الميقات للحج والعمرة على المذهب الشافعي - كتاب الأم

الميقات للحج والعمرة على المذهب الشافعي - كتاب الأم
969

اسم الكتاب:
الأم




[بَاب الْوَقْتِ الَّذِي تَجُوزُ فِيهِ الْعُمْرَةُ]

ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : يَجُوزُ أَنْ يُهِلَّ الرَّجُلُ بِعُمْرَةٍ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا يَوْمَ عَرَفَةَ وَأَيَّامَ مِنًى وَغَيْرَهَا مِنْ السَّنَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ حَاجًّا وَلَمْ يَطْمَعْ بِإِدْرَاكِ الْحَجِّ وَإِنْ طَمِعَ بِإِدْرَاكِ الْحَجِّ أَحْبَبْت لَهُ أَنْ يَكُونَ إهْلَالُهُ بِحَجٍّ دُونَ عُمْرَةٍ أَوْ حَجٍّ مَعَ عُمْرَةٍ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَاعْتَمَرَ جَازَتْ الْعُمْرَةُ وَأَجْزَأَتْ عَنْهُ عُمْرَةُ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَةٌ إنْ كَانَ أَوْجَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ مِنْ نَذْرٍ أَوْ أَوْجَبَهُ تَبَرَّرَ أَوْ اعْتَمَرَ عَنْ غَيْرِهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ

(2/146)

قَائِلٌ وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعُمْرَةُ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ؟ قِيلَ قَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَائِشَةَ فَأَدْخَلَتْ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فَوَافَتْ عَرَفَةَ وَمِنًى حَاجَةً مُعْتَمِرَةً وَالْعُمْرَةُ لَهَا مُتَقَدِّمَةٌ وَقَدْ أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ وَأَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَكَانَ مُهِلًّا بِحَجٍّ أَنْ يَطُوفَ وَيَسْعَى وَيَحْلِقَ وَيَحِلَّ فَهَذَا عَمَلُ عُمْرَةٍ إنْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَإِنَّ أَعْظَمَ الْأَيَّامِ حُرْمَةً أَوْلَاهَا أَنْ يَنْسَك فِيهَا لِلَّهِ تَعَالَى.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا وَجْهَ لَأَنْ يُنْهَى أَحَدٌ أَنْ يَعْتَمِرَ يَوْمَ عَرَفَةَ وَلَا لَيَالِي مِنًى إلَّا أَنْ يَكُونَ حَاجًّا فَلَا يُدْخِلُ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ وَلَا يَعْتَمِرُ حَتَّى يُكْمِلَ عَمَلَ الْحَجِّ كُلَّهُ، لِأَنَّهُ مَعْكُوفٌ بِمِنًى عَلَى عَمَلٍ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ مِنْ الرَّمْيِ وَالْإِقَامَةِ بِمِنًى طَافَ لِلزِّيَارَةِ أَوْ لَمْ يَطُفْ، فَإِنْ اعْتَمَرَ وَهُوَ فِي بَقِيَّةٍ مِنْ إحْرَامِ حَجِّهِ أَوْ خَارِجًا مِنْ إحْرَامِ حَجِّهِ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى عَمَلٍ مِنْ عَمَلِ حَجِّهِ فَلَا عُمْرَةَ لَهُ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ فِي وَقْتٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُهِلَّ بِهَا فِيهِ


(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْعُمْرَةُ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَعْتَمِرَ الرَّجُلُ فِي السَّنَةِ مِرَارًا، وَهَذَا قَوْلُ الْعَامَّةِ مِنْ الْمَكِّيِّينَ وَأَهْلِ الْبُلْدَانِ، غَيْرَ أَنَّ قَائِلًا مِنْ الْحِجَازِيِّينَ كَرِهَ الْعُمْرَةَ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَإِذَا كَانَتْ الْعُمْرَةُ تَصْلُحُ فِي كُلِّ شَهْرٍ فَلَا تُشْبِهُ الْحَجَّ الَّذِي لَا يَصْلُحُ إلَّا فِي يَوْمٍ مِنْ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ إنْ لَمْ يُدْرِكْ فِيهِ الْحَجَّ فَاتَ إلَى قَابِلٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُقَاسَ عَلَيْهِ وَهِيَ تُخَالِفُهُ فِي هَذَا كُلِّهِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْت؟ قِيلَ لَهُ عَائِشَةُ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ وَمِمَّنْ دَخَلَ فِي أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَكُونَ إحْرَامُهُ عُمْرَةً فَعَرِكَتْ فَلَمْ تَقْدِرْ عَلَى الطَّوَافِ لِلطَّمْثِ فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُهِلَّ بِالْحَجِّ فَكَانَتْ قَارِنَةً وَكَانَتْ عُمْرَتُهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ ثُمَّ سَأَلَتْهُ أَنْ يُعْمِرَهَا فَأَعْمَرَهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ فَكَانَتْ هَذِهِ عُمْرَتَيْنِ فِي شَهْرٍ فَكَيْفَ يُنْكِرُ أَحَدٌ بَعْدَ أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعُمْرَتَيْنِ فِي شَهْرٍ يَزْعُمُ أَنْ لَا تَكُونَ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً؟ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِمَكَّةَ فَكَانَ إذَا حَمَّمَ رَأْسَهُ خَرَجَ فَاعْتَمَرَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ فِي كُلِّ شَهْرٍ عُمْرَةٌ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عَائِشَةَ اعْتَمَرَتْ فِي سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَمَرَّةً مِنْ الْجُحْفَةِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَمَرَتْ فِي سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ قَالَ صَدَقَةٌ: فَقُلْت هَلْ عَابَ ذَلِكَ عَلَيْهَا أَحَدٌ؟ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَاسْتَحْيَيْت، أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ اعْتَمَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَعْوَامًا فِي عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مَرَّتَيْنِ فِي كُلِّ عَامٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ قَالَ سُئِلَ عَطَاءٌ عَنْ الْعُمْرَةِ فِي كُلِّ شَهْرٍ؟ قَالَ نَعَمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِيمَا وَصَفْت مِنْ عُمْرَةِ عَائِشَةَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ وَفِي أَنَّهُ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ بَيَانٌ أَنَّ الْعُمْرَةَ تَجُوزُ فِي زَمَانِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ وَإِذَا جَازَتْ فِي شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَايَلَتْ مَعْنَى الْحَجِّ الَّذِي لَا يَكُونُ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَصَلُحَتْ فِي كُلِّ شَهْرٍ، وَحِينَ أَرَادَهُ صَاحِبُهُ

(2/147)

إلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا بِغَيْرِهَا مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَلَا يُدْخِلُ إحْرَامًا بِغَيْرِهِ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَهُ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَهَلَّ رَجُلٌ بِعُمْرَةٍ كَانَ لَهُ أَنْ يُدْخِلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ فَإِذَا دَخَلَ فِيهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهِ الْحَجَّ وَلَوْ فَعَلَ لَمْ يَلْزَمْهُ حَجٌّ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ فِي الْخُرُوجِ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي وَقْتٍ لَيْسَ لَهُ إدْخَالُ الْحَجِّ فِيهِ عَلَى عَمَلِ الْعُمْرَةِ وَلَوْ كَانَ إهْلَالُهُ بِحَجٍّ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ وَلَوْ فَعَلَ لَمْ يَكُنْ مُهِلًّا بِعُمْرَةٍ وَلَا عَلَيْهِ فِدْيَةٌ


(قَالَ) : وَمَنْ لَمْ يَحُجَّ اعْتَمَرَ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا وَمَنْ حَجَّ لَمْ يُدْخِلْ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ حَتَّى يُكْمِلَ عَمَلَ الْحَجِّ وَهُوَ آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ إنْ أَقَامَ إلَى آخِرِهَا وَإِنْ نَفَرَ النَّفَرَ الْأَوَّلَ فَاعْتَمَرَ يَوْمئِذٍ لَزِمَتْهُ الْعُمْرَةُ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ لِلْحَجِّ عَمَلٌ وَلَوْ أَخَّرَهُ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ وَلَوْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ فِي يَوْمِ النَّفْرِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَنْفِرْ كَانَ إهْلَالُهُ بَاطِلًا لِأَنَّهُ مَعْكُوفٌ عَلَى عَمَلٍ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَّا بِكَمَالِهِ وَالْخُرُوجُ مِنْهُ (قَالَ) : وَخَالَفَنَا بَعْضُ حِجَازِيِّينَا فَقَالَ لَا يَعْتَمِرُ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً، وَهَذَا خِلَافُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ أَعَمْرَ عَائِشَةَ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ مِنْ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ مَرَّتَيْنِ وَخِلَافُ فِعْلِ عَائِشَةَ نَفْسِهَا وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَعَوَامِّ النَّاسِ وَأَصْلُ قَوْلِهِ إنْ كَانَ قَوْلُهُ: أَنَّ الْعُمْرَةَ تَصْلُحُ فِي كُلِّ السَّنَةِ فَكَيْفَ قَاسَهَا بِالْحَجِّ الَّذِي لَا يَصْلُحُ إلَّا فِي يَوْمٍ مِنْ السَّنَةِ؟ وَأَيُّ وَقْتٍ وَقْتٌ لِلْعُمْرَةِ مِنْ الشُّهُورِ؟ فَإِنْ قَالَ: أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ، فَكَيْفَ لَمْ يَعْتَمِرْ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ مِرَارًا، وَقَوْلُ الْعَامَّةِ عَلَى مَا قُلْنَا.


[بَابُ مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ مَعًا أَوْ حَجَّ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ حَجًّا آخَرَ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ الْحَجَّ فَهُوَ مُهِلٌّ بِحَجٍّ وَاحِدٍ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الثَّانِي مِنْ فِدْيَةٍ وَلَا قَضَاءٍ وَلَا غَيْرِهِ (قَالَ) : وَإِكْمَالُ عَمَلِ الْحَجِّ أَنْ لَا يَبْقَى عَلَيْهِ طَوَافٌ وَلَا حِلَاقٌ وَلَا رَمْيٌ وَلَا مُقَامٌ بِمِنًى، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَكَيْفَ قُلْت هَذَا؟ قِيلَ كَانَ عَلَيْهِ فِي الْحَجِّ أَنْ يَأْتِيَ بِعَمَلِهِ عَلَى كَمَالِهِ فَيُدْخِلُ فِيهِ حَرَامًا وَيَكُونُ كَمَالُهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهُ حَلَالًا مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ مِنْ بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ وَبَعْدَ النَّحْرِ مِنْ كُلِّهِ بِكَمَالِهِ فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ الْحَجَّتَيْنِ وَقُلْنَا: أَكْمَلَ إحْدَاهُمَا أَمَرْنَاهُ بِالْإِحْلَالِ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِحَجٍّ، وَلَوْ قُلْنَا لَهُ لَا تَخْرُجُ مِنْ إحْرَامِ أَحَدِهِمَا إلَّا بِخُرُوجِك مِنْ الْآخَرِ بِكَمَالِهِ قُلْنَا لَهُ ائْتِ بِبَعْضِ عَمَلِ الْحَجِّ دُونَ بَعْضٍ فَإِنْ قَالَ وَمَا يَبْقَى عَلَيْهِ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ؟ قِيلَ الْحِلَاقُ فَأَمَرْنَاهُ أَنْ لَا يُكْمِلَ الْحَجَّ انْتِظَارًا لِلَّذِي بَعْدَهُ وَلَوْ جَازَ هَذَا جَازَ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَقِمْ فِي بَلَدِك أَوْ فِي مَكَّةَ وَلَا تُعْمِلْ لِأَحَدِ حجيك حَتَّى تُعْمِلَ لِلْآخَرِ مِنْهُمَا كَمَا يُقَالُ لِلْقَارِنِ، فَيَكُونُ إنَّمَا عَمِلَ بِحَجٍّ وَاحِدٍ وَبَطَلَ الْآخَرُ وَلَوْ قُلْنَا بَلْ يَعْمَلُ لِأَحَدِهِمَا وَيَبْقَى مُحْرِمًا بِالْآخَرِ قُلْنَا: فَهُوَ لَمْ يُكْمِلْ عَمَلَ أَحَدِهِمَا وَأَكْمَلَ عَمَلَ الْآخَرِ فَكَيْفَ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي أَحَدِهِمَا مَا سَقَطَ عَنْهُ فِي الْآخَرِ؟ فَإِنْ قُلْت بَلْ يَحِلُّ مِنْ أَحَدِهِمَا، قِيلَ فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَدَاءُ الْآخَرِ إذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْأَوَّلِ لَمْ يَدْخُلْ فِي غَيْرِهِ إلَّا بِتَجْدِيدِ دُخُولٍ فِيهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَكَثِيرٌ مِمَّنْ حَفِظْنَا عَنْهُ لَمْ نَعْلَمْ مِنْهُمْ اخْتِلَافًا يَقُولُونَ إذَا أَهَلَّ بِحَجٍّ ثُمَّ فَاتَهُ عَرَفَةُ لَمْ يَقُمْ حَرَامًا وَطَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ ثُمَّ قَضَى الْحَجَّ الْفَائِتَ لَمْ يَجُزْ أَبَدًا فِي الَّذِي لَمْ يَفُتْهُ الْحَجُّ أَنْ يُقِيمَ حَرَامًا بَعْدَ الْحَجِّ بِحَجٍّ وَإِذَا لَمْ يَجُزْ لَمْ يَجُزْ إلَّا سُقُوطُ إحْدَى الْحَجَّتَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ إذَا أَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ فَهُوَ مُهِلٌّ بِحَجٍّ وَتَابَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ (قَالَ) : وَالْقَوْلُ فِي الْعُمْرَتَيْنِ هَكَذَا

(2/148)

وَكَمَالُ الْعُمْرَةِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالْحِلَاقُ وَأَمْرُهُمْ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ أَنْ يَحِلَّ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَحِلَاقٍ وَيَقْضِي يَدُلَّانِ مَعًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ لِأَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ قَدْ يَقْدِرُ أَنْ يُقِيمَ حَرَامًا إلَى قَابِلٍ وَلَا أَرَاهُمْ أَمَرُوهُ بِالْخُرُوجِ مِنْ إحْرَامِهِ بِالطَّوَافِ وَلَا يُقِيمُ حَرَامًا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقِيمَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا خَرَجَ مِنْ حَجِّهِ يُعْمِلُ عُمْرَةً فَلَيْسَ أَنَّ حَجَّهُ صَارَ عُمْرَةً وَلَا يَصِيرُ عُمْرَةً وَقَدْ ابْتَدَأَ حَجًّا فِي وَقْتٍ يَجُوزُ فِيهِ الْإِهْلَالُ بِالْحَجِّ وَلَوْ جَازَ أَنْ يَنْفَسِخَ الْحَجُّ عُمْرَةً جَازَ أَنْ يَكُونَ مَنْ ابْتَدَأَ فَأَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ مُهِلًّا بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يُبْتَدَأَ حَجٌّ وَعُمْرَةٌ وَلَمْ يَجُزْ لِمَنْ قَالَ يَصِيرُ حَجُّهُ عُمْرَةً إلَّا مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ إذَا ابْتَدَأَ فَأَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ فَهُوَ مُهِلٌّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ بَعْدَ إهْلَالِهِ بِهِ حَجًّا فَبَيَّنَ فِي كُلِّ حَالٍ أَنْ لَا يَكُونَ مُدْخِلًا حَجًّا عَلَى حَجٍّ وَلَا تَكُونُ عُمْرَةٌ مَعَ حَجٍّ، كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ فَأَدْخَلَ عُمْرَةً عَلَى حَجٍّ لَمْ يُدْخِلْ عَلَيْهِ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يَصْرِفَ الْحَجَّ عُمْرَةً جَازَ أَنْ تُصْرَفَ الْعُمْرَةَ حَجًّا فَيَكُونُ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَتَيْنِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مُهِلًّا بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَصَرَفْنَا إحْرَامَهُ إلَى الَّذِي يَجُوزُ لَهُ، وَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا غَيْرُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مِنْ أَنَّ مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ فَهُوَ مُهِلٌّ بِحَجٍّ وَمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَتَيْنِ فَهُوَ مُهِلٌّ بِعُمْرَةٍ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ.

[بَابُ الْخِلَافِ فِيمَنْ أَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَخِلَافُنَا رَجُلَانِ مِنْ النَّاسِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: مِنْ أَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ لَزِمَتَاهُ فَإِذَا أَخَذَ فِي عَمَلِهِمَا فَهُوَ رَافِضٌ لِلْآخَرِ، وَقَالَ الْآخَرُ: هُوَ رَافِضٌ لِلْآخَرِ حِينَ ابْتَدَأَ الْإِهْلَالَ وَأَحْسِبُهُمَا قَالَا: وَعَلَيْهِ فِي الرَّفْضِ دَمٌ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَدْ حُكِيَ لِي عَنْهُمَا مَعًا أَنَّهُمَا قَالَا: مَنْ أَجْمَعَ صِيَامَ يَوْمَيْنِ فَصَامَ أَحَدَهُمَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْآخَرُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْآخَرِ إلَّا بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْأَوَّلِ، وَهَكَذَا مَنْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ فَكَبَّرَ يَنْوِي صَلَاتَيْنِ لَمْ يَكُنْ إلَّا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ صَلَاتَانِ مَعًا، لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الْآخَرِ إلَّا مِنْ بَعْدِ الْخُرُوجِ مِنْ الْأُولَى (قَالَ) : وَكَذَلِكَ لَوْ نَوَى صَلَاتَيْنِ تَطَوُّعًا مِمَّا يُفْصَلُ بَيْنَهُمَا بِسَلَامٍ، فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فَكَيْفَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمَا هَكَذَا فِي الْحَجِّ؟ مَعَ أَنَّهُ يُلْزِمُهُمَا أَنْ يَدَعَا قَوْلَهُمَا فِي الْحَجِّ، إنْ زَعَمَا أَنَّ الْحَجَّ يَصِيرُ عُمْرَةً إذَا فَاتَتْ عَرَفَةُ أَشْبَهَ أَنْ يُلْزِمَهُمَا إذَا كَانَ الْإِحْرَامُ بِحَجَّتَيْنِ لَازِمًا أَنْ يَقُولَا هُوَ حَجٌّ وَعُمْرَةٌ قَالَا يَقْضِي أَحَدُهُمَا أَوْ لَمْ يَقُولَاهُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا قُلْنَا لَا يَقْرِنُ بَيْنَ عَمَلَيْنِ إلَّا بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ يُدْخِلُ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَلَا يُدْخِلُ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ إذَا بَدَأَ بِالْحَجِّ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا نَجْمَعَ بَيْنَ عَمَلَيْنِ، فَلَمَّا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي حَالٍ سَلِمَ لِلْخَبَرِ فِي الْجَمْعِ بَيْنِهِمَا، وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا إلَّا عَلَى مَا جَاءَ فِيهِ الْخَبَرُ لَا يُخَالِفُهُ وَلَا يَقِيسُ عَلَيْهِ.

(2/149)

[بَاب فِي مَوَاقِيتِ الْحَجّ]
فِي الْمَوَاقِيتِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّامِ مِنْ الْجُحْفَةِ وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ» قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ «أَمَرَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنْ يُهِلُّوا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَأَهْلَ الشَّامِ مِنْ الْجُحْفَةِ وَأَهْلَ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ» . قَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثُ فَسَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأُخْبِرْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «قَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟ قَالَ يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّامِ مِنْ الْجُحْفَةِ وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ» قَالَ لِي نَافِعٌ: وَيَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» (قَالَ) : وَأَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ. أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُ عَنْ الْمُهِلِّ فَقَالَ سَمِعْت، ثُمَّ انْتَهَى، أُرَاهُ يُرِيدُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَالطَّرِيقُ الْآخَرُ مِنْ الْجُحْفَةِ وَأَهْلُ الْمَغْرِبِ وَيُهِلُّ أَهْلُ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» .

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَمْ يُسَمِّ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: يُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مُرْسَلًا أَنَّهُ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتَ عِرْقٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ غَيْرَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ الْمَغْرِبِ الْجُحْفَةَ وَلِأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتَ عِرْقٍ وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَمَنْ سَلَكَ نَجْدًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ وَغَيْرِهِمْ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ» أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: فَرَاجَعْت عَطَاءً فَقُلْت: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَعَمُوا لَمْ يُوَقِّتْ ذَاتَ عِرْقٍ وَلَمْ يَكُنْ أَهْلُ الْمَشْرِقِ حِينَئِذٍ، قَالَ كَذَلِكَ سَمِعْنَا أَنَّهُ وَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ أَوْ الْعَقِيقَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ عِرَاقٌ وَلَكِنْ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ وَلَمْ يَعْزُهُ إلَى أَحَدٍ دُونَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَكِنَّهُ يَأْبَى إلَّا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَّتَهُ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمْ يُوَقِّتْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ عِرْقٍ وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ أَهْلُ مَشْرِقٍ، فَوَقَّتَ النَّاسُ ذَاتَ عِرْقٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَحْسَبُهُ إلَّا كَمَا قَالَ طَاوُسٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يُوَقِّتْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ شَيْئًا فَاِتَّخَذَ النَّاسُ بِحِيَالِ قَرْنِ ذَاتِ عِرْقٍ، أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مُرْسَلًا، وَذَاتُ عِرْقٍ شَبِيهٌ بِقَرَنٍ فِي الْقُرْبِ وَأَلَمْلَمُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْهَا أَهْلُ الْمَشْرِقِ رَجَوْت أَنْ يَجْزِيَهُمْ قِيَاسًا عَلَى قَرْنٍ وَيَلَمْلَمُ، وَلَوْ أَهَلُّوا مِنْ الْعَقِيقِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذِهِ الْمَوَاقِيتُ لِأَهْلِهَا وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَمَنْ كَانَ أَهْلُهُ مِنْ دُونِ

(2/150)

الْمِيقَاتِ فَلْيُهْلِلْ مِنْ حَيْثُ يُنْشِئُ حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ» أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَوَاقِيتِ مِثْلَ مَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانُ فِي الْمَوَاقِيتِ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مَعْنٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ الشَّامِّ الْجُحْفَةَ وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ يَبْدَأُ» . أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا وَقَّتَ الْمَوَاقِيتَ قَالَ لِيَسْتَمْتِعْ الْمَرْءُ بِأَهْلِهِ وَثِيَابِهِ حَتَّى يَأْتِيَ كَذَا وَكَذَا لِلْمَوَاقِيتِ» ، قُلْت: أَفَلَمْ يَبْلُغْك أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إذَا بَلَغُوا كَذَا وَكَذَا؟ أَهَلُّوا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي.

[بَابُ تَفْرِيعِ الْمَوَاقِيتِ]

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: قَالَ
" وَلَمْ يُسَمِّ عَمْرٌو الْقَائِلَ إلَّا أَنَّا نُرَاهُ ابْنَ عَبَّاسٍ " الرَّجُلُ يُهِلُّ مِنْ أَهْلِهِ وَمِنْ بَعْدَمَا يُجَاوِزُ أَيْنَ شَاءَ وَلَا يُجَاوِزُ الْمِيقَاتَ إلَّا مُحْرِمًا، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عَبَّاسٍ يَرُدُّ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَأْخُذُ، وَإِذَا أَهَلَّ الرَّجُلُ بِالْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ مِنْ دُونِ مِيقَاتِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مِيقَاتِهِ فَهُوَ مُحْرِمٌ فِي رُجُوعِهِ ذَلِكَ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ أَمَرْته بِالرُّجُوعِ وَقَدْ أَلْزَمْته إحْرَامًا قَدْ ابْتَدَأَهُ مِنْ دُونِ مِيقَاتِهِ؟ أَقُلْت ذَلِكَ اتِّبَاعًا لِابْنِ عَبَّاسٍ أَمْ خَبَرًا مِنْ غَيْرِهِ أَوْ قِيَاسًا؟ قُلْت: هُوَ وَإِنْ كَانَ اتِّبَاعًا لِابْنِ عَبَّاسٍ فَفِيهِ أَنَّهُ فِي مَعْنَى السُّنَّةِ، فَإِنْ قَالَ: فَاذْكُرْ السُّنَّةَ الَّتِي هُوَ فِي مَعْنَاهَا، قُلْت: أَرَأَيْت إذْ وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَوَاقِيتَ لِمَنْ أَرَادَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً، أَلَيْسَ الْمُرِيدُ لَهُمَا مَأْمُورًا أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا مِنْ الْمِيقَاتِ لَا يَحِلُّ إلَّا بِإِتْيَانِ الْبَيْتِ وَالطَّوَافِ وَالْعَمَلِ مَعَهُ؟ قَالَ: بَلَى.

قُلْت: افْتَرَاهُ مَأْذُونًا لَهُ قَبْلَ بُلُوغِ الْمِيقَاتِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُحْرِمٍ؟ قَالَ: بَلَى. قُلْت: أَفَتَرَاهُ أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا لَهُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ سَفَرِهِ حَلَالًا وَبَعْضُهُ حَرَامًا؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت أَفَرَأَيْت إذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ فَأَحْرَمَ أَوْ لَمْ يُحْرِمْ ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ، أَمَا أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا مِنْ الْمِيقَاتِ إلَى أَنْ يَحِلَّ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَعَمَلِ غَيْرِهِ؟ قَالَ: بَلَى. وَلَكِنَّهُ إذَا دَخَلَ فِي إحْرَامٍ بَعْدَ الْمِيقَاتِ فَقَدْ لَزِمَهُ إحْرَامُهُ وَلَيْسَ بِمُبْتَدِئٍ إحْرَامًا مِنْ الْمِيقَاتِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قُلْت إنَّهُ لَا يَضِيقُ عَلَيْهِ أَنْ يَبْتَدِئَ الْإِحْرَامَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ كَمَا لَا يَضِيقُ عَلَيْهِ لَوْ أَحْرَمَ مِنْ أَهْلِهِ فَلَمْ يَأْتِ الْمِيقَاتَ إلَّا وَقَدْ تَقَدَّمَ بِإِحْرَامِهِ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا مِنْ الْمِيقَاتِ إلَى أَنْ يَحِلَّ بِالطَّوَافِ وَعَمَلِ الْحَجِّ، وَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا كَانَ الَّذِي جَاوَزَ الْمِيقَاتَ ثُمَّ أَحْرَمَ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ فِي مَعْنَى هَذَا فِي أَنَّهُ قَدْ أَتَى عَلَى الْمِيقَاتِ مُحْرِمًا ثُمَّ كَانَ بَعْدُ مُحْرِمًا إلَى أَنْ يَطُوفَ وَيَعْمَلَ لِإِحْرَامِهِ إلَّا أَنَّهُ زَادَ عَلَى نَفْسِهِ سَفَرًا بِالرُّجُوعِ وَالزِّيَادَةُ لَا تُؤْثِمُهُ وَلَا تُوجِبُ عَلَيْهِ فِدْيَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنْ قَالَ: أَفَرَأَيْت مَنْ كَانَ أَهْلُهُ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمِيقَاتِ؟ قُلْت سَفَرُ ذَلِكَ كُلِّهِ إحْرَامٌ وَحَالُهُ إذَا جَاوَزَ أَهْلَهُ حَالُ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ يَفْعَلُ مَا أَمَرْنَا بِهِ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قَالَ

(2/151)

عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ: مَنْ شَاءَ أَهَلَّ مِنْ بَيْتِهِ وَمَنْ شَاءَ اسْتَمْتَعَ بِثِيَابِهِ حَتَّى يَأْتِيَ مِيقَاتَهُ وَلَكِنْ لَا يُجَاوِزُهُ إلَّا مُحْرِمًا يَعْنِي مِيقَاتَهُ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: الْمَوَاقِيتُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ سَوَاءٌ وَمَنْ شَاءَ أَهَلَّ مِنْ وَرَائِهَا وَمَنْ شَاءَ أَهَلَّ مِنْهَا وَلَا يُجَاوِزُهَا إلَّا مُحْرِمًا وَبِهَذَا نَأْخُذُ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ عَطَاءً قَالَ: وَمَنْ أَخْطَأَ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ مِنْ مِيقَاتِهِ أَوْ عَمَدَ ذَلِكَ فَلْيَرْجِعْ إلَى مِيقَاتِهِ فَلْيُهْلِلْ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَحْبِسَهُ أَمْرٌ يُعْذَرُ بِهِ مِنْ وَجَعٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ يَخْشَى أَنْ يَفُوتَهُ الْحَجُّ إنْ رَجَعَ فَلْيُهْرِقْ دَمًا وَلَا يَرْجِعْ، وَأَدْنَى مَا يُهْرِيقُ مِنْ الدَّمِ فِي الْحَجِّ أَوْ غَيْرِهِ شَاةٌ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ أَرَأَيْت الَّذِي يُخْطِئُ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ مِنْ مِيقَاتِهِ وَيَأْتِي وَقَدْ أَزِفَ الْحَجُّ فَيُهْرِيقُ دَمًا أَيَخْرُجُ مَعَ ذَلِكَ مِنْ الْحَرَمِ فَيُهِلَّ بِالْحَجِّ مِنْ الْحِلِّ؟ قَالَ: لَا. وَلَمْ يَخْرُجْ خَشْيَةَ الدَّمِ الَّذِي يُهْرِيقُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَأْخُذُ مَنْ أَهَلَّ مِنْ دُونِ مِيقَاتِهِ أَمَرْنَاهُ بِالرُّجُوعِ إلَى مِيقَاتِهِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ فَإِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ لَمْ نَأْمُرْهُ بِالرُّجُوعِ وَأَمَرْنَاهُ أَنْ يُهْرِيقَ دَمًا، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى مِيقَاتِهِ بِعُذْرٍ أَوْ تَرَكَهُ عَامِدًا لَمْ نَأْمُرْهُ بِأَنْ يَخْرُجَ إلَى شَيْءٍ دُونَ مِيقَاتِهِ وَأَمَرْنَاهُ أَنْ يُهْرِيقَ دَمًا وَهُوَ مُسِيءٌ فِي تَرْكِهِ أَنْ يَرْجِعَ إذَا أَمْكَنَهُ عَامِدًا وَلَوْ كَانَ مِيقَاتُ الْقَوْمِ قَرْيَةً فَأَقَلُّ مَا يَلْزَمُهُ فِي الْإِهْلَالِ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ بُيُوتِهَا حَتَّى يُحْرِمَ وَأَحَبُّ إلَيَّ إنْ كَانَتْ بُيُوتُهَا مُجْتَمِعَةً أَوْ مُتَفَرِّقَةً أَنْ يَتَقَصَّى فَيُحْرِمُ مِنْ أَقْصَى بُيُوتِهَا مِمَّا يَلِي بَلَدَهُ الَّذِي هُوَ أَبْعَدُ مِنْ مَكَّةَ وَإِنْ كَانَ وَادِيًا فَأَحَبَّ إلَى أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَقْصَاهُ وَأَقْرَبُهُ بِبَلَدِهِ وَأَبْعَدُهُ مِنْ مَكَّةَ وَإِنْ كَانَ ظُهْرًا مِنْ الْأَرْضِ فَأَقَلُّ مَا يَلْزَمُهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُهِلَّ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الظُّهْرِ أَوْ الْوَادِي أَوْ الْوَضْعُ أَوْ الْقَرْيَةُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ مَوْضِعَهَا فَيُهِلُّ مِنْهُ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَقْصَاهُ إلَى بَلَدِهِ الَّذِي هُوَ أَبْعَدُ مِنْ مَكَّةَ، فَإِنَّهُ إذَا أَتَى بِهَذَا فَقَدْ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ يَقِينًا أَوْ زَادَ وَالزِّيَادَةُ لَا تَضُرُّ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْقَرْيَةَ نُقِلَتْ فَيُحْرِمُ مِنْ الْقَرْيَةِ الْأُولَى، وَإِنْ جَاوَزَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ رَجَعَ أَوْ أَهَرَاقَ دَمًا، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ قَالَ رَأَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ رَجُلًا يُرِيدُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مِيقَاتِ ذَاتِ عِرْقٍ فَأَخَذَ بِيَدِهِ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ الْبُيُوتِ وَقَطَعَ بِهِ الْوَادِي وَأَتَى بِهِ الْمَقَابِرَ ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ ذَاتُ عِرْقٍ الْأُولَى


(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ سَلَكَ بَحْرًا أَوْ بَرًّا مِنْ غَيْرِ وَجْهِ الْمَوَاقِيتِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ إذَا حَاذَى الْمَوَاقِيتَ مُتَأَخِّيًا وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَحْتَاطَ فَيُحْرِمَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَهَلَّ بَعْدَمَا جَاوَزَ الْمَوَاقِيتَ كَانَ كَمَنْ جَاوَزَهَا فَرَجَعَ أَوْ أَهَرَاقَ دَمًا أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ سَلَكَ بَحْرًا أَوْ بَرًّا مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الْمَوَاقِيتِ أَحْرَمَ إذَا حَاذَى الْمَوَاقِيتَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَأْخُذُ وَمَنْ سَلَكَ كَدَاءَ مِنْ أَهْلِ نَجِدْ وَالسَّرَاةِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ قَرْنٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ ثَنِيَّةَ كَدًى وَذَلِكَ أَرْفَعُ مِنْ قَرْنٍ فِي نَجْدٍ وَأَعْلَى وَادِي قَرْنٍ وَجِمَاعُ ذَلِكَ مَا قَالَ عَطَاءٌ أَنْ يُهِلَّ مَنْ جَاءَ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الْمَوَاقِيتِ، إذَا حَاذَى الْمَوَاقِيتَ وَحَدِيثُ طَاوُسٍ فِي الْمَوَاقِيتِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْضَحُهَا
مَعْنًى وَأَشَدُّهَا غِنًى عَمَّا دُونَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَتَى عَلَى الْمَوَاقِيتِ ثُمَّ قَالَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «هُنَّ لِأَهْلِهِنَّ وَلِكُلِّ آتٍ عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً» وَكَانَ بَيِّنًا فِيهِ أَنَّ عِرَاقِيًّا أَوْ شَامِيًّا لَوْ مَرَّ بِالْمَدِينَةِ يُرِيدُ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً كَانَ مِيقَاتُهُ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَإِنْ مَدَنِيًّا لَوْ جَاءَ مِنْ الْيَمَنِ كَانَ مِيقَاتُهُ يَلَمْلَمَ وَأَنَّ قَوْلَهُ يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ إنَّمَا هُوَ لِأَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ بِلَادِهِمْ وَيَكُونُ ذُو الْحُلَيْفَةِ طَرِيقُهُمْ وَأَوَّلُ مِيقَاتٍ يَمُرُّونَ بِهِ وَقَوْلُهُ وَأَهْلُ الشَّامِّ مِنْ الْجُحْفَةِ لِأَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ بِلَادِهِمْ وَالْجُحْفَةُ طَرِيقُهُمْ وَأَوَّلُ مِيقَاتٍ يَمُرُّونَ بِهِ لَيْسَتْ الْمَدِينَةَ وَلَا ذُو الْحُلَيْفَةِ طَرِيقَهُمْ إلَّا أَنْ يَعْرُجُوا إلَيْهَا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي أَهْلِ نَجْدٍ وَالْيَمَنِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَارِجٌ مِنْ بَلَدِهِ وَكَذَلِكَ أَوَّلُ مِيقَاتٍ يَمُرُّونَ بِهِ وَفِيهِ مَعْنًى آخَرُ أَنَّ أَهْلَ نَجْدٍ الْيَمَنِ يَمُرُّونَ بِقَرْنٍ،

(2/152)

فَلَمَّا كَانَتْ طَرِيقُهُمْ لَمْ يُكَلَّفُوا أَنْ يَأْتُوا يَلَمْلَمَ وَإِنَّمَا مِيقَاتُ يَلَمْلَمَ لِأَهْلِ غَوْرِ الْيَمَنِ تُهِمّهَا مِمَّنْ هِيَ طَرِيقُهُمْ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَجُوزُ فِي الْحَدِيثِ غَيْرُ مَا قُلْت وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَيْنَ كَانُوا فَأَرَادُوا الْحَجَّ أَنْ يُهِلُّوا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ رَجَعُوا مِنْ الْيَمَنِ إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ وَرَجَعَ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ الْمَدِينَةِ إنْ أَرَادُوا مِنْهَا الْحَجَّ إلَى يَلَمْلَمَ، وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ مَا قُلْت وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْحَدِيثِ مَعْقُولٌ فِيهِ وَمَعْقُولٌ فِي الْحَدِيثِ فِي قَوْلِهِ
" وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهَا " مَا وَصَفْت وَقَوْلُهُ " مِمَّنْ أَرَادَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً " أَنَّهُنَّ مَوَاقِيتُ لِمَنْ أَتَى عَلَيْهِمْ يُرِيدُ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً، فَمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ لَا يُرِيدُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً فَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ حَيْثُ يَبْدُو لَهُ وَكَانَ ذَلِكَ مِيقَاتَهُ كَمَا يَكُونُ مِيقَاتَ أَهْلِهِ الَّذِينَ أَنْشَئُوا مِنْهُ يُرِيدُونَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ حِينَ أَنْشَئُوا مِنْهُ، وَهَذَا مَعْنَى أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ مِمَّنْ أَرَادَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً لِأَنَّ هَذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ لَا يُرِيدُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً وَمَعْنَى قَوْلِهِ «وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً» فَهَذِهِ إنَّمَا أَرَادَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ بَعْدَمَا جَاوَزَ الْمَوَاقِيتَ فَأَرَادَ وَهُوَ مِمَّنْ دُونَ الْمَوَاقِيتِ الْمَنْصُوبَةِ وَأَرَادَهُ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ الْمَوَاقِيتِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَمَنْ كَانَ أَهْلُهُ دُونَ الْمَوَاقِيتِ فَمِنْ حَيْثُ يُنْشِئُ حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ» فَهَذَا جُمْلَةُ الْمَوَاقِيتِ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَهَلَّ مِنْ الْفَرْعِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ مَرَّ بِمِيقَاتِهِ لَمْ يُرِدْ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً ثُمَّ بَدَا لَهُ مِنْ الْفَرْعِ فَأَهَلَّ مِنْهُ أَوْ جَاءَ الْفَرْعُ مِنْ مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ الْإِهْلَالُ فَأَهَلَّ مِنْهَا وَلَمْ يَرْجِعْ إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ وَهُوَ رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَوَاقِيتِ، فَلَوْ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَتَى الطَّائِفَ لِحَاجَتِهِ عَامِدًا لَا يُرِيدُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا كَذَلِكَ لَا يُرِيدُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً حَتَّى قَارَبَ الْحَرَمَ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَهَلَّ مِنْ مَوْضِعِهِ ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: إذَا مَرَّ الْمَكِّيُّ بِمِيقَاتِ أَهْلِ مِصْرَ فَلَا يُجَاوِزْهُ إلَّا مُحْرِمًا، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قَالَ طَاوُسٌ: فَإِنْ مَرَّ الْمَكِّيُّ عَلَى الْمَوَاقِيتِ يُرِيدُ مَكَّةَ فَلَا يَخْلُفْهَا حَتَّى يَعْتَمِرَ


[بَابُ دُخُولِ مَكَّة لِغَيْرِ إرَادَةِ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ]

ٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} [البقرة: 125] إلَى قَوْلِهِ {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125] .

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الْمَثَابَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْمَوْضِعُ يَثُوبُ النَّاسُ إلَيْهِ وَيَئُوبُونَ يَعُودُونَ إلَيْهِ بَعْدَ الذَّهَابِ مِنْهُ، وَقَدْ يُقَالُ ثَابَ إلَيْهِ اُجْتُمِعَ إلَيْهِ، فَالْمَثَابَةُ تَجْمَعُ الِاجْتِمَاعَ وَيَئُوبُونَ يَجْتَمِعُونَ إلَيْهِ رَاجِعِينَ بَعْدَ ذَهَابِهِمْ مِنْهُ وَمُبْتَدَئِينَ قَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ يَذْكُرُ الْبَيْتَ.

مَثَابًا لَا فِنَاءَ الْقَبَائِلِ كُلِّهَا ... تَخْبُ إلَيْهِ الْيَعْمُلَاتُ الذَّوَامِلُ

وَقَالَ خِدَاشُ بْنُ زُهَيْرٍ النَّصْرِيُّ:

فَمَا بَرِحَتْ بَكْرٌ تَثُوبُ وَتُدْعَى ... وَيُلْحَقُ مِنْهُمْ أَوَّلُونَ وَآخِرُ
وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67] يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، آمِنًا مَنْ صَارَ إلَيْهِ لَا يُتَخَطَّفُ اخْتِطَافَ مَنْ حَوْلَهُمْ وَقَالَ لِإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27] .

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَسَمِعْت بَعْضَ مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْكُرُ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمَّا أَمَرَ بِهَذَا إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَقَفَ عَلَى الْمَقَامِ فَصَاحَ صَيْحَةً عِبَادَ اللَّهِ أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ فَاسْتَجَابَ لَهُ حَتَّى مَنْ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ بَعْدَ دَعْوَتِهِ فَهُوَ مِمَّنْ أَجَابَ دَعْوَتَهُ وَوَقَاهُ مَنْ وَافَاهُ يَقُولُونَ لَبَّيْكَ دَاعِي رَبِّنَا لَبَّيْكَ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} [آل عمران: 97] الْآيَةَ، فَكَانَ ذَلِكَ دَلَالَةُ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِينَا وَفِي الْأُمَمِ، عَلَى أَنَّ النَّاسَ مَنْدُوبُونَ إلَى إتْيَانِ الْبَيْتِ بِإِحْرَامٍ، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125] وَقَالَ {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} [إبراهيم: 37] .

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَكَانَ مِمَّا نَدَبُوا بِهِ إلَى إتْيَانِ الْحَرَمِ بِالْإِحْرَامِ قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَبِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ «لَمَّا أَهَبَطَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ مِنْ الْجَنَّةِ طَأْطَأَهُ فَشَكَا الْوَحْشَةَ إلَى أَصْوَاتِ الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ يَا رَبِّ مَالِي لَا أَسْمَعُ حِسَّ الْمَلَائِكَةِ؟ فَقَالَ خَطِيئَتُك يَا آدَم وَلَكِنْ اذْهَبْ فَإِنَّ لِي بَيْتًا بِمَكَّةَ فَأْتِهِ فَافْعَلْ حَوْلَهُ نَحْوَ مَا رَأَيْتَ الْمَلَائِكَةَ يَفْعَلُونَ حَوْلَ عَرْشِي فَأَقْبَلَ يَتَخَطَّى مَوْضِعَ كُلِّ قَدَمِ قَرْيَةٍ وَمَا بَيْنَهُمَا مَفَازَةٌ فَلَقِيَتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِالرَّدْمِ فَقَالُوا بَرَّ حَجَّكَ يَا آدَم لَقَدْ حَجَجْنَا هَذَا الْبَيْتَ قَبْلَك بِأَلْفَيْ عَامٍ» أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَبِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ: «حَجَّ آدَم فَلَقِيَتْهُ الْمَلَائِكَةُ فَقَالَتْ بَرَّ نُسُكُكَ يَا آدَم لَقَدْ حَجَجْنَا قَبْلَك بِأَلْفَيْ عَامٍ» .

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهُوَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا قَالَ، وَرَوَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كَانَ يَشُكُّ فِي إسْنَادِهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُحْكَى أَنَّ النَّبِيِّينَ كَانُوا يَحُجُّونَ فَإِذَا أَتَوْا الْحَرَمَ مَشَوْا إعْظَامًا لَهُ وَمَشَوْا حُفَاةً، وَلَمْ يَحْكِ لَنَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ النَّبِيِّينَ وَلَا الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ أَنَّهُ جَاءَ أَحَدٌ الْبَيْتَ قَطُّ إلَّا حَرَامًا وَلَمْ يَدْخُلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ عَلِمْنَاهُ إلَّا حَرَامًا إلَّا فِي حَرْبِ الْفَتْحِ فَبِهَذَا قُلْنَا إنَّ سُنَّةَ اللَّهِ تَعَالَى فِي عِبَادِهِ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْحَرَمُ إلَّا حَرَامًا وَبِأَنَّ مَنْ سَمِعْنَاهُ مِنْ عُلَمَائِنَا قَالُوا فَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَأْتِيَ الْبَيْتَ يَأْتِيه مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (قَالَ) : وَلَا أَحْسَبُهُمْ قَالُوهُ إلَّا بِمَا وَصَفْت وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ وَجْهَ دُخُولِ الْحَرَمِ فَقَالَ {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [الفتح: 27] (قَالَ) : فَدَلَّ عَلَى وَجْهِ دُخُولِهِ لِلنُّسُكِ وَفِي الْأَمْنِ وَعَلَى رُخْصَةِ اللَّهِ فِي الْحَرْبِ وَعَفْوِهِ فِيهِ عَنْ النُّسُكِ وَأَنَّ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ مَنْ يَدْخُلُ مَكَّةَ وَغَيْرَهَا مِنْ الْبُلْدَان وَذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ الْبُلْدَان تَسْتَوِي لِأَنَّهَا لَا تُدْخَلُ بِإِحْرَامٍ وَإِنَّ مَكَّةَ تَنْفَرِدُ بِأَنَّ مَنْ دَخَلَهَا مُنْتَابًا لَهَا لَمْ يَدْخُلْهَا إلَّا بِإِحْرَامٍ. .

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إلَّا أَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ رَخَّصَ لِلْحَطَّابِينَ وَمِنْ مَدْخَلِهِ إيَّاهَا لِمَنَافِعِ أَهْلِهَا وَالْكَسْبِ لِنَفْسِهِ وَرَأَيْت أَحْسَنَ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ هَذَا الْقَوْلُ إلَى أَنَّ انْتِيَابَ هَؤُلَاءِ مَكَّةَ انْتِيَابُ كَسْبٍ لَا انْتِيَابُ تَبَرُّرٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ مُتَتَابِعٌ كَثِيرٌ مُتَّصِلٌ فَكَانُوا يُشْبِهُونَ الْمُقِيمِينَ فِيهَا، وَلَعَلَّ حَطَّابِيهِمْ كَانُوا مَمَالِيكَ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُمْ بِالتَّشَاغُلِ بِالنُّسُكِ، فَإِذَا كَانَ فَرْضُ الْحَجِّ عَلَى الْمَمْلُوكِ سَاقِطًا سَقَطَ عَنْهُ مَا لَيْسَ بِفَرْضٍ مِنْ النُّسُكِ، فَإِنْ كَانُوا عَبِيدًا فَفِيهِمْ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي لَيْسَ فِي غَيْرِهِمْ مِثْلُهُ، وَإِنْ كَانَتْ الرُّخْصَةُ لَهُمْ لِمَعْنَى أَنَّ قَصْدَهُمْ فِي دُخُولِ مَكَّةَ لَيْسَ قَصْدَ النُّسُكِ وَلَا التَّبَرُّرَ وَأَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ أَنَّ دُخُولَهُمْ شَبِيهٌ بِالدَّائِمِ

(2/154)

فَمَنْ كَانَ هَكَذَا كَانَتْ لَهُ الرُّخْصَةُ، فَأَمَّا الْمَرْءُ يَأْتِي أَهْلَهُ بِمَكَّةَ مِنْ سَفَرٍ فَلَا يَدْخُلُ إلَّا مُحْرِمًا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنِيِّينَ، فَأَمَّا الْبَرِيدُ يَأْتِي بِرِسَالَةٍ أَوْ زَوْرِ أَهْلِهِ وَلَيْسَ بِدَائِمِ الدُّخُولِ فَلَوْ اسْتَأْذَنَ فَدَخَلَ مُحْرِمًا كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَفِيهِ الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْت أَنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ عَنْهُ ذَلِكَ، وَمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ خَائِفًا الْحَرْبَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْخُلَهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْت؟ قِيلَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، فَإِنْ قَالَ وَأَيْنَ؟ قِيلَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] فَأَذِنَ لِلْمُحْرِمِينَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَنْ يَحِلُّوا لِخَوْفِ الْحَرْبِ، فَكَانَ مَنْ لَمْ يُحْرِمْ أَوْلَى إنْ خَافَ الْحَرْبَ أَنْ لَا يُحْرِمَ مِنْ مُحْرِمٍ يَخْرُجُ مِنْ إحْرَامِهِ، وَدَخَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ غَيْرَ مُحْرِمٍ لِلْحَرْبِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ عَلَيْهِ إذَا دَخَلَهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ لِعَدُوٍّ وَحَرْبٍ أَنْ يَقْضِيَ إحْرَامَهُ؟ قِيلَ: لَا، إنَّمَا يَقْضِي مَا وَجَبَ بِكُلِّ وَجْهٍ فَاسِدٍ، أَوْ تَرَكَ فَلَمْ يُعْمَلْ، فَأَمَّا دُخُولُهُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ فَلَمَّا كَانَ أَصْلُهُ أَنَّ مَنْ شَاءَ لَمْ يَدْخُلْهَا إذَا قَضَى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتَهُ كَانَ أَصْلُهُ غَيْرَ قَرْضٍ فَلَمَّا دَخَلَهَا مُحِلًّا فَتَرَكَهُ كَانَ تَارِكًا لِفَضْلٍ وَأَمْرٍ لَمْ يَكُنْ أَصْلُهُ فَرْضًا بِكُلِّ حَالٍ فَلَا يَقْضِيهِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِ إتْيَانُهَا لِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَوْ نَذْرٍ نَذَرَهُ فَتَرَكَهُ إيَّاهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقْضِيَهُ أَوْ يُقْضَى عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ فِي بُلُوغِ الْوَقْتِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَمْسِكَ فِيهِ عَلَى الْمَرْكَبِ، وَيَجُوزُ عِنْدِي لِمَنْ دَخَلَهَا خَائِفًا مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ أَمْرٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ، تَرَكَ الْإِحْرَامَ إذَا خَافَهُ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْهُ فِيهِمَا لَمْ يَجُزْ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَمَنْ الْمَدَنِيِّينَ مَنْ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَدْخُلَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ دَخَلَ مَكَّةَ غَيْرَ مُحْرِمٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَابْنُ عَبَّاسٍ يُخَالِفُهُ وَمَعَهُ مَا وَصَفْنَا وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَهَا عَامَ الْفَتْحِ غَيْرَ مُحْرِمٍ وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَهَا كَمَا وَصَفْنَا مُحَارِبًا، فَإِنْ قَالَ أَقِيسُ عَلَى مَدْخَلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيلَ لَهُ: أَفَتَقِيسُ عَلَى إحْصَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحَرْبِ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا، لِأَنَّ الْحَرْبَ مُخَالِفَةٌ لِغَيْرِهَا، قِيلَ: وَهَكَذَا افْعَلْ فِي الْحَرْبِ حَيْثُ كَانَتْ، لَا تُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا فِي مَوْضِعٍ وَتَجْمَعْ بَيْنَهُمَا فِي آخَرَ.


[بَابُ مِيقَاتِ الْعُمْرَةِ مَعَ الْحَجِّ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَمِيقَاتُ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ وَاحِدٌ وَمَنْ قَرَنَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتُهُ وَعَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ وَمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهَا حَجَّةً فَذَلِكَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَفْتَتِحَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ فَإِذَا افْتَتَحَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ فَقَدْ دَخَلَ فِي الْعَمَلِ الَّذِي يُخْرِجُهُ مِنْ الْإِحْرَامِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي إحْرَامٍ وَلَمْ يَسْتَكْمِلْ الْخُرُوجَ مِنْ إحْرَامٍ قَبْلَهُ، فَلَا يُدْخِلُ إحْرَامًا عَلَى إحْرَامٍ لَيْسَ مُقِيمًا عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِذَا أَخَذَ فِي الطَّوَافِ فَأَدْخَلَ عَلَيْهِ الْحَجَّ لَمْ يَكُنْ بِهِ مُحْرِمًا وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ وَلَا فِدْيَةٌ لِتَرْكِهِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ كَانَ لَهُ أَنْ يَكُونَ مُفْرِدًا بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ يُدْخِلُ عَلَيْهَا حَجًّا؟ قِيلَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ إحْرَامِهَا، وَهَذَا لَا يَجُوزُ فِي صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ وَقِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ: «أَهَلَّتْ عَائِشَةُ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْتَظِرُونَ الْقَضَاءَ، فَنَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقَضَاءُ فَأَمَرَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَجْعَلَ إحْرَامَهُ عُمْرَةً، فَكَانَتْ مُعْتَمِرَةً بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا هَدْيٌ فَلَمَّا حَالَ الْمَحِيضُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْإِحْلَالِ مِنْ عُمْرَتِهَا وَرَهِقَهَا الْحَجُّ أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُدْخِلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ فَفَعَلَتْ فَكَانَتْ قَارِنَةً» ، فَبِهَذَا قُلْنَا يُدْخِلُ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ مَا لَمْ يَفْتَتِحْ الطَّوَافَ

(2/155)

وَذَكَرْت لَهُ قِرَانَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِذَا قَالَ جَائِزٌ قِيلَ أَفَيَجُوزُ هَذَا فِي صَلَاتَيْنِ أَنْ تُقْرَنَا أَوْ فِي صَوْمَيْنِ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا، قِيلَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ مَا تُفَرِّقُ أَنْتَ بَيْنَهُ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهِ عُمْرَةً فَإِنَّ أَكْثَرَ مَنْ لَقِيتُ وَحَفِظْتُ عَنْهُ يَقُولُ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ الْعُمْرَةِ مِنْ قَضَاءٍ وَلَا فِدْيَةٍ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَكَيْفَ إذَا كَانَتْ السُّنَّةُ أَنَّهُمَا نُسُكَانِ يَدْخُلُ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ وَيَفْتَرِقَانِ فِي أَنَّهُ إذَا أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فَإِنَّمَا زَادَ إحْرَامًا أَكْثَرَ مِنْ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ، فَإِذَا أَدْخَلَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ زَادَ إحْرَامًا أَقَلَّ مِنْ إحْرَامِ الْحَجِّ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ كَمَا وَصَفْت فَلَيْسَ بِفَرْقٍ يَمْنَعُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ قِيَاسًا عَلَى الْآخَرِ لِأَنَّهُ يُقَاسُ مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ، وَلَا أَعْلَمُ حُجَّةً فِي الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا إلَّا مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ الَّذِي أَحْفَظُ عَمَّنْ سَمِعْت عَنْهُ مِمَّنْ لَقِيت، وَقَدْ يُرْوَى عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ، وَلَا أَدْرِي هَلْ يَثْبُتُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ شَيْءٌ أَمْ لَا فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَيْسَ يَثْبُتُ، وَمَنْ رَأَى أَنْ لَا يَكُونَ مُعْتَمِرًا فَلَا يُجْزِي عَنْهُ مِنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ وَلَا شَيْءَ لِتَرْكِهَا وَمَنْ رَأَى لَهُ
أَنْ يُدْخِلَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ رَأَى أَنْ يُجْزِي عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتِهِ

وَإِذَا أَهَلَّ الرَّجُلُ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ إلَى الْحَجِّ أَنْشَأَ الْحَجَّ مِنْ مَكَّةَ وَإِذَا أَهَلَّ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَرَادَ الْعُمْرَةَ أَنْشَأَ الْعُمْرَةَ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ إذَا خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ وَقَدْ أَجِدُهُمَا إذَا أَقَامَ عَامَهُمَا بِمَكَّةَ أَهَلَّ كَإِهْلَالِ أَهْلِ الْآفَاقِ أَنْ يَرْجِعُوا إلَى مَوَاقِيتِهِمْ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ. مَا الْحُجَّةُ فِيمَا وَصَفْت؟ قِيلَ أَهَلَّ عَامَّةُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَهُ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ أَمَرَهُمْ يُهِلُّونَ بِالْحَجِّ إذَا تَوَجَّهُوا إلَى مِنًى مِنْ مَكَّةَ فَكَانَتْ الْعُمْرَةُ إذَا حَجَّ قَبْلَهَا قِيَاسًا عَلَى هَذَا وَلَمْ أَعْلَمْ فِي هَذَا خِلَافًا مِنْ أَحَدٍ حَفِظْت عَنْهُ مِمَّنْ لَقِيته، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ يُعْمِرُ عَائِشَةَ مِنْ التَّنْعِيمِ فَعَائِشَةُ كَانَ إحْرَامُهَا عُمْرَةً فَأَهَلَّتْ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ وَعُمْرَتُهَا مِنْ التَّنْعِيمِ نَافِلَةٌ، فَلَيْسَتْ فِي هَذَا حُجَّةٌ عِنْدَنَا لِمَا وَصَفْنَا.


وَمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ خَارِجِ الْحَرَمِ فَذَلِكَ مُجْزِئٌ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ قَبْلَهَا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ فَكَانَتْ عُمْرَتَهُ الْوَاجِبَةَ رَجَعَ إلَى مِيقَاتِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي رُجُوعِهِ ذَلِكَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا جَاءَ مِيقَاتُهُ مُحْرِمًا وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَهَرَاقَ دَمًا فَكَانَتْ عُمْرَتُهُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ مُجَزِّئَةً عَنْهُ.


وَمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ مَكَّةَ فَفِيهَا قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَخْرُجْ إلَى الْحِلِّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لَمْ يَكُنْ حَلَالًا وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ فَيُلَبِّيَ بِتِلْكَ الْعُمْرَةِ خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ ثُمَّ يَطُوفَ بَعْدَهَا وَيَسْعَى وَيَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، إنْ لَمْ يَكُنْ حَلَقَ، وَإِنْ كَانَ حَلَقَ أَهَرَاقَ دَمًا، وَإِنْ كَانَ أَصَابَ النِّسَاءَ فَهُوَ مُفْسِدٌ لِعُمْرَتِهِ وَعَلَيْهِ أَنْ يُلَبِّيَ خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ ثُمَّ يَطُوفَ وَيَسْعَى وَيُقَصِّرَ أَوْ يَحْلِقَ وَيَنْحَرَ بَدَنَةً ثُمَّ يَقْضِيَ هَذِهِ الْعُمْرَةَ إذَا أَفْسَدَهَا بِعُمْرَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ وَإِنَّمَا خُرُوجُهُ مِنْ الْحَرَمِ لِهَذِهِ الْعُمْرَةِ الْمُفْسِدَةِ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّ هَذِهِ عُمْرَةٌ وَيُهْرِيقُ دَمًا لَهَا، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَكِنَّهُ لَوْ أَهَلَّ بِحَجٍّ مِنْ مَكَّةَ وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ مَكَّةَ مُحْرِمًا وَلَمْ يَرْجِعْ إلَى مِيقَاتِهِ أَهَرَاقَ دَمًا لِتَرْكِهِ الْمِيقَاتَ وَأَجْزَأَتْ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ الْحَجُّ مِنْ مَكَّةَ لِأَنَّ عِمَادَ الْحَجِّ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ وَذَلِكَ عَرَفَةُ وَجَمِيعُ عَمَلِ الْعُمْرَةِ سِوَى الْوَقْتِ فِي الْحَرَمِ فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَبْتَدِئَ مِنْ مَوْضِعِ مُنْتَهَى عَمَلِهَا وَعِمَادِهِ، وَأَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ مِنْ مِيقَاتِهِ ثُمَّ يَرْجِعَ إلَى بَلَدِهِ أَوْ يُقِيمَ بِمَوْضِعِهِ وَإِنْ فَعَلَ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَلَكِنْ أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَمْضِيَ

(2/156)

لِوَجْهِهِ فَيَقْصِدَ قَصْدَ نُسُكِهِ

(قَالَ) : وَكَذَلِكَ أَكْرَهُ لَهُ أَنْ يَسْلُكَ غَيْرَ طَرِيقَةٍ مِمَّا هُوَ أَبْعَدُ مِنْهَا لِغَيْرِ أَمْرٍ يَنُوبُهُ أَوْ رِفْقٍ بِهِ، فَإِنْ نَابَهُ أَمْرٌ أَوْ كَانَتْ طَرِيقٌ أَرْفَقَ مِنْ طَرِيقٍ فَلَا أَكْرَهُ ذَلِكَ لَهُ وَلَا فِدْيَةَ فِي أَنْ يَعْرُجَ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فِي سَنَةٍ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ أَوْ فِي بَلَدِهِ أَوْ فِي طَرِيقٍ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ كَانَ عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَكَانَتْ هَذِهِ الْعُمْرَةُ مُجْزِئَةً عَنْهُ لِأَنَّ وَقْتَ الْعُمْرَةِ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ وَلَيْسَتْ كَالْحَجِّ الَّذِي إذَا فَاتَ فِي عَامِهِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمُقَامُ عَلَى إحْرَامِهِ وَخَرَجَ مِنْهُ وَقَضَاهُ وَأَكْرَهُ هَذَا لَهُ لِلتَّعْزِيرِ بِإِحْرَامِهِ وَلَوْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مُفِيقًا ثُمَّ ذَهَبَ عَقْلُهُ ثُمَّ طَافَ مُفِيقًا أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَعِمَادُ الْعُمْرَةِ الْإِهْلَالُ وَالطَّوَافُ وَلَا يَضُرُّ الْمُعْتَمِرَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ ذَهَابِ عَقْلِهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ قَائِلٌ: لِمَ جَعَلْتَ عَلَى مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ إنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْحَجِّ؟ قُلْت لَهُ لَمَّا أُمِرَ فِي حَجِّهِ بِأَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا مِنْ مِيقَاتِهِ وَكَانَ فِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ فِيمَا بَيْنَ مِيقَاتِهِ وَالْبَيْتِ مُحْرِمًا وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِي ابْتِدَائِهِ الْإِحْرَامَ مِنْ أَهْلِهِ إلَى الْمِيقَاتِ مُحْرِمًا قُلْت لَهُ ارْجِعْ حَتَّى تَكُونَ مُهِلًّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أُمِرْت أَنْ تَكُونَ مُهِلًّا بِهِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَإِنَّمَا قُلْنَاهُ مَعَ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِمَا يُشْبِهُ مِنْ دَلَالَةِ السُّنَّةِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَلِمَ قُلْت إنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ لِخَوْفِ فَوْتٍ وَلَا غَيْرِ عُذْرٍ بِذَلِكَ وَلَا غَيْرِهِ أَهَرَاقَ دَمًا عَلَيْهِ؟ قُلْت لَهُ لَمَّا جَاوَزَ مَا وَقَّتَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَرَكَ أَنْ يَأْتِيَ بِكَمَالِ مَا عَلَيْهِ أَمَرْنَاهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْبَدَلِ مِمَّا تَرَكَ فَإِنْ قَالَ فَكَيْفَ جَعَلْت الْبَدَلَ مِنْ تَرْكِ شَيْءٍ يَلْزَمُهُ فِي عَمَلٍ يُجَاوِزُهُ وَمُجَاوَزَتُهُ الشَّيْءَ لَيْسَ لَهُ ثُمَّ جَعَلْت الْبَدَلَ مِنْهُ دَمًا يُهْرِيقُهُ وَأَنْتَ إنَّمَا تَجْعَلُ الْبَدَلَ فِي غَيْرِ الْحَجِّ شَيْئًا عَلَيْهِ فَتَجْعَلُ الصَّوْمَ بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاةَ بِالصَّلَاةِ؟ قُلْت إنَّ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ مُخَالِفَانِ الْحَجَّ مُخْتَلِفَانِ فِي أَنْفُسِهِمَا قَالَ فَأَنَّى اخْتِلَافُهُمَا؟ قُلْت يَفْسُدُ الْحَجُّ فَيَمْضِي فِيهِ وَيَأْتِي بِبَدَنَةِ وَالْبَدَلِ وَتَفْسُدُ الصَّلَاةُ فَيَأْتِي بِالْبَدَلِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَيَفُوتُهُ يَوْمُ عَرَفَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَيَخْرُجُ مِنْ الْحَجِّ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَيُحْرِمُ بِالصَّلَاةِ فِي وَقْتٍ فَيَخْرُجُ الْوَقْتُ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَيَفُوتُهُ الْحَجُّ فَلَا يَقْضِيه إلَّا فِي مِثْلِ يَوْمِهِ مِنْ سَنَتِهِ وَتَفُوتُهُ الصَّلَاةُ فَيَقْضِيهَا إذَا ذَكَرَهَا مِنْ سَاعَتِهِ وَيَفُوتُهُ الصَّوْمُ فَيَقْضِيه مِنْ غَدٍ وَيُفْسِدُهُ عِنْدَنَا عِنْدَك بِقَيْءٍ وَغَيْرِهِ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَيَعُودُ لَهُ وَيُفْسِدُهُ بِجِمَاعٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ إنْ وَجَدَهُ وَبَدَلٌ مَعَ اخْتِلَافِهِمَا فِيمَا سِوَى مَا سَمَّيْنَا فَكَيْفَ تَجْمَعُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِ حَيْثُ يَخْتَلِفُ؟ .

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقُلْت لَهُ الْحُجَّةُ فِي هَذَا أَنَّا لَمْ نَعْلَمْ مُخَالِفًا فِي أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُهِلَّ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ مِيقَاتُهُ وَلَا فِي أَنَّهُ إنْ تَرَكَ الْإِهْلَالَ مِنْ مِيقَاتِهِ وَلَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ أَجْزَأَهُ حَجُّهُ وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يُهْرِيقُ دَمًا وَقَالَ أَقَلُّهُمْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَحَجُّهُ مُجْزِئُ عَنْهُ وَمِنْ قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ فِيهِ أَنْ قَالُوا فِي التَّارِكِ الْبَيْتُوتَةَ بِمِنًى وَتَارِكِ مُزْدَلِفَةَ يُهْرِيقُ دَمًا، وَقُلْنَا فِي الْجِمَارِ يَدَعُهَا يُهَرِيق دَمًا فَجَعَلْنَا وَجَعَلُوا الْإِبْدَالَ فِي أَشْيَاءَ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ دَمًا


(قَالَ) : وَإِذَا جَاوَزَ الْمَكِّيُّ مِيقَاتًا أَتَى عَلَيْهِ يُرِيدُ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً ثُمَّ أَهَلَّ دُونَهُ فَمِثْلُ غَيْرِهِ يَرْجِعُ أَوْ يُهْرِيقُ دَمًا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قُلْت هَذَا فِي الْمَكِّيِّ وَأَنْتَ لَا تَجْعَلُ عَلَيْهِ دَمَ الْمُتْعَةِ؟ قِيلَ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196]

 

 



كلمات دليلية: