا هِيَ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ.

قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَوْ اعْتَمَرَ لَلَزِمَتْهُ.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: تَلْزَمُهُ إنْ اعْتَمَرَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ عُمْرَةٌ أُخْرَى إنْ كَانَ دَخَلَ بِالْأُولَى فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ؟

قَالَ: نَعَمْ.


قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ مَكِّيًّا أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مِنْ مَكَّةَ ثُمَّ أَضَافَ إلَيْهَا حَجَّةً؟ قَالَ: يَلْزَمُهُ جَمِيعًا وَيَخْرُجُ إلَى الْحِلِّ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْحَرَمَ لَيْسَ بِمِيقَاتٍ لِلْمُعْتَمِرِينَ.

قُلْتُ: وَيَصِيرُ قَارِنًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

قَالَ: نَعَمْ وَلَكِنَّهُ مَكِّيٌّ فَلَيْسَ عَلَى الْمَكِّيِّ دَمُ الْقِرَانِ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ مَكَّةَ لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ يَدْخُلُ مِنْهُ مُهِلًّا عَلَى إحْرَامِهِ ذَلِكَ لَا يَفْسَخُهُ وَلَا يُجَدِّدُهُ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بِمَكَّةَ حَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَحَنِثَ وَهُوَ بِمَكَّةَ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ غَيْرِ أَهْلِهَا، فَعَلَيْهِ أَنْ

(1/403)

يَخْرُجَ مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ وَيَدْخُلَ مُهِلًّا إمَّا بِحَجٍّ أَوْ بِعُمْرَةٍ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ هُوَ أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ بَعْدَمَا سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِعُمْرَتِهِ وَقَدْ كَانَ خَرَجَ إلَى الْحِلِّ فَلَيْسَ بِقَارِنٍ، وَعَلَيْهِ دَمٌ لِمَا أَخَّرَ مِنْ حِلَاقِ رَأْسِهِ فِي الْعُمْرَةِ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ قَضَى عُمْرَتَهُ حِينَ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ عَلَيْهِ إلَّا الْحِلَاقُ، فَلَمَّا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَحْلِقَ فَأَخَّرَ ذَلِكَ فَصَارَ عَلَيْهِ لِتَأْخِيرِ الْحِلَاقِ دَمٌ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ: هَذَا الْآخَرُ، فِي الْمَكِّيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ تَمَتَّعَ الَّذِي يُحْرِمُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَنْ يُقَصِّرَ بَعْدَمَا سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ لِعُمْرَتِهِ يَقُولُ عَلَيْهِ الدَّمُ لِتَأْخِيرِ الْحِلَاقِ.


قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: هَذَا قَدْ عَرَفْنَا قَوْلَ مَالِكٍ فِيمَنْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، فَمَا قَوْلُهُ فِيمَنْ أَدْخَلَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ، وَلَا تَلْزَمُهُ الْعُمْرَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِيمَا سَمِعْتُ عَنْهُ وَهُوَ رَأْيِي.


 


ملف doc

كلمات دليلية: