كيفية صلاة الاستسقاء ووقتها على المذهب الشافعي - كتاب الأم

كيفية صلاة الاستسقاء ووقتها على المذهب الشافعي - كتاب الأم
718

اسم الكتاب:
الأم



[كِتَابُ الِاسْتِسْقَاءِ]
ِ مَتَى يَسْتَسْقِي الْإِمَامُ، وَهَلْ يَسْأَلُ الْإِمَامُ رَفْعَ الْمَطَرِ إذَا خَافَ ضَرَرَهُ؟ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

(1/281)

فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتْ الْمَوَاشِي، وَتَقَطَّعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمُطِرْنَا مِنْ جُمُعَةٍ إلَى جُمُعَةٍ قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَتْ الْبُيُوتُ وَتَقَطَّعَتْ السَّبِيلُ، وَهَلَكَتْ الْمَوَاشِي فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: اللَّهُمَّ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ وَالْآكَامِ، وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ فَانْجَابَتْ عَنْ الْمَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا كَانَ جَدْبٌ أَوْ قِلَّةُ مَاءٍ فِي نَهْرٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ بِئْرٍ فِي حَاضِرٍ أَوْ بَادٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَمْ أُحِبَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلَ الِاسْتِسْقَاءِ، وَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَلَا قَضَاءٌ، وَقَدْ أَسَاءَ فِي تَخَلُّفِهِ عَنْهُ، وَتَرَكَ سُنَّةً فِيهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً، وَمَوْضِعَ فَضْلٍ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ لَا يَكُونُ وَاجِبًا عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلَ الِاسْتِسْقَاءِ مِنْ صَلَاةٍ وَخُطْبَةٍ؟ قِيلَ لَا فَرْضَ مِنْ الصَّلَاةِ إلَّا خَمْسَ صَلَوَاتٍ، وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَدْبًا كَانَ وَلَمْ يَعْمَلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَوَّلِهِ عَمَلَ الِاسْتِسْقَاءِ، وَقَدْ عَمِلَهُ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنْهُ فَاسْتَسْقَى، وَبِذَلِكَ قُلْت: لَا يَدَعُ الْإِمَامُ الِاسْتِسْقَاءَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ الْإِمَامُ لَمْ أَرَ لِلنَّاسِ تَرْكَ الِاسْتِسْقَاءِ لِأَنَّ الْمَوَاشِيَ لَا تَهْلِكُ إلَّا وَقَدْ تَقَدَّمَهَا جَدْبٌ دَائِمٌ، وَأَمَّا الدُّعَاءُ بِالِاسْتِسْقَاءِ فَمَا لَا أُحِبُّ تَرْكَهُ إذَا كَانَ الْجَدْبُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ صَلَاةٌ وَلَا خُطْبَةٌ، وَإِنْ اسْتَسْقَى فَلَمْ تُمْطَرْ النَّاسُ أَحْبَبْت أَنْ يَعُودَ ثُمَّ يَعُودَ حَتَّى يُمْطَرُوا، وَلَيْسَ اسْتِحْبَابِي لِعَوْدَتِهِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْأُولَى، وَلَا الثَّالِثَةِ بَعْدَ الثَّانِيَةِ كَاسْتِحْبَابِي لِلْأُولَى، وَإِنَّمَا أَجَزْت لَهُ الْعَوْدَ بَعْدَ الْأُولَى أَنَّ الصَّلَاةَ وَالْجَمَاعَةَ فِي الْأُولَى فَرْضٌ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اسْتَسْقَى سُقِيَ أَوَّلًا فَإِذَا سُقُوا أَوَّلًا لَمْ يُعِدْ الْإِمَامُ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُوَيْمِرٌ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: «أَصَابَ النَّاسَ سَنَةٌ شَدِيدَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَرَّ بِهِمْ يَهُودِيٌّ فَقَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ لَوْ شَاءَ صَاحِبُكُمْ لَمُطِرْتُمْ مَا شِئْتُمْ، وَلَكِنَّهُ لَا يُحِبُّ ذَلِكَ فَأَخْبَرَ النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِ الْيَهُودِيِّ قَالَ: أَوَقَدْ قَالَ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ قَالَ إنِّي لَأَسْتَنْصِرُ بِالسُّنَّةِ عَلَى أَهْلِ نَجْدٍ، وَإِنِّي لَأَرَى السَّحَابَةَ خَارِجَةً مِنْ الْعَيْنِ فَأَكْرَهُهَا مَوْعِدُكُمْ يَوْمَ كَذَا أَسْتَسْقِي لَكُمْ» فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ غَدَا النَّاسُ فَمَا تَفَرَّقَ النَّاسُ حَتَّى مُطِرُوا مَا شَاءُوا فَمَا أَقْلَعَتْ السَّمَاءُ جُمُعَةً، وَإِذَا خَافَ النَّاسُ غَرَقًا مِنْ سَيْلٍ أَوْ نَهْرٍ دَعَوْا اللَّهَ بِكَفِّ الضَّرَرِ عَنْهُمْ كَمَا دَعَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَفِّ الضَّرَرِ عَنْ الْبُيُوتِ أَنْ تَهَدَّمَتْ، وَكَذَلِكَ يَدْعُو بِكَفِّ الضَّرَرِ مِنْ الْمَطَرِ عَنْ الْمَنَازِلِ، وَأَنْ يُجْعَلَ حَيْثُ يَنْفَعُ، وَلَا يَضُرُّ الْبُيُوتَ مِنْ الشَّجَرِ وَالْجِبَالِ وَالصَّحَارِيِ إذَا دَعَا بِكَفِّ الضَّرَرِ، وَلَمْ آمُرْ بِصَلَاةِ جَمَاعَةٍ، وَأَمَرْت الْإِمَامَ، وَالْعَامَّةَ يَدْعُونَ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، وَبَعْدَ الصَّلَوَاتِ، وَيَدْعُو فِي كُلِّ نَازِلَةٍ نَزَلَتْ بِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا كَانَتْ نَاحِيَةٌ مُخْصِبَةٌ، وَأُخْرَى مُجْدِبَةٌ فَحَسَنٌ أَنْ يَسْتَسْقِيَ إمَامُ النَّاحِيَةِ الْمُخْصِبَةِ لِأَهْلِ النَّاحِيَةِ الْمُجْدِبَةِ وَلِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَسْأَلُ اللَّهَ الزِّيَادَةَ لِمَنْ أَخْصَبَ مَعَ اسْتِسْقَائِهِ لِمَنْ أَجْدَبَ فَإِنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ وَاسِعٌ، وَلَا أَحُضُّهُ عَلَى الِاسْتِسْقَاءِ لِمَنْ لَيْسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ كَمَا أَحُضُّهُ عَلَى الِاسْتِسْقَاءِ لِمَنْ هُوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ مِمَّنْ قَارَبَهُ، وَيَكْتُبُ إلَى الَّذِي يَقُومُ بِأَمْرِ الْمُجْدِبِينَ أَنْ يَسْتَسْقِيَ لَهُمْ أَوْ أَقْرَبُ الْأَئِمَّةِ بِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَحْبَبْت أَنْ يَسْتَسْقِيَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَانِيهِمْ.

مَنْ يَسْتَسْقِي بِصَلَاةٍ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَكُلُّ إمَامٍ صَلَّى الْجُمُعَةَ، وَصَلَّى الْعِيدَيْنِ اسْتَسْقَى، وَصَلَّى الْخُسُوفَ، وَلَا

(1/282)

يُصَلِّي الْجُمُعَةَ إلَّا حَيْثُ تَجِبُ لِأَنَّهَا ظُهْرٌ فَإِذَا صُلِّيَتْ جُمُعَةٌ قُصِرَتْ مِنْهَا رَكْعَتَانِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَسْقِيَ وَأَسْتَحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ الْعِيدَيْنِ وَالْخُسُوفَ حَيْثُ لَا يُجْمَعُ مِنْ بَادِيَةٍ وَقَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ، وَيَفْعَلُهُ مُسَافِرُونَ فِي الْبَدْوِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِإِحَالَةِ شَيْءٍ مِنْ فَرْضٍ وَهِيَ سُنَّةٌ وَنَافِلَةُ خَيْرٍ، وَلَا أُحِبُّ تَرْكَهُ بِحَالٍ، وَإِنْ كَانَ أَمْرِي بِهِ، وَاسْتِحْبَابُهُ حَيْثُ لَا يُجْمَعُ لَيْسَ هُوَ كَاسْتِحْبَابِهِ حَيْثُ يُجْمَعُ، وَلَيْسَ كَأَمْرِي بِهِ مَنْ يَجْمَعُ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَالنَّاسِ، وَإِنَّمَا أَمَرْت بِهِ كَمَا وَصَفْت لِأَنَّهَا سُنَّةٌ، وَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ أَحَدٌ يَلْزَمُ أَمْرُهُ، وَإِذَا اسْتَسْقَى الْجَمَاعَةُ بِالْبَادِيَةِ فَعَلُوا مَا يَفْعَلُونَهُ فِي الْأَمْصَارِ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ خُطْبَةٍ، وَإِذَا خَلَتْ الْأَمْصَارُ مِنْ الْوُلَاةِ قَدَّمُوا أَحَدَهُمْ لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ، وَالْخُسُوفِ، وَالِاسْتِسْقَاءِ كَمَا قَدْ «قَدَّمَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ لِلصَّلَاةِ مَكْتُوبَةً، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصْلِحُ بَيْنَ بَنِي عُمَرَ بْنِ عَوْفٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ غَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّاسَ بِمَا صَنَعُوا مِنْ تَقْدِيمِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ» فَإِذَا أَجَازَ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَكْتُوبَةِ غَيْرِ الْجُمُعَةِ كَانَتْ الْجُمُعَةُ مَكْتُوبَةً، وَكَانَ هَذَا فِي غَيْرِ الْمَكْتُوبَةِ مِمَّا ذَكَرْت أَجَوْزَ.

[الِاسْتِسْقَاءُ بِغَيْرِ الصَّلَاةِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَيَسْتَسْقِي الْإِمَامُ بِغَيْرِ صَلَاةٍ مِثْلُ أَنْ يَسْتَسْقِيَ بِصَلَاةٍ وَبَعْدَ خُطْبَتِهِ وَصَلَاتِهِ، وَخَلْفَ صَلَاتِهِ، وَقَدْ رَأَيْت مَنْ يُقِيمُ مُؤَذِّنًا فَيَأْمُرُهُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ أَنْ يَسْتَسْقِيَ، وَيَحُضَّ النَّاسَ عَلَى الدُّعَاءِ فَمَا كَرِهْت مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ.


[الْأَذَانُ لِغَيْرِ الْمَكْتُوبَةِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) :، وَلَا أَذَانَ، وَلَا إقَامَةَ إلَّا لِلْمَكْتُوبَةِ، فَأَمَّا الْخُسُوفُ، وَالْعِيدَانِ وَالِاسْتِسْقَاءُ، وَجَمِيعُ صَلَاةِ النَّافِلَةِ فَبِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ.


[كَيْفَ يَبْتَدِئُ الِاسْتِسْقَاءُ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَبَلَغَنَا عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَسْقِيَ أَمَرَ النَّاسَ فَصَامُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ، وَتَقَرَّبُوا إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ خَيْرٍ ثُمَّ خَرَجَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ فَاسْتَسْقَى بِهِمْ، وَأَنَا أُحِبُّ ذَلِكَ لَهُمْ، وَآمُرُهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ صُيَّامًا مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوجِبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَلَا عَلَى إمَامِهِمْ، وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِالْخُرُوجِ، وَيَخْرُجَ قَبْلَ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ فِي الصَّوْمِ، وَأَوْلَى مَا يَتَقَرَّبُونَ إلَى اللَّهِ أَدَاءُ مَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ مَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ أَوْ مَالٍ أَوْ عِوَضٍ ثُمَّ صُلْحِ الْمَشَاجِرِ، وَالْمُهَاجِرِ ثُمَّ يَتَطَوَّعُونَ بِصَدَقَةٍ، وَصَلَاةٍ، وَذِكْرٍ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْبِرِّ، وَأُحِبُّ كُلَّمَا أَرَادَ الْإِمَامُ الْعَوْدَةَ إلَى الِاسْتِسْقَاءِ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ أَنْ يَصُومُوا قَبْلَ عَوْدَتِهِ إلَيْهِ ثَلَاثًا

(1/283)

[الْهَيْئَةُ لِلِاسْتِسْقَاءِ]
ِ لِلْعِيدَيْنِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجُمُعَةِ، وَالْعِيدَيْنِ بِأَحْسَنِ هَيْئَةٍ» ، وَرُوِيَ أَنَّهُ «خَرَجَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ مُتَوَاضِعًا» وَأَحْسَبُ الَّذِي رَوَاهُ قَالَ مُتَبَذِّلًا فَأُحِبُّ فِي الْعِيدَيْنِ أَنْ يَخْرُجَ بِأَحْسَنَ مَا يَجِدُ مِنْ الثِّيَابِ وَأَطْيَبِ الطِّيبِ، وَيَخْرُجُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ مُتَنَظِّفًا بِالْمَاءِ، وَمَا يَقْطَعُ تَغَيُّرَ الرَّائِحَةِ مِنْ سِوَاكٍ وَغَيْرِهِ، وَفِي ثِيَابِ تَوَاضُعٍ، وَيَكُونُ مَشْيُهُ وَجُلُوسُهُ وَكَلَامُهُ كَلَامَ تَوَاضُعٍ وَاسْتِكَانَةٍ، وَمَا أَحْبَبْت لِلْإِمَامِ فِي الْحَالَاتِ مَنْ هَذَا أَحْبَبْته لِلنَّاسِ كَافَّةً وَمَا لَبِسَ النَّاسُ، وَالْإِمَامُ مِمَّا يَحِلُّ لَهُمْ الصَّلَاةُ فِيهِ أَجْزَأَهُ وَإِيَّاهُمْ.


[خُرُوجُ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَأُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ الصِّبْيَانُ وَيَتَنَظَّفُوا لِلِاسْتِسْقَاءِ، وَكِبَارُ النِّسَاءِ، وَمَنْ لَا هَيْئَةَ لَهُ مِنْهُنَّ، وَلَا أُحِبُّ خُرُوجَ ذَوَاتِ الْهَيْئَةِ وَلَا آمُرُ بِإِخْرَاجِ الْبَهَائِمِ، وَأَكْرَهُ إخْرَاجَ مَنْ خَالَفَ الْإِسْلَامَ لِلِاسْتِسْقَاءِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَوْضِعِ مُسْتَسْقَى الْمُسْلِمِينَ، وَغَيْرِهِ، وَآمُرُ بِمَنْعِهِمْ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ خَرَجُوا مُتَمَيِّزِينَ عَلَى حِدَةٍ لَمْ نَمْنَعْهُمْ ذَلِكَ، وَنِسَاؤُهُمْ فِيمَا أَكْرَهُ مِنْ هَذَا كَرِجَالِهِمْ، وَلَوْ تَمَيَّزَ نِسَاؤُهُمْ، لَمْ أَكْرَهْ مِنْ مَخْرَجِهِمْ مَا أَكْرَهُ مِنْ مَخْرَجِ بَالِغِيهِمْ، وَلَوْ تَرَكَ سَادَاتُ الْعَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ الْعَبِيدَ يَخْرُجُونَ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَلَيْسَ يَلْزَمُهُمْ تَرْكُهُمْ، وَالْإِمَاءُ مِثْلُ الْحَرَائِرِ، وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ تَرَكَ عَجَائِزَهُنَّ، وَمَنْ لَا هَيْئَةَ لَهُ مِنْهُنَّ يَخْرُجُ، وَلَا أُحِبُّ ذَلِكَ فِي ذَوَاتِ الْهَيْئَةِ مِنْهُنَّ، وَلَا يَجِبُ عَلَى سَادَاتِهِنَّ تَرْكُهُنَّ يَخْرُجْنَ.


[الْمَطَرُ قَبْلَ الِاسْتِسْقَاءِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا تَهَيَّأَ الْإِمَامُ لِلْخُرُوجِ فَمُطِرَ النَّاسُ مَطَرًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، أَحْبَبْت أَنْ يَمْضِيَ، وَالنَّاسُ عَلَى الْخُرُوجِ فَيَشْكُرُوا اللَّهَ عَلَى سُقْيَاهُ، وَيَسْأَلُوا اللَّهَ زِيَادَتَهُ، وَعُمُومَ خَلْقِهِ بِالْغَيْثِ، وَأَنْ لَا يَتَخَلَّفُوا فَإِنْ فَعَلُوا فَلَا كَفَّارَةَ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ كَانُوا يُمْطَرُونَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُ الْخُرُوجَ بِهِمْ فِيهِ اسْتَسْقَى بِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ أَخَّرَ ذَلِكَ إلَى أَنْ يُقْلِعَ الْمَطَرُ، وَلَوْ نَذَرَ الْإِمَامُ أَنْ يَسْتَسْقِيَ ثُمَّ سَقَى النَّاسُ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ فَيُوفِيَ نَذْرَهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ بِالنَّاسِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُمْ، وَلَا لَهُ أَنْ يُلْزِمَهُمْ أَنْ يَسْتَسْقُوا فِي غَيْرِ جَدْبٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَذَرَ رَجُلٌ أَنْ يَخْرُجَ يَسْتَسْقِي كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ لِلنَّذْرِ بِنَفْسِهِ فَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَخْرُجَ بِالنَّاسِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ بِالنَّاسِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُمْ، وَلَا نَذْرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ، وَأُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ بِمَنْ أَطَاعَهُ مِنْهُمْ مِنْ وَلَدِهِ وَغَيْرِهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِي نَذْرِهِ أَنْ يَخْطُبَ فَيَخْطُبَ، وَيَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى وَيَدْعُوَ جَالِسًا إنْ شَاءَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي قِيَامِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ وَالِيًا، وَلَا مَعَهُ جَمَاعَةٌ بِالذِّكْرِ طَاعَةٌ، وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى مِنْبَرٍ فَلْيَخْطُبْ جَالِسًا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى مِنْبَرٍ لِأَنَّهُ لَا طَاعَةَ فِي رُكُوبِهِ لِمِنْبَرٍ وَلَا بَعِيرٍ وَلَا بِنَاءٍ، إنَّمَا أُمِرَ بِهَذَا الْإِمَامُ لِيُسْمِعَ النَّاسَ فَإِنْ كَانَ إمَامًا، وَمَعَهُ نَاسٌ لَمْ يَفِ نَذْرَهُ إلَّا بِالْخُطْبَةِ قَائِمًا لِأَنَّ الطَّاعَةَ إذَا كَانَ مَعَهُ نَاسٌ فِيهَا أَنْ يَخْطُبَ قَائِمًا فَإِذَا فَعَلَ هَذَا كُلَّهُ فَوَقَفَ عَلَى مِنْبَرٍ أَوْ جِدَارٍ أَوْ قَائِمًا أَجْزَأَهُ مِنْ نَذْرِهِ، وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَخْرُجَ

(1/284)

فَلْيَسْتَسْقِ أَحْبَبْت لَهُ أَنْ يَسْتَسْقِيَ فِي الْمَسْجِدِ وَيُجْزِئُهُ لَوْ اسْتَسْقَى فِي بَيْتِهِ.

[أَيْنَ يُصَلِّي لِلِاسْتِسْقَاءِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَيُصَلِّي الْإِمَامُ حَيْثُ يُصَلِّي الْعِيدَ فِي أَوْسَعِ مَا يَجِدُ عَلَى النَّاسِ، وَحَيْثُ اسْتَسْقَى أَجْزَأَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.


[الْوَقْتُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ الْإِمَامُ لِلِاسْتِسْقَاءِ وَمَا يَخْطُبُ عَلَيْهِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَيَخْرُجُ الْإِمَامُ لِلِاسْتِسْقَاءِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَصِلُ فِيهِ إلَى مَوْضِعِ مُصَلَّاهُ، وَقَدْ بَرَزَتْ الشَّمْسُ فَيَبْتَدِئُ فَيُصَلِّي فَإِذَا فَرَغَ خَطَبَ، وَيَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرٍ يُخْرِجُهُ إنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ خَطَبَ رَاكِبًا أَوْ عَلَى جِدَارٍ أَوْ شَيْءٍ يُرْفَعُ لَهُ أَوْ عَلَى الْأَرْضِ، كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ.


[كَيْفَ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ يَقُولُ سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ الْمَازِنِيَّ يَقُولُ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَيُصَلُّونَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَيُكَبِّرُونَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ سَبْعًا وَخَمْسًا» ، أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِثْلَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ كَبَّرَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ سَبْعًا وَخَمْسًا أَخْبَرَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْحُوَيْرِثِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كِنَانَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ التَّكْبِيرِ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ فَقَالَ مِثْلُ التَّكْبِيرِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ سَبْعٌ وَخَمْسٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ سَمِعْت عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ يُخْبِرُ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِي فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ» أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كِنَانَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَائِدَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَبَّرَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ سَبْعًا وَخَمْسًا وَكَبَّرَ فِي الْعِيدَيْنِ مِثْلَ ذَلِكَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَشَارَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ هِشَامٍ أَنْ يُكَبِّرَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ سَبْعًا، وَخَمْسًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ فَنَأْمُرُ الْإِمَامَ يُكَبِّرُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ سَبْعًا وَخَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ مِنْ السَّبْعِ، وَالْخَمْسِ وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لَا يُخَالِفُ صَلَاةَ الْعِيدِ بِشَيْءٍ، وَنَأْمُرُهُ أَنْ يَقْرَأَ فِيهَا مَا يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ فَإِذَا خَافَتَ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ فَكَذَلِكَ، وَلَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ حَتَّى يَفْتَتِحَ الْقِرَاءَةَ فِي رَكْعَةٍ لَمْ يُكَبِّرْ بَعْدَ افْتِتَاحِهِ الْقِرَاءَةَ، وَكَذَلِكَ إنْ كَبَّرَ بَعْضَ التَّكْبِيرِ ثُمَّ افْتَتَحَ بِالْقِرَاءَةِ لَمْ يَقْضِ

(1/285)

التَّكْبِيرَ فِي تِلْكَ الرَّكْعَةِ، وَكَبَّرَ فِي الْأُخْرَى تَكْبِيرَهَا، وَلَمْ يَقْضِ مَا تَرَكَ مِنْ تَكْبِيرِ الْأُولَى فَإِنْ صَنَعَ فِي الْأُخْرَى كَذَلِكَ صَنَعَ هَكَذَا يُكَبِّرُ قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، وَلَا يُكَبِّرُ بَعْدَمَا يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي افْتَتَحَ فِيهَا الْقِرَاءَةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا هَذَا فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ لَا يَخْتَلِفُ، وَمَا قَرَأَ بِهِ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَجْزَأَتْهُ، وَإِنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَرَأَ فِي إحْدَاهُمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَلَمْ يَقْرَأْ فِي الْأُخْرَى بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَإِنَّمَا صَلَّى رَكْعَةً فَيُضِيفُ إلَيْهَا أُخْرَى، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَلَا يَعْتَدُّ هُوَ، وَلَا مَنْ خَلْفَهُ بِرَكْعَةٍ لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا، وَإِنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يَقْرَأْ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ أَعَادَهُمَا خَطَبَ أَمْ لَمْ يَخْطُبْ فَإِنْ لَمْ يُعِدْهُمَا حَتَّى يَنْصَرِفَ أَحْبَبْت لَهُ إعَادَتَهُمَا مِنْ الْغَدِ أَوْ يَوْمِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ النَّاسُ تَفَرَّقُوا، وَإِذَا أَعَادَهُمَا أَعَادَ الْخُطْبَةَ بَعْدَهُمَا، وَإِنْ كَانَ هَذَا فِي صَلَاةِ الْعِيدِ أَعَادَهُمَا مِنْ يَوْمِهِ مَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ فَإِذَا زَالَتْ لَمْ يُعِدْهُمَا لِأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي وَقْتٍ فَإِذَا مَضَى لَمْ تُصَلَّ، وَكُلُّ يَوْمٍ وَقْتٌ لِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَلِذَلِكَ يُعِيدُهُمَا فِي الِاسْتِسْقَاءِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَقَبْلَ الْعَصْرِ. .

[الطَّهَارَةُ لِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا يُصَلِّي حَاضِرٌ، وَلَا مُسَافِرٌ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ وَلَا عِيدٍ، وَلَا جِنَازَةٍ، وَلَا يَسْجُدُ لِلشُّكْرِ، وَلَا سُجُودِ الْقُرْآنِ، وَلَا يَمَسُّ مُصْحَفًا إلَّا طَاهِرًا الطَّهَارَةَ الَّتِي تَجْزِيهِ لِلصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ لِأَنَّ كُلًّا صَلَاةٌ، وَلَا يَحِلُّ مَسُّ مُصْحَفٍ إلَّا بِطَهَارَةٍ، وَسَوَاءٌ خَافَ فَوْتَ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ أَوْ لَمْ يَخَفْهُ يَكُونُ ذَلِكَ سَوَاءً فِي الْمَكْتُوبَاتِ. .


[الْخُطْبَةُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ]

كَيْفَ الْخُطْبَةُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ؟

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَيَخْطُبُ الْإِمَامُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ خُطْبَتَيْنِ كَمَا يَخْطُبُ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ يُكَبِّرُ اللَّهَ فِيهِمَا، وَيَحْمَدُهُ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُكْثِرُ فِيهِمَا الِاسْتِغْفَارَ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَ كَلَامِهِ، وَيَقُولَ كَثِيرًا {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا - يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [نوح: 10 - 11] .


[الدُّعَاءُ فِي خُطْبَةِ الِاسْتِسْقَاءِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَيَقُولُ
" اللَّهُمَّ إنَّك أَمَرْتَنَا بِدُعَائِك، وَوَعَدْتَنَا إجَابَتَك فَقَدْ دَعَوْنَاك كَمَا أَمَرْتَنَا فَأَجِبْنَا كَمَا وَعَدْتَنَا اللَّهُمَّ إنْ كُنْت أَوْجَبْت إجَابَتَك لِأَهْلِ طَاعَتِك، وَكُنَّا قَدْ قَارَفْنَا مَا خَالَفْنَا فِيهِ الَّذِينَ مَحَّضُوا طَاعَتَك فَامْنُنْ عَلَيْنَا بِمَغْفِرَةِ مَا قَارَفْنَا، وَإِجَابَتِنَا فِي سُقْيَانَا، وَسَعَةِ رِزْقِنَا "، وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ بَعْدُ لِلدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَكُونُ أَكْثَرُ دُعَائِهِ الِاسْتِغْفَارَ يَبْدَأُ بِهِ دُعَاءَهُ وَيَفْصِلُ بِهِ بَيْنَ كَلَامِهِ، وَيَخْتِمُ بِهِ، وَيَكُونُ أَكْثَرَ كَلَامِهِ حَتَّى يَنْقَطِعَ الْكَلَامُ، وَيَحُضُّ النَّاسَ عَلَى التَّوْبَةِ، وَالطَّاعَةِ، وَالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبَلَغَنَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا دَعَا فِي الِاسْتِسْقَاءِ رَفَعَ يَدَيْهِ» أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا اسْتَسْقَى قَالَ: اللَّهُمَّ أَمْطِرْنَا» ، أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ قَالَ حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ رَبَاحٍ عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

(1/286)

كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْمَطَرِ: اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ، وَلَا سُقْيَا عَذَابٍ، وَلَا بَلَاءٍ، وَلَا هَدْمٍ، وَلَا غَرَقٍ اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلَا عَلَيْنَا» ، (قَالَ) : وَرَوَى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا اسْتَسْقَى قَالَ اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا هَنِيئًا مَرِيئًا مَرِيعًا غَدَقًا مُجَلِّلًا عَامًّا طَبَقًا سَحًّا دَائِمًا اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنْ الْقَانِطِينَ اللَّهُمَّ إنَّ بِالْعِبَادِ وَالْبِلَادِ، وَالْبَهَائِمِ، وَالْخَلْقِ مِنْ اللَّأْوَاءِ، وَالْجَهْدِ وَالضَّنْكِ مَا لَا نَشْكُو إلَّا إلَيْك اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، وَأَنْبِتْ لَنَا مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجَهْدَ، وَالْجُوعَ، وَالْعُرْيَ، وَاكْشِفْ عَنَّا مِنْ الْبَلَاءِ مَا لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُك اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَغْفِرُك إنَّك كُنْت غَفَّارًا فَأَرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ أَنْ يَدْعُوَ الْإِمَامُ بِهَذَا، وَلَا وَقْتَ فِي الدُّعَاءِ، وَلَا يُجَاوِزُهُ، أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ اسْتَسْقَى عُمَرُ، وَكَانَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ الِاسْتِغْفَارَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ خَطَبَ خُطْبَةً وَاحِدَةً لَمْ يَجْلِسْ فِيهَا، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ، وَأُحِبُّ أَنْ يَجْلِسَ حِينَ يَرْقَى الْمِنْبَرَ أَوْ مَوْضِعَهُ الَّذِي يَخْطُبُ فِيهِ ثُمَّ يَخْطُبَ ثُمَّ يَجْلِسَ فَيَخْطُبَ.


[تَحْوِيلُ الْإِمَامِ الرِّدَاءَ فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء]

تَحْوِيلُ الْإِمَامِ الرِّدَاءَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَيَبْدَأُ فَيَخْطُبُ الْخُطْبَةَ الْأُولَى ثُمَّ يَجْلِسُ ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ بَعْضَ الْخُطْبَةِ الْآخِرَةِ فَيَسْتَقْبِلُ النَّاسَ فِي الْخُطْبَتَيْنِ ثُمَّ يُحَوِّلُ وَجْهَهُ إلَى الْقِبْلَةِ، وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ وَيُحَوِّلُ النَّاسُ أَرْدِيَتَهُمْ مَعَهُ فَيَدْعُو سِرًّا فِي نَفْسِهِ، وَيَدْعُو النَّاسُ مَعَهُ ثُمَّ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَيَحُضُّهُمْ، وَيَأْمُرُهُمْ بِخَيْرٍ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَيَقْرَأُ آيَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ الْقُرْآنِ، وَيَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ ثُمَّ يَنْزِلُ، وَإِنْ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ لِذَلِكَ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ، وَأُحِبُّ لِمَنْ حَضَرَ الِاسْتِسْقَاءَ اسْتِمَاعَ الْخُطْبَةِ وَالْإِنْصَاتَ، وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ وُجُوبَهُ فِي الْجُمُعَةِ.

كَيْفَ تَحْوِيلُ الْإِمَامِ رِدَاءَهُ فِي الْخُطْبَةِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ قَالَ «اسْتَسْقَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ لَهُ سَوْدَاءُ فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْفَلِهَا فَيَجْعَلَهُ أَعْلَاهَا فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ قَلَبَهَا عَلَى عَاتِقِهِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا أَقُولُ فَنَأْمُرُ الْإِمَامَ أَنْ يُنَكِّسَ رِدَاءَهُ فَيَجْعَلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ، وَيَزِيدَ مَعَ تَنْكِيسِهِ فَيَجْعَلَ شِقَّهُ الَّذِي عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ، وَاَلَّذِي عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ فَيَكُونُ قَدْ جَاءَ بِمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نَكْسِهِ، وَبِمَا فَعَلَ مِنْ تَحْوِيلِ الْأَيْمَنِ عَلَى الْأَيْسَرِ إذَا خَفَّ لَهُ رِدَاؤُهُ فَإِنْ ثَقُلَ فَعَلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ تَحْوِيلِ مَا عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ، وَمَا عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ، وَيَصْنَعُ النَّاسُ فِي ذَلِكَ مَا صَنَعَ الْإِمَامُ فَإِنْ تَرَكَهُ مِنْهُمْ تَارِكٌ أَوْ الْإِمَامُ أَوْ كُلُّهُمْ كَرِهْت تَرْكَهُ لِمَنْ تَرَكَهُ، وَلَا كَفَّارَةَ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَلَا يُحَوِّلُ رِدَاءَهُ إذَا انْصَرَفَ مِنْ مَكَانِهِ الَّذِي يَخْطُبُ فِيهِ، وَإِذَا حَوَّلُوا أَرْدِيَتَهُمْ أَقَرُّوهَا مُحَوَّلَةً كَمَا هِيَ حَتَّى يَنْزِعُوهَا مَتَى نَزَعُوهَا، وَإِنْ اقْتَصَرَ رَجُلٌ عَلَى تَحْوِيلِ رِدَائِهِ، وَلَمْ يَنْكُسْهُ أَجْزَأَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِسَعَةِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى نَكْسِهِ، وَلَمْ يُحَوِّلْ إلَّا نَكْسًا، رَجَوْت أَنْ يُجْزِيَهُ

(1/287)

[كَرَاهِيَةُ الِاسْتِمْطَارِ بِالْأَنْوَاءِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا عَنْ مَالِكٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصُّبْحَ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي إثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: قَالَ أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا، وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
" بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي " هُوَ عَرَبِيٌّ وَاسِعُ اللِّسَانِ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ هَذَا مَعَانِيَ، وَإِنَّمَا مُطِرَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قَوْمٍ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكُونَ لِأَنَّ هَذَا فِي غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَرَى مَعْنَى قَوْلِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ إيمَانٌ بِاَللَّهِ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُمْطِرُ وَلَا يُعْطِي إلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا، وَكَذَا عَلَى مَا كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الشِّرْكِ يَعْنُونَ مِنْ إضَافَةِ الْمَطَرِ إلَى أَنَّهُ أَمْطَرَهُ نَوْءُ كَذَا فَذَلِكَ كُفْرٌ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ النَّوْءَ وَقْتٌ، وَالْوَقْتُ مَخْلُوقٌ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ، وَلَا لِغَيْرِهِ شَيْئًا، وَلَا يُمْطِرُ، وَلَا يَصْنَعُ شَيْئًا فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا عَلَى مَعْنَى مُطِرْنَا بِوَقْتِ كَذَا فَإِنَّمَا ذَلِكَ كَقَوْلِهِ مُطِرْنَا فِي شَهْرِ كَذَا، وَلَا يَكُونُ هَذَا كُفْرًا، وَغَيْرُهُ مِنْ الْكَلَامِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أُحِبُّ أَنْ يَقُولَ مُطِرْنَا فِي وَقْتِ كَذَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: كَمْ بَقِيَ مِنْ نَوْءِ الثُّرَيَّا؟ فَقَامَ الْعَبَّاسُ فَقَالَ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا الْعَوَّاءُ فَدَعَا، وَدَعَا النَّاسُ حَتَّى نَزَلَ عَنْ الْمِنْبَرِ فَمُطِرَ مَطَرًا حَيِيَ النَّاسُ مِنْهُ، وَقَوْلُ عُمَرَ هَذَا يُبَيِّنُ مَا وَصَفْت لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ: كَمْ بَقِيَ مِنْ وَقْتِ الثرياء؟ لِيُعَرِّفَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدَّرَ الْأَمْطَارَ فِي أَوْقَاتٍ فِيمَا جَرَّبُوا كَمَا عَلِمُوا أَنَّهُ قَدَّرَ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ بِمَا جَرَّبُوا فِي أَوْقَاتٍ، وَبَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أَصْبَحَ، وَقَدْ مُطِرَ النَّاسُ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ الْفَتْحِ ثُمَّ قَرَأَ {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا} [فاطر: 2] ، وَبَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَوْجَفَ بِشَيْخٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ غَدَا مُتَّكِئًا عَلَى عُكَّازِهِ، وَقَدْ مُطِرَ النَّاسُ فَقَالَ: أَجَادَ مَا أَقْرَى الْمِجْدَحُ الْبَارِحَةَ، فَأَنْكَرَ عُمَرُ قَوْلَهُ " أَجَادَ مَا أَقْرَى الْمِجْدَحُ " لِإِضَافَةِ الْمَطَرِ إلَى الْمِجْدَحِ.

الْبُرُوزُ لِلْمَطَرِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَلَغَنَا «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَمَطَّرُ فِي أَوَّلِ مَطْرَةٍ حَتَّى يُصِيبَ جَسَدَهُ» ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ السَّمَاءَ أَمْطَرَتْ فَقَالَ لِغُلَامِهِ: أَخْرِجْ فِرَاشِي، وَرَحْلِي يُصِيبُهُ الْمَطَرُ فَقَالَ أَبُو الْجَوْزَاءِ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ تَفْعَلُ هَذَا يَرْحَمُك اللَّهُ؟ فَقَالَ أَمَّا تَقْرَأُ كِتَابَ اللَّهِ {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا} [ق: 9] فَأُحِبُّ أَنْ تُصِيبَ الْبَرَكَةُ فِرَاشِي وَرَحْلِي، أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ ابْنِ حَرْمَلَةَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ رَآهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَطَرَتْ السَّمَاءُ، وَهُوَ فِي السِّقَايَةِ فَخَرَجَ إلَى رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ كَشَفَ عَنْ ظَهْرِهِ لِلْمَطَرِ حَتَّى أَصَابَهُ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَجْلِسِهِ

(1/288)

[مَا يُقَالُ عِنْدَ السَّيْلُ]
السَّيْلُ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا سَالَ السَّيْلُ يَقُولُ اُخْرُجُوا بِنَا إلَى هَذَا الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ طَهُورًا فَنَتَطَهَّرُ مِنْهُ، وَنَحْمَدُ اللَّهَ عَلَيْهِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ إذَا سَالَ السَّيْلُ ذَهَبَ بِأَصْحَابِهِ إلَيْهِ، وَقَالَ مَا كَانَ لِيَجِيءَ مِنْ مَجِيئِهِ أَحَدٌ إلَّا تَمَسَّحْنَا بِهِ.


[طَلَبُ الْإِجَابَةِ فِي الدُّعَاءِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ مِنْ مَكْحُولٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «اُطْلُبُوا إجَابَةَ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْتِقَاءِ الْجُيُوشِ، وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَنُزُولِ الْغَيْثِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ حَفِظْت عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ طَلَبَ الْإِجَابَةِ عِنْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ، وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ.


[الْقَوْلُ فِي الْإِنْصَاتِ عِنْدَ رُؤْيَة السَّحَاب وَالرِّيحِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ قَالَ حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ رَبَاحٍ عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا بَرِقَتْ السَّمَاءُ أَوْ رَعَدَتْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ فَإِذَا أَمْطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ قَالَ: قَالَ الْمِقْدَامُ بْنُ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَبْصَرْنَا شَيْئًا فِي السَّمَاءِ يَعْنِي السَّحَابَ تَرَكَ عَمَلَهُ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ قَالَ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ فَإِنْ كَشَفَهُ اللَّهُ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى، وَإِنْ مَطَرَتْ قَالَ: اللَّهُمَّ سُقْيَا نَافِعًا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا سَمِعَ حِسَّ الرَّعْدِ عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ فَإِذَا أَمْطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إنِّي لَا أَدْرِي بِمَا أُرْسِلَتْ أَبِعَذَابٍ أَمْ بِرَحْمَةِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ قَالَ حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «مَا هَبَّتْ رِيحٌ إلَّا جَثَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً، وَلَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا» قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا} [القمر: 19] ، وَ {إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ} [الذاريات: 41] وَقَالَ {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} [الحجر: 22] {يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} [الروم: 46] .

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ قَالَ أَخْبَرَنَا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ

(1/289)

 

 


ملف doc

كلمات دليلية: