قسم الزكاة وشروطها على المذهب المالكي

       قسم الزكاة وشروطها على المذهب المالكي
97

اسم الكتاب:
المدونة




[قَسْمِ الزَّكَاةِ]

فِي قَسْمِ الزَّكَاةِ قُلْتُ: أَرَأَيْت زَكَاةَ مَالِي إنْ لَمْ أَجِدْ إلَّا صِنْفًا وَاحِدًا مِمَّا ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ أَيُجْزِئُنِي أَنْ أَجْعَلَهَا فِيهِمْ؟ فَقَالَ قَالَ مَالِكٌ: إنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا صِنْفًا وَاحِدًا أَجْزَأَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا فِيهِمْ.

قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا كُنْتَ تَجِدُ الْأَصْنَافَ كُلَّهَا الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ وَكَانَ مِنْهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ هُمْ أَحْوَجُ، آثِرْ أَهْلَ الْحَاجَةِ حَيْثُ كَانَتْ حَتَّى تَسُدَّ حَاجَتَهُمْ، وَإِنَّمَا يُتْبَعُ فِي ذَلِكَ فِي كُلِّ عَامٍ أَهْلُ الْحَاجَةِ حَيْثُ كَانَتْ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ قَسْمٌ مُسَمًّى.


قَالَ: وَسَأَلْنَاهُ عَنْ الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الدَّارُ وَالْخَادِمُ هَلْ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ: إنَّ الدُّورَ تَخْتَلِفُ فَإِنْ كَانَتْ دَارًا لَيْسَ فِي ثَمَنِهَا فَضْلٌ إنْ بِيعَتْ اشْتَرَى مِنْ ثَمَنِهَا دَارًا وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ يَعِيشُ فِيهَا، رَأَيْتُ أَنْ يُعْطَى وَلَا يَبِيعُ مَسْكَنَهُ، وَإِنْ كَانَتْ دَارُهُ دَارًا فِي ثَمَنِهَا مَا يُشْتَرَى بِهِ مَسْكَنًا وَتَفْضُلُ لَهُ فَضْلَةٌ يَعِيشُ فِيهَا لَمْ يُعْطَ مِنْهَا شَيْئًا وَالْخَادِمُ كَذَلِكَ.


قَالَ: وَسَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا أَيُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ: رُبَّ رَجُلٍ يَكُونُ لَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَهُوَ أَهْلٌ لَأَنْ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ يَكُونُ لَهُ عِيَالٌ وَعَدَدٌ. وَرُبَّ رَجُلٍ تَكُونُ عِيَالُهُ عَشَرَةً أَوْ شِبْهَ ذَلِكَ فَلَا تَكُونُ لَهُ الْأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا شَيْئًا فَأَرَى أَنْ يُعْطَى مِثْلَ هَذَا.


قُلْتُ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَعَلَيْهِ أَلْفَا دِرْهَمٍ دَيْنًا وَلَهُ دَارٌ وَخَادِمٌ ثَمَنُهُمَا أَلْفَا دِرْهَمٍ أَيَكُونُ مِنْ الْغَارِمِينَ وَتَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ؟ فَقَالَ: لَا وَيَكُونُ دَيْنُهُ فِي عُرُوضِهِ وَخَادِمِهِ وَدَارِهِ.

قُلْتُ: فَإِنْ أَدَّى الْأَلْفَ الَّذِي عِنْدَهُ فِي

(1/342)

دَيْنِهِ وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ الْأَلْفُ، وَبَقِيَتْ دَارُهُ وَخَادِمُهُ أَيَكُونَ مَنْ الْغَارِمِينَ وَالْفُقَرَاءِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْخَادِمِ وَالدَّارِ فَضْلٌ عَنْ دَارٍ تُغْنِيهِ وَخَادِمٍ يُغْنِيهِ كَانَ مِنْ الْغَارِمِينَ وَالْفُقَرَاءِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟

قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ يُؤْثَرَ بِالزَّكَاةِ أَهْلُ الْحَاجَةِ حَيْثُ كَانُوا.

قُلْتُ: فَهَلْ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ وَيَرْضَخُ لِمَنْ سِوَى أَهْلِ الْحَاجَةِ مِنْ الَّذِينَ لَا يَسْتَحِقُّونَ الزَّكَاةَ؟ فَقَالَ: مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ قَالَ يَرْضَخُ لِهَؤُلَاءِ.

قُلْتُ: هَلْ يُرْفَعُ مَنْ الزَّكَاةِ إلَى بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

قَالَ: لَا وَلَكِنْ تُفَرَّقُ كُلُّهَا وَلَا يُرْفَعُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُفَرَّقُ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِهَا الَّذِي أَخَذَهَا فِيهِ فَأَقْرَبُ الْبُلْدَانِ إلَيْهِ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَلَقَدْ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ زُرَارَةَ بِالْيَمَامَةِ حِينَ بَعَثَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مُصَدِّقًا قَالَ: وَكَتَبَ إلَيْهِ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ أَنْ اقْسِمْ نِصْفَهَا، ثُمَّ كَتَبَ إلَيْهِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ أَنْ اقْسِمْهَا كُلَّهَا وَلَا تَحْبِسَ مِنْهَا شَيْئًا، قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَالشَّأْنُ أَنْ تُقَسَّمَ فِي مَوَاضِعِهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ كَثِيرَةً فَيَصْرِفَهَا إلَى أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ إلَيْهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.

قَالَ: وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ طَاوُسًا بَعَثَ مُصَدِّقًا وَأَعْطَى رِزْقَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، قَالَ فَوَضَعَهُ فِي كُوَّةٍ فِي مَنْزِلِهِ، قَالَ: فَلَمَّا رَجَعَ سَأَلُوهُ أَيْنَ مَا أَخَذْتَ مِنْ الصَّدَقَةِ؟ قَالَ: قَسَّمْتُهُ كُلَّهُ، قَالُوا: فَأَيْنَ الَّذِي أَعْطَيْنَاكَ؟ قَالَ: هَا هُوَ ذَا فِي بَيْتِي مَوْضُوعٌ فِي كُوَّةٍ فَذَهَبُوا فَأَخَذُوهُ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَبَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَعَثَ مُعَاذًا مُصَدِّقًا فَلَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ.

قَالَ مَالِكٌ: وَوَجْهُ قَسْمِ الْمَالِ أَنْ يَنْظُرَ الْوَالِي إلَى الْبَلَدِ الَّتِي فِيهَا هَذَا الْمَالُ وَمِنْهَا جُبِيَ، فَإِنْ كَانَتْ الْبُلْدَانُ مُتَكَافِئَةً فِي الْحَالِ آثَرَ بِهِ أَهْلَ ذَلِكَ الْبَلَدِ فَيُقَسَّمُ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَخْرُجْ إلَى غَيْرِهِمْ، إلَّا أَنْ يَفْضُلَ عَنْهُمْ فَضْلَةٌ فَتَخْرُجُ إلَى غَيْرِهِمْ، فَإِنْ قَسَّمَ فِي بِلَادِهِ آثَرَ الْفُقَرَاءَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، قَالَ: وَإِنْ بَلَغَهُ عَنْ بَعْضِ الْبُلْدَانِ حَاجَةٌ وَفَاقَةٌ نَزَلَتْ بِهِمْ مِنْ سَنَةٍ مَسَّتْهُمْ أَوْ ذَهَابِ أَمْوَالِهِمْ وَزَرْعِهِمْ وَقَحْطِ السَّمَاءِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِينَ جُبِيَ فِيهِمْ ذَلِكَ الْمَالُ فَيُعْطِيَهُمْ مِنْهُ وَيُخْرِجُ جُلَّ ذَلِكَ الْمَالِ إلَى أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِينَ أَصَابَتْهُمْ الْحَاجَةُ، وَكَذَلِكَ بِلَادُ الْإِسْلَامِ، كُلُّهُمْ حَقُّهُمْ فِي هَذَا الْفَيْءِ وَاحِدٌ، يُحْمَلُ هَذَا الْفَيْءُ إلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ بِلَادِهِمْ إذَا نَزَلَتْ بِهِمْ الْحَاجَةُ.

قَالَ مَالِكٌ: وَالصَّدَقَاتُ كَذَلِكَ كُلُّهَا فِي قِسْمَتِهَا مِثْلُ مَا وَصَفْتُ لَكَ.

قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزِّنْجِيِّ: إنَّ عَطَاءَ بْنَ السَّائِبِ حَدَّثَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} [التوبة: 60] الْآيَةُ كُلُّهَا، إنَّمَا هُوَ عِلْمٌ أَعْلَمَهُ اللَّهُ، فَإِذَا أَعْطَيْتَ صِنْفًا مِنْ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ الَّتِي سَمَّاهَا اللَّهُ أَجْزَأَكَ وَإِنْ كَانَ صِنْفًا وَاحِدًا. قَالَ أَشْهَبُ قَالَ الزِّنْجِيُّ وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُول مِثْلَ ذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ،

(1/343)

إنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: {إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60] . قَالَ: لَا نَعْلَمُهُ نَسَخَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إنَّمَا الصَّدَقَاتُ بَيْنَ مَنْ سَمَّى اللَّهُ، فَأَسْعَدُهُمْ بِهَا أَكْثَرُهُمْ عَدَدًا أَوْ أَشَدُّهُمْ حَاجَةً.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ: إنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ الصَّدَقَةِ أَيُسْتَعْمَلُ عَلَيْهَا غَنِيٌّ أَوْ يُخَصُّ بِهَا فَقِيرٌ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مَنْ اُسْتُعْمِلَ مِنْ أُولَئِكَ، وَنَفَقَةُ مَنْ اُسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا مِنْ أُولَئِكَ فِي عَمَلِهِ مِنْ الصَّدَقَةِ.

قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: إذَا وَضَعَتْهَا فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَكَ.

ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: إذَا وَضَعْتَ الصَّدَقَةَ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَكَ. قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَطَاءٍ مِثْلَهُ قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ، قَالَ قُلْتُ لِإِبْرَاهِيمَ: أَضَعُ زَكَاةَ مَالِي فِي صِنْفٍ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ إسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: لَمْ يَبْقَ مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ أَحَدٌ إنَّمَا كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَلَمَّا اُسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ انْقَطَعَ الرِّشَا.

قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِيمَنْ لَهُ الدَّارُ وَالْخَادِمُ وَالْفَرَسُ أَنْ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ.


[مَا لَا يُقَسِّمُ الرَّجُلُ عَلَيْهِ زَكَاةَ مَالِهِ مِنْ أَقَارِبِهِ]

ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ زَكَاةَ مَالِي مَنْ لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أُعْطِيَهَا إيَّاهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تُعْطِهَا أَحَدًا مِنْ أَقَارِبِكَ مِمَّنْ تَلْزَمُكَ نَفَقَتُهُ.

قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: فَمَنْ لَا تَلْزَمُنِي نَفَقَتُهُ مِنْ ذَوِي قَرَابَتِي وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا؟ فَقَالَ: مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَلِيَ ذَلِكَ هُوَ بِالدَّفْعِ إلَيْهِمْ، وَمَا يُعْجِبُنِي لِأَحَدٍ أَنْ يَلِيَ قَسْمَ صَدَقَتِهِ لِأَنَّ الْمَحْمَدَةَ تَدْخُلُ فِيهِ وَالثَّنَاءُ، وَعَمَلُ
السِّرِّ أَفْضَلُ وَاَلَّذِي أَرَى: أَنْ يَنْظُرَ إلَى رَجُلٍ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ فَيَدْفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِ فَيُقَسِّمَهُ لَهُ، فَإِنْ رَأَى ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي مِنْ قَرَابَتِهِ الَّذِي لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ هُوَ أَهْلٌ لَهَا أَعْطَاهُ كَمَا يُعْطِي غَيْرَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ يَكُونُ الرَّجُلُ الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِ لِيُفَرَّقَ هُوَ النَّاظِرُ فِي ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ.
قُلْتُ: فَمَنْ تَلْزَمُنِي نَفَقَتُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ فَقَالَ: الْوَلَدُ وَلَدُ الصُّلْبِ دُنْيَةً تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ الذُّكُورُ حَتَّى يَحْتَلِمُوا فَإِذَا احْتَلَمُوا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ، وَالنِّسَاءُ حَتَّى يَتَزَوَّجْنَ وَيَدْخُلُ بِهِنَّ أَزْوَاجُهُنَّ فَإِذَا دَخَلَ بِهِنَّ أَزْوَاجُهُنَّ فَلَا نَفَقَةَ لَهُنَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ أَوْ مَاتَ عَنْهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَى أَبِيهَا؟

قُلْتُ: فَإِنْ هُوَ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ بِهَا؟ فَقَالَ: هِيَ عَلَى نَفَقَتِهَا. أَلَا تَرَى أَنَّ النَّفَقَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَبِ حَتَّى يُدْخَلَ بِهَا، لِأَنَّ نِكَاحَهَا فِي يَدِ الْأَبِ مَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا زَوْجُهَا.

قُلْتُ: فَوَلَدُ الْوَلَدِ؟ فَقَالَ: لَا نَفَقَةَ لَهُمْ عَلَى جَدِّهِمْ، وَكَذَلِكَ لَا

(1/344)

يَلْزَمُهُمْ النَّفَقَةُ عَلَى جَدِّهِمْ وَلَا يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ النَّفَقَةُ عَلَى وَلَدِهَا، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْأَبَ وَحْدَهُ النَّفَقَةُ عَلَى وَلَدِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوَالِدِهَا مَالٌ وَهِيَ مُوسِرَةٌ لَمْ تَلْزَمْ النَّفَقَةُ عَلَى وَلَدِهَا وَيَلْزَمُهَا النَّفَقَةُ عَلَى أَبَوَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ زَوْجُهَا كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
قَالَ وَالزَّوْجُ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ وَخَادِمٍ وَاحِدَةٍ لِامْرَأَتِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ مِنْ نَفَقَةِ خَدَمِهَا أَكْثَرُ مِنْ نَفَقَةِ خَادِمٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ أَخٍ وَلَا ذَوِي قَرَابَةٍ وَلَا ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ.

قُلْتُ: فَاَلَّذِينَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ، هُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْتُ الَّذِينَ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ: وَمَنْ وَرَاءَ هَؤُلَاءِ مِنْ قَرَابَتِهِ فَهُمْ فِي زَكَاتِهِ وَالْأَجْنَبِيُّون سَوَاءٌ؟

قَالَ: نَعَمْ عَلَى مَا فَسَّرْتُ لَكَ، إذَا رَأَى الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِ زَكَاتَهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ أَعْطَاهُمْ.

قُلْتُ: أَتُعْطِي الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا مِنْ زَكَاتِهَا؟ فَقَالَ: لَا.

قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا وَهَذَا أَبْيَنُ مِنْ أَنْ أَسْأَلَ مَالِكًا عَنْهُ.

قَالَ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْطَى أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ الزَّكَاةِ شَيْئًا.

قَالَ سَحْنُونٌ، وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: 233] فَإِنَّ ذَلِكَ فِي الضَّرَرِ عَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ أَنْ لَا يُضَارَّ، وَقَدْ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ شِهَابٍ وَقَالَهُ مَالِكٌ.

قَالَ أَشْهَبُ: وَقَدْ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنَّ إعْطَاءَ الْمَرْءِ قَرَابَتَهُ مِنْ زَكَاتِهِ بِوَجْهِ الصِّحَّةِ عَلَى وَجْهِ مَا يُعْطِي غَيْرَهُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ مُجْزِئٌ عَنْهُ. قَالَ: وَكَانَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَطَاوُسٌ يَكْرَهَانِ ذَلِكَ، وَكَانَ مَالِكٌ أَكْثَرُ شَأْنِهِ فِيهِ الْكَرَاهِيَةُ.


[الْعِتْقِ مِنْ الزَّكَاةِ]

فِي الْعِتْقِ مِنْ الزَّكَاةِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ اشْتَرَى مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ رَقَبَةً فَأَعْتَقَهَا كَمَا يُعْتِقُ الْوَالِي، إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَيُجْزِئُهُ مِنْ زَكَاتِهِ وَيَكُونُ وَلَاؤُهُ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.

قُلْتُ: وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: يَشْتَرِي الْوَالِي مِنْ الزَّكَاةِ رِقَابًا فَيُعْتِقُهُمْ، فَقَالَ: نَعَمْ وَيَكُونُ وَلَاؤُهُمْ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.

قَالَ: وَحَضَرْتُ مَالِكًا يُشِيرُ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ يُقَسِّمُ الصَّدَقَةَ، قَالَ مَالِكٌ: وَيَجُوزُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَعْمَلَ فِي زَكَاةِ نَفْسِهِ كَمَا يَجُوزُ لِلْوَالِي أَنْ يَعْمَلَ فِي زَكَاةِ الْمُسْلِمِينَ.


قُلْتُ: فَإِنْ اشْتَرَاهُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ وَأَعْتَقَهُ مِنْ نَفْسِهِ؟ فَقَالَ: لَا يُجْزِئُهُ وَلَمْ أَسْمَعْ هَذَا مِنْ مَالِكٍ، وَلَكِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ ثَانِيَةً، قَالَ سَحْنُونٌ: لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَهُ فَكَأَنَّهَا زَكَاةٌ لَمْ يُخْرِجْهَا، وَإِنَّمَا إخْرَاجُهَا أَنْ يَكُونَ وَلَاؤُهَا لَهُمْ.


[إعْطَاءُ الْمُكَاتَبِ وَابْنِ السَّبِيلِ مِنْ الزَّكَاةِ]

ِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُعَانَ بِهَا الْمُكَاتَبُونَ، قَالَ: وَمَا عَلِمْتُ أَنَّهُ كَانَ فِي

(1/345)

هَذَا الْبَلَدِ أَحَدٌ أَقْتَدِي بِهِ فِي دِينِي يَفْعَلُهُ أَوْ قَالَ يَرَاهُ، وَلَا بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَلَا عُمَرَ وَلَا عُثْمَانَ فَعَلُوا ذَلِكَ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ ابْنُ السَّبِيلِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا فِي بَلَدِهِ إذَا احْتَاجَ، وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُعْطَى مِنْهَا وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا.

قُلْتُ: فَالْحَاجُّ الْمُنْقَطِعُ بِهِ؟ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هُوَ ابْنُ السَّبِيلِ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ.

قُلْتُ: وَالْحَاجُّ عِنْدَ مَالِكٍ ابْنُ السَّبِيلِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا فِي بَلَدِهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَقَدْ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ، لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ لِغَارِمٍ، أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ لِرَجُلٍ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتَصَدَّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَأَهْدَى الْمِسْكِينُ إلَى الْغَنِيِّ» .


[تَكْفِينُ الْمَيِّتِ وَإِعْطَاءُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَالْعَبْدِ مِنْ الزَّكَاةِ]

ِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تُجْزِئُهُ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ زَكَاتِهِ فِي كَفَنِ مَيِّتٍ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ إنَّمَا هِيَ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَمَنْ سَمَّى اللَّهُ، فَلَيْسَتْ لِلْأَمْوَاتِ وَلَا لِبُنْيَانِ الْمَسَاجِدِ.

قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ مَجُوسِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ وَلَا يَهُودِيٌّ وَلَا عَبْدٌ، وَكَمَا لَا يُعْتَقُ فِي الْكَفَّارَاتِ غَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ فَكَذَلِكَ لَا يُطْعَمُ مِنْهَا غَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَدْ قَالَ: لَا يُعْتَقُ فِي الْكَفَّارَاتِ إلَّا مُؤْمِنَةٌ (رَبِيعَةُ) ، وَ (عَطَاءٌ) مُؤْمِنَةٌ صَحِيحَةٌ. وَقَالَ نَافِعٌ وَرَبِيعَةُ: لَا يُطْعَمُ مِنْ الزَّكَاةِ نَصْرَانِيٌّ وَلَا يَهُودِيٌّ وَلَا عَبْدٌ، إلَّا أَنَّ نَافِعًا لَمْ يَذْكُرْ الْيَهُودِيَّ وَلَا الْعَبْدَ.


[الرَّجُلُ يُعْطِي مَكَانَ زَكَاةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ عَرْضًا]

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ وَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَهِيَ أَلْفُ دِرْهَمٍ كَانَتْ عِنْدَهُ حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، فَأَعْطَى مَكَانَ زَكَاتِهَا حِنْطَةً أَوْ شَعِيرًا أَوْ عَرْضًا مِنْ الْعُرُوضِ قِيمَتُهُ رُبْعُ عُشْرِ هَذِهِ الْأَلْفِ دِرْهَمٍ؟ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْطِي عُرُوضًا وَلَكِنْ يُعْطِي وَرِقًا وَقِيمَةَ ذَلِكَ ذَهَبًا.

قَالَ سَحْنُونٌ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، وَقَدْ كَرِهَ غَيْرُ وَاحِدٍ اشْتِرَاءَ صَدَقَةِ مَالِهِ، مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَالَ يَحْيَى: مِنْ النَّاسِ مَنْ يَكْرَهُ اشْتِرَاءَ صَدَقَتِهِ.


[الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الدَّيْنُ عَلَى الرَّجُلِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِ يَنْوِي بِذَلِكَ زَكَاةَ مَالِهِ]

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَكُونُ لِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيَجِبُ عَلَيَّ الزَّكَاةُ، فَأَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ

(1/346)

الدَّيْنِ وَهُوَ مِنْ الْفُقَرَاءِ أَنْوِي بِهِ أَنَّهُ مِنْ زَكَاةِ مَالِي؟ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِيمَا بَلَغَنِي لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ، وَقَالَ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ تَاوٍ إذَا كَانَ عَلَى فَقِيرٍ فَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يُعْطِيَ تَاوِيًا وَهُوَ عَلَيْهِ بَعْدَهُ، وَلَوْ جَازَ هَذَا لَجَازَ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعْطِيَ فِي زَكَاةِ مَالِهِ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ مَا عَلَى الْفَقِيرِ لَا قِيمَةَ لَهُ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ قِيمَةٌ فَقِيمَتُهُ دُونُ.


ملف doc

كلمات دليلية: