صدقة التطوع وكل ما يتعلق بالصدقات على المذهب الشافعي - كتاب الأم

صدقة التطوع وكل ما يتعلق بالصدقات على المذهب الشافعي - كتاب الأم
747

اسم الكتاب:
الأم



[كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ]

(2/76)

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى
{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [التوبة: 60] فَأَحْكَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَرْضَ الصَّدَقَاتِ فِي كِتَابِهِ ثُمَّ أَكَّدَهَا فَقَالَ {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} [التوبة: 60] (قَالَ) : وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْسِمَهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَسَمَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ مَا كَانَتْ الْأَصْنَافُ مَوْجُودَةً؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْطِي مَنْ وَجَدَ {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} [النساء: 7] وَكَقَوْلِهِ {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} [النساء: 12] وَكَقَوْلِهِ {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ} [النساء: 12] وَمَعْقُولٌ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ فَرَضَ هَذَا لِمَنْ كَانَ مَوْجُودًا يَوْمَ يَمُوتُ الْمَيِّتُ وَكَانَ مَعْقُولًا عَنْهُ أَنَّ هَذِهِ السُّهْمَانَ لِمَنْ كَانَ مَوْجُودًا يَوْمَ تُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ وَتُقْسَمُ (قَالَ) : وَإِذَا أُخِذَتْ الصَّدَقَةُ مِنْ قَوْمٍ قُسِمَتْ عَلَى مَنْ مَعَهُمْ فِي دَرَاهِمِ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ وَلَمْ تَخْرُجْ مِنْ جِيرَانِهِمْ إلَى أَحَدٍ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ يَسْتَحِقُّهَا (أَخْبَرَنَا) مُطَرِّفٌ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنْ قَضَى: أَيُّمَا رَجُلٍ انْتَقَلَ مِنْ مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ فَعُشْرُهُ وَصَدَقَتُهُ إلَى مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : هُوَ مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ جَعَلَ الْعُشْرَ وَالصَّدَقَةَ إلَى جِيرَانِ الْمَالِ وَلَمْ يَجْعَلْهَا عَلَى جِيرَانِ مَالِكِ الْمَالِ إذَا مَا نَأَى عَنْ مَوْضِعِ الْمَالِ، أَخْبَرَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، أَوْ ثِقَةٌ غَيْرُهُ، أَوْ هُمَا عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِي عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ، فَإِنْ أَجَابُوك فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةَ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» (قَالَ) : وَهَذَا مِمَّا وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ جَعَلَ الْعُشْرَ وَالصَّدَقَةَ إلَى جِيرَانِ الْمَالِ وَلَمْ يَجْعَلْهَا إلَى جِيرَانِ مَالِكِ الْمَالِ إذَا نَأَى عَنْ مَوْضِعِ الْمَالِ، أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ، هُوَ يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نِمْرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَاشَدْتُك اللَّهَ آللَّهُ أَمَرَك أَنْ تَأْخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا وَتَرُدَّهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ اللَّهُمَّ نَعَمْ» (قَالَ) : وَلَا تُنْقَلُ الصَّدَقَةُ مِنْ مَوْضِعٍ حَتَّى لَا يَبْقَى فِيهِ أَحَدٌ يَسْتَحِقُّ مِنْهَا شَيْئًا.


[جِمَاعُ بَيَانِ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْفَقِيرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ وَلَا حِرْفَةَ تَقَعُ مِنْهُ مَوْقِعًا زَمِنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ زَمِنٍ سَائِلًا كَانَ أَوْ مُتَعَفِّفًا وَالْمِسْكِينُ مَنْ لَهُ مَالٌ أَوْ حِرْفَةٌ لَا تَقَعُ مِنْهُ مَوْقِعًا وَلَا تُغْنِيهِ سَائِلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ سَائِلٍ قَالَ وَإِذَا كَانَ فَقِيرًا أَوْ مِسْكِينًا فَأَغْنَاهُ وَعِيَالَهُ كَسْبُهُ أَوْ حِرْفَتُهُ فَلَا يُعْطَى فِي وَاحِدٍ مِنْ الْوَجْهَيْنِ شَيْئًا لِأَنَّهُ غَنِيٌّ بِوَجْهٍ وَالْعَامِلُونَ عَلَيْهَا الْمُتَوَلُّونَ لِقَبْضِهَا مِنْ أَهْلِهَا مِنْ السُّعَاةِ وَمَنْ أَعَانَهُمْ مِنْ عَرِيفٍ لَا يُقْدَرُ عَلَى أَخْذِهَا إلَّا بِمَعْرِفَتِهِ فَأَمَّا الْخَلِيفَةُ وَوَالِي الْإِقْلِيمِ الْعَظِيمِ الَّذِي تَوَلَّى أَخْذَهَا عَامِلٌ دُونَهُ فَلَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ وَكَذَلِكَ مَنْ أَعَانَ وَالِيًا عَلَى قَبْضِهَا مِمَّنْ بِهِ الْغِنَى عَنْ مَعُونَتِهِ فَلَيْسَ لَهُ فِي سَهْمِ الْعَامِلِينَ حَقٌّ وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا أَغْنِيَاءَ أَوْ فُقَرَاءَ مِنْ أَهْلِهَا كَانُوا أَوْ غُرَبَاءَ إذَا وُلُّوهَا فَهُمْ الْعَامِلُونَ وَيُعْطَى أَعْوَانُ إدَارَةِ وَالِي الصَّدَقَةِ بِقَدْرِ مَعُونَاتِهِمْ عَلَيْهَا وَمَنْفَعَتِهِمْ فِيهَا وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا يُعْطَى مِنْ الصَّدَقَةِ مُشْرِكٌ يَتَأَلَّفُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ أَعْطَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ حُنَيْنٍ بَعْضَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ الْعَطَايَا مِنْ الْفَيْءِ وَمِنْ مَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً لَا مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ وَمُبَاحٌ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ مَالِهِ وَقَدْ خَوَّلَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُسْلِمِينَ أَمْوَالَ الْمُشْرِكِينَ لَا الْمُشْرِكِينَ أَمْوَالَهُمْ وَجَعَلَ صَدَقَاتِ الْمُسْلِمِينَ مَرْدُودَةً فِيهِمْ كَمَا سَمَّى لَا عَلَى مَنْ خَالَفَ دِينَهُمْ قَالَ وَالرِّقَابُ الْمُكَاتَبُونَ مِنْ جِيرَانِ الصَّدَقَةِ فَإِنْ اتَّسَعَ لَهُمْ السَّهْمُ أُعْطُوا حَتَّى يُعْتَقُوا وَإِنْ دَفَعَ ذَلِكَ الْوَالِي إلَى مَنْ يُعْتِقُهُمْ فَحَسَنٌ وَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِمْ أَجْزَأَهُ وَإِنْ ضَاقَتْ السُّهْمَانُ دَفَعَ ذَلِكَ إلَى الْمُكَاتَبِينَ فَاسْتَعَانُوا بِهَا فِي

(2/77)

كِتَابَتِهِمْ
وَالْغَارِمُونَ صِنْفَانِ صِنْفٌ ادَّانُوا فِي مَصْلَحَتِهِمْ أَوْ مَعْرُوفٍ وَغَيْرِ مَعْصِيَةٍ ثُمَّ عَجَزُوا عَنْ أَدَاءِ ذَلِكَ فِي الْعَرَضِ وَالنَّقْدِ فَيُعْطَوْنَ فِي غُرْمِهِمْ لِعَجْزِهِمْ فَإِنْ كَانَ لَهُمْ عُرُوضٌ أَوْ نَقْدٌ يَقْضُونَ مِنْهُ دُيُونَهُمْ فَهُمْ أَغْنِيَاءُ لَا يُعْطِيهِمْ مِنْهَا شَيْئًا وَيَقْضُونَ مِنْ عُرُوضِهِمْ أَوْ مِنْ نَقْدِهِمْ دُيُونَهُمْ وَإِنْ قَضَوْهَا فَكَانَ قَسْمُ الصَّدَقَةِ وَلَهُمْ مَا يَكُونُونَ بِهِ أَغْنِيَاءَ لَمْ يُعْطَوْا شَيْئًا وَإِنْ كَانَ وَهُمْ فُقَرَاءُ أَوْ مَسَاكِينُ فَسَأَلُوا بِأَيِّ الْأَصْنَافِ كَانُوا أُعْطُوا لِأَنَّهُمْ مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ وَلَمْ يُعْطَوْا مِنْ صَدَقَةِ غَيْرِهِ قَالَ وَإِذَا بَقِيَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا يَكُونُونَ بِهِ أَغْنِيَاءَ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ فِيهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِهِ لَمْ يُعْطَوْا مِنْ السُّهْمَانِ شَيْئًا لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْغِنَى وَأَنَّهُمْ قَدْ يَبْرَءُونَ مِنْ الدَّيْنِ فَلَا يُعْطَوْا حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُمْ مَا يَكُونُونَ بِهِ أَغْنِيَاءَ قَالَ وَصِنْفٌ ادَّانُوا فِي حَمَالَاتٍ وَإِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنٍ وَمَعْرُوفٍ وَلَهُمْ عُرُوضٌ تَحْمِلُ حَمَّالَاتهمْ أَوْ عَامَّتَهَا إنْ بِيعَتْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَفْتَقِرُوا فَيُعْطَى هَؤُلَاءِ مَا يُوَفِّرُ عُرُوضَهُمْ كَمَا يُعْطَى أَهْلُ الْحَاجَةِ مِنْ الْغَارِمِينَ حَتَّى يَقْضُوا غُرْمَهُمْ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ عَنْ كِنَانَةَ بْنِ نُعَيْمٍ «عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ قَالَ تَحَمَّلْت بِحَمَالَةٍ فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْته فَقَالَ نُؤَدِّيهَا أَوْ نُخْرِجُهَا عَنْك غَدًا إذَا قَدِمَ نَعَمُ الصَّدَقَةِ يَا قَبِيصَةُ الْمَسْأَلَةُ حُرِّمَتْ إلَّا فِي ثَلَاثٍ رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا ثُمَّ يُمْسِكَ وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ أَوْ حَاجَةٌ حَتَّى شَهِدَ لَهُ أَوْ تَكَلَّمَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ أَنَّ بِهِ حَاجَةً أَوْ فَاقَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ سَدَادًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ ثُمَّ يُمْسِكَ وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ حَتَّى يُصِيبَ سَدَادًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ ثُمَّ يُمْسِكَ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْمَسْأَلَةِ فَهُوَ سُحْتٌ» قَالَ الشَّافِعِيُّ وَبِهَذَا نَأْخُذُ هُوَ مَعْنَى مَا قُلْت فِي الْغَارِمِينَ وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَحِلُّ الْمَسْأَلَةُ فِي الْفَاقَةِ وَالْحَاجَةِ» يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ لَا الْغَارِمِينَ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حَتَّى يُصِيبَ سَدَادًا مِنْ عَيْشٍ» يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَقَلَّ مِنْ اسْمِ الْغِنَى وَبِذَلِكَ نَقُولُ وَذَلِكَ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ الْفَقْرِ أَوْ الْمَسْكَنَةِ وَيُعْطَى مِنْ سَهْمِ سَبِيلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ مَنْ غَزَا مِنْ جِيرَانِ الصَّدَقَةِ فَقِيرًا كَانَ أَوْ غَنِيًّا وَلَا يُعْطَى مِنْهُمْ غَيْرُهُمْ إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَى الدَّفْعِ عَنْهُمْ فَيُعْطَاهُ مَنْ دَفَعَ عَنْهُمْ الْمُشْرِكِينَ وَابْنُ السَّبِيلِ مِنْ جِيرَانِ الصَّدَقَةِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ السَّفَرَ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ فَيَعْجَزُونَ عَنْ بُلُوغِ سَفَرِهِمْ إلَّا بِمَعُونَةٍ عَلَى سَفَرِهِمْ وَأَمَّا ابْنُ السَّبِيلِ يَقْدِرُ عَلَى بُلُوغِ سَفَرِهِ بِلَا مَعُونَةٍ فَلَا يُعْطَى لِأَنَّهُ مِمَّنْ دَخَلَ فِي جُمْلَةِ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ وَلَيْسَ مِمَّنْ اُسْتُثْنِيَ أَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ وَمُخَالِفٌ لِلْغَازِي فِي دَفْعِ الْغَازِي بِالصَّدَقَةِ عَنْ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَمُخَالِفٌ لِلْغَارِمِ الَّذِي ادَّانَ فِي مَنْفَعَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَالْعَامِلُ الْغَنِيُّ بِصَلَاحِ أَهْلِ الصَّدَقَةِ هُوَ مُخَالِفٌ لِلْغَنِيِّ يُهْدِي لَهُ الْمُسْلِمُونَ لِأَنَّ الْهَدِيَّةَ تَطَوُّعٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا أَنَّ الْغَنِيَّ أَخَذَهَا بِسَبَبِ الصَّدَقَةِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ وَالْعَطَايَا غَيْرَ الْمَفْرُوضَةِ تَحِلُّ لِمَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمْ أَهْلُ الْخُمُسِ وَمِنْ الْأَغْنِيَاءِ مِنْ النَّاسِ وَغَيْرِهِمْ


[بَابُ مَنْ طَلَبَ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : الْأَغْلَبُ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ أَنَّهُمْ غَيْرُ أَغْنِيَاءَ حَتَّى يُعْرَفَ غِنَاهُمْ وَمَنْ طَلَبَ مِنْ جِيرَانِ الصَّدَقَةِ بِاسْمِ فَقْرٍ، أَوْ مَسْكَنَةٍ أُعْطِيَ مَا لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ غَيْرُهُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ

(2/78)

هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ قَالَ حَدَّثَنِي رَجُلَانِ أَنَّهُمَا أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْأَلَانِهِ مِنْ الصَّدَقَةِ فَصَعَّدَ فِيهِمَا النَّظَرَ وَصَوَّبَ ثُمَّ قَالَ: إنْ شِئْتُمَا وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : رَأَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَلَدًا ظَاهِرًا يُشْبِهُ الِاكْتِسَابَ الَّذِي يُسْتَغْنَى بِهِ وَغَابَ عَنْهُ الْعِلْمُ فِي الْمَالِ وَعَلِمَ أَنْ قَدْ يَكُونُ الْجَلَدُ فَلَا يُغْنِي صَاحِبَهُ مَكْسَبُهُ بِهِ إمَّا لِكَثْرَةِ عِيَالٍ وَإِمَّا لِضَعْفِ حِرْفَةٍ فَأَعْلَمَهُمَا أَنَّهُمَا إنْ ذَكَرَا أَنَّهُمَا لَا غِنَى لَهُمَا بِمَالٍ وَلَا كَسْبٍ أَعْطَاهُمَا، فَإِنْ قِيلَ: أَيْنَ أَعْلَمَهُمَا؟ قِيلَ حَيْثُ قَالَ «لَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَيْحَانَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: لَا تَصْلُحُ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ إلَّا لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ لِغَارِمٍ، أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ لِرَجُلٍ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتَصَدَّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَأَهْدَى الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ»

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا قُلْنَا يُعْطَى الْغَازِي وَالْعَامِلُ، وَإِنْ كَانَا غَنِيَّيْنِ وَالْغَارِمُ فِي الْحَمَالَةِ عَلَى مَا أَبَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا غَارِمٌ غَيْرُهُ إلَّا غَارِمًا لَا مَالَ لَهُ يَقْضِي مِنْهُ فَيُعْطَى فِي غُرْمِهِ، وَمَنْ طَلَبَ سَهْمَ ابْنِ السَّبِيلِ وَذَكَرَ أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْبَلَدِ الَّذِي يُرِيدُ إلَّا بِالْمَعُونَةِ أُعْطِيَ عَلَى مِثْلِ مَعْنَى مَا قُلْت مِنْ أَنَّهُ غَيْرُ قَوِيٍّ حَتَّى تُعْلَمَ قُوَّتُهُ بِالْمَالِ وَمَنْ طَلَبَ بِأَنَّهُ يَغْزُو أُعْطِيَ غَنِيًّا كَانَ، أَوْ فَقِيرًا، وَمَنْ طَلَبَ بِأَنَّهُ غَارِمٌ، أَوْ عَبْدٌ بِأَنَّهُ مُكَاتَبٌ لَمْ يُعْطَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَى مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ أَصْلَ أَمْرِ النَّاسِ أَنَّهُمْ غَيْرُ غَارِمِينَ حَتَّى يُعْلَمَ غُرْمُهُمْ وَالْعَبِيدُ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُكَاتَبِينَ حَتَّى تُعْلَمَ كِتَابَتُهُمْ، وَمَنْ طَلَبَ بِأَنَّهُ مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ لَمْ يُعْطَ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ ذَلِكَ، وَمَا وَصَفْته يُسْتَحَقُّ بِهِ أَنْ يُعْطَى مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ.


[بَابٌ عَلِمَ قَاسِمُ الصَّدَقَةِ بَعْدَمَا أَعْطَى غَيْرَ مَا عَلِمَ]

َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا أَعْطَى الْوَالِي الْقَاسِمُ الصَّدَقَةَ مَنْ وَصَفْنَا أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ بِقَوْلِهِ، أَوْ بَيِّنَةٍ تَقُومُ لَهُ ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ إعْطَائِهِمْ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُسْتَحِقِّينَ لِمَا أَعْطَاهُمْ نَزَعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَأَعْطَاهُ غَيْرَهُمْ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّهُ (قَالَ) : وَإِنْ أَفْلَسُوا بِهِ، أَوْ فَاتُوهُ فَلَمْ يَقْدِرْ لَهُمْ عَلَى مَالٍ وَلَا عَيْنٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَالِي؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ لِمَنْ يُعْطِيهِ وَيَأْخُذُ مِنْهُ لَا لِبَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ، وَإِنْ أَخْطَأَ، وَإِنَّمَا كُلِّفَ فِيهِ الظَّاهِرَ مِثْلُ الْحَكَمِ فَلَا يَضْمَنُ الْأَمْرَيْنِ مَعًا، وَمَتَى مَا قَدَرَ عَلَى مَا فَاتَ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ قَدَرَ عَلَى غَيْرِهِ أغرمهموه وَأَعْطَاهُ الَّذِينَ اسْتَحَقُّوهُ يَوْمَ كَانَ قَسَمَهُ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانُوا مَاتُوا دَفَعَهُ إلَى وَرَثَتِهِ إنْ كَانُوا فُقَرَاءَ، أَوْ أَغْنِيَاءَ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ اسْتَحَقُّوهُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَعْطَاهُ غَيْرَهُمْ وَهُمْ يَوْمئِذٍ مِنْ أَهْلِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَوَلِّي الْقَسْمَ رَبَّ الْمَالِ دُونَ الْوَالِي فَعَلِمَ أَنَّ بَعْضَ مَنْ أَعْطَاهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ أَمَّا مَا أَعْطَاهُمْ عَلَى مَسْكَنَةٍ وَفَقْرٍ وَغُرْمٍ، أَوْ ابْنِ سَبِيلٍ، فَإِذَا هُمْ مَمَالِيكُ، أَوْ لَيْسُوا عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَعْطَاهُمْ لَهَا رَجَعَ عَلَيْهِمْ فَأَخَذَهُ مِنْهُمْ فَقَسَمَهُ عَلَى أَهْلِهِ، فَإِنْ مَاتُوا، أَوْ أَفْلَسُوا فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ عَلَيْهِ ضَمَانَهُ وَأَدَاءَهُ إلَى أَهْلِهِ وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ عَلَى صَاحِبِ الزَّكَاةِ أَنْ يُوفِيَهَا أَهْلَهَا وَلَا يُبْرِئَهُ مِنْهَا إلَّا أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى أَهْلِهَا كَمَا لَا يُبْرِئُهُ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ لَزِمَهُ، فَأَمَّا الْوَالِي فَهُوَ أَمِينٌ فِي أَخْذِهَا وَإِعْطَائِهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُضَمِّنُ صَاحِبُ الصَّدَقَةِ الدَّافِعَ إلَى الْوَالِي وَأَنَّهُ يَبْرَأُ بِدَفْعِهِ إلَيْهِ الصَّدَقَةَ؛ لِأَنَّهُ أُمِرَ بِدَفْعِهَا إلَيْهِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِ الصَّدَقَةِ إذَا قَسَمَهَا

(2/79)

عَلَى الِاجْتِهَادِ كَمَا لَا يَضْمَنُ الْوَالِي (قَالَ) : وَإِنْ أَعْطَاهَا رَجُلًا عَلَى أَنْ يَغْزُوَ، أَوْ رَجُلًا عَلَى أَنْ يَسِيرَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ، فَأَقَامَا نَزَعَ مِنْهُمَا الَّذِي أَعْطَاهُمَا وَأَعْطَاهُ غَيْرَهُمَا مِمَّنْ يَخْرُجُ إلَى مِثْلِ مَخْرَجِهِمَا.

[بَابُ جِمَاعِ تَفْرِيعِ السُّهْمَانِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : يَنْبَغِي لِوَالِي الصَّدَقَةِ أَنْ يَبْدَأَ فَيَأْمُرَ بِأَنْ يُكْتَبَ أَهْلُ السُّهْمَانِ وَيُوضَعُونَ مَوَاضِعَهُمْ وَيُحْصَى كُلُّ أَهْلِ صِنْفٍ مِنْهُمْ عَلَى حِدَتِهِمْ فَيُحْصَى أَسْمَاءُ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَيُعْرَفُ كَمْ يُخْرِجُهُمْ مِنْ الْفَقْرِ، أَوْ الْمَسْكَنَةِ إلَى أَدْنَى اسْمِ الْغِنَى وَأَسْمَاءُ الْغَارِمِينَ وَمَبْلَغُ غُرْمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَابْنِ السَّبِيلِ وَكَمْ يُبَلِّغُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْبَلَدَ الَّذِي يُرِيدُ وَالْمُكَاتَبِينَ وَكَمْ يُؤَدِّي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَتَّى يَعْتِقُوا وَأَسْمَاءُ الْغُزَاةِ وَكَمْ يَكْفِيهِمْ عَلَى غَايَةِ مَغَازِيهِمْ وَيَعْرِفُ الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَمَا يَسْتَحِقُّونَ بِعَمَلِهِمْ يَكُونُ قَبْضُهُ الصَّدَقَاتِ مَعَ فَرَاغِهِ مِنْ مَعْرِفَةِ مَا وَصَفْت مِنْ مَعْرِفَةِ أَهْلِ السُّهْمَانِ، أَوْ بَعْدَهَا ثُمَّ يُجَزِّئُ الصَّدَقَةَ ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ ثُمَّ يُفَرِّقُهَا كَمَا أَصِفُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ مَثَّلْت لَك مِثَالًا كَانَ الْمَالُ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ فَلِكُلِّ صِنْفٍ أَلْفٌ لَا يَخْرُجُ عَنْ صِنْفٍ مِنْهُمْ مِنْ الْأَلْفِ شَيْءٌ وَفِيهِمْ أَحَدٌ يَسْتَحِقُّهُ فَأَحْصَيْنَا الْفُقَرَاءَ فَوَجَدْنَاهُمْ ثَلَاثَةً وَالْمَسَاكِينَ فَوَجَدْنَاهُمْ مِائَةً وَالْغَارِمِينَ فَوَجَدْنَاهُمْ عَشَرَةً ثُمَّ مَيَّزْنَا الْفُقَرَاءَ فَوَجَدْنَاهُمْ يَخْرُجُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ مِنْ الْفَقْرِ بِمِائَةٍ وَآخَرُ مِنْ الْفَقْرِ بِثَلَثِمِائَةٍ وَآخَرُ مِنْ الْفَقْرِ بِسِتِّمِائَةٍ فَأَعْطَيْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مَا يُخْرِجُهُ مِنْ الْفَقْرِ إلَى الْغِنَى وَمَيَّزْنَا الْمَسَاكِينَ هَكَذَا فَوَجَدْنَا الْأَلْفَ يُخْرِجُ الْمِائَةَ مِنْ الْمَسْكَنَةِ إلَى الْغِنَى فَأعطَيْناهُمُوها عَلَى قَدْرِ مَسْكَنَتِهِمْ كَمَا وَصَفْت فِي الْفُقَرَاءِ لَا عَلَى الْعَدَدِ وَلَا وَقْتَ فِيمَا يُعْطَى الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ إلَى مَا يُصَيِّرُهُمْ إلَى أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَقَعُ عَلَيْهِمْ اسْمُ أَغْنِيَاءَ لَا غِنَى سَنَةٍ وَلَا وَقْتٍ وَلَكِنْ مَا يُعْقَلُ أَنَّهُمْ خَارِجُونَ بِهِ مِنْ الْفَقْرِ، أَوْ الْمَسْكَنَةِ دَاخِلُونَ فِي أَوَّلِ مَنَازِلِ الْغِنَى إنْ أَغْنَى أَحَدَهُمْ دِرْهَمٌ مَعَ كَسْبِهِ، أَوْ مَالِهِ لَمْ يُزَدْ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُغْنِهِ الْأَلْفُ أُعْطِيَهَا إذَا اتَّسَعَتْ الْأَسْهُمُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ» وَالْغَنِيُّ إذَا كَانَ غَنِيًّا بِالْمَالِ «وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» يَعْنِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَلَا فَقِيرٍ اسْتَغْنَى بِكَسْبِهِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْغِنَاءَيْنِ وَلَكِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَّقَ الْكَلَامَيْنِ لِافْتِرَاقِ سَبَبِ الْغِنَاءَيْنِ فَالْغِنَى الْأَوَّلُ الْغِنَى بِالْمَالِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَهُ تَرْكُ الْكَسْبِ وَيَزِيدُ فِيهِ الْكَسْبُ، هُوَ الْغِنَى الْأَعْظَمُ، وَالْغِنَى الثَّانِي الْغِنَى بِالْكَسْبِ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ يَذْهَبُ الْكَسْبُ بِالْمَرَضِ، قِيلَ: وَيَذْهَبُ الْمَالُ بِالتَّلَفِ، وَإِنَّمَا يُنْظَرُ إلَيْهِ بِالْحَالِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الْقَسْمُ لَا فِي حَالٍ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهَا مَاضٍ وَمَا بَعْدَهَا لَا يُعْرَفُ مَا هُوَ كَائِنٌ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْأَحْكَامُ عَلَى يَوْمِ يَكُونُ فِيهِ الْقَسْمُ وَالْقَسْمُ يَوْمَ يَكُونُ الِاسْتِحْقَاقُ وَوَجَدْنَا الْغَارِمِينَ فَنَظَرْنَا فِي غُرْمِهِمْ فَوَجَدْنَا الْأَلْفَ تُخْرِجُهُمْ مَعًا مِنْ الْغُرْمِ عَلَى اخْتِلَافِ مَا يُخْرِجُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَأَعْطَيْنَاهُمْ الْأَلْفَ كُلَّهَا عَلَى مِثَالِ مَا أَعْطَيْنَا الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ ثُمَّ فَعَلْنَا هَذَا فِي الْمُكَاتَبِينَ كَمَا فَعَلْنَاهُ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْغَارِمِينَ ثُمَّ نَظَرْنَا فِي أَبْنَاءِ السَّبِيلِ فَمَيَّزْنَاهُمْ وَنَظَرْنَا الْبُلْدَانَ الَّتِي يُرِيدُونَ، فَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً أَعْطَيْنَاهُمْ الْحُمْلَانَ وَالنَّفَقَةَ، وَإِنْ كَانُوا يُرِيدُونَ الْبُدَاءَةَ فَالْبُدَاءَةُ وَحْدَهَا، وَإِنْ كَانُوا يُرِيدُونَ الْبُدَاءَةَ وَالرَّجْعَةَ فَالْبُدَاءَةُ وَالرَّجْعَةُ وَالنَّفَقَةُ مَبْلَغُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْكِرَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَلْبَسٌ فَالْمَلْبَسُ بِأَقَلَّ مَا يَكْفِي مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ صِنْفٍ مِنْ هَذَا وَأَقْصَدِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَكَانُ قَرِيبًا وَابْنُ السَّبِيلِ ضَعِيفًا فَهَكَذَا.

وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا

(2/80)

وَابْنُ السَّبِيلِ قَوِيًّا، فَالنَّفَقَةُ دُونَ الْحَمُولَةِ إذَا كَانَ بِلَادًا يَمْشِي مِثْلَهَا مَأْهُولَةً مُتَّصِلَةَ الْمِيَاهِ مَأْمُونَةً، فَإِنْ انْتَاطَتْ مِيَاهُهَا، أَوْ أَخَافَتْ، أَوْ أَوْحَشَتْ أُعْطُوا الْحَمُولَةَ ثُمَّ صُنِعَ بِهِمْ فِيهَا كَمَا وَصَفْت فِي أَهْلِ السُّهْمَانِ قَبْلَهُمْ يُعْطَوْنَ عَلَى الْمُؤْنَةِ لَا عَلَى الْعَدَدِ

وَيُعْطَى الْغُزَاةُ الْحَمُولَةَ وَالرَّحْلَ وَالسِّلَاحَ وَالنَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ، فَإِنْ اتَّسَعَ الْمَالُ زِيدُوا الْخَيْلَ، وَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ فَحَمُولَةُ الْأَبْدَانِ بِالْكِرَاءِ وَيُعْطَوْنَ الْحَمُولَةَ بَادِئِينَ وَرَاجِعِينَ، وَإِنْ كَانُوا يُرِيدُونَ الْمُقَامَ أُعْطُوا الْمُؤْنَةَ بَادِئِينَ وَقُوَّةً عَلَى الْمُقَامِ بِقَدْرِ مَا يُرِيدُونَ مِنْهُ قَدْرَ مَغَازِيهِمْ وَمُؤْنَاتِهِمْ فِيهَا لَا عَلَى الْعَدَدِ وَمَا أُعْطُوا مِنْ هَذَا فَفَضْلٌ فِي أَيْدِيهِمْ لَمْ يُضَيَّقْ عَلَيْهِمْ أَنْ يتمولوه وَلَمْ يَكُنْ لِلْوَالِي أَخْذُهُ مِنْهُمْ بَعْدَ أَنْ يَغْزُوا، وَكَذَلِكَ ابْنُ السَّبِيلِ


(قَالَ) : وَلَا يُعْطَى أَحَدٌ مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَا إنْ كَانَ مُسْلِمًا إلَّا أَنْ يَنْزِلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ لَا تَكُونُ الطَّاعَةُ لِلْوَالِي فِيهَا قَائِمَةً وَلَا أَهْلُ الصَّدَقَةِ الْمُوَلَّوْنَ أَقْوِيَاءَ عَلَى اسْتِخْرَاجِهَا إلَّا بِالْمُؤَلَّفَةِ لَهَا وَتَكُونُ بِلَادُ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ مُمْتَنِعَةً بِالْبُعْدِ، أَوْ كَثْرَةِ الْأَهْلِ، أَوْ مَنْعِهِمْ مِنْ الْأَدَاءِ، أَوْ يَكُونُ قَوْمٌ لَا يُوثَقُ بِثَبَاتِهِمْ فَيُعْطَوْنَ مِنْهَا الشَّيْءَ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الْإِمَامُ عَلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ لَا يَبْلُغُ اجْتِهَادُهُ فِي حَالٍ أَنْ يَزِيدَهُمْ عَلَى سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ وَيُنْقِصَهُمْ مِنْهُ إنْ قَدَرَ حَتَّى يَقْوَى بِهِمْ عَلَى أَخْذِ الصَّدَقَاتِ مِنْ أَهْلِهَا، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ أَتَى أَبَا بَكْرٍ بِنَحْوِ ثَلَثِمِائَةِ بَعِيرٍ صَدَقَةِ قَوْمِهِ فَأَعْطَاهُ مِنْهَا ثَلَاثِينَ بَعِيرًا وَأَمَرَهُ بِالْجِهَادِ مَعَ خَالِدٍ فَجَاهَدَ مَعَهُ بِنَحْوٍ مِنْ أَلْفِ رَجُلٍ، وَلَعَلَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْطَاهُ مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ إنْ كَانَ هَذَا ثَابِتًا، فَإِنِّي لَا أَعْرِفُهُ مِنْ وَجْهٍ يُثْبِتُهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ، هُوَ مِنْ حَدِيثِ مَنْ يَنْسُبُ إلَى بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالرِّدَّةِ


(قَالَ) : وَيُعْطَى الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا بِقَدْرِ أُجُورِ مِثْلِهِمْ فِيمَا تَكَلَّفُوا مِنْ السَّفَرِ وَقَامُوا بِهِ مِنْ الْكِفَايَةِ لَا يُزَادُونَ عَلَيْهِ شَيْئًا وَيَنْبَغِي لِلْوَالِي أَنْ يَسْتَأْجِرَهُمْ أُجْرَةً، فَإِنْ أَغْفَلَ ذَلِكَ أَعْطَاهُمْ أَجْرَ أَمْثَالِهِمْ، فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ لَمْ يَسَعْهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا إلَّا قَدْرَ أُجُورِ أَمْثَالِهِمْ وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ سَهْمًا مِنْ أَسْهُمِ الْعَامِلِينَ، أَوْ سَهْمَ الْعَامِلِينَ كُلَّهُ إنَّمَا لَهُمْ فِيهِ أُجُورُ أَمْثَالِهِمْ، فَإِنْ جَاوَزَ ذَلِكَ سَهْمَ الْعَامِلِينَ وَلَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَمَانَةِ وَالْكِفَايَةِ يَلِي إلَّا بِمُجَاوَزَةِ الْعَامِلِينَ رَأَيْت أَنْ يُعْطِيَهُمْ الْوَالِي سَهْمَ الْعَامِلِينَ تَامًّا وَيَزِيدَهُمْ قَدْرَ أُجُورِ أَمْثَالِهِمْ مِنْ سَهْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ، لَوْ أَعْطَاهُمْ مِنْ السُّهْمَانِ مَعَهُ حَتَّى يُوفِيَهُمْ أُجُورَ أَمْثَالِهِمْ مَا رَأَيْت ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ضَيِّقًا عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الْعَامِلِ أَنْ يَأْخُذَهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَأْخُذْهُ ضَاعَتْ الصَّدَقَةُ أَلَا تَرَى أَنَّ مَالَ الْيَتِيمِ يَكُونُ بِالْمَوْضِعِ فَيُسْتَأْجَرُ عَلَيْهِ إذَا خِيفَ ضَيْعَتُهُ مَنْ يَحْفَظُهُ، وَإِنْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُ وَقَلَّمَا يَكُونُ أَنْ يَعْجَزَ سَهْمُ الْعَامِلِينَ عَنْ مَبْلَغِ أُجْرَةِ الْعَامِلِ وَقَدْ يُوجَدُ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ أَمِينٌ يَرْضَى بِسَهْمِ الْعَامِلِ وَأَقَلَّ مِنْهُ فَيُوَلَّاهُ أَحَبُّ إلَيَّ.


[بَابُ جِمَاعِ بَيَانِ قَسْمِ السُّهْمَانِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَجِمَاعُ مَا قَسَمْنَا عَلَى السُّهْمَانِ عَلَى اسْتِحْقَاقِ كُلِّ مَنْ سُمِّيَ لَا عَلَى الْعَدَدِ وَلَا عَلَى أَنْ يُعْطَى كُلُّ صِنْفٍ سَهْمًا، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوهُ بِالْحَاجَةِ إلَيْهِ وَلَا يَمْنَعُهُمْ أَنْ يَسْتَوْفُوا سُهْمَانَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ غَيْرِهَا إذَا فَضَلَ عَنْ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَعْطَى كُلَّ صِنْفٍ مِنْهُمْ سَهْمًا مُؤَقَّتًا فَأَعْطَيْنَاهُ بِالْوَجْهَيْنِ

(2/81)

مَعًا فَكَانَ مَعْقُولًا أَنَّ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ وَالْغَارِمِينَ إذَا أُعْطُوا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ إلَى الْغِنَى وَالْغُرْمِ إلَى أَنْ لَا يَكُونُوا غَارِمِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي السُّهْمَانِ شَيْءٌ وَصَارُوا أَغْنِيَاءَ كَمَا لَمْ يَكُنْ لِلْأَغْنِيَاءِ عَلَى الِابْتِدَاءِ مَعَهَا شَيْءٌ وَكَانَ الَّذِي يُخْرِجُهُمْ مِنْ اسْمِ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالْغُرْمِ يُخْرِجُهُمْ مِنْ مَعْنَى أَسْمَائِهِمْ، وَهَكَذَا الْمُكَاتَبُونَ وَكَانَ ابْنُ السَّبِيلِ وَالْغَازِي يُعْطَوْنَ مِمَّا وَصَفْت مِنْ كِفَايَتِهِمْ مُؤْنَةَ سَبِيلِهِمْ وَغَزْوِهِمْ وَأُجْرَةَ الْوَالِي الْعَامِلِ عَلَى الصَّدَقَةِ وَلَمْ يُخْرِجْهُمْ مِنْ اسْمِ أَنْ يَكُونُوا بَنِي سَبِيلٍ وَلَا غُزَاةً وَلَا عَامِلِينَ مَا كَانُوا مُسَافِرِينَ وَغُزَاةً وَعُمَّالًا، فَلَمْ يُعْطَوْا إلَّا بِالْمَعْنَى دُونَ جِمَاعِ الِاسْمِ، وَهَكَذَا الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ لَا يَزُولُ هَذَا الِاسْمُ عَنْهُمْ، لَوْ أُعْطِيَ كُلُّ صِنْفٍ مِنْ هَؤُلَاءِ كُلَّ السُّهْمَانِ (قَالَ) : فَهُمْ يَجْتَمِعُونَ فِي الْمَعَانِي الَّتِي يُعْطَوْنَ بِهَا، وَإِنْ تَفَرَّقَتْ بِهِمْ الْأَسْمَاءُ.

[بَابُ اتِّسَاعِ السُّهْمَانِ حَتَّى تَفْضُلَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِهَا]

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَإِذَا اتَّسَعَتْ السُّهْمَانُ، فَقَدْ مَثَّلْت لَهَا مِثَالًا كَانَتْ السُّهْمَانُ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ فَوَجَدْنَا الْفُقَرَاءَ ثَلَاثَةً يُخْرِجُهُمْ مِنْ الْفَقْرِ مِائَةٌ وَالْمَسَاكِينَ خَمْسَةً يُخْرِجُهُمْ مِنْ الْمَسْكَنَةِ مِائَتَانِ وَالْغَارِمِينَ أَرْبَعَةً يُخْرِجُهُمْ مِنْ الْغُرْمِ أَلْفٌ، فَيَفْضُلُ عَنْ الْفُقَرَاءِ تِسْعُمِائَةٍ، وَعَنْ الْمَسَاكِينِ ثَمَانُمِائَةٍ وَاسْتَغْرَقَ الْغَارِمُونَ سَهْمَهُمْ، فَوَقَفْنَا الْأَلْفَ وَسَبْعَمِائَةٍ الَّتِي فَضَلَتْ عَنْ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، فَضَمَمْنَاهَا إلَى السُّهْمَانِ الْخَمْسَةِ الْبَاقِيَةِ سَهْمِ الْغَارِمِينَ وَسَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ وَسَهْمِ الرِّقَابِ وَسَهْمِ سَبِيلِ اللَّهِ وَسَهْمِ ابْنِ السَّبِيلِ، ثُمَّ ابْتَدَأْنَا بِالْقَسْمِ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْبَاقِينَ كَابْتِدَائِنَا لَوْ كَانُوا هُمْ أَهْلُ السُّهْمَانِ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ السُّهْمَانِ مَعَهُمْ، فَأَعْطَيْنَاهُمْ سُهْمَانَهُمْ، وَالْفَضْلُ عَمَّنْ اسْتَغْنَى مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ مِنْهُمْ، فَإِذَا اسْتَغْنَى صِنْفٌ مِنْهُمْ بِأَقَلَّ مِنْ سَهْمِهِ جُعِلَ فِي جُمْلَةِ الْأَصْلِ، هُوَ الثُّمُنَ وَمَا رُدَّ عَلَيْهِمْ مِنْ الْفَضْلِ عَنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ، وَأَرُدُّ الْفَضْلَ عَنْهُ عَلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ مَعًا، كَمَا أَرُدُّ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ مَعَهُ الْفَضْلَ عَنْ غَيْرِهِ.


[بَابُ اتِّسَاعِ السُّهْمَانِ عَنْ بَعْضٍ وَعَجْزِهَا عَنْ بَعْضٍ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَإِذَا كَانَتْ السُّهْمَانُ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ فَكَانَ كُلُّ سَهْمٍ أَلْفًا فَأَحْصَيْنَا الْفُقَرَاءَ فَوَجَدْنَاهُمْ خَمْسَةً يُخْرِجُهُمْ مِنْ الْفَقْرِ خَمْسُمِائَةٍ وَوَجَدْنَا الْمَسَاكِينَ عَشَرَةً يُخْرِجُهُمْ مِنْ الْمَسْكَنَةِ خَمْسُمِائَةٍ وَوَجَدْنَا الْغَارِمِينَ عَشَرَةً يُخْرِجُهُمْ مِنْ الْغُرْمِ خَمْسَةُ آلَافٍ فَسَأَلَ الْغَارِمُونَ أَنْ يُبْدَأَ بِالْقَسْمِ بَيْنَهُمْ فَوْضَى عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ بِالْحَاجَةِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُمْ وَيُعْطَى كُلُّ صِنْفٍ مِنْهُمْ سَهْمَهُ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْهُ، فَإِذَا اسْتَغْنَى عَنْهُ رُدَّ عَلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ مَعَهُ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِأَحَقَّ بِهِ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ السُّهْمَانِ ثُمَّ هَكَذَا يُصْنَعُ فِي جَمِيعِ أَهْلِ السُّهْمَانِ وَفِي كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ سَهْمُهُ وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ ثُمَّ لَا يَكُونُ أَحَدٌ أَحَقَّ بِالْفَضْلِ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ اخْتَلَفَ غُرْمُ الْغَارِمِينَ فَكَانَ عِدَّتُهُمْ عَشَرَةً

(2/82)

وَغُرْمُ أَحَدِهِمْ مِائَةٌ وَغُرْمُ الْآخَرِ أَلْفٌ وَغُرْمُ الْآخَرِ خَمْسُمِائَةٍ فَسَأَلُوا أَنْ يُعْطَوْا عَلَى الْعَدَدِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ وَجُمِعَ غُرْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَكَانَ غُرْمُهُمْ عَشَرَةَ آلَافٍ وَسَهْمُهُمْ أَلْفًا فَيُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عُشْرَ غُرْمِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، فَيُعْطَى الَّذِي غُرْمُهُ مِائَةٌ عَشَرَةً، وَاَلَّذِي غُرْمُهُ أَلْفٌ مِائَةً، وَاَلَّذِي غُرْمُهُ خَمْسُمِائَةٍ خَمْسِينَ فَيَكُونُونَ قَدْ سُوِّيَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ غُرْمِهِمْ لَا عَلَى عَدَدِهِمْ وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ مَعَهُمْ عِيدَ بِهِ عَلَيْهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ فَأُعْطِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يُصِيبُهُ لِعُشْرِ غُرْمِهِ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ رِقَابٌ وَلَا مُؤَلَّفَةٌ وَلَا غَارِمُونَ ابْتَدَأَ الْقَسْمَ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ فَفُضَّتْ الثَّمَانِيَةُ أَسْهُمٍ عَلَيْهِ أَخْمَاسًا، وَهَكَذَا كُلُّ صِنْفٍ مِنْهُمْ لَا يُوجَدُ، وَكُلُّ صِنْفٍ اسْتَغْنَى عِيدَ بِفَضْلِهِ عَلَى مَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ، وَلَا يُخْرَجُ مِنْ الصَّدَقَةِ شَيْءٌ عَنْ بَلَدِهِ الَّذِي أُخِذَتْ بِهِ، قَلَّ وَلَا كَثُرَ، حَتَّى لَا يَبْقَى وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ إلَّا أُعْطِيَ حَقَّهُ، لَوْ فُقِدَ أَهْلُ السُّهْمَانِ كُلُّهُمْ إلَّا الْفُقَرَاءَ وَالْعَامِلِينَ، قُسِمَتْ الثَّمَانِيَةُ عَلَيْهِمْ، حَتَّى يُوَفَّى الْفُقَرَاءُ مَا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الْفَقْرِ، وَيُعْطَى الْعَامِلُونَ بِقَدْرِ إجْزَائِهِمْ.

[بَابُ ضِيقِ السُّهْمَانِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِهَا دُونَ بَعْضٍ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : لَوْ كَانَتْ السُّهْمَانُ ثَمَانِيَةً وَأَهْلُ السُّهْمَانِ وَافِرُونَ فَجَمَعْنَا الْفُقَرَاءَ فَوَجَدْنَاهُمْ وَوَجَدْنَا الْمَسَاكِينَ مِائَةً يُخْرِجُهُمْ مِنْ الْمَسْكَنَةِ أَلْفٌ وَالْغَارِمِينَ فَوَجَدْنَاهُمْ ثَلَاثَةً يُخْرِجُهُمْ مِنْ الْغُرْمِ أَلْفٌ فَسَأَلَ الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ أَنْ يُجْعَلَ الْمَالُ كُلُّهُ بَيْنَهُمْ فَوْضَى عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ، وَأُعْطِيَ كُلُّ صِنْفٍ مِنْهُمْ كَامِلًا وَقُسِمَ بَيْنَ أَهْلِ كُلِّ صِنْفٍ عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ، فَإِنْ أَغْنَاهُمْ فَذَاكَ، وَإِنْ لَمْ يُغْنِهِمْ لَمْ يُعْطَوْا شَيْئًا إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ غَيْرِهِمْ شَيْءٌ لَمْ يُزَادُوا عَلَى سَهْمِهِمْ، لَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَضَاقَتْ السُّهْمَانُ عَنْهُمْ كُلِّهِمْ فَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ صِنْفٌ يَسْتَغْنِي بِسَهْمِهِ، أَوْ فِي كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ سَهْمُهُ، لَمْ يُزَدْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَالِ فَضْلٌ يُعَادُ بِهِ عَلَيْهِ، لَوْ كَانَ أَهْلُ صِنْفٍ مِنْهُمْ مُتَمَاسِكِينَ لَوْ تُرِكُوا وَلَمْ يُعْطَوْا فِي عِلْمِهِمْ ذَلِكَ لَمَا شَكَوْا وَأَهْلُ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ يُخَافَ هَلَاكُهُمْ لِكَثْرَتِهِمْ وَشِدَّةِ حَاجَتِهِمْ وَضِيقِ سَهْمِهِمْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَالِي أَنْ يَزِيدَهُمْ عَلَى سَهْمِهِمْ مِنْ سَهْمِ غَيْرِهِمْ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ غَيْرُهُمْ ثُمَّ يَرُدَّ فَضْلًا إنْ كَانَ عَلَيْهِمْ مَعَ غَيْرِهِمْ وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ أَوْلَى بِالْفَضْلِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا أَشَدَّ حَاجَةً، كَمَا لَا يَجْعَلُ مَا قَسَمَ لِقَوْمٍ عَلَى قَوْمٍ بِمَعْنًى لِغَيْرِهِمْ لِشِدَّةِ حَاجَةٍ وَلَا عِلَّةٍ، وَلَكِنْ يُوفَى كُلٌّ مَا جُعِلَ لَهُ، وَهَكَذَا يَصْنَعُ بِجَمِيعِ السُّهْمَانِ، لَوْ أَجْدَبَ أَهْلُ بَلَدٍ وَهَلَكَتْ مَوَاشِيهِمْ حَتَّى يُخَافَ تَلَفُهُمْ وَأَهْلُ بَلَدٍ آخَرَ مُخْصَبُونَ لَا يُخَافُ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ نَقْلُ صَدَقَاتِهِمْ عَنْ جِيرَتِهِمْ حَتَّى يَسْتَغْنُوا فَلَا يُنْقَلُ شَيْءٌ جُعِلَ لِقَوْمٍ إلَى غَيْرِهِمْ أَحْوَجَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ لَا تُحِقُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مَالَ غَيْرِهِ.

(2/83)

[بَابُ قَسْمِ الْمَالِ عَلَى مَا يُوجَدُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَيُّ مَالٍ أُخِذَتْ مِنْهُ الصَّدَقَةُ قُسِمَ الْمَالُ عَلَى وَجْهِهِ وَلَمْ يُبَدَّلْ بِغَيْرِهِ وَلَمْ يُبَعْ، فَإِنْ اجْتَمَعَ حَقُّ أَهْلِ السُّهْمَانِ فِي بَعِيرٍ، أَوْ بَقَرَةٍ، أَوْ شَاةٍ، أَوْ دِينَارٍ، أَوْ دِرْهَمٍ، أَوْ اجْتَمَعَ فِيهِ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ وَأَكْثَرُ أُعْطَوْهُ وَأُشْرِكَ بَيْنَهُمْ فِيهِ كَمَا يُعْطَى الَّذِي وُهِبَ لَهُمْ وَأُوصِيَ لَهُمْ بِهِ وَأُقِرَّ لَهُمْ بِهِ وَاشْتَرَوْهُ بِأَمْوَالِهِمْ، وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَحَقَّ أَحَدُهُمْ عُشْرَهُ وَآخَرُ نِصْفَهُ وَآخَرُ مَا بَقِيَ مِنْهُ أُعْطُوهُ عَلَى قَدْرِ مَا اسْتَحَقُّوا مِنْهُ، وَهَكَذَا يُصْنَعُ فِي جَمِيعِ أَصْنَافِ الصَّدَقَاتِ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ فِي الْمَاشِيَةِ كُلِّهَا وَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ حَتَّى يُشْرَكَ بَيْنَ النَّفَرِ فِي الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ لَا يُبَاعُ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِهِ وَلَا تُبَاعُ الدَّنَانِيرُ بِدَرَاهِمَ وَلَا الدَّرَاهِمُ بِفُلُوسٍ وَلَا بِحِنْطَةٍ ثُمَّ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ، وَأَمَّا التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ وَمَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ، فَإِنَّهُ يُكَالُ لِكُلٍّ حَقُّهُ.


[بَابُ جِمَاعِ قَسْمِ الْمَالِ مِنْ الْوَالِي وَرَبِّ الْمَالِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَجَمِيعُ مَا أُخِذَ مِنْ مُسْلِمٍ مِنْ صَدَقَةِ فِطْرٍ وَخُمُسِ رِكَازٍ وَزَكَاةِ مَعْدِنٍ وَصَدَقَةِ مَاشِيَةٍ وَزَكَاةِ مَالٍ وَعُشْرِ زَرْعٍ وَأَيِّ أَصْنَافِ الصَّدَقَاتِ أُخِذَ مِنْ مُسْلِمٍ فَقَسْمُهُ وَاحِدٌ عَلَى الْآيَةِ الَّتِي فِي بَرَاءَةٌ {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60] الْآيَةَ لَا يَخْتَلِفُ، وَسَوَاءٌ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ عَلَى مَا وَصَفْت، فَإِذَا
قَسَمَهُ الْوَالِي فَفِيهِ سَهْمُ الْعَامِلِينَ مِنْهُ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّهُ لَا عَامِلَ عَلَيْهِ يَأْخُذُهُ فَيَكُونُ لَهُ أَجْرُهُ فِيهِ وَالْعَامِلُونَ فِيهِ عَدَمٌ، فَإِنْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ: فَأَنَا إلَيَّ أَخْذُهُ مِنْ نَفْسِي وَجَمْعُهُ وَقَسْمُهُ فَآخُذُ أَجْرَ مِثْلِي قِيلَ إنَّهُ لَا يُقَالُ لَك عَامِلُ نَفْسِك وَلَا يَجُوزُ لَك إذَا كَانَتْ الزَّكَاةُ فَرْضًا عَلَيْك أَنْ يَعُودَ إلَيْك مِنْهَا شَيْءٌ، فَإِنْ أَدَّيْت مَا كَانَ عَلَيْك أَنْ تُؤَدِّيَهُ وَإِلَّا كُنْت عَاصِيًا لَوْ مَنَعْته، فَإِنْ قَالَ: فَإِنْ وَلَّيْتهَا غَيْرِي؟ قِيلَ إذَا كُنْت لَا تَكُونُ عَامِلًا عَلَى غَيْرِك لَمْ يَكُنْ غَيْرُك عَامِلًا إذَا اسْتَعْمَلْته أَنْتَ، وَلَا يَكُونُ وَكِيلُك فِيهَا إلَّا فِي مَعْنَاك، أَوْ أَقَلَّ؛ لِأَنَّ عَلَيْك تَفْرِيقُهَا، فَإِذَا تَحَقَّقَ مِنْك فَلَيْسَ لَك الِانْتِقَاصُ مِنْهَا لَمَّا تَحَقَّقْت بِقِيَامِهِ بِهَا (قَالَ) : وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ يُوَلِّي زَكَاةَ مَالِهِ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ الْمُحَاسِبَ بِهَا الْمَسْئُولَ عَنْهَا هُوَ، فَهُوَ أَوْلَى بِالِاجْتِهَادِ فِي وَضْعِهَا مَوَاضِعَهَا مِنْ غَيْرِهِ وَأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ فِعْلِ نَفْسِهِ فِي أَدَائِهَا، وَفِي شَكٍّ مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ لَا يَدْرِي أَدَّاهَا عَنْهُ، أَوْ لَمْ يُؤَدِّهَا، فَإِنْ قَالَ: أَخَافُ حِبَائِي، فَهُوَ يَخَافُ مِنْ غَيْرِهِ مِثْلَ مَا يَخَافُ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَسْتَيْقِنُ فِعْلَ نَفْسِهِ فِي الْأَدَاءِ وَيَشُكُّ فِي فِعْلِ غَيْرِهِ.

[بَابُ فَضْلِ السُّهْمَانِ عَنْ جَمَاعَةِ أَهْلِهَا]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَيُعْطِي الْوُلَاةُ جَمِيعَ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ، الثَّمَرَةِ، وَالزَّرْعِ، وَالْمَعَادِنِ، وَالْمَاشِيَةِ.

فَإِنْ لَمْ يَأْتِ الْوُلَاةُ بَعْدَ حُلُولِهَا لَمْ يَسَعْ أَهْلَهَا إلَّا قَسْمُهَا، فَإِنْ جَاءَ الْوُلَاةُ بَعْدَ قَسْمِ

(2/84)

أَهْلِهَا لَمْ يَأْخُذُوهَا مِنْهُمْ ثَانِيَةً، فَإِنْ ارْتَابُوا بِأَحَدٍ وَخَافُوا دَعْوَاهُ الْبَاطِلَ فِي قَسْمِهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُحَلِّفُوهُ بِاَللَّهِ لَقَدْ قَسَمَهَا كَامِلَةً فِي أَهْلِهَا، وَإِنْ أَعْطَوْهُمْ زَكَاةَ التِّجَارَاتِ أَجْزَأَهُمْ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنْ قَسَمُوهَا دُونَهُمْ فَلَا بَأْسَ، وَهَكَذَا زَكَاةُ الْفِطْرِ وَالرِّكَازِ.

[بَابُ تَدَارُكِ الصَّدَقَتَيْنِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : لَا يَنْبَغِي لِلْوَالِي أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّدَقَةَ عَنْ مَحِلِّهَا عَامًا وَاحِدًا، فَإِنْ أَخَّرَهَا لَمْ يَنْبَغِ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يُؤَخِّرَ، فَإِنْ فَعَلَا مَعًا قَسَمَاهَا مَعًا فِي سَاعَةِ يُمْكِنُهُمَا قَسْمُهَا لَا يُؤَخِّرَانِهَا بِحَالٍ، فَإِنْ كَانَ قَوْمٌ فِي الْعَامِ الْمَاضِي مِنْ أَهْلِهَا وَهُمْ الْعَامَ مِنْ أَهْلِهَا وَكَانَ بِقَوْمٍ حَاجَةٌ فِي عَامِهِمْ هَذَا وَكَانُوا مِنْ أَهْلِهَا وَلَمْ يَكُونُوا فِي الْعَامِ الْمَاضِي أُعْطِيَ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْعَامِ الْمَاضِي مِنْ أَهْلِهَا صَدَقَةَ الْعَامِ الْمَاضِي، فَإِنْ اسْتَغْنَوْا بِهِ، لَمْ يُعْطَوْا مِنْهُ فِي هَذَا الْعَامِ شَيْئًا، وَكَذَلِكَ لَوْ أُخِذَتْ الصَّدَقَةُ وَرَجُلٌ مِنْ أَهْلِهَا فَلَمْ تُقْسَمْ حَتَّى أَيْسَرَ، لَمْ يُعْطَ مِنْهَا شَيْئًا، وَلَا يُعْطَى مِنْهَا حَتَّى يَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا يَوْمَ تُقْسَمُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْنُوا بِصَدَقَةِ الْعَامِ الْمَاضِي كَانُوا شُرَكَاءَ فِي صَدَقَةِ عَامِهِمْ هَذَا مَعَ الَّذِينَ اسْتَحَقُّوا فِي عَامِهِمْ هَذَا بِأَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا وَلَا يَدْفَعُهُمْ عَنْ الصَّدَقَةِ الْعَامُ وَهُمْ مِنْ أَهْلِهَا بِأَنْ يَكُونُوا اسْتَوْجَبُوهَا فِي الْعَامِ الْمَاضِي قَبْلَهُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّهَا فِي الْعَامَيْنِ مَعًا الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ وَالْغَارِمُونَ وَالرِّقَابُ، فَأَمَّا مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ فَلَا يُؤْتَى لِعَامِ أَوَّلٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَامِلِينَ إنَّمَا يُعْطَوْنَ عَلَى الْعَمَلِ فَهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا عَامَ أَوَّلٍ، وَأَنَّ ابْنَ السَّبِيلِ وَالْغُزَاةَ إنَّمَا يُعْطَوْنَ عَلَى الشُّخُوصِ وَهُمْ لَمْ يَشْخَصُوا عَامَ أَوَّلٍ، أَوْ شَخَصُوا فَاسْتَغْنَوْا عَنْهَا وَأَنَّ الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ لَا يُعْطَوْنَ إلَّا بِالتَّأْلِيفِ فِي قَوْمِهِمْ لِلْعَوْنِ عَلَى أَخْذِهَا وَهِيَ فِي عَامِ أَوَّلٍ لَمْ تُؤْخَذْ فَيُعِينُونَ عَلَيْهَا.


[بَابُ جِيرَانِ الصَّدَقَةِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: كَانَتْ الْعَرَبُ أَهْلَ الصَّدَقَاتِ وَكَانَتْ تُجَاوِرُ بِالْقَرَابَةِ لِيَمْتَنِعَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ لِمَنْ أَرَادَهَا، فَلَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُؤْخَذَ الصَّدَقَةُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدَّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ كَانَ بَيْنَا فِي أَمْرِهِ أَنَّهَا تُرَدُّ عَلَى الْفُقَرَاءِ الْجِيرَانِ لِلْمَأْخُوذَةِ مِنْهُ الصَّدَقَةُ، وَكَانَتْ الْأَخْبَارُ بِذَلِكَ مُتَظَاهِرَةً عَلَى رُسُلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الصَّدَقَاتِ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَأْخُذُهَا مِنْ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ وَيَدْفَعُهَا إلَى أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ بِجَنْبِهِمْ إذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِهَا، وَكَذَلِكَ قَضَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «أَيُّمَا رَجُلٍ انْتَقَلَ عَنْ مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ إلَى غَيْرِ مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ فَصَدَقَتُهُ وَعُشْرُهُ إلَى مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ» يَعْنِي إلَى جَارِ الْمَالِ الَّذِي تُؤْخَذُ مِنْهُ الصَّدَقَةُ دُونَ جَارِ رَبِّ الْمَالِ فَبِهَذَا نَقُولُ إذَا كَانَ لِلرَّجُلِ مَالٌ بِبَلَدٍ وَكَانَ سَاكِنًا بِبَلَدٍ غَيْرِهِ قُسِّطَتْ صَدَقَتُهُ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ الَّذِي بِهِ مَالُهُ الَّذِي فِيهِ الصَّدَقَةُ

(2/85)

كَانُوا أَهْلَ قَرَابَةٍ لَهُ، أَوْ غَيْرَ قَرَابَةٍ، وَأَمَّا أَهْلُ الزَّرْعِ وَالثَّمَرَةِ الَّتِي فِيهَا الصَّدَقَةُ فَأَمْرُهُمْ بَيِّنٌ، يُقْسَمُ الزَّرْعُ وَالثَّمَرَةُ عَلَى جِيرَانِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا جِيرَانٌ فَأَقْرَبَ النَّاسِ بِهَا جِوَارًا؛ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِاسْمِ جِوَارِهَا، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْمَوَاشِي الْخِصْبَةِ وَالْأَوَارِكِ وَالْإِبِلِ الَّتِي لَا يُنْتَجَعُ بِهَا، فَأَمَّا أَهْلُ النُّجَعِ الَّذِينَ يَتَتَبَّعُونَ مَوَاقِعَ الْقَطْرِ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ دِيَارٌ، بِهَا مِيَاهُهُمْ وَأَكْثَرُ مُقَامِهِمْ لَا يُؤَثِّرُونَ عَلَيْهَا إذَا أَخْصَبَتْ شَيْئًا فَأَهْلُ تِلْكَ الدَّارِ مِنْ الْمَسَاكِينِ الَّذِينَ يَلْزَمُهُمْ أَنْ تَكُونَ الْأَغْلَبَ عَلَيْهِمْ أَوْلَى كَمَا كَانَ جِيرَانُ أَهْلِ الْأَمْوَالِ الْمُقِيمِينَ أَوْلَى بِهَا، فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَنْتَجِعُ بِنُجْعَتِهِمْ، كَانَ أَقْرَبَ جِوَارًا مِمَّنْ يُقِيمُ فِي دِيَارِهِمْ إلَى أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِمْ، وَتُقْسَمُ الصَّدَقَةُ عَلَى النَّاجِعَةِ الْمُقِيمَةِ بِنُجْعَتِهِمْ وَمُقَامِهِمْ دُونَ مَنْ انْتَجَعَ مَعَهُمْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ دَارِهِمْ. وَدُونَ مَنْ انْتَجَعُوا إلَيْهِ فِي دَارِهِ، أَوْ لَقِيَهُمْ فِي النُّجْعَةِ مِمَّنْ لَا يُجَاوِرُهُمْ، وَإِذَا تَخَلَّفَ عَنْهُمْ أَهْلُ دَارِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مُنْتَجِعٌ مِنْ أَهْلِهَا يَسْتَحِقُّ السُّهْمَانَ جُعِلَتْ السُّهْمَانُ فِي أَهْلِ دَارِهِمْ دُونَ مَنْ انْتَجَعُوا إلَيْهِ. وَلَقِيَهُمْ فِي النُّجْعَةِ مِنْ أَهْلِهَا، لَوْ انْتَقَلُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَصَدَقَاتِهِمْ بِجِيرَانِ أَمْوَالِهِمْ الَّتِي فَرُّوا بِهَا، وَإِنْ بَعُدَتْ نُجْعَتُهُمْ حَتَّى لَا يَعُودُوا إلَى بِلَادِهِمْ إلَّا فِيمَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، قُسِمَتْ الصَّدَقَةُ عَلَى جِيرَانِ أَمْوَالِهِمْ، وَلَمْ تُحْمَلْ إلَى أَهْلِ دَارِهِمْ إذَا صَارُوا مِنْهُمْ سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ.

[بَابُ فَضْلِ السُّهْمَانِ عَنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَإِذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ إلَّا صِنْفٌ وَاحِدٌ قُسِمَتْ الصَّدَقَةُ كُلُّهَا فِي ذَلِكَ الصِّنْفِ حَتَّى يَسْتَغْنُوا، فَإِذَا فَضَلَ فَضْلٌ عَنْ إغْنَائِهِمْ نُقِلَتْ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِهِمْ دَارًا (قَالَ) : وَإِذَا اسْتَوَى فِي الْقُرْبِ أَهْلُ نَسَبِهِمْ وَعِدًى قُسِمَتْ عَلَى أَهْلِ نَسَبِهِمْ دُونَ الْعِدَى، وَإِنْ كَانَ الْعِدَى أَقْرَبَ النَّاسِ بِهِمْ دَارًا وَكَانَ أَهْلُ نَسَبِهِمْ مِنْهُمْ عَلَى سَفَرٍ تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِيهِ قُسِمَتْ الصَّدَقَةُ عَلَى الْعِدَى إذَا كَانَ دُونَ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى بِاسْمِ حَضْرَتِهِمْ، وَمَنْ كَانَ أَوْلَى بِاسْمِ حَضْرَتِهِمْ كَانَ أَوْلَى بِجِوَارِهِمْ، وَإِنْ كَانَ أَهْلُ نَسَبِهِمْ دُونَ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَالْعِدَى أَقْرَبَ مِنْهُمْ، قُسِمَتْ عَلَى أَهْلِ نَسَبِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ بِالْبَادِيَةِ غَيْرُ خَارِجِينَ مِنْ اسْمِ الْجِوَارِ، وَلِذَلِكَ هُمْ فِي الْمُتْعَةِ حَاضِرُو الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.


[بَابُ مِيسَمِ الصَّدَقَةِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَنْبَغِي لِوَالِي الصَّدَقَةِ أَنْ يَسِمَ كُلَّ مَا يَأْخُذُ مِنْهَا مِنْ إبِلٍ، أَوْ بَقَرٍ، أَوْ غَنَمٍ، يَسِمُ الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ فِي أَفْخَاذِهَا وَالْغَنَمَ فِي أُصُولِ آذَانِهَا وَيَجْعَلُ مِيسَمَ الصَّدَقَةَ مَكْتُوبًا لِلَّهِ وَيَجْعَلُ مِيسَمَ الْغَنَمِ أَلْطَفَ مِنْ مِيسَمِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، وَإِنَّمَا قُلْت يَنْبَغِي لَهُ لِمَا بَلَغَنَا أَنَّ عُمَّالَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يَسِمُونَ، وَكَذَلِكَ بَلَغَنَا أَنَّ عُمَّالَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانُوا يَسِمُونَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ

(2/86)

زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إنَّ فِي الظَّهْرِ نَاقَةً عَمْيَاءَ فَقَالَ عُمَرُ " نَدْفَعُهَا إلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَنْتَفِعُونَ بِهَا " قَالَ: فَقُلْت وَهِيَ عَمْيَاءُ؟ فَقَالَ " يَقْطُرُونَهَا بِالْإِبِلِ " قُلْت: فَكَيْفَ تَأْكُلُ مِنْ الْأَرْضِ؟ فَقَالَ عُمَرُ " أَمِنْ نَعَمِ الْجِزْيَةِ أَمْ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ؟ " فَقُلْت: لَا. بَلْ مِنْ نَعَمِ الْجِزْيَةِ فَقَالَ عُمَرُ " أَرَدْتُمْ وَاَللَّهِ أَكْلَهَا " فَقُلْت: إنَّ عَلَيْهَا وَسْمَ الْجِزْيَةِ قَالَ فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ فَأُتِيَ بِهَا فَنُحِرَتْ وَكَانَتْ عِنْدَهُ صِحَافٌ تِسْعٌ فَلَا تَكُونُ فَاكِهَةٌ وَلَا طُرْفَةٌ إلَّا جَعَلَ مِنْهَا فِي تِلْكَ الصِّحَافِ فَبَعَثَ بِهَا إلَى أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَكُونُ الَّذِي يَبْعَثُ بِهِ إلَى حَفْصَةَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقْصَانٌ كَانَ فِي حَظِّ حَفْصَةَ، قَالَ فَجَعَلَ فِي تِلْكَ الصِّحَافِ مِنْ لَحْمِ تِلْكَ الْجَزُورِ فَبَعَثَ بِهَا إلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَرَ بِمَا بَقِيَ مِنْ اللَّحْمِ فَصُنِعَ فَدَعَا الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلَمْ تَزَلْ السُّعَاةُ يَبْلُغُنِي عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَسِمُونَ كَمَا وَصَفْت، وَلَا أَعْلَمُ فِي الْمِيسَمِ عِلَّةً إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا أُخِذَ مِنْ الصَّدَقَةِ مَعْلُومًا فَلَا يَشْتَرِيهِ الَّذِي أَعْطَاهُ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ خَرَجَ مِنْهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي فَرَسٍ حُمِلَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَرَآهُ يُبَاعُ أَنْ لَا يَشْتَرِيَهُ» وَكَمَا تَرَكَ الْمُهَاجِرُونَ نُزُولَ مَنَازِلِهِمْ بِمَكَّةَ؛ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.


[بَابُ الْعَلَّةِ فِي الْقَسْمِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا تَوَلَّى الرَّجُلُ قَسْمَ الصَّدَقَةِ قَسَمَهَا عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ أَسْقَطَ مِنْهَا سَهْمَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ إلَّا أَنْ يَجِدَهُمْ فِي الْحَالِ الَّتِي وَصَفْت يَشْخَصُونَ لِمَعُونَةٍ عَلَى أَخْذِ الصَّدَقَةِ فَيُعْطِيهِمْ، وَلَا سَهْمَ لِلْعَامِلِينَ فِيهَا، وَأُحِبُّ لَهُ مَا أَمَرْت بِهِ الْوَالِيَ مِنْ تَفْرِيقِهَا فِي أَهْلِ السُّهْمَانِ مِنْ أَهْلِ مِصْرِهِ كُلِّهِمْ مَا كَانُوا مَوْجُودِينَ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْ صِنْفٍ مِنْهُمْ إلَّا وَاحِدٌ أَعْطَاهُ سَهْمَ ذَلِكَ الصِّنْفِ كُلَّهُ إنْ اسْتَحَقَّهُ، وَذَلِكَ أَنِّي إنْ لَمْ أُعْطِهِ إيَّاهُ، فَإِنَّمَا أُخْرِجُهُ إلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَهُ مَعَهُ قَسْمٌ فَلَمْ أُجِزْ أَنْ أُخْرِجَ عَنْ صِنْفٍ سَمَّوْا شَيْئًا وَمِنْهُمْ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ (قَالَ) : وَإِنْ وُجِدَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ وَضَاقَتْ زَكَاتُهُ أَحْبَبْت أَنْ يُفَرِّقَهَا فِي عَامَّتِهِمْ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَأَقَلُّ مَا يَكْفِيهِ أَنْ يُعْطِيَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةً؛ لِأَنَّ أَقَلَّ جِمَاعِ أَهْلِ سَهْمٍ ثَلَاثَةٌ إنَّمَا ذَكَرَهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِجِمَاعِ فُقَرَاءَ وَمَسَاكِينَ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ مَنْ مَعَهُمْ، فَإِنْ قَسَمَهُ عَلَى اثْنَيْنِ، هُوَ يَجِدُ ثَالِثًا ضَمِنَ ثُلُثَ السَّهْمِ، وَإِنْ أَعْطَاهُ وَاحِدًا ضَمِنَ ثُلُثَيْ السَّهْمِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ أَهْلَ صِنْفٍ وَهُمْ مَوْجُودُونَ ضَمِنَ سَهْمَهُمْ، وَهَكَذَا هَذَا مِنْ أَهْلِ كُلِّ صِنْفٍ، فَإِنْ أَخْرَجَهُ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ غَيْرِهِ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ، وَلَمْ يَبِنْ لِي أَنْ أَجْعَلَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَدْ أَعْطَاهُ أَهْلَهُ بِالِاسْمِ، وَإِنْ تَرَكَ مَوْضِعَ الْجِوَارِ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ قَرَابَةٌ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَكَانَ أَحَقَّ بِهَا مِنْ الْبَعِيدِ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مِنْ قَرَابَتِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْلَمُ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَكَذَلِكَ خَاصَّتُهُ وَمَنْ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ قَرَابَتِهِ مَا عَدَا أَوْلَادَهُ وَوَالِدَيْهِ، وَلَا يُعْطِي وَلَدَ الْوَلَدِ صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا وَلَا زَمِنًا وَلَا أَبًا وَلَا أُمًّا وَلَا جَدًّا وَلَا جَدَّةً زَمْنَى (قَالَ الرَّبِيعُ) : لَا يُعْطِي الرَّجُلُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ لَا أَبًا وَلَا أُمًّا وَلَا ابْنًا وَلَا جَدًّا وَلَا جَدَّةً وَلَا أَعْلَى مِنْهُمْ إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ نَفَقَتَهُمْ تَلْزَمُهُ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ بِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا غَيْرَ زَمْنَى لَا يُغْنِيهِمْ كَسْبُهُمْ فَهُمْ فِي حَدِّ الْفَقْرِ لَا يُعْطِيهِمْ مِنْ زَكَاتِهِ، وَتَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ، وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ زَمْنَى مُسْتَغْنِينَ بِحِرْفَتِهِمْ لَمْ تَلْزَمْهُ نَفَقَتُهُمْ وَكَانُوا فِي حَدِّ الْأَغْنِيَاءِ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ زَكَاةِ الْمَالِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ أَنْ

(2/87)

يُعْطِيَهُمْ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ شَيْئًا، وَهَذَا عِنْدِي أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يُعْطِي زَوْجَتَهُ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا تَلْزَمُهُ، وَإِنَّمَا قُلْت: لَا يُعْطِي مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَغْنِيَاءُ بِهِ فِي نَفَقَاتِهِمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَتُهُ، أَوْ ابْنٌ لَهُ بَلَغَ فَادَّانَ ثُمَّ زَمِنَ وَاحْتَاجَ، أَوْ أَبٌ لَهُ دَائِنًا، أَعْطَاهُمْ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ، وَكَذَلِكَ مِنْ سَهْمِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَيُعْطِيهِمْ بِمَا عَدَا الْفَقْرَ وَالْمَسْكَنَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الدَّيْنِ عَنْهُمْ وَلَا حَمْلُهُمْ إلَى بَلَدٍ أَرَادُوهُ، فَلَا يَكُونُونَ أَغْنِيَاءَ عَنْ هَذَا كَمَا كَانُوا أَغْنِيَاءَ عَنْ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ بِإِنْفَاقِهِ عَلَيْهِمْ (قَالَ) : وَيُعْطِي أَبَاهُ وَجَدَّهُ وَأُمَّهُ وَجَدَّتَهُ وَوَلَدَهُ بَالِغِينَ غَيْرَ زَمْنَى مِنْ صَدَقَتِهِ إذَا أَرَادُوا سَفَرًا؛ لِأَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ فِي حَالَاتِهِمْ تِلْكَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَيُعْطِي رِجَالَهُمْ أَغْنِيَاءَ وَفُقَرَاءَ إذَا غَزَوْا، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانُوا مِنْ غَيْرِ آلِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَمَّا آلُ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ جُعِلَ لَهُمْ الْخُمُسُ عِوَضًا مِنْ الصَّدَقَةِ فَلَا يُعْطَوْنَ مِنْ الصَّدَقَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ شَيْئًا، قَلَّ، أَوْ كَثُرَ، لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهَا وَلَا يُجْزِئُ عَمَّنْ يُعْطِيهُمُوهَا إذَا عَرَفَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا مُحْتَاجِينَ وَغَارِمِينَ وَمِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ، وَإِنْ حُبِسَ عَنْهُمْ الْخُمُسُ وَلَيْسَ مَنْعُهُمْ حَقَّهُمْ فِي الْخُمُسِ، يُحِلُّ لَهُمْ مَا حَرُمَ عَلَيْهِمْ مِنْ الصَّدَقَةِ (قَالَ) : وَآلُ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ تَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ أَهْلُ الْخُمُسِ، وَهُمْ أَهْلُ الشِّعْبِ، وَهُمْ صُلْبِيَّةُ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ إنَّمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ، أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ مِنْ سِقَايَاتِ النَّاسِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَقُلْت لَهُ: أَتَشْرَبُ مِنْ الصَّدَقَةِ وَهِيَ لَا تَحِلُّ لَك؟ فَقَالَ: إنَّمَا حَرُمَتْ عَلَيْنَا الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَتَصَدَّقَ عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ بِأَمْوَالِهِمَا، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا تَطَوُّعٌ، وَقَبِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْهَدِيَّةَ مِنْ صَدَقَةٍ تُصُدِّقَ بِهَا عَلَى بَرِيرَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهَا مِنْ بَرِيرَةَ تَطَوُّعٌ لَا صَدَقَةٌ (قَالَ) : وَإِذَا تَوَلَّى الْعَامِلُ قَسْمَ الصَّدَقَاتِ قَسَمَهَا عَلَى مَا وَصَفْت وَكَانَ الْأَمْرُ فِيهَا عَلَيْهِ وَاسِعًا؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ صَدَقَاتٍ عَامَّةً فَتَكْثُرُ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُؤْثِرَ فِيهَا أَحَدًا عَلَى أَحَدٍ عَلِمَ مَكَانَهُ، فَإِنْ فَعَلَ عَلَى غَيْرِ الِاجْتِهَادِ خَشِيت عَلَيْهِ الْمَأْثَمَ، وَلَمْ يَبِنْ لِي أَنَّ أُضَمِّنَهُ إذَا أَعْطَاهَا أَهْلَهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ نَقَلَهَا مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ فِيهِ أَهْلُ الْأَصْنَافِ لَمْ يَتَبَيَّنْ لِي أَنْ أُضَمِّنَهُ فِي الْحَالَيْنِ (قَالَ) : وَلَوْ ضَمَّنَهُ رَجُلٌ كَانَ مَذْهَبًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَالَ) : فَأَمَّا لَوْ تَرَكَ الْعَامِلُ أَهْلَ صِنْفٍ مَوْجُودِينَ حَيْثُ يَقْسِمُهَا، هُوَ يَعْرِفُهُمْ وَأَعْطَى حَظَّهُمْ غَيْرَهُمْ ضَمِنَ؛ لِأَنَّ سَهْمَ هَؤُلَاءِ بَيِّنٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَلَيْسَ أَنْ يَعُمَّهُمْ بَيِّنًا فِي النَّصِّ، وَكَذَلِكَ إذَا قَسَمَهَا الْوَالِي لَهَا فَتَرَكَ أَهْلَ سَهْمٍ مَوْجُودِينَ ضَمِنَ لِمَا وَصَفْت.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الْفَقِيرُ الَّذِي لَا حِرْفَةَ لَهُ وَلَا مَالَ، وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لَهُ الشَّيْءُ وَلَا يَقُومُ بِهِ.


[بَابُ الْعِلَّةِ فِي اجْتِمَاعِ أَهْلِ الصَّدَقَةِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ الصَّدَقَةُ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ وَأَهْلُ السُّهْمَانِ مَوْجُودِينَ فَكَانَ فِيهِمْ فَقِيرٌ وَاحِدٌ يَسْتَغْرِقُ سَهْمَهُ وَمِسْكِينٌ وَاحِدٌ يَسْتَغْرِقُ سَهْمَهُ وَغَارِمُونَ مِائَةٌ يَعْجَزُ السَّهْمُ كُلُّهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَسَأَلَ الْغَارِمُونَ أَنْ يُعْطَى الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ ثُلُثَ سَهْمٍ؛ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ وَأَقَلُّ مَا يُجْزِي عَلَيْهِ أَنْ يُعْطَى إذَا وُجِدُوا ثَلَاثَةٌ، قِيلَ لَيْسَ ذَلِكَ لَكُمْ؛ لِأَنَّكُمْ لَا تَسْتَحِقُّونَ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ شَيْئًا أَبَدًا مَا كَانَ مِنْهُمْ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ وَالسَّهْمُ مَجْمُوعٌ مُقْتَصَرٌ بِهِ عَلَيْهِمْ مَا احْتَاجَ إلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ، فَإِذَا فَضَلَ مِنْهُ فَضْلٌ كُنْتُمْ وَغَيْرُكُمْ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ فِيهِ سَوَاءٌ وَأَنْتُمْ لَا تَسْتَحِقُّونَ إلَّا بِمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي

(2/88)

جَمِيعِ أَهْلِ السُّهْمَانِ، وَإِذَا كَانَ فِيهِمْ غَارِمُونَ لَا أَمْوَالَ لَهُمْ عَلَيْهِمْ دُيُونٌ فَأُعْطُوا مَبْلَغَ غُرْمِهِمْ، أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ فَقَالُوا: نَحْنُ فُقَرَاءُ غَارِمُونَ، فَقَدْ أُعْطِينَا بِالْغُرْمِ وَأَنْتُمْ تَرَوْنَا أَهْلَ فَقْرٍ، قِيلَ لَهُمْ: إنَّمَا نُعْطِيكُمْ بِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ، لَوْ كَانَ هَذَا عَلَى الِابْتِدَاءِ فَقَالَ: أَنَا فَقِيرٌ غَارِمٌ، قِيلَ لَهُ: اخْتَرْ بِأَيِّ الْمَعْنَيَيْنِ شِئْت أَعْطَيْنَاك، فَإِنْ شِئْت بِمَعْنَى الْفَقْرِ، وَإِنْ شِئْت بِمَعْنَى الْغُرْمِ. فَأَيَّهُمَا اخْتَارَ هُوَ أَكْثَرُ لَهُ أَعْطَيْنَاهُ، وَإِنْ اخْتَارَ الَّذِي هُوَ أَقَلُّ لِعَطَائِهِ أَعْطَيْنَاهُ وَأَيُّهُمَا قَالَ هُوَ الْأَكْثَرُ أَعْطَيْنَاهُ بِهِ وَلَمْ نُعْطِهِ بِالْآخَرِ، فَإِذَا أَعْطَيْنَاهُ بِاسْمِ الْفَقْرِ فَلِغُرَمَائِهِ أَنْ يَأْخُذُوا مِمَّا فِي يَدِهِ حُقُوقَهُمْ كَمَا لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مَالًا لَوْ كَانَ لَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ أَعْطَيْنَاهُ بِمَعْنَى الْغُرْمِ، فَإِذَا أَعْطَيْنَاهُ بِمَعْنَى الْغُرْمِ أَحْبَبْت أَنْ يَتَوَلَّى دَفْعَهُ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَأَعْطَاهُ جَازَ كَمَا يَجُوزُ فِي الْمُكَاتَبِ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ سَهْمِهِ، فَإِنْ قَالَ: وَلِمَ لَا أُعْطَى بِمَعْنَيَيْنِ إذَا كُنْت مِنْ أَهْلِهِمَا مَعًا؟ قِيلَ الْفَقِيرُ الْمِسْكِينُ وَالْمِسْكِينُ فَقِيرٌ بِحَالٍ يَجْمَعُهُمَا اسْمٌ وَيَفْتَرِقُ بِهِمَا اسْمٌ وَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى ذَلِكَ الْمِسْكِينُ فَيُعْطَى الْفَقِيرُ بِالْمَسْكَنَةِ مَعَ الْفَقْرِ وَالْمِسْكِينُ بِالْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى أَحَدُهُمَا إلَّا بِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى رَجُلٌ ذُو سَهْمٍ إلَّا بِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ، لَوْ جَازَ هَذَا، جَازَ أَنْ يُعْطَى رَجُلٌ بِفَقْرٍ وَغُرْمٍ وَبِأَنَّهُ ابْنُ سَبِيلٍ، وَغَازٍ وَمُؤَلَّفٌ وَعَامِلٌ، فَيُعْطَى بِهَذِهِ الْمَعَانِي كُلِّهَا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ مِنْ دَلَالَةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْفَقْرِ يَلْزَمُ الْمِسْكِينَ؟ وَالْمَسْكَنَةُ تَلْزَمُ الْفَقِيرَ؟ قِيلَ: نَعَمْ. مَعْنَى الْفَقْرِ مَعْنَى الْمَسْكَنَةِ، وَمَعْنَى الْمَسْكَنَةِ مَعْنَى الْفَقْرِ، فَإِذَا جُمِعَا مَعًا، لَمْ يَجُزْ إلَّا بِأَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ حَالَيْهِمَا بِأَنْ يَكُونَ الْفَقِيرُ الَّذِي بُدِئَ بِهِ أَشَدَّهُمَا، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي اللِّسَانِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ فَقِيرٌ مِسْكِينٌ وَمِسْكِينٌ فَقِيرٌ، وَإِنَّمَا الْمَسْكَنَةُ وَالْفَقْرُ لَا يَكُونَانِ بِحِرْفَةٍ وَلَا مَالٍ.

[قَسْمُ الصَّدَقَاتِ الثَّانِي]

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقًّا لِغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ الْمُسْلِمِينَ الْمُحْتَاجِينَ إلَيْهِ لَا يَسَعُ أَهْلَ الْأَمْوَالِ حَبْسُهُ عَمَّنْ أُمِرُوا بِدَفْعِهِ إلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ، أَوْ وُلَاتِهِ، وَلَا يَسَعُ الْوُلَاةَ تَرْكُهُ لِأَهْلِ الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى أَخْذِهِ لِأَهْلِهِ مِنْهُمْ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: 103] . فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّ لَيْسَ لِأَهْلِ الْأَمْوَالِ مَنْعُ مَا جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ وَلَا لِمَنْ وَلِيَهُمْ تَرْكُ ذَلِكَ لَهُمْ، وَلَا عَلَيْهِمْ (أَخْبَرَنَا) : إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ أَخَذَا الصَّدَقَةَ مُثَنَّاةً وَلَكِنْ كَانَا يَبْعَثَانِ عَلَيْهَا فِي الْخِصْبِ وَالْجَدْبِ وَالسِّمَنِ وَالْعَجَفِ وَلَا يُضَمِّنَانِهَا أَهْلَهَا وَلَا يُؤَخِّرَانِهَا عَنْ كُلِّ عَامٍ؛ لِأَنَّ أَخْذَهَا فِي كُلِّ عَامٍ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَمْ نَعْلَمْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

(2/89)

أَخَّرَهَا عَامًا لَا يَأْخُذُهَا فِيهِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا مِمَّا أَعْطَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهَا لَا تُفَرِّقُوا بَيْنَ مَا جَمَعَ اللَّهُ ".
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : هَذَا إنَّمَا هُوَ فِيمَا أَخَذَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَالطَّهُورَ إنَّمَا هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ وَالدُّعَاءَ بِالْأَجْرِ وَالْبَرَكَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَخَذَ صَدَقَةَ مُسْلِمٍ دَعَا لَهُ بِالْأَجْرِ وَالْبَرَكَةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 103] أَيْ اُدْعُ لَهُمْ فَمَا أُخِذَ مِنْ مُسْلِمٍ فَهُوَ زَكَاةٌ وَالزَّكَاةُ صَدَقَةٌ وَالصَّدَقَةُ زَكَاةٌ وَطَهُورٌ أَمْرُهُمَا وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ.

وَإِنْ سُمِّيَتْ مَرَّةً زَكَاةً وَمَرَّةً صَدَقَةً هُمَا اسْمَانِ لَهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقَدْ تُسَمِّي الْعَرَبُ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ بِالْأَسْمَاءِ الْكَثِيرَةِ، وَهَذَا بَيِّنٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَفِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي لِسَانِ الْعَرَبِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] قَالَ أَبُو بَكْرٍ:
" لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا مِمَّا أَعْطَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ لَا تُفَرِّقُوا بَيْنَ مَا جَمَعَ اللَّهُ " يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] وَاسْمُ مَا أُخِذَ مِنْ الزَّكَاةِ صَدَقَةٌ وَقَدْ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقَسْمِ صَدَقَةً فَقَالَ: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60] الْآيَةُ تَقُولُ: إذَا جَاءَ الْمُصَدِّقُ يَعْنِي الَّذِي يَأْخُذُ الْمَاشِيَةَ وَتَقُولُ إذَا جَاءَ السَّاعِي، وَإِذَا جَاءَ الْعَامِلُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ صَدَقَةٌ وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْأَغْلَبُ عَلَى أَفْوَاهِ الْعَامَّةِ أَنَّ فِي التَّمْرِ الْعُشْرَ وَفِي الْمَاشِيَةِ الصَّدَقَةَ وَفِي الْوَرِقِ الزَّكَاةَ، وَقَدْ سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا كُلَّهُ صَدَقَةً، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لَهُ صَدَقَةٌ وَزَكَاةٌ وَمَعْنَاهُمَا عِنْدَهُمْ مَعْنًى وَاحِدٌ، فَمَا أُخِذَ مِنْ مُسْلِمٍ مِنْ صَدَقَةِ مَالِهِ ضَأْنًا كَانَ، أَوْ مَاشِيَةً، أَوْ زَرْعًا، أَوْ زَكَاةَ فِطْرٍ، أَوْ خُمُسَ رِكَازٍ، أَوْ صَدَقَةَ مَعْدِنٍ، أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ فِي كِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ أَمْرٍ أَجْمَعَ عَلَيْهِ عَوَامُّ الْمُسْلِمِينَ فَمَعْنَاهُ وَاحِدٌ أَنَّهُ زَكَاةٌ، وَالزَّكَاةُ صَدَقَةٌ وَقَسْمُهُ وَاحِدٌ لَا يَخْتَلِفُ كَمَا قَسَمَهُ اللَّهُ.

الصَّدَقَاتُ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَهِيَ طَهُورٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَسْمُ الْفَيْءِ خِلَافُ قَسْمِ هَذَا وَالْفَيْءُ مَا أُخِذَ مِنْ مُشْرِكٍ هُوَ بِهِ لِأَهْلِ دِينِ اللَّهِ هُوَ مَوْضُوعٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ (قَالَ) : يُقْسَمُ مَا أُخِذَ مِنْ حَقِّ مُسْلِمٍ وَجَبَ فِي مَالِهِ بِقَسْمِ اللَّهِ فِي الصَّدَقَاتِ سَوَاءٌ قَلِيلُ مَا أُخِذَ مِنْهُ وَكَثِيرُهُ، وَعُشْرُ مَا كَانَ، أَوْ خُمُسٌ، أَوْ رُبُعُ عُشْرٍ، أَوْ بِعَدَدٍ مُخْتَلِفٍ أَنْ يَسْتَوِيَ؛ لِأَنَّ اسْمَ الصَّدَقَةِ يَجْمَعُهُ كُلَّهُ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60] الْآيَةَ فَبَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمَنْ الصَّدَقَاتُ ثُمَّ وَكَّدَهَا وَشَدَّدَهَا فَقَالَ {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60] فَقَسْمُ كُلِّ مَا أُخِذَ مِنْ مُسْلِمٍ عَلَى قَسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهِيَ سُهْمَانٌ ثَمَانِيَةٌ لَا يُصْرَفُ مِنْهَا سَهْمٌ وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ عَنْ أَهْلِهِ مَا كَانَ مِنْ أَهْلِهِ أَحَدٌ يَسْتَحِقُّهُ وَلَا تُخْرَجُ صَدَقَةُ قَوْمٍ مِنْهُمْ عَنْ بَلَدِهِمْ وَفِي بَلَدِهِمْ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ، فَإِنْ أَجَابُوك فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ الثِّقَةُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نِمْرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: نَشَدْتُك اللَّهَ آللَّهُ أَمَرَك أَنْ تَأْخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَرُدَّهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ قَالَ: نَعَمْ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْفُقَرَاءُ هَا هُنَا كُلُّ مَنْ لَزِمَهُ اسْمُ حَاجَةٍ مِمَّنْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّهُمْ إنَّمَا يُعْطَى بِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ إلَّا بِالِاسْمِ فَلَوْ أَنَّ ابْنَ السَّبِيلِ كَانَ غَنِيًّا لَمْ يُعْطَ، وَإِنَّمَا يُعْطَى ابْنُ السَّبِيلِ

(2/90)

الْمُحْتَاجُ إلَى السِّلَاحِ فِي وَقْتِهِ الَّذِي يُعْطَى فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ الَّذِينَ يُوجَدُ مِنْهُمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رُدَّتْ حِصَّةُ مَنْ لَمْ يُوجَدْ عَلَى مَنْ وُجِدَ، كَأَنْ وُجِدَ فِيهِمْ فُقَرَاءُ وَمَسَاكِينُ وَغَارِمُونَ وَلَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُمْ، فَقَسْمُ الثَّمَانِيَةِ الْأَسْهُمِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ وَبَيَانُ هَذَا فِي أَسْفَلِ الْكِتَابِ فَأَهْلُ السُّهْمَانِ يَجْمَعُهُمْ أَنَّهُمْ أَهْلُ حَاجَةٍ إلَى مَالِهِمْ مِنْهَا كُلُّهُمْ وَأَسْبَابُ حَاجَاتِهِمْ مُخْتَلِفَةٌ، وَكَذَلِكَ أَسْبَابُ اسْتِحْقَاقِهِمْ بِمَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ يَجْمَعُهَا الْحَاجَةُ وَيُفَرِّقُ بَيْنَهَا صِفَاتُهَا، فَإِذَا اجْتَمَعُوا فَالْفُقَرَاءُ الزَّمْنَى الضُّعَفَاءُ الَّذِينَ لَا حِرْفَةَ لَهُمْ وَأَهْلُ الْحِرْفَةِ الضَّعِيفَةِ الَّذِينَ لَا تَقَعُ حِرْفَتُهُمْ مَوْقِعًا مِنْ حَاجَتِهِمْ وَلَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ وَالْمَسَاكِينَ السُّؤَالَ وَمَنْ لَا يَسْأَلُ مِمَّنْ لَهُ حِرْفَةٌ تَقَعُ مِنْهُ مَوْقِعًا وَلَا تُغْنِيهِ وَلَا عِيَالَهُ، فَإِنْ طَلَبَ الصَّدَقَةَ بِالْمَسْكَنَةِ رَجُلٌ جَلْدٌ فَعَلِمَ الْوَالِي أَنَّهُ صَحِيحٌ مُكْتَسِبٌ يُغْنِي عِيَالَهُ بِشَيْءٍ إنْ كَانَ لَهُ وَبِكَسْبِهِ إذْ لَا عِيَالَ لَهُ فَعَلِمَ الْوَالِي أَنَّهُ يُغْنِي نَفْسَهُ بِكَسْبِهِ غِنًى مَعْرُوفًا لَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا، فَإِنْ قَالَ السَّائِلُ لَهَا يَعْنِي الصَّدَقَةَ الْجَلَدُ لَسْت مُكْتَسِبًا، أَوْ أَنَا مُكْتَسِبٌ لَا يُغْنِينِي كَسْبِي، أَوْ لَا يُغْنِي عِيَالِي وَلِي عِيَالٌ وَلَيْسَ عِنْدَ الْوَالِي يَقِينٌ مِنْ أَنَّ مَا قَالَ عَلَى غَيْرِ مَا قَالَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَيُعْطِيهِ الْوَالِي، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ أَنَّ رَجُلَيْنِ أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَاهُ مِنْ الصَّدَقَةِ فَصَعَّدَ فِيهِمَا وَصَوَّبَ وَقَالَ: إنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي قُوَّةٍ مُكْتَسِبٍ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : رَأَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَلَدًا وَصِحَّةً يُشْبِهُ الِاكْتِسَابَ وَأَعْلَمَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَهُمَا مَعَ الِاكْتِسَابِ الَّذِي يَسْتَغْنِيَانِ بِهِ أَنْ يَأْخُذَا مِنْهَا وَلَا يَعْلَمُ أَمُكْتَسِبَانِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: إنْ شِئْتُمَا بَعْدَ أَنْ أَعْلَمْتُكُمَا أَنْ لَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا مُكْتَسِبٍ فَعَلْت، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا يَقُولَانِ: أَعْطِنَا، فَإِنَّا ذَوَا حَظٍّ؛ لِأَنَّا لَسْنَا غَنِيَّيْنِ وَلَا مُكْتَسِبَيْنِ كَسْبًا يُغْنِي، أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَيْحَانَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: " لَا تَصْلُحُ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ قَوِيٍّ ".
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَرُفِعَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ. وَالْعَامِلُونَ عَلَيْهَا مَنْ وَلَّاهُ الْوَالِي قَبْضَهَا وَقَسْمَهَا مِنْ أَهْلِهَا كَانَ، أَوْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَعَانَ الْوَالِيَ عَلَى جَمْعِهَا وَقَبْضِهَا مِنْ الْعُرَفَاءِ وَمَنْ لَا غِنَى لِلْوَالِي عَنْهُ وَلَا يُصْلِحُهَا إلَّا مَكَانُهُ، فَأَمَّا رَبُّ الْمَاشِيَةِ يَسُوقُهَا فَلَيْسَ مِنْ الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ يَلْزَمُ رَبَّ الْمَاشِيَةِ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَعَانَ الْوَالِيَ عَلَيْهَا مِمَّنْ بِالْوَالِي الْغِنَى عَنْ مَعُونَتِهِ فَلَيْسَ مِنْ الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا الَّذِينَ لَهُمْ فِيهَا حَقٌّ، وَالْخَلِيفَةُ وَوَالِي الْإِقْلِيمِ الْعَظِيمِ الَّذِي يَلِي قَبْضَ الصَّدَقَةِ، وَإِنْ كَانَا مِنْ الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا الْقَائِمِينَ بِالْأَمْرِ بِأَخْذِهَا فَلَيْسَا عِنْدَنَا مِمَّنْ لَهُ فِيهَا حَقٌّ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُمَا لَا يَلِيَانِ أَخْذَهَا، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ شَرِبَ لَبَنًا فَأَعْجَبَهُ فَقَالَ لِلَّذِي سَقَاهُ:
" مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا اللَّبَنُ؟ " فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مَاءٍ قَدْ سَمَّاهُ، فَإِذَا بِنَعَمٍ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ وَهُمْ يَسْتَقُونَ فَحَلَبُوا لِي مِنْ لَبَنِهَا فَجَعَلْته فِي سِقَائِي فَهُوَ هَذَا، فَأَدْخَلَ عُمَرُ إصْبَعَهُ فَاسْتَقَاءَهُ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْعَامِلِ عَلَيْهِ، أَوْ الْغَارِمِ، أَوْ الرَّجُلِ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ الرَّجُلِ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتُصُدِّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَأَهْدَى

(2/91)

الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ» .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْعَامِلُ عَلَيْهَا يَأْخُذُ مِنْ الصَّدَقَةِ بِقَدْرِ غِنَائِهِ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ مُوسِرًا إنَّمَا يَأْخُذُ عَلَى مَعْنَى الْإِجَارَةِ، وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ فِي مُتَقَدِّمٍ مِنْ الْأَخْبَارِ فَضَرْبَانِ ضَرْبٌ مُسْلِمُونَ مُطَاعُونَ أَشْرَافٌ يُجَاهِدُونَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَيَقْوَى الْمُسْلِمُونَ بِهِمْ وَلَا يَرَوْنَ مِنْ نِيَّاتِهِمْ مَا يَرَوْنَ مِنْ نِيَّاتِ غَيْرِهِمْ، فَإِذَا كَانُوا هَكَذَا فَجَاهَدُوا الْمُشْرِكِينَ فَأَرَى أَنْ يُعْطَوْا مِنْ سَهْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ خُمُسُ الْخُمُسِ مَا يَتَأَلَّفُونَ بِهِ سِوَى سُهْمَانِهِمْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إنْ كَانَتْ نَازِلَةٌ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ هَذَا السَّهْمَ خَالِصًا لِنَبِيِّهِ فَرَدَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَالِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إلَّا الْخُمُسُ وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ» يَعْنِي بِالْخُمُسِ حَقَّهُ مِنْ الْخُمُسِ وَقَوْلُهُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ يَعْنِي فِي مَصْلَحَتِكُمْ وَأَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ مِنْ الْخُمُسِ» .

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهُمْ مِثْلُ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ وَأَصْحَابِهِمَا وَلَمْ يُعْطِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبَّادَ بْنَ مِرْدَاسٍ وَكَانَ شَرِيفًا عَظِيمَ الْغَنَاءِ حَتَّى اسْتَعْتَبَ فَأَعْطَاهُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَمَّا أَرَادَ مَا أَرَادَ الْقَوْمُ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ دَخَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ شَيْءٌ حِينَ رَغِبَ عَمَّا صَنَعَ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَأَعْطَاهُ عَلَى مَعْنَى مَا أَعْطَاهُمْ وَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ رَأَى أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ مَالِهِ حَيْثُ رَأَى؛ لِأَنَّهُ لَهُ خَالِصٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُعْطِيَ عَلَى النَّفْلِ وَغَيْرِ النَّفْلِ؛ لِأَنَّهُ لَهُ وَقَدْ أَعْطَى صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ وَلَكِنَّهُ قَدْ أَعَارَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَدَاةً وَسِلَاحًا وَقَالَ فِيهِ عِنْدَ الْهَزِيمَةِ أَحْسَنَ مِمَّا قَالَ فِيهِ بَعْضُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْهَزِيمَةَ كَانَتْ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ حُنَيْنٍ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ:
" غَلَبَتْ هَوَازِنُ وَقُتِلَ مُحَمَّدٌ " فَقَالَ " صَفْوَانُ بِفِيك الْحَجَرُ فَوَاَللَّهِ لَرَبٌّ مِنْ قُرَيْشٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ رَبِّ هَوَازِنَ " وَأَسْلَمَ قَوْمُهُ مِنْ قُرَيْشٍ وَكَانَ كَأَنَّهُ لَا يُشَكُّ فِي إسْلَامِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ "، وَهَذَا مُثْبَتٌ فِي كِتَابِ قَسْمِ الْفَيْءِ "، فَإِذَا كَانَ مِثْلُ هَذَا رَأَيْت أَنْ يُعْطَى مِنْ سَهْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ لِلِاقْتِدَاءِ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: كَانَ هَذَا السَّهْمُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ لَهُ أَنْ يَضَعَ سَهْمَهُ حَيْثُ رَأَى، فَقَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا مَرَّةً وَأَعْطَى مِنْ سَهْمِهِ بِخَيْبَرَ رِجَالًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ؛ لِأَنَّهُ مَالُهُ يَضَعُهُ حَيْثُ شَاءَ فَلَا يُعْطَى الْيَوْمَ أَحَدٌ عَلَى هَذَا مِنْ الْغَنِيمَةِ وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ خُلَفَائِهِ أَعْطَى أَحَدًا بَعْدَهُ وَلَيْسَ لِلْمُؤَلَّفَةِ فِي قَسْمِ الْغَنِيمَةِ سَهْمٌ مَعَ أَهْلِ السُّهْمَانِ، لَوْ قَالَ هَذَا أَحَدٌ، كَانَ مَذْهَبًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلِلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ فِي سَهْمِ الصَّدَقَاتِ سَهْمٌ، وَاَلَّذِي أَحْفَظُ فِيهِ مِنْ مُتَقَدِّمِ الْخَبَرِ أَنَّ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ جَاءَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - أَحْسِبُهُ - بِثَلَثِمِائَةٍ مِنْ الْإِبِلِ مِنْ صَدَقَاتِ قَوْمِهِ فَأَعْطَاهُ أَبُو بَكْرٍ مِنْهَا ثَلَاثِينَ بَعِيرًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَلْحَقَ بِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بِمَنْ أَطَاعَهُ مِنْ قَوْمِهِ فَجَاءَهُ بِزُهَاءِ أَلْفِ رَجُلٍ وَأَبْلَى بَلَاءً حَسَنًا وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ فِي إعْطَائِهِ إيَّاهَا مِنْ أَيْنَ أَعْطَاهُ إيَّاهَا غَيْرُ أَنَّ الَّذِي يَكَادُ أَنْ يُعْرَفَ الْقَلْبُ بِالِاسْتِدْلَالِ بِالْأَخْبَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَعْطَاهُ إيَّاهَا مِنْ قِسْمِ

(2/92)

الْمُؤَلَّفَةِ فَإِمَّا زَادَهُ لِيُرَغِّبَهُ فِيمَا يَصْنَعُ، وَإِمَّا أَعْطَاهُ لِيَتَأَلَّفَ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ قَوْمِهِ مِمَّنْ لَا يَثِقُ مِنْهُ بِمِثْلِ مَا يَثِقُ مِنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ فَأَرَى أَنْ يُعْطَى مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى إنْ نَزَلَتْ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ مِمَّا يَنْزِلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا الْعَدُوُّ بِمَوْضِعٍ شَاطٍّ لَا تَنَالُهُ الْجُيُوشُ إلَّا بِمُؤْنَةٍ وَيَكُونُ الْعَدُوُّ بِإِزَاءِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ فَأَعَانَ عَلَيْهِمْ أَهْلَ الصَّدَقَاتِ إمَّا بِنِيَّةٍ فَأَرَى أَنْ يُقَوَّى بِسَهْمِ سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ الصَّدَقَاتِ، وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ لَا يُقَاتِلُونَ إلَّا بِأَنْ يُعْطَوْا سَهْمَ الْمُؤَلَّفَةِ، أَوْ مَا يَكْفِيهِمْ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْعَرَبُ أَشْرَافًا مُمْتَنِعِينَ غَيْرَ ذِي نِيَّةٍ إنْ أُعْطُوا مِنْ صَدَقَاتِهِمْ هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ، أَوْ أَحَدَهُمَا إذَا كَانُوا إنْ أُعْطُوا أَعَانُوا عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِيمَا أَعَانُوا عَلَى الصَّدَقَةِ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا لَمْ يُوثَقْ بِمَعُونَتِهِمْ رَأَيْت أَنْ يُعْطَوْا بِهَذَا الْمَعْنَى إذَا انْتَاطَ الْعَدُوُّ وَكَانُوا أَقْوَى عَلَيْهِ مِنْ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ يُوَجَّهُونَ إلَيْهِ تَبْعُدُ دَارُهُمْ وَتَثْقُلُ مُؤْنَتُهُمْ وَيَضْعُفُونَ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلُ مَا وَصَفْت مِمَّا كَانَ فِي زَمَانِ أَبِي بَكْرٍ مَعَ امْتِنَاعِ أَكْثَرِ الْعَرَبِ بِالصَّدَقَةِ عَلَى الرِّدَّةِ وَغَيْرِهَا لَمْ أَرَ أَنْ يُعْطَى أَحَدٌ مِنْهُمْ مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَرَأَيْت أَنْ يُرَدَّ سَهْمُهُمْ عَلَى السُّهْمَانِ مَعَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ عُمَرَ وَلَا عُثْمَانَ وَلَا عَلِيًّا أَعْطَوْا أَحَدًا تَأَلُّفًا عَلَى الْإِسْلَامِ وَقَدْ أَعَزَّ اللَّهُ - وَلَهُ الْحَمْدُ - الْإِسْلَامَ عَنْ أَنْ يَتَأَلَّفَ الرِّجَالُ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ وَفِي الرِّقَابِ يَعْنِي الْمُكَاتَبِينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَا يُشْتَرَى عَبْدٌ فَيُعْتَقُ.
وَالْغَارِمُونَ كُلُّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ كَانَ لَهُ عَرَضٌ يَحْتَمِلُ دَيْنَهُ، أَوْ لَا يَحْتَمِلُهُ، وَإِنَّمَا يُعْطَى الْغَارِمُونَ إذَا ادَّانُوا فِي حَمْلِ دِيَةٍ، أَوْ أَصَابَتْهُمْ جَائِحَةٌ، أَوْ كَانَ دَيْنُهُمْ فِي غَيْرِ فِسْقٍ وَلَا سَرَفٍ وَلَا مَعْصِيَةٍ، فَأَمَّا مَنْ ادَّانَ فِي مَعْصِيَةٍ فَلَا أَرَى أَنْ يُعْطَى مِنْ سَهْمِ سَبِيلِ اللَّهِ كَمَا وَصَفْت يُعْطَى مِنْهُ مَنْ أَرَادَ الْغَزْوَ، فَلَوْ امْتَنَعَ قَوْمٌ كَمَا وَصَفْت مِنْ أَدَاءِ الصَّدَقَةِ فَأَعَانَ عَلَيْهِمْ قَوْمٌ رَأَيْت أَنْ يُعْطَى مَنْ أَعَانَ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّا وَصَفْت شَيْءٌ، رُدَّ سَهْمُ سَبِيلِ اللَّهِ إلَى السُّهْمَانِ مَعَهُ، وَابْنُ السَّبِيلِ عِنْدِي، ابْنُ السَّبِيلِ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ الَّذِي يُرِيدُ الْبَلَدَ غَيْرَ بَلَدِهِ، لَا مَنْ لَزِمَهُ.


[كَيْفَ تَفْرِيقُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : يَنْبَغِي لِلسَّاعِي عَلَى الصَّدَقَاتِ أَنْ يَأْمُرَ بِإِحْصَاءِ أَهْلِ السُّهْمَانِ فِي عَمَلِهِ فَيَكُونُ فَرَاغُهُ مِنْ قَبْضِ الصَّدَقَاتِ بَعْدَ تَنَاهِي أَسْمَائِهِمْ وَأَنْسَابِهِمْ وَحَالَاتِهِمْ وَمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ، وَيُحْصِي مَا صَارَ فِي يَدَيْهِ مِنْ الصَّدَقَاتِ فَيَعْزِلُ مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِينَ بِقَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّ بِعَمَلِهِ ثُمَّ يَقْضِي جَمِيعَ مَا بَقِيَ مِنْ السُّهْمَانِ كُلِّهِ عِنْدَهُمْ كَمَا أَصِفُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، إذَا كَانَ الْفُقَرَاءُ عَشَرَةً، وَالْمَسَاكِينُ عِشْرِينَ، وَالْغَارِمُونَ خَمْسَةً. وَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ، وَكَانَ سُهْمَانُهُمْ الثَّلَاثَةُ مِنْ

(2/93)

جَمِيعِ الْمَالِ ثَلَاثَةَ آلَافٍ، فَإِنْ كَانَ الْفُقَرَاءُ يَغْتَرِقُونَ سَهْمَهُمْ هُوَ أَلْفٌ، هُوَ ثُلُثُ الْمَالِ، فَيَكُونُ سَهْمُهُمْ كَفَافًا يَخْرُجُونَ بِهِ مِنْ حَدِّ الْفَقْرِ إلَى حَدِّ الْغِنَى أُعْطُوهُ كُلَّهُ، وَإِنْ كَانَ يُخْرِجُهُمْ مِنْ حَدِّ الْفَقْرِ إلَى حَدِّ الْغِنَى ثَلَاثَةٌ، أَوْ أَرْبَعَةٌ، أَوْ أَقَلُّ، أَوْ أَكْثَرُ، أُعْطُوا مِنْهُ مَا يُخْرِجُهُمْ مِنْ اسْمِ الْفَقْرِ، وَيَصِيرُونَ بِهِ إلَى اسْمِ الْغِنَى وَيَقِفُ الْوَالِي مَا بَقِيَ مِنْهُ، ثُمَّ يَقْسِمُ عَلَى الْمَسَاكِينِ سَهْمَهُمْ، هُوَ أَلْفٌ هَكَذَا، وَعَلَى الْغَارِمِينَ سَهْمُهُمْ هُوَ أَلْفٌ هَكَذَا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ قُلْت لِكُلِّ أَهْلِ صِنْفٍ مَوْجُودٍ سَهْمُهُمْ ثُمَّ اسْتَغْنَوْا بِبَعْضِ السَّهْمِ، فَلِمَ لَا يُسَلِّمُ إلَيْهِمْ بَقِيَّتَهُ؟ .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قُلْته بِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَمَّاهُ لَهُمْ مَعَ غَيْرِهِمْ بِمَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي، هُوَ الْفَقْرُ وَالْمَسْكَنَةُ وَالْغُرْمُ، فَإِذَا خَرَجُوا مِنْ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ فَصَارُوا إلَى الْغِنَى وَمِنْ الْغُرْمِ، فَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُمْ وَصَارُوا غَيْرَ غَارِمِينَ، فَلَا يَكُونُونَ مِنْ أَهْلِهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِمَّنْ يَلْزَمُهُ اسْمُ مَنْ قَسَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ بِهَذَا الِاسْمِ وَمَعْنَاهُ، وَهُمْ خَارِجُونَ مِنْ تِلْكَ الْحَالِ مِمَّنْ قَسَمَ اللَّهُ لَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ الصَّدَقَةِ الْأَغْنِيَاءَ لَوْ سَأَلُوا بِالْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ فِي الِابْتِدَاءِ أَنْ يُعْطَوْا مِنْهَا لَمْ يُعْطَوْا، وَقِيلَ لَسْتُمْ مِمَّنْ قَسَمَ اللَّهُ لَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ سَأَلُوا بِالْغُرْمِ وَلَيْسُوا غَارِمِينَ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ» إلَّا مَنْ اسْتَثْنَى، فَإِذَا أَعْطَيْتَ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ فَصَارُوا أَغْنِيَاءَ فَهُمْ مِمَّنْ لَا تَحِلُّ لَهُمْ، وَإِذَا لَمْ تَحِلَّ لَهُمْ كُنْت لَوْ أَعْطَيْتهمْ أَعْطَيْتهمْ مَا لَا يَحِلُّ لَهُمْ وَلَا لِي أَنْ أُعْطِيَهُمْ، وَإِنَّمَا شَرَطَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إعْطَاءَ أَهْلِ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ وَلَيْسُوا مِنْهُمْ.

(قَالَ) : وَيَأْخُذُ الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا بِقَدْرِ أُجُورِهِمْ فِي مِثْلِ كِفَايَتِهِمْ وَقِيَامِهِمْ وَأَمَانَتِهِمْ وَالْمُؤْنَةِ عَلَيْهِمْ، فَيَأْخُذُ السَّاعِي نَفْسُهُ لِنَفْسِهِ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَيُعْطَى الْعَرِيفُ وَمَنْ يُجْمِعُ النَّاسُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ كِفَايَتِهِ وَكُلْفَتِهِ، وَذَلِكَ خَفِيفٌ؛ لِأَنَّهُ فِي بِلَادِهِ، وَيُعْطَى ابْنُ السَّبِيلِ مِنْهُمْ قَدْرَ مَا يُبَلِّغُهُ الْبَلَدَ الَّذِي يُرِيدُ فِي نَفَقَتِهِ وَحَمُولَتِهِ إنْ كَانَ الْبَلَدُ بَعِيدًا وَكَانَ ضَعِيفًا، وَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ قَرِيبًا وَكَانَ جَلْدًا الْأَغْلَبُ مِنْ مِثْلِهِ وَكَانَ غَنِيًّا بِالْمَشْيِ إلَيْهَا أُعْطِيَ مُؤْنَتَهُ فِي نَفَقَتِهِ بِلَا حَمُولَةٍ، فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ وَيَأْتِيَ أُعْطِيَ مَا يَكْفِيهِ فِي ذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ مِنْ النَّفَقَةِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَأْتِي عَلَى السَّهْمِ كُلِّهِ أُعْطِيَهُ كُلَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ابْنُ سَبِيلٍ غَيْرَهُ، وَإِنْ كَانَ يَأْتِي عَلَى سَهْمٍ مِنْ مِائَةِ سَهْمٍ مِنْ سَهْمِ ابْنِ السَّبِيلِ لَمْ يُزَدْ عَلَيْهِ.

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لِمَ أَعْطَيْت الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ وَالْغَارِمِينَ حَتَّى خَرَجُوا مِنْ اسْمِ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالْغُرْمِ وَلَمْ تُعْطِ الْعَامِلِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ حَتَّى يَسْقُطَ عَنْهُمْ الِاسْمُ الَّذِي لَهُ أَعْطَيْتهمْ وَيَزُولَ؟ فَلَيْسَ لِلِاسْمِ أَعْطَيْتهمْ وَلَكِنْ لِلْمَعْنَى، وَكَانَ الْمَعْنَى إذَا زَالَ زَالَ الِاسْمُ وَنُسَمِّي الْعَامِلِينَ بِمَعْنَى الْكِفَايَةِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ السَّبِيلِ بِمَعْنَى الْبَلَاغِ، لَوْ أَنِّي أَعْطَيْت الْعَامِلَ وَابْنَ السَّبِيلِ جَمِيعَ السُّهْمَانِ وَأَمْثَالَهَا لَمْ يَسْقُطْ عَنْ الْعَامِلِ اسْمُ الْعَامِلِ مَا لَمْ يُعْزَلْ، وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْ ابْنِ السَّبِيلِ اسْمُ ابْنِ السَّبِيلِ مَا دَامَ مُجْتَازًا، أَوْ كَانَ يُرِيدُ الِاجْتِيَازَ فَأَعْطَيْتهمَا، وَالْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ وَالْغَارِمِينَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، غَيْرِ مُخْتَلِفٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهُ كَمَا اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهُمْ وَالْعَامِلُ إنَّمَا هُوَ مُدْخَلٌ عَلَيْهِمْ صَارَ لَهُ حَقٌّ مَعَهُمْ بِمَعْنَى كِفَايَةٍ وَصَلَاحٍ لِلْمَأْخُوذِ مِنْهُ وَالْمَأْخُوذِ لَهُ، فَأُعْطِيَ أَجْرَ مِثْلِهِ وَبِهَذَا فِي الْعَامِلِ مَضَتْ الْآثَارُ وَعَلَيْهِ مَنْ أَدْرَكْت مِمَّنْ سَمِعْت مِنْهُ بِبَلَدِنَا، وَمَعْنَى ابْنِ السَّبِيلِ فِي أَنْ يُعْطَى مَا يُبَلِّغُهُ، إنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ سَفَرِهِ إلَّا بِالْمَعُونَةِ عَلَيْهِ بِمَعْنَى الْعَامِلِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ وَيُعْطَى الْمُكَاتَبُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَعْتِقَ قَلَّ ذَلِكَ، أَوْ كَثُرَ، حَتَّى يَغْتَرِقَ السَّهْمَ، فَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ، فَالظَّاهِرُ - عِنْدَنَا - عَلَى أَنَّهُ حَرِيصٌ عَلَى أَنْ لَا يَعْجَزَ، وَإِنْ دَفَعَ إلَى مَالِكِهِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ وَأَقْرَبَ مِنْ الِاحْتِيَاطِ.

(2/94)

[رَدُّ الْفَضْلِ عَلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا لَمْ تَكُنْ مُؤَلَّفَةٌ وَلَا قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ يُرِيدُونَ الْجِهَادَ فَلَيْسَ فِيهِمْ أَهْلُ سَهْمِ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا سَهْمِ مُؤَلَّفَةٍ، عَزَلْت سِهَامَهُمْ، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ ابْنُ سَبِيلٍ وَلَمْ يَكُنْ غَارِمٌ، وَكَذَلِكَ إنْ غَابُوا فَأُعْطُوا مَا يُبَلِّغُهُمْ وَيَفْضُلُ عَنْهُمْ، أَوْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ مَعَهُمْ شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ عُزِلَ أَيْضًا مَا يَفْضُلُ عَنْ كُلِّهِمْ ثُمَّ أُحْصِيَ مَا بَقِيَ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ الَّذِينَ لَمْ يُعْطَوْا، أَوْ أُعْطُوا فَلَمْ يَسْتَغْنُوا فَابْتُدِئَ قَسْمُ هَذَا الْمَالِ عَلَيْهِمْ كَمَا اُبْتُدِئَ قَسْمُ الصَّدَقَاتِ فَجُزِّئَ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ، سَوَاءٌ كَانَ بَقِيَ فُقَرَاءُ وَمَسَاكِينُ لَمْ يَسْتَغْنُوا، وَغَارِمُونَ لَمْ تُقْضَ كُلُّ دُيُونِهِمْ وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ الثَّمَانِيَةِ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَيُقْسَمُ جَمِيعُ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ بَيْنَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ، فَإِنْ اسْتَغْنَى الْغَارِمُونَ بِسَهْمِهِمْ، هُوَ ثُلُثُ جَمِيعِ الْمَالِ أُعِيدَ فَضْلُ سَهْمِهِمْ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ فَيُقْسَمُ عَلَى أَهْلِ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ حَتَّى يَنْفَدَ، فَإِنْ قُسِمَ بَيْنَهُمْ فَاسْتَغْنَى الْفُقَرَاءُ بِبَعْضِهِ رُدَّ مَا بَقِيَ عَلَى الْمَسَاكِينِ حَتَّى يَسْتَغْنُوا، فَإِنْ قَالَ: كَيْفَ رَدَدْت مَا يَفْضُلُ مِنْ السُّهْمَانِ عَنْ حَاجَةِ أَهْلِ الْحَاجَةِ مِنْهُمْ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَهْمٌ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ مِثْلُ الْمُؤَلَّفَةِ وَغَيْرِهِمْ إذَا لَمْ يَكُونُوا عَلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ مَعَهُمْ وَأَنْتَ إذَا اجْتَمَعُوا جَعَلْت لِأَهْلِ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ سَهْمًا؟ .

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا اجْتَمَعُوا كَانُوا شَرْعًا فِي الْحَاجَةِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَطْلُبُ مَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ وَهُمْ ثَمَانِيَةٌ، فَلَا يَكُونُ لِي مَنْعُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ، وَذِكْرُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُمْ وَاحِدٌ لَمْ يُخَصِّصْ أَحَدًا مِنْهُمْ دُونَ أَحَدٍ فَأَقْسِمُ بَيْنَهُمْ مَعًا كَمَا ذَكَرَهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَعًا، وَإِنَّمَا مَنَعَنِي أَنْ أُعْطِيَ كُلَّ صِنْفٍ مِنْهُمْ سَهْمَهُ تَامًّا، وَإِنْ كَانَ يُغْنِيهِ أَقَلُّ مِنْهُ أَنْ بَيَّنَّا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنَّ فِي حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُمْ إنَّمَا يُعْطَوْنَ بِمَعَانٍ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى.

فَإِذَا ذَهَبَتْ تِلْكَ الْمَعَانِي وَصَارَ الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ غَنِيًّا وَالْغَارِمُ غَيْرَ غَارِمٍ فَلَيْسُوا مِمَّنْ قَسَمَ لَهُ، لَوْ أَعْطَيْتهمْ كُنْت أَعْطَيْت مَنْ لَمْ أُؤْمَرْ بِهِ، لَوْ جَازَ أَنْ يُعْطَوْا بَعْدَ أَنْ يَصِيرُوا إلَى حَدِّ الْغِنَى وَالْخُرُوجِ مِنْ الْغُرْمِ جَازَ أَنْ يُعْطَاهَا أَهْلُ دَارِهِمْ وَيُسْهَمَ لِلْأَغْنِيَاءِ فَأُحِيلَتْ عَمَّنْ جُعِلَتْ لَهُ إلَى مَنْ لَمْ تُجْعَلْ لَهُ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ إحَالَتُهَا عَمَّا جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَلَا إعْطَاؤُهَا مَنْ لَمْ يَجْعَلْهَا اللَّهُ لَهَا، وَإِنَّمَا رَدِّي مَا فَضَلَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ السُّهْمَانِ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِمَّنْ لَمْ يَسْتَغْنِ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ بِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَوْجَبَ عَلَى أَهْلِ الْغِنَى فِي أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ لِقَوْمٍ بِمَعَانٍ، فَإِذَا ذَهَبَ بَعْضُ مَنْ سَمَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ، أَوْ اسْتَغْنَى، فَهَذَا مَالٌ لَا مَالِكَ لَهُ مِنْ الْآدَمِيِّينَ بِعَيْنِهِ يُرَدُّ إلَيْهِ كَمَا يُرَدُّ عَطَايَا الْآدَمِيِّينَ وَوَصَايَاهُمْ لَوْ أَوْصَى رَجُلٌ لِرَجُلٍ فَمَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الْمُوصِي كَانَتْ الْوَصِيَّةُ رَاجِعَةً إلَى وَارِثِ الْمُوصِي، فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمَالُ مُخَالِفًا لِلْمَالِ يُورَثُ هَا هُنَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَوْلَى عِنْدَنَا بِهِ فِي قَسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَقْرَبَ مِمَّنْ سَمَّى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ هَذَا الْمَالَ وَهَؤُلَاءِ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ سَمَّى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ هَذَا الْمَالَ وَلَمْ يَبْقَ مُسْلِمٌ يَحْتَاجُ إلَّا وَلَهُ حَقٌّ سِوَاهُ، أَمَّا أَهْلُ الْفَيْءِ فَلَا يَدْخُلُونَ عَلَى أَهْلِ الصَّدَقَةِ.

وَأَمَّا أَهْلُ صَدَقَةٍ أُخْرَى فَهُوَ مَقْسُومٌ لَهُمْ صَدَقَتُهُمْ، لَوْ كَثُرَتْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ وَوَاحِدٌ مِنْهُمْ يَسْتَحِقُّهَا

(2/95)

فَكَمَا كَانُوا لَا يُدْخِلُونَ عَلَيْهِمْ غَيْرَهُمْ فَكَذَلِكَ لَا يَدْخُلُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ مَا كَانَ مِنْ غَيْرِهِمْ مَنْ يَسْتَحِقُّ مِنْهَا شَيْئًا، لَوْ اسْتَغْنَى أَهْلُ عَمَلٍ بِبَعْضِ مَا قُسِمَ لَهُمْ فَفَضَلَ عَنْهُمْ فَضْلٌ لَرَأَيْت أَنْ يُنْقَلَ الْفَضْلُ عَنْهُمْ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِهِمْ نَسَبًا وَدَارًا.

[ضِيقُ السُّهْمَانِ وَمَا يَنْبَغِي فِيهِ عِنْدَ الْقَسْمِ]

ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: وَإِذَا ضَاقَتْ السُّهْمَانِ فَكَانَ الْفُقَرَاءُ أَلْفًا وَكَانَ سَهْمُهُمْ أَلْفًا وَالْغَارِمُونَ ثَلَاثَةً وَكَانَ غُرْمُهُمْ أَلْفًا وَسَهْمُهُمْ أَلْفًا، فَقَالَ الْفُقَرَاءُ: إنَّمَا يُغْنِينَا مِائَةُ أَلْفٍ، وَقَدْ يُخْرِجُ هَؤُلَاءِ مِنْ الْغُرْمِ أَلْفٌ، فَاجْمَعْ سَهْمَنَا وَسَهْمَهُمْ ثُمَّ اضْرِبْ لَنَا بِمِائَةِ سَهْمٍ مِنْ أَلْفٍ وَلَهُمْ سَهْمٌ وَاحِدٌ كَمَا يُقَسَّمُ هَذَا الْمَالُ لَوْ كَانَ بَيْنَنَا فَوْضَى بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُمْ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ذَكَرَ لِلْغَارِمِينَ سَهْمًا كَمَا ذَكَرَ لِلْفُقَرَاءِ سَهْمًا فَنَفُضُّ عَلَى الْغَارِمِينَ وَإِنْ اغْتَرَقُوا السَّهْمَ فَهُوَ لَهُمْ وَلَمْ يُعْطَوْا أَكْثَرَ مِمَّا أُعْطُوا، وَإِنْ فَضَلَ عَنْهُمْ فَضْلٌ فَلَسْتُمْ بِأَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِكُمْ إنْ فَضَلَ مَعَكُمْ أَهْلُ سُهْمَانَ ذُكِرُوا مَعَكُمْ، وَلَكِنَّ مَا فَضَلَ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ يُرَدُّ عَلَيْكُمْ وَعَلَى غَيْرِكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَسْتَغْنِ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ مَعَكُمْ كَمَا يُبْتَدَأُ الْقَسْم بَيْنَكُمْ.

وَكَذَلِكَ لَوْ كُنْتُمْ الْمُسْتَغْنِينَ وَالْغُرَمَاءُ غَيْرَ مُسْتَغْنِينَ لَمْ نُدْخِلْهُمْ عَلَيْكُمْ إلَّا بَعْدَ غِنَاكُمْ وَلَمْ نَجْعَلْهُمْ يُخَاصِمُونَكُمْ مَا اغْتَرَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ سَهْمَهُ وَلَا وَقْتَ فِيمَا يُعْطِي الْفُقَرَاءَ إلَّا مَا يُخْرِجُهُ مِنْ حَدِّ الْفَقْرِ إلَى الْغِنَى، قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ، مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ أَوْ لَا تَجِبُ؛ لِأَنَّهُ يَوْمَ يُعْطِي لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ غَنِيًّا وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ فَقِيرًا بِكَثْرَةِ الْعِيَالِ وَلَهُ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِنَّمَا الْغِنَى وَالْفَقْرُ مَا عَرَفَ النَّاسُ بِقَدْرِ حَالِ الرَّجُلِ.

وَالْعَرَبُ قَدِيمًا يَتَجَاوَرُونَ فِي بِوَادِيهِمْ وَقُرَاهُمْ بِالنَّسَبِ لِخَوْفِهِمْ مِنْ غَيْرِهِمْ، كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَتَجَاوَرُونَ لِيَمْنَعَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَإِذَا كَانُوا هَكَذَا يَوْمَ يَصْدُقُونَ قُسِّمَتْ صَدَقَاتُهُمْ عَلَى فُقَرَائِهِمْ بِالْقَرَابَةِ وَالْجِوَارِ مَعًا.

فَإِنْ كَانُوا أَهْلَ بَادِيَةٍ وَكَانَ الْعَامِلُ الْوَالِي يَعْمَلُ فِيهِمْ عَلَى قَبِيلَةٍ أَوْ قَبِيلَتَيْنِ، وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْقَبِيلَةِ يُخَالِطُ الْقَبِيلَةَ الْأُخْرَى الَّتِي لَيْسَ مِنْهَا دُونَ الَّتِي مِنْهَا، وَجِوَارُهُمْ وَخُلْطَتُهُمْ أَنْ يَكُونُوا يَنْتَجِعُونَ مَعًا وَيُقِيمُونَ مَعًا فَضَاقَتْ السُّهْمَانُ، قَسَمْنَاهَا عَلَى الْجُوَارِ دُونَ النَّسَبِ، وَكَذَلِكَ إنْ خَالَطَهُمْ عَجَمٌ غَيْرُهُمْ وَهُمْ مَعَهُمْ فِي الْقَسْمِ عَلَى الْجُوَارِ، فَإِنْ كَانُوا عِنْدَ النُّجْعَةِ يَفْتَرِقُونَ مَرَّةً وَيَخْتَلِطُونَ أُخْرَى فَأُحِبُّ أَنْ لَوْ قَسَّمَهَا عَلَى النَّسَبِ إذَا اسْتَوَتْ الْحَالَاتُ وَكَانَ النَّسَبُ عِنْدِي أَوْلَى، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْحَالَاتُ فَالْجِوَارُ أَوْلَى مِنْ النَّسَبِ، وَإِنْ قَالَ مَنْ تَصَدَّقَ: لَنَا فُقَرَاءُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْمَاءِ وَهُمْ كَمَا وَصَفْت يَخْتَلِطُونَ فِي النُّجْعَةِ، أُحْصُوا مَعًا ثُمَّ فُضَّ ذَلِكَ عَلَى الْغَائِبِ وَالْحَاضِرِ، وَإِنْ كَانُوا بِأَطْرَافٍ مِنْ بَادِيَتِهِمْ مُتَبَاعِدَةٍ فَكَأَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ بِالطَّرَفِ وَهُوَ لَهُ أَلْزَمُ قُسِمَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ وَكَانَ الطَّرَفُ الَّذِي هُوَ لَهُ أَلْزَمَ كَالدَّارِ لَهُمْ، وَهَذَا إذَا كَانُوا مَعًا أَهْلَ نُجْعَةٍ لَا دَارَ لَهُمْ يُقِرُّونَ بِهَا، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ لَهُمْ دَارٌ يَكُونُونَ بِهَا أَلْزَمَ فَإِنِّي أُقَسِّمُهَا عَلَى الْجِوَارِ أَبَدًا، وَأَهْلُ الْإِرَاكِ وَالْحَمْضِ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يَلْزَمُونَ مَنَازِلَهُمْ فَأُقَسِّمُ بَيْنَهُمْ عَلَى الْجِوَارِ فِي الْمَنَازِلِ، وَإِنْ جَاوَرَهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ قُسِّمَ عَلَى جِيرَانِهِمْ الْقَسْمُ عَلَى الْجِوَارِ إذَا كَانَ جِوَارٌ وَعَلَى النَّسَبِ وَالْجِوَارِ إذَا كَانَا مَعًا، وَلَوْ كَانَ لِأَهْلِ الْبَادِيَةِ مَعْدِنٌ، قُسِّمَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَعْدِنِ عَلَى مَنْ يَلْزَمُ قَرْيَةَ الْمَعْدِنِ، وَإِنْ كَانُوا غُرَبَاءَ دُونَ ذَوِي نَسَبِ أَهْلِ الْمَعْدِنِ إذَا كَانُوا مِنْهُ بَعِيدًا.

وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَهُمْ زَرْعٌ قُسِّمَ زَرْعُهُمْ عَلَى جِيرَانِ أَهْلِ الزَّرْعِ دُونَ ذَوِي النَّسَبِ إذَا كَانُوا بَعِيدًا مِنْ مَوْضِعِ الزَّرْعِ، وَزَكَاةُ أَهْلِ الْقَرْيَةِ تُقَسَّمُ عَلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ

(2/96)

مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ دُونَ أَهْلِ النَّسَبِ إذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلُ النَّسَبِ بِالْقَرْيَةِ وَكَانُوا مِنْهَا بَعِيدًا، وَكَذَلِكَ نَخْلُهُمْ وَزَكَاةُ أَمْوَالِهِمْ، وَلَا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ مِنْ قَرْيَةٍ إلَى غَيْرِهَا وَفِيهَا مَنْ يَسْتَحِقُّهَا، وَلَا مِنْ مَوْضِعٍ إلَى غَيْرِهِ، وَفِيهِ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِالْقَسْمِ أَقْرَبُهُمْ جِوَارًا مِمَّنْ أُخِذَ الْمَالُ مِنْهُ، وَإِنْ بَعُدَ نَسَبُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ذُو قَرَابَةٍ، وَإِذَا وَلِيَ الرَّجُلُ إخْرَاجَ زَكَاةِ مَالِهِ فَكَانَ لَهُ أَهْلُ قَرَابَةٍ بِبَلَدِهِ الَّذِي يَقْسِمُهُ بِهِ وَجِيرَانٌ قَسَمَهُ عَلَيْهِمْ مَعًا، فَإِنْ ضَاقَ فَآثَرَ قَرَابَتَهُ فَحَسَنٌ عِنْدِي إذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ مَعًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَمَّا أَهْلُ الْفَيْءِ فَلَا يَدْخُلُونَ عَلَى أَهْلِ الصَّدَقَاتِ مَا كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ الْفَيْءِ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ فِي الْعَطَاءِ فَضُرِبَ عَلَيْهِ الْبَعْثُ فِي الْغَزْوِ وَهُوَ بَقَرِيَّةٍ فِيهَا صَدَقَاتٌ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الصَّدَقَاتِ شَيْئًا، فَإِنْ سَقَطَ مِنْ الْعَطَاءِ بِأَنْ قَالَ لَا أَغْزُو وَاحْتَاجَ، أُعْطِيَ فِي الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ بِالْبَادِيَةِ وَالْقُرَى مِمَّنْ لَا يَغْزُو عَدُوًّا فَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ، فَإِنْ هَاجَرَ وَأُفْرِضَ وَغَزَا صَارَ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ وَأَخَذَ مِنْهُ، وَلَوْ احْتَاجَ وَهُوَ فِي الْفَيْءِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الصَّدَقَاتِ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْفَيْءِ وَعَادَ إلَى الصَّدَقَاتِ فَذَلِكَ لَهُ. الِاخْتِلَافُ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا مُؤَلَّفَةً فَيَجْعَلُ سَهْمَ الْمُؤَلَّفَةِ وَسَهْمَ سَبِيلِ اللَّهِ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ فِي ثَغْرِ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ يَرَاهُ الْوَالِي، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ابْنُ السَّبِيلِ مَنْ يُقَاسِمُ الصَّدَقَاتِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي بِهِ الصَّدَقَاتُ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ أَوْ غَيْرِهِمْ وَقَالَ أَيْضًا: إنَّمَا قَسْمُ الصَّدَقَاتِ دَلَالَاتٌ فَحَيْثُ كَانَتْ الْكَثْرَةُ أَوْ الْحَاجَةُ فَهِيَ أَسْعَدُ بِهِ، كَأَنَّهُ يَذْهَبُ إلَى أَنَّ السُّهْمَانَ لَوْ كَانَتْ أَلْفًا وَكَانَ غَارِمٌ غُرْمُهُ أَلْفٌ وَمَسَاكِينُ يُغْنِيهِمْ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَفُقَرَاءُ مِثْلُهُمْ يُغْنِيهِمْ مَا يُغْنِيهِمْ، وَابْنُ السَّبِيلِ مِثْلُهُمْ يُغْنِيهِمْ مَا يُغْنِيهِمْ، جُعِلَ لِلْغَارِمِ سَهْمٌ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ، فَكَانَ أَكْثَرُ الْمَالِ فِي الَّذِينَ مَعَهُ، لِأَنَّهُمْ أَكْثَرُ مِنْهُ عَدَدًا وَحَاجَةً، كَأَنَّهُ يَذْهَبُ إلَى أَنَّ الْمَالَ فَوْضَى بَيْنَهُمْ فَيَقْتَسِمُونَهُ عَلَى الْعَدَدِ وَالْحَاجَةِ لَا لِكُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ سَهْمٌ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: إذَا أُخِذَتْ صَدَقَةُ قَوْمٍ بِبَلَدٍ وَكَانَ آخَرُونَ بِبَلَدٍ مُجْدِبِينَ فَكَانَ أَهْلُ السُّهْمَانِ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ الَّذِينَ أُخِذَتْ صَدَقَاتُهُمْ إنْ تُرِكُوا تَمَاسَكُوا وَلَمْ يَجْهَدُوا جَهْدَ الْمُجْدِبِينَ الَّذِينَ لَا صَدَقَةَ بِبِلَادِهِمْ، أَوْ لَهُمْ صَدَقَةٌ يَسِيرَةٌ لَا تَقَعُ مِنْهُمْ مَوْقِعًا، نُقِلَتْ إلَى الْمُجْدِبِينَ إذَا كَانُوا يُخَافُ عَلَيْهِمْ الْمَوْتُ هُزْلًا إنْ لَمْ يُنْقَلْ إلَيْهِمْ، كَأَنَّهُ يَذْهَبُ أَيْضًا إلَى أَنَّ هَذَا الْمَالَ مَالٌ مِنْ مَالِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَسَمَهُ لِأَهْلِ السُّهْمَانِ لِمَعْنَى صَلَاحِ عِبَادِ اللَّهِ فَيَنْظُرُ إلَيْهِمْ الْوَالِي فَيَنْقُلُ هَذِهِ إلَى هَذِهِ السُّهْمَانِ حَيْثُ كَانُوا عَلَى الِاجْتِهَادِ، قَرُبُوا أَوْ بَعُدُوا، وَأَحْسِبُهُ يَقُولُ: وَتُنْقَلُ سُهْمَانُ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ إلَى أَهْلِ الْفَيْءِ إنْ جَهَدُوا

(2/97)

وَضَاقَ الْفَيْءُ عَلَيْهِمْ.
وَيُنْقَلُ الْفَيْءُ إلَى أَهْلِ الصَّدَقَاتِ إنْ جَهَدُوا وَضَاقَتْ الصَّدَقَاتُ، عَلَى مَعْنَى إرَادَةِ صَلَاحِ عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا قُلْت بِخِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ الْمَالَ قِسْمَيْنِ، أَحَدُهُمَا قِسْمُ الصَّدَقَاتِ الَّتِي هِيَ طَهُورٌ قَسَمَهَا لِثَمَانِيَةِ أَصْنَافٍ وَوَكَّدَهَا وَجَاءَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
بِأَنْ تُؤْخَذَ مِنْ أَغْنِيَاءِ قَوْمٍ وَتُرَدَّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ لَا فُقَرَاءِ غَيْرِهِمْ وَلِغَيْرِهِمْ فُقَرَاءُ، فَلَمْ يَجُزْ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا غَيْرُ مَا قُلْت مِنْ أَنْ لَا تُنْقَلَ عَنْ قَوْمٍ إلَى قَوْمٍ وَفِيهِمْ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا، وَلَا يَخْرُجُ سَهْمُ ذِي سَهْمٍ مِنْهُمْ إلَى غَيْرِهِ وَهُوَ يَسْتَحِقُّهُ، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَصْنَافًا فَيَكُونُوا مَوْجُودِينَ مَعًا فَيُعْطَى أَحَدُهُمْ سَهْمَهُ وَسَهْمَ غَيْرِهِ لَوْ جَازَ هَذَا عِنْدِي جَازَ أَنْ تُجْعَلَ فِي سَهْمٍ وَاحِدٍ فَيَمْنَعُ سَبْعَةً فَرْضًا فُرِضَ لَهُمْ وَيُعْطِي وَاحِدًا مَا لَمْ يُفْرَضْ لَهُ، وَاَلَّذِي يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ لَا يُخَالِفُنَا فِي أَنَّ رَجُلًا وَلَوْ قَالَ: أَوْصَى لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ وَفُلَانٍ وَأَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ وَفُلَانٍ كَانَتْ الْأَرْضُ أَثْلَاثًا بَيْنَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَفُلَانٍ وَكَذَلِكَ الثُّلُثُ، وَلَا مُخَالِفَ عَلِمْته فِي أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَالَ: ثُلُثُ مَالِي لِفُقَرَاءِ بَنِي فُلَانٍ وَغَارِمِ بَنِي فُلَانٍ رَجُلٍ آخَرَ وَبَنِي سَبِيلٍ بَنِي فُلَانٍ رَجُلٍ آخَرَ أَنَّ كُلَّ صِنْفٍ مِنْ هَؤُلَاءِ يُعْطَوْنَ مِنْ ثُلُثِهِ وَأَنْ لَيْسَ أَوْصَى وَلَا لِوَالٍ أَنْ يُعْطِيَ أَحَدَ هَؤُلَاءِ الثُّلُثَ دُونَ صَاحِبِهِ.
وَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ جَمِيعُ الْمَالِ لِلْفُقَرَاءِ دُونَ الْغَارِمِينَ وَلَا لِلْغَارِمِينَ دُونَ بَنِي السَّبِيلِ وَلَا صِنْفٍ مِمَّنْ سَمَّى دُونَ صِنْفٍ مِنْهُمْ أَفْقَرَ وَأَحْوَجَ مِنْ صِنْفٍ ثُمَّ يُعْطِيهِمُوهُ دُونَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ سَمَّى الْمُوصِي، لِأَنَّ الْمُوصِيَ أَوْ الْمُتَصَدِّقَ قَدْ سَمَّى أَصْنَافًا فَلَا يَصْرِفُ مَالَ صِنْفٍ إلَى غَيْرِهِ، وَلَا يَتْرُكُ مَنْ سَمَّى لَهُ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ لَهُ مَعَهُ، لِأَنَّ كُلًّا ذُو حَقٍّ لِمَا سَمَّى لَهُ، فَلَا يَصْرِفُ حَقَّ وَاحِدٍ إلَى غَيْرِهِ وَلَا يَصْرِفُ حَقَّهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يُسَمِّ لَهُ، فَإِذَا كَانَ هَذَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ فَمَا أَعْطَى الْآدَمِيُّونَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْضِيَ إلَّا عَلَى مَا أَعْطَوْا، فَعَطَاءُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَحَقُّ أَنْ يَجُوزَ وَأَنْ يَمْضِيَ عَلَى مَا أَعْطَى، وَلَوْ جَازَ فِي أَحَدِ الْعَطَاءَيْنِ أَنْ يُصْرَفَ عَمَّنْ أُعْطِيَهُ إلَى مَنْ لَمْ يُعْطَهُ أَوْ يُصْرَفَ حَقُّ صِنْفٍ أُعْطِيَ إلَى صِنْفٍ أُعْطِيَهُ مِنْهُمْ كَانَ فِي عَطَاءِ الْآدَمِيِّينَ أَجْوَزَ وَلَكِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِذَا قَسَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْفَيْءَ فَقَالَ {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 41] الْآيَةَ.

وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ لِمَنْ أَوْجَفَ عَلَى الْغَنِيمَةِ لِلْفَارِسِ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، فَلَمْ نَعْلَمْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَضَّلَ الْفَارِسَ ذَا الْغَنَاءِ الْعَظِيمِ عَلَى الْفَارِسِ الَّذِي لَيْسَ مِثْلَهُ، وَلَمْ نَعْلَمْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا سَوَّوْا بَيْنَ الْفَارِسَيْنِ؛ حَتَّى قَالُوا: لَوْ كَانَ فَارِسٌ أَعْظَمَ النَّاسِ غَنَاءً وَآخَرُ جَبَانٌ سَوَّوْا بَيْنَهُمَا، وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي الرَّجَّالَةِ، أَفَرَأَيْت لَوْ عَارَضَنَا وَإِيَّاهُمْ مُعَارِضٌ فَقَالَ: إذَا جَعَلْت أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ لِمَنْ حَضَرَ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْحُضُورِ لِلْغَنَاءِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَالنِّكَايَةِ فِي الْمُشْرِكِينَ فَلَا أُخْرِجُ الْأَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ لِمَنْ حَضَرَ وَلَكِنَّنِي أُحْصِي أَهْلَ الْغَنَاءِ مِمَّنْ حَضَرَ، فَأُعْطِي الرَّجُلَ سَهْمَ مِائَةِ رَجُلٍ أَوْ أَقَلَّ إذَا كَانَ يَغْنَى مِثْلَ غَنَائِهِمْ أَوْ أَكْثَرَ، وَأَتْرُكُ الْجَبَانَ وَغَيْرَ ذِي النِّيَّةِ الَّذِي لَمْ يُغْنَ فَلَا أُعْطِيهِ أَوْ أُعْطِيهِ جُزْءًا مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ مِنْ سَهْمِ رَجُلٍ ذِي غَنَاءٍ أَوْ أَكْثَرَ قَلِيلًا أَوْ أَقَلَّ قَلِيلًا بِقَدْرِ غَنَائِهِ هَلْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَهُ: لَمَّا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا، فَكَانَ مَخْرَجُ الْخَبَرِ مِنْهُ عَامًّا، وَلَمْ نَعْلَمْهُ خَصَّ أَهْلَ الْغَنَاءِ، بَلْ أَعْطَى مَنْ حَضَرَ عَلَى الْحُضُورِ وَالْحُرِّيَّةِ

(2/98)

وَالْإِسْلَامِ فَقَطْ، دُونَ الْغَنَاءِ.
وَمَنْ خَالَفَنَا فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ لَا يُخَالِفُنَا فِي قَسْمِ مَا أَوْجَفَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ. فَكَيْفَ جَازَ لَهُ أَنْ يُخَالِفَنَا فِي الصَّدَقَاتِ وَقَدْ قَسَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ أَبَيْنَ الْقَسْمِ فَيُعْطِي بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ؟ وَإِذَا كَانَ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا وَلَا عِنْدَهُ فِي الْمُوجِفِينَ لَوْ أَوَجَفُوا وَهُمْ أَهْلٌ لَا غَنَاءَ لَهُمْ عَلَى أَهْلِ ضَعْفٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ لَا غَنَاءَ عِنْدَهُمْ وَكَانَ بِإِزَائِهِمْ أَهْلُ غَنَاءٍ يُقَاتِلُونَ عَدُوًّا أَهْلَ شَوْكَةٍ شَدِيدَةٍ أَنْ يُعْطُوا مِمَّا أَوْجَفَ عَلَيْهِ الضُّعَفَاءُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الضُّعَفَاءِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَلَا يُعْطَاهُ الْمُسْلِمُونَ ذَوُو الْغَنَاءِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ الْمُشْرِكِينَ ذَوِي الْعَدَدِ وَالشَّوْكَةِ نَظَرًا لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ حَتَّى يُعْطَى بِالنَّظَرِ مَا أَوْجَفَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ الضُّعَفَاءُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الضُّعَفَاءِ إلَى الْمُسْلِمِينَ الْأَقْوِيَاءِ الْمُقَاتِلِينَ لِلشِّرْكِ الْأَقْوِيَاءِ لِأَنَّ عَلَيْهِ مُؤْنَةً عَظِيمَةً فِي قِتَالِهِمْ وَهُمْ أَعْظَمُ غَنَاءً عَنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنِّي أُعْطِي كُلَّ مُوجِفٍ حَقَّهُ، فَكَيْفَ جَازَ أَنْ تُنْقَلَ صَدَقَاتُ قَوْمٍ يَحْتَاجُونَ إلَيْهَا إلَى غَيْرِهِمْ إنْ كَانُوا أَحْوَجَ مِنْهُمْ أَوْ يُشْرِكَهُمْ مَعَهُمْ، أَوْ يَنْقُلَهَا مِنْ صِنْفٍ مِنْهُمْ إلَى صِنْفٍ، وَالصِّنْفُ الَّذِينَ نَقَلَهَا عَنْهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى حَقِّهِمْ؟ أَوْ رَأَيْت لَوْ قَالَ قَائِلٌ لِقَوْمٍ أَهْلِ يُسْرٍ كَثِيرٍ أَوَجَفُوا عَلَى عَدُوٍّ: أَنْتُمْ أَغْنِيَاءُ فَآخُذُ مَا أَوَجَفْتُمْ عَلَيْهِ فَأُقَسِّمُهُ عَلَى أَهْلِ الصَّدَقَاتِ الْمُحْتَاجِينَ إذَا كَانَ عَامُ سَنَةٍ لِأَنَّ أَهْلَ الصَّدَقَاتِ مُسْلِمُونَ مِنْ عِيَالِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا مَالٌ مِنْ مَالِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَخَافُ إنْ حَبَسْت هَذَا عَنْهُمْ وَلَيْسَ يَحْضُرُنِي مَالٌ غَيْرُهُ أَنْ يَضُرَّ بِهِمْ ضَرَرًا شَدِيدًا، وَأَخْذُهُ مِنْكُمْ لَا يَضُرُّ بِكُمْ هَلْ تَكُونُ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَهُ: مَنْ قَسَمَ لَهُ أَحَقُّ بِمَا قَسَمَ مِمَّنْ لَمْ يَقْسِمْ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مَنْ لَمْ يَقْسِمْ لَهُ أَحْوَجَ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِي أَهْلِ الصَّدَقَاتِ: إنَّهَا بِقِسْمَةٍ مَقْسُومَةٍ لَهُمْ بَيِّنَةُ الْقَسْمِ، أَوْ رَأَيْت لَوْ قَالَ قَائِلٌ فِي أَهْلِ الْمَوَارِيثِ الَّذِينَ قَسَمَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ أَوْ الَّذِينَ جَاءَ أَثَرٌ بِالْقَسْمِ لَهُمْ أَوْ فِيهِمَا مَعًا، إنَّمَا وَرِثُوا بِالْقَرَابَةِ وَالْمُصِيبَةِ بِالْمَيِّتِ.

فَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ أَحَدٌ خَيْرًا لِلْمَيِّتِ فِي حَيَاتِهِ وَلِتَرِكَتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَأَفْقَرَ إلَى مَا تَرَكَ أُوثِرَ بِمِيرَاثِهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا ذُو حَقٍّ فِي حَالٍ هَلْ تَكُونُ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَا نَعْدُو مَا قَسَمَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَهَكَذَا الْحُجَّةُ فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا وَفِيهِ كِفَايَةٌ وَلَيْسَتْ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ هَذَا شُبْهَةٌ يَنْبَغِي عِنْدِي أَنْ يَذْهَبَ إلَيْهَا ذَاهِبٌ؛ لِأَنَّهَا عِنْدِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ إبْطَالُ حَقِّ مَنْ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ حَقًّا وَإِبَاحَةُ أَنْ يَأْخُذَ الصَّدَقَاتِ الْوَالِي فَيَنْقُلُهَا إلَى ذِي قَرَابَةٍ لَهُ وَاحِدٍ أَوْ صِدِّيقٍ بِبَلَدٍ غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي بِهِ الصَّدَقَاتُ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَاحْتَجَّ مُحْتَجٌّ فِي نَقْلِ الصَّدَقَاتِ بِأَنْ قَالَ: إنَّ بَعْضَ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ قَالَ: إنْ جُعِلَتْ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَ وَاَلَّذِي قَالَ هَذَا الْقَوْلَ لَا يَكُونُ قَوْلُهُ حُجَّةً تُلْزِمُ وَهُوَ لَوْ قَالَ هَذَا لَمْ يَكُنْ قَالَ إنْ جُعِلَتْ فِي صِنْفٍ وَأَصْنَافٍ مَوْجُودَةٍ، وَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ إذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْ الْأَصْنَافِ إلَّا صِنْفٌ أَجْزَأَ أَنْ تُوضَعَ فِيهِ، وَاحْتَجَّ بِأَنْ قَالَ: إنَّ طَاوُسًا رَوَى أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَالَ لِبَعْضِ أَهْلِ الْيَمَنِ: ائْتُونِي بِعُرْضِ ثِيَابٍ آخُذُهَا مِنْكُمْ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالْحِنْطَةِ فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ وَخَيْرٌ لِلْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : صَالَحَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ ذِمَّةِ الْيَمَنِ عَلَى
دِينَارٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ كُلَّ سَنَةٍ فَكَانَ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ الرَّجُلِ دِينَارٌ أَوْ قِيمَتُهُ مِنْ الْمَعَافِرِ كَانَ ذَلِكَ إذَا لَمْ يُوجَدْ الدِّينَارُ فَلَعَلَّ مُعَاذًا لَوْ أَعَسَرُوا بِالدِّينَارِ أَخَذَ مِنْهُمْ الشَّعِيرَ وَالْحِنْطَةَ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا عِنْدَهُمْ وَإِذَا جَازَ أَنْ يَتْرُكَ الدِّينَارَ لِغَرَضٍ

(2/99)

فَلَعَلَّهُ جَازَ عِنْدَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ طَعَامًا وَغَيْرَهُ مِنْ الْعَرَضِ بِقِيمَةِ الدَّنَانِيرِ فَأَسْرَعُوا إلَى أَنْ يُعْطُوهُ مِنْ الطَّعَامِ لِكَثْرَتِهِ عِنْدَهُمْ يَقُولُ الثِّيَابُ خَيْرٌ لِلْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ وَأَهْوَنُ عَلَيْكُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا مُؤْنَةً كَثِيرَةً فِي الْمَحْمَلِ لِلثِّيَابِ إلَى الْمَدِينَةِ وَالثِّيَابُ بِهَا أَغْلَى ثَمَنًا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هَذَا تَأْوِيلٌ لَا يُقْبَلُ إلَّا بِدَلَالَةٍ عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ فَإِنَّمَا قُلْنَاهُ بِالدَّلَائِلِ عَنْ مُعَاذٍ وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ هَذَا، أَخْبَرَنَا مُطَرِّفُ بْنُ مَازِنٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ مُعَاذًا قَضَى: «أَيُّمَا رَجُلٍ انْتَقَلَ مِنْ مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ إلَى غَيْرِ مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ فَعُشْرُهُ وَصَدَقَتُهُ إلَى مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ» .

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَبَيَّنَ فِي قِصَّةِ مُعَاذٍ أَنَّ هَذَا فِي الْمُسْلِمِينَ خَاصَّةً وَذَلِكَ أَنَّ الْعُشْرَ وَالصَّدَقَةَ لَا تَكُونُ إلَّا لِلْمُسْلِمِينَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا رَأَى مُعَاذٌ فِي الرَّجُلِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ الصَّدَقَةَ يَنْتَقِلُ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ عَنْ مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ أَنْ تَكُونَ صَدَقَتُهُ وَعُشْرُهُ إلَى مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ وَذَلِكَ يَنْتَقِلُ بِصَدَقَةِ مَالِهِ النَّاضِّ وَالْمَاشِيَةِ فَيَجْعَلُ مُعَاذٌ صَدَقَتَهُ وَعُشْرَهُ لِأَهْلِ مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ لَا لِمَنْ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ بِقَرَابَتِهِ دُونَ أَهْلِ الْمِخْلَافِ الَّذِي انْتَقَلَ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ أَنَّ مِخْلَافَ عَشِيرَتِهِ لِعَشِيرَتِهِ، وَإِنَّمَا خَلَطَهُمْ غَيْرُهُمْ وَكَانَتْ الْعَشِيرَةُ أَكْثَرَ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ رَأَى أَنَّ الصَّدَقَةَ إذَا ثَبَتَتْ لِأَهْلِ مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ لَمْ تُحَوَّلْ عَنْهُمْ صَدَقَتُهُ وَعُشْرُهُ بِتَحَوُّلِهِ وَكَانَتْ لَهُمْ كَمَا تَثْبُتُ بَدْءًا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُشْرُهُ وَصَدَقَتُهُ الَّتِي هِيَ بَيْنَ ظَهَرَانِي مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ لَا تَتَحَوَّلُ عَنْهُمْ دُونَ النَّاضِّ الَّذِي يَتَحَوَّلُ، وَمُعَاذٌ إذْ حَكَمَ بِهَذَا كَانَ مِنْ أَنْ يَنْقُلَ صَدَقَةَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الصَّدَقَةِ إلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ أَكْثَرُهُمْ أَهْلُ الْفَيْءِ أَبْعَدَ، وَفِيمَا رَوَيْنَا مِنْ هَذَا عَنْ مُعَاذٍ مَا يَدُلُّ عَلَى قَوْلِنَا: لَا تُنْقَلُ الصَّدَقَةُ مِنْ جِيرَانِ الْمَالِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ الصَّدَقَةُ إلَى غَيْرِهِمْ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَطَاوُسٌ لَوْ ثَبَتَ عَنْ مُعَاذٍ شَيْءٌ لَمْ يُخَالِفْهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَطَاوُسٌ يَحْلِفُ مَا يَحِلُّ بَيْعُ الصَّدَقَاتِ قَبْلَ أَنْ تُقْبَضَ وَلَا بَعْدَ أَنْ تُقْبَضَ وَلَوْ كَانَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَنْ احْتَجَّ عَلَيْنَا بِأَنَّ مُعَاذًا بَاعَ الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِالثِّيَابِ كَانَ بَيْعُ الصَّدَقَةِ قَبْلَ أَنْ تُقْبَضَ وَلَكِنَّهُ عِنْدَنَا إنَّمَا قَالَ: ائْتُونِي بِعُرْضٍ مِنْ الثِّيَابِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَانَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ جَاءَ أَبَا بَكْرٍ بِصَدَقَاتٍ وَالزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ وَهُمَا، وَإِنْ جَاءَا بِمَا فَضَلَ عَنْ أَهْلِهِ مَا فَقَدْ نَقَلَاهَا إلَى الْمَدِينَةِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِالْمَدِينَةِ أَقْرَبُ النَّاسِ نَسَبًا وَدَارًا مِمَّنْ يَحْتَاجُ إلَى سَعَةٍ مِنْ مُضَرَ وطيئ مِنْ الْيَمَنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَنْ حَوْلَهُمْ ارْتَدَّ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَقٌّ فِي الصَّدَقَةِ وَيَكُونُ بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ حَقٍّ هُمْ أَقْرَبُ مِنْ غَيْرِهِمْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُؤْتَى بِهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ يَأْمُرُ بِرَدِّهَا إلَى غَيْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ خَبَرٌ نَصِيرُ إلَيْهِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ كَانَ يُؤْتَى بِنَعَمٍ مِنْ نِعَمِ الصَّدَقَةُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَبِالْمَدِينَةِ صَدَقَاتُ النَّخْلِ وَالزَّرْعِ وَالنَّاضِّ وَالْمَاشِيَةِ وَلِلْمَدِينَةِ سَاكِنٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَحُلَفَائِهِمَا وَأَشْجَعَ وَجُهَيْنَةَ وَمُزَيْنَةَ بِهَا وَبِأَطْرَافِهَا وَغَيْرِهِمْ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، فَعِيَالُ سَاكِنِ الْمَدِينَةَ بِالْمَدِينَةِ، وَعِيَالُ عَشَائِرِهِمْ وَجِيرَانِهِمْ وَقَدْ يَكُونُ عِيَالُ سَاكِنِ أَطْرَافِهَا بِهَا وَعِيَالُ جِيرَانِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ فَيُؤْتَوْنَ بِهَا وَيَكُونُونَ مَجْمَعًا لِأَهْلِ السُّهْمَانِ كَمَا تَكُونُ الْمِيَاهُ وَالْقُرَى مَجْمَعًا لِأَهْلِ السُّهْمَانِ مِنْ الْعَرَبِ وَلَعَلَّهُمْ اسْتَغْنَوْا فَنَقَلَهَا إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِهِمْ دَارًا وَنَسَبًا وَكَانَ أَقْرَبُ النَّاسِ بِالْمَدِينَةِ دَارًا وَنَسَبًا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ عُمَرَ كَانَ يَحْمِلُ عَلَى إبِلٍ كَثِيرَةٍ إلَى الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، قِيلَ لَهُ: لَيْسَتْ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ نَعَمِ الْجِزْيَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْمِلُ عَلَى مَا يَحْتَمِلُ مِنْ الْإِبِلِ، وَأَكْثَرُ فَرَائِضِ الْإِبِلِ لَا تَحْمِلُ أَحَدًا.

أَخْبَرْنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يُؤْتَى بِنَعَمٍ كَثِيرَةٍ مِنْ نَعَمِ الْجِزْيَةِ، أَخْبَرْنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ الدَّارِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَهُ: أَرَأَيْت الْإِبِلَ الَّتِي كَانَ يَحْمِلُ عَلَيْهَا عُمَرُ الْغُزَاةَ وَعُثْمَانُ بَعْدَهُ؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّهَا إبِلُ الْجِزْيَةِ الَّتِي كَانَ يَبْعَثُ بِهَا مُعَاوِيَةُ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، قُلْت: وَمِمَّنْ كَانَتْ تُؤْخَذُ؟

(2/100)

قَالَ: مِنْ أَهْلِ جِزْيَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ تُؤْخَذُ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ عَلَى وَجْهِهَا فَبِيعَتْ فَيُبْتَاعُ بِهَا إبِلٌ جِلَّةٌ فَيَبْعَثُ بِهَا إلَى عُمَرَ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَخْبَرْنَا الثِّقَةُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَحْيَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ قَالَ: بَعَثَ عَبْدُ الْمَلِكِ بَعْضَ الْجَمَاعَةِ بِعَطَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَكَتَبَ إلَى وَالِي الْيَمَامَةِ أَنْ يَحْمِلَ مِنْ الْيَمَامَةِ إلَى الْمَدِينَةِ أَلْفَ أَلْفَ دِرْهَمٍ يُتِمُّ بِهَا عَطَاءَهُمْ فَلَمَّا قَدِمَ الْمَالُ إلَى الْمَدِينَةِ أَبَوْا أَنْ يَأْخُذُوهُ وَقَالُوا: أَيُطْعِمُنَا أَوْسَاخَ النَّاسِ وَمَا لَا يَصْلُحُ لَنَا أَنْ نَأْخُذَهُ لَا نَأْخُذُهُ أَبَدًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الْمَلِكِ فَرَدَّهُ وَقَالَ: لَا تَزَالُ فِي الْقَوْمِ بَقِيَّةٌ مَا فَعَلُوا هَكَذَا، قُلْت لِسَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ؟ وَمَنْ كَانَ يَوْمَئِذٍ يَتَكَلَّمُ: قَالَ أَوَّلُهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي رِجَالٍ كَثِيرَةٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَوْلُهُمْ لَا يَصْلُحُ لَنَا أَيْ لَا يَحِلُّ لَنَا أَنْ نَأْخُذَ الصَّدَقَةَ وَنَحْنُ أَهْلُ الْفَيْءِ وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْفَيْءِ فِي الصَّدَقَةِ حَقٌّ وَمِنْ أَنْ يَنْقُلَ عَنْ قَوْمٍ إلَى قَوْمٍ غَيْرِهِمْ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أُخِذَتْ الْمَاشِيَةُ فِي الصَّدَقَةِ وَوُسِمَتْ وَأُدْخِلَتْ الْحَظِيرَ، وَوُسِمَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ فِي أَفْخَاذِهَا وَالْغَنَمُ فِي أُصُولِ آذَانِهَا وَمِيسَمُ الصَّدَقَةِ مَكْتُوبٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتُوسَمُ الْإِبِلُ الَّتِي تُؤْخَذُ فِي الْجِزْيَةِ مِيسَمًا مُخَالِفًا لِمِيسَمِ الصَّدَقَةِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ مِيسَمَ الصَّدَقَةِ مُخَالِفٌ لِمِيسَمِ الْجِزْيَةِ؟ قِيلَ: فَإِنَّ الصَّدَقَةَ أَدَّاهَا مَالِكُهَا لِلَّهِ وَكُتِبَتْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أَنَّ مَالِكَهَا أَخْرَجَهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِبِلُ الْجِزْيَةِ أُدِّيَتْ صِغَارًا لَا أَجْرَ لِصَاحِبِهَا فِيهَا.

أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ: إنَّ فِي الظَّهْرِ نَاقَةٌ عَمْيَاءُ قَالَ:
" أَمِنْ نَعَمِ الْجِزْيَةِ أَمْ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ؟ " قَالَ: بَلْ مِنْ نَعَمِ الْجِزْيَةِ وَقَالَ لَهُ: إنَّ عَلَيْهَا مِيسَمَ الْجِزْيَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَرْقٍ بَيْنَ الْمِيسَمَيْنِ أَيْضًا

وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ مِثْلَ قَوْلِنَا أَنَّ كُلَّ مَا أُخِذَ مِنْ مُسْلِمٍ فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ الصَّدَقَاتِ وَقَالُوا: سَبِيلُ الرِّكَازِ سَبِيلُ الصَّدَقَاتِ وَرَوَوْا مِثْلَ مَا رَوَيْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فِي الرِّكَازِ الْخَمْسُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْمَعَادِنُ مِنْ الرِّكَازِ وَفِي كُلِّ مَا أُصِيبَ مِنْ دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ أَوْ لَا تَجِبُ فَهُوَ رِكَازٌ وَلَوْ أَصَابَهُ غَنِيٌّ أَوْ فَقِيرٌ كَانَ رِكَازًا فِيهِ الْخُمْسُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : ثُمَّ عَادَ لِمَا شَدَّدَ فِيهِ كُلَّهُ فَأَبْطَلَهُ فَزَعَمَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا وَجَدَ رِكَازًا فَوَاسِعٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَكْتُمَهُ الْوَالِي وَلِلْوَالِي أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ وَيَدَعُهُ لَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَوْ رَأَيْت إذْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ فِي الرِّكَازِ الْخُمْسَ وَزَعَمَ أَنَّ كُلَّ مَا أُخِذَ مِنْ مُسْلِمٍ قَسْمٌ عَلَى قَسْمِ الصَّدَقَاتِ فَقَدْ أَبْطَلَ الْحَقَّ بِالسُّنَّةِ فِي أَخْذِهِ وَحَقَّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَسْمِهِ.

وَالْخُمْسُ إنَّمَا يَجِبُ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ فِي مَالِهِ لِمَسَاكِينَ جَعَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ فَكَيْفَ جَازَ لِلْوَالِي أَنْ يَتْرُكَ حَقًّا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَالِهِ، وَذَلِكَ الْحَقُّ لِمَنْ قَسَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ؟ أَرَأَيْت لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هَذَا فِي عُشْرِ الطَّعَامِ أَوْ زَكَاةِ الذَّهَبِ أَوْ زَكَاةِ التِّجَارَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَا الْحُجَّةُ

(2/101)

عَلَيْهِ؟ أَلَيْسَ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الَّذِي عَلَيْك فِي مَالِك إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ وَجَبَ لِغَيْرِك فَلَا يَحِلُّ لِلسُّلْطَانِ تَرْكُهُ لَك وَلَا لَك حَبْسُهُ إنْ تَرَكَهُ لَك السُّلْطَانُ عَمَّنْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ؟ .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَسْت أَعْلَمُ مَنْ قَالَ هَذَا فِي الرِّكَازِ وَلَوْ جَازَ هَذَا فِي الرِّكَازِ جَازَ فِي جَمِيعِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ فِي مَالِهِ أَنْ يَحْبِسَهُ وَلِلسُّلْطَانِ أَنْ يَدَعَهُ لَهُ فَيَبْطُلُ حَقٌّ مِنْ قَسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ الثَّمَانِيَةِ فَقَالَ: إنَّا رَوَيْنَا عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ أَوْ خَمْسَةَ آلَافٍ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
" لَأَقْضِيَنَّ فِيهَا قَضَاءً بَيِّنًا، أَمَّا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ فَلَكَ وَخُمْسٌ لِلْمُسْلِمِينَ " ثُمَّ قَالَ: " وَالْخُمْسُ مَرْدُودٌ عَلَيْك ".
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا الْحَدِيثُ يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا إذْ زَعَمَ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ وَخُمْسٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَالِي يَرَى لِلْمُسْلِمِينَ فِي مَالِ رَجُلٍ شَيْئًا ثُمَّ يَرُدُّهُ عَلَيْهِ أَوْ يَدَعُهُ لَهُ وَالْوَاجِبُ عَلَى الْوَالِي أَنْ لَوْ مَنَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا لَهُمْ فِي مَالِهِ أَنْ يُجَاهِدَهُ عَلَيْهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا عَنْ عَلِيٍّ مُسْتَنْكَرٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ مَوْصُولٍ أَنَّهُ قَالَ
" أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ لَك وَاقْسِمْ الْخُمْسَ عَلَى فُقَرَاءِ أَهْلِك " وَهَذَا الْحَدِيثُ أَشْبَهَ بِعَلِيٍّ لَعَلَّ عَلِيًّا عَلِمَهُ أَمِينًا وَعَلِمَ فِي أَهْلِهِ فُقَرَاءَ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَهُ فِيهِمْ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهُمْ مُخَالِفُونَ مَا رُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ مَنْ كَانَتْ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ فَلَيْسَ لِلْوَالِي أَنْ يُعْطِيَهُ وَلَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ السُّهْمَانِ الْمَقْسُومَةِ بَيْنَ مَنْ سَمَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا مِنْ الصَّدَقَةِ تَطَوُّعًا وَاَلَّذِي زَعَمُوا أَنَّ عَلِيًّا تَرَكَ لَهُ خُمْسَ رِكَازِهِ، وَهَذَا رَجُلٌ لَهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ سِوَاهَا وَيَزْعُمُونَ أَنَّ الْوَالِيَ إذَا أَخَذَ مِنْهُ وَاجِبًا فِي مَالِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْوَالِي أَنْ يَعُودَ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى أَحَدٍ وَيَزْعُمُونَ أَنْ لَوْ وَلِيَهَا هُوَ دُونَ الْوَالِي لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبْسُهَا وَلَا دَفْعُهَا إلَى أَحَدٍ يَعُولُهُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إعَادَتُهَا عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أَخَذَهَا مِنْهُ، أَوْ تَرْكُهَا لَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ، وَهَذَا إبْطَالُهَا بِكُلِّ وَجْهٍ وَخِلَافُ مَا يَقُولُونَ وَإِذَا صَارَ لَهُ أَنْ يَكْتُمَهَا وَلِلْوَالِي أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ فَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عَلَيْهِ وَتَرْكُهَا لَا تُؤْخَذُ مِنْهُ وَأَخْذُهَا سَوَاءٌ، وَقَدْ أَبْطَلَ بِهَذَا الْقَوْلِ السُّنَّةَ فِي أَنَّ فِي الرِّكَازِ الْخُمْسَ وَأَبْطَلَ بِهِ حَقَّ مَنْ قَسَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ مِنْ أَهْلِ السُّهْمَانِ الثَّمَانِيَةِ.

فَإِنْ قَالَ لَا يَصْلُحُ هَذَا إلَّا فِي الرِّكَازِ قِيلَ، فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: فَإِذَا صَلُحَ فِي الرِّكَازِ وَهُوَ مِنْ الصَّدَقَاتِ صَلُحَ فِي كُلِّهَا وَلَوْ جَازَ لَك أَنْ تَخُصَّ بَعْضَهَا دُونَ بَعْضٍ قُلْت يَصْلُحُ فِي الْعُشُورِ وَصَدَقَاتِ الْمَاشِيَةِ، وَقَالَ غَيْرِي وَغَيْرُك يَصْلُحُ فِي صَدَقَةِ الرِّقَّةِ وَلَا يَصْلُحُ فِي هَذَا، فَإِنْ قَالَ: فَإِنَّمَا هُوَ خُمْسٌ وَكَذَلِكَ الْحَقُّ فِيهِ كَمَا الْحَقُّ فِي الزَّرْعِ الْعُشْرُ، وَفِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ، وَفِي الْمَاشِيَةِ مُخْتَلِفَةٌ، وَهِيَ مُخَالِفَةٌ كُلَّ هَذَا، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ كُلٍّ بِقَدْرِ مَا جُعِلَ فِيهِ وَيُقْسَمُ كُلٌّ حَيْثُ قَسْمُ الصَّدَقَاتِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : ثُمَّ خَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فِيمَا يُعْطَى مِنْ الصَّدَقَاتِ فَقَالَ: لَا يَأْخُذُ مِنْهَا أَحَدٌ لَهُ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَلَا يُعْطَى مِنْهَا أَحَدٌ مِائَتِي دِرْهَمٍ وَلَا شَيْءٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ لَا يَكُونُ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَلَا شَيْءٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا إذَا لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا بِضَعْفِ حِرْفَةٍ أَوْ كَثْرَةِ عِيَالٍ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ أَكْثَرُ مِنْهَا فَيَكُونُ مُحْتَاجًا بِضَعْفِ الْحِرْفَةِ أَوْ بِغَلَبَةِ الْعِيَالِ فَكَانَتْ الْحَاجَةُ إنَّمَا هِيَ مَا عَرَفَ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ حَالِ الطَّالِبِ لِلزَّكَاةِ وَمَالِهِ لَا عَلَى قَدْرِ الْمَالِ فَقَطْ فَكَيْفَ إذَا كَانَ الرَّجُلُ لَهُ مِائَةٌ مِنْ الْعِيَالِ وَمِائَتَا دِرْهَمٍ لَا يُعْطَى، وَهَذَا الْمُحْتَاجُ الْبَيِّنُ الْحَاجَةِ، وَآخَرُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَلَا عِيَالَ لَهُ وَلَيْسَ بِالْغِنَى أُعْطِيَ وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا الَّذِي أُمِرَ بِإِعْطَائِهِ أَقْرَبُ مِنْ الْغِنَى وَاَلَّذِي نُهِيَ عَنْ إعْطَائِهِ أَبْعَدُ مِنْ الْغِنَى وَلِمَ إذَا كَانَ الْغَارِمُ يُعْطَى مَا يُخْرِجُهُ مِنْ الْغُرْمِ لَا يُعْطَى الْفَقِيرُ مَا يُخْرِجُهُ مِنْ الْفَقْرِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ

(2/102)

إنْ أَخْرَجَهُ مِنْ الْفَقْرِ إلَى الْغِنَى مِائَةُ دِرْهَمٍ أَوْ أَقَلُّ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا فَلِمَ إذَا لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ الْفَقْرِ إلَى الْغِنَى إلَّا مِائَتَا دِرْهَمٍ لَا يُعْطَاهَا وَهُوَ يَوْمَ يُعْطَاهَا لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا إنَّمَا الزَّكَاةُ عَلَيْهِ فِيهَا إذَا حَالَ عَلَيْهَا حَوْلٌ مِنْ يَوْمِ مَلَكَهَا.


 


ملف doc

كلمات دليلية: