الفدية والهدي وأحكامها على المذهب الشافعي - كتاب الأم

الفدية والهدي وأحكامها على المذهب الشافعي - كتاب الأم
835

اسم الكتاب:
الأم



[بَابُ مَنْ عَادَ لِقَتْلِ الصَّيْدِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَمَنْ قَتَلَ صَيْدًا فَحُكِمَ عَلَيْهِ ثُمَّ عَادَ لِآخَرَ قَالَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ كُلَّمَا عَادَ أَبَدًا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ وَمِنْ أَيْنَ قُلْته؟ قُلْت إذَا لَزِمَهُ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِإِتْلَافِ الْأَوَّلِ لَزِمَهُ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِإِتْلَافِ الثَّانِي وَكُلِّ مَا بَعْدَهُ كَمَا يَكُونُ عَلَيْهِ لَوْ قَتَلَ نَفْسًا دِيَتُهُ وَأَنْفُسًا بَعْدَهُ دِيَةٌ دِيَةٌ، فِي كُلِّ نَفْسٍ وَكَمَا يَكُونُ عَلَيْهِ لَوْ أَفْسَدَ مَتَاعًا لِأَحَدٍ ثُمَّ أَفْسَدَ مَتَاعًا لِآخَرَ ثُمَّ أَفْسَدَ مَتَاعًا كَثِيرًا بَعْدَهُ قِيمَةُ مَا أَفْسَدَ فِي كُلِّ حَالٍ فَإِنْ قَالَ فَمَا قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} [المائدة: 95] فَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ؟ .

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : مَا يَبْلُغُ عِلْمِي أَنَّ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَمَا مَعْنَاهُ؟ قِيلَ اللَّهُ أَعْلَمُ مَا مَعْنَاهُ أَمَّا الَّذِي يُشْبِهُ مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فَأَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ بِالْعَوْدِ النِّقْمَةُ وَقَدْ تَكُونُ النِّقْمَةُ بِوُجُوهٍ، فِي الدُّنْيَا الْمَالُ وَفِي الْآخِرَةِ النَّارُ.

فَإِنْ قَالَ فَهَلْ تَجِدُ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْت فِي غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَوْ عَلَى مَا يُشْبِهُهُ؟ قِيلَ: نَعَمْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا - يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} [الفرقان: 68 - 69] وَجَعَلَ اللَّهُ الْقَتْلَ عَلَى الْكُفَّارِ وَالْقَتْلَ عَلَى الْقَاتِلِ عَمْدًا وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَفْوَ عَنْ الْقَاتِلِ بِالدِّيَةِ إنْ شَاءَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ وَجَعَلَ الْحَدَّ عَلَى الزَّانِي فَلَمَّا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ النِّقْمَةَ بِمُضَاعَفَةِ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ إلَّا أَنْ يَتُوبُوا وَجَعَلَ الْحَدَّ عَلَى الزَّانِي فَلَمَّا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الْحُدُودَ دَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ النِّقْمَةَ فِي الْآخِرَةِ لَا تُسْقِطُ حُكْمَ غَيْرِهَا فِي الدُّنْيَا قَالَ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى -: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] فَلَمْ يَخْتَلِفْ النَّاسُ فِي أَنَّهُمَا كُلَّمَا زَنَيَا بَعْدَ الْحَدِّ جُلِدَا فَكَانَ الْحَقُّ عَلَيْهِمْ فِي الزِّنَا الْآخَرِ مِثْلُهُ فِي الزِّنَا الْأَوَّلِ وَلَوْ انْبَغَى أَنْ يُفَرِّقَا كَانَ فِي الزِّنَا الْآخَرِ وَالْقَتْلِ الْآخَرِ أَوْلَى وَلَمْ يُطْرَحْ، فَإِنْ قَالَ أَفَرَأَيْت مَنْ طَرَحَهُ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ عَمْدُ مَأْثَمٍ فَأَوَّلُ مَا قَتَلَ مِنْ الصَّيْدِ عَمْدًا يَأْثَمُ بِهِ فَكَيْفَ حُكِمَ عَلَيْهِ؟

فَقُلْت حُكْمُ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَيْهِ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ كَانَ أَوْلَى أَنْ لَا يُعْرَضَ لَهُ فِي عَمْدِ الْمَأْثَمِ فَإِذَا كَانَ الِابْتِدَاءُ عَلَى أَنَّهُ عَمْدُ مَأْثَمٍ فَالثَّانِي مِثْلُهُ فَإِنْ قَالَ فَهَلْ قَالَ هَذَا مَعَك أَحَدٌ غَيْرُك؟ قِيلَ: نَعَمْ. فَإِنْ قَالَ فَاذْكُرْهُ قُلْت أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُحْرِمِ يَقْتُلُ الصَّيْدَ عَمْدًا: يُحْكَمُ عَلَيْهِ كُلَّمَا قَتَلَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَمَا قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} [المائدة: 95] قِيلَ - اللَّهُ أَعْلَمُ - بِمَعْنَى مَا أَرَادَ فَأَمَّا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ فَيَذْهَبُ إلَى {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ} [المائدة: 95] فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمَنْ عَادَ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ التَّحْرِيمِ لِقَتْلِ صَيْدٍ مَرَّةً فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قُلْت لِعَطَاءٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ} [المائدة: 95] قَالَ عَفَا

(2/201)

اللَّهُ عَمَّا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قُلْت وَقَوْلُهُ {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} [المائدة: 95] قَالَ وَمَنْ عَادَ فِي الْإِسْلَامِ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْكَفَّارَةُ زِيَادَةً قَالَ وَإِنْ عَمَدَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ؟ قُلْت لَهُ: هَلْ فِي الْعَوْدِ مِنْ حَدٍّ يُعْلَمُ؟ قَالَ لَا. قُلْت: أَفَتَرَى حَقًّا عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُعَاقِبَهُ فِيهِ: قَالَ: لَا، ذَنْبٌ أَذْنَبَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ - تَعَالَى - وَيَفْتَدِي
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يُعَاقِبُهُ الْإِمَامُ فِيهِ؛ لِأَنَّ هَذَا ذَنْبٌ جُعِلَتْ عُقُوبَتُهُ فَدِيَتَهُ إلَّا أَنْ يَزْعُمَ أَنَّهُ يَأْتِي ذَلِكَ عَامِدًا مُسْتَخِفًّا


[بَابُ أَيْنَ مَحَلُّ هَدْيِ الصَّيْدِ]

ِ؟ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلَمَّا كَانَ كُلُّ مَا أُرِيدَ بِهِ هَدْيٌ مِنْ مِلْكِ ابْنِ آدَمَ هَدْيًا كَانَتْ الْأَنْعَامُ كُلُّهَا وَكُلُّ مَا أَهْدَى فَهُوَ بِمَكَّةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَوْ خَفِيَ عَنْ أَحَدٍ أَنَّ هَذَا هَكَذَا مَا انْبَغَى - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ إذَا كَانَ الصَّيْدُ إذَا جَزَى بِشَيْءٍ مِنْ النَّعَمِ لَا يُجْزِئُ فِيهِ إلَّا أَنْ يُجْزِئَ بِمَكَّةَ فَعُلِمَ أَنَّ مَكَّةَ أَعْظَمُ أَرْضِ اللَّهِ - تَعَالَى - حُرْمَةً وَأَوْلَاهُ أَنْ تُنَزَّهَ عَنْ الدِّمَاءِ لَوْلَا مَا عَقَلْنَا مِنْ حُكْمِ اللَّهِ فِي أَنَّهُ لِلْمَسَاكِينِ الْحَاضِرِينَ بِمَكَّةَ، فَإِذَا عَقَلْنَا هَذَا عَنْ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَكَانَ جَزَاءُ الصَّيْدِ بِطَعَامٍ لَمْ يَجُزْ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إلَّا بِمَكَّةَ وَكَمَا عَقَلْنَا عَنْ اللَّهِ ذِكْرَ الشَّهَادَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ الْقُرْآنِ بِالْعَدْلِ وَفِي مَوَاضِعَ فَلَمْ يَذْكُرْ الْعَدْلَ وَكَانَتْ الشَّهَادَاتُ وَإِنْ افْتَرَقَتْ تَجْتَمِعُ فِي أَنَّهُ يُؤْخَذُ بِهَا اكْتَفَيْنَا أَنَّهَا كُلَّهَا بِالْعَدْلِ، وَلَمْ نَزْعُمْ أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِيهِ الْعَدْلَ مَعْفُوٌّ عَنْ الْعَدْلِ فِيهِ، فَلَوْ أَطْعَمَ فِي كَفَّارَةِ صَيْدٍ بِغَيْرِ مَكَّةَ لَمْ يُجْزِ عَنْهُ وَأَعَادَ الْإِطْعَامَ بِمَكَّةَ أَوْ بِ مِنًى فَهُوَ مِنْ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ لِحَاضِرِ الْحَرَمِ وَمِثْلُ هَذَا كُلُّ مَا وَجَبَ عَلَى مُحْرِمٍ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ مِنْ فِدْيَةِ أَذًى أَوْ طِيبٍ أَوْ لُبْسٍ أَوْ غَيْرِهِ لَا يُخَالِفُهُ فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّ كُلَّهُ مِنْ جِهَةِ النُّسُكِ وَالنُّسُكُ إلَى الْحَرَمِ، وَمَنَافِعُهُ لِلْمَسَاكِينِ الْحَاضِرِينَ الْحَرَمَ (قَالَ) : وَمَنْ حَضَرَ الْكَعْبَةَ حِينَ يَبْلُغُهَا الْهَدْيُ مِنْ النَّعَمِ أَوْ الطَّعَامِ مِنْ مِسْكِينٍ كَانَ لَهُ أَهْلٌ بِهَا أَوْ غَرِيبٌ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا أَعْطَوْا بِحَضْرَتِهَا، وَإِنْ قَلَّ فَكَانَ يُعْطِي بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ أَجْزَأَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَسَاكِينَ الْغُرَبَاءِ دُونَ أَهْلِ مَكَّةَ وَمَسَاكِينَ أَهْلَ مَكَّةَ دُونَ مَسَاكِينَ الْغُرَبَاءِ وَأَنْ يَخْلِطَ بَيْنَهُمْ، وَلَوْ آثَرَ بِهِ أَهْلَ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ الْحُضُورَ وَالْمَقَامَ لَكَانَ كَأَنَّهُ أَسْرَى إلَى الْقَلْبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ قَالَ هَذَا أَحَدٌ يُذْكَرُ قَوْلُهُ؟ قِيلَ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قُلْت لِعَطَاءٍ {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} [المائدة: 95] قَالَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَصَابَهُ فِي حَرَمٍ يُرِيدُ الْبَيْتَ كَفَّارَةُ ذَلِكَ عِنْدَ الْبَيْتِ.

أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ عَطَاءً قَالَ لَهُ مَرَّةً أُخْرَى يَتَصَدَّقُ الَّذِي يُصِيبُ الصَّيْدَ بِمَكَّةَ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] قَالَ فَيَتَصَدَّقُ بِمَكَّةَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : يُرِيدُ عَطَاءً: مَا وَصَفْت مِنْ الطَّعَامِ، وَالنَّعَمُ كُلُّهُ هَدْيٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.


[بَابٌ كَيْفَ يَعْدِلُ الصِّيَامَ]

َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] الْآيَةَ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ

(2/202)

قَالَ لِعَطَاءٍ مَا قَوْلُهُ {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] ؟ قَالَ إنْ أَصَابَ مَا عَدْلُهُ شَاةٌ فَصَاعِدًا أُقِيمَتْ الشَّاةُ طَعَامًا ثُمَّ جَعَلَ مَكَانَ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا يَصُومُهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ كَمَا قَالَ عَطَاءٌ وَبِهِ أَقُولُ وَهَكَذَا بَدَنَةٌ إنْ وَجَبَتْ وَهَكَذَا مُدٌّ إنْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي قِيمَةِ شَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ صَامَ مَكَانَهُ يَوْمًا وَإِنْ أَصَابَ مِنْ الصَّيْدِ مَا قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ مُدٍّ وَأَقَلُّ مِنْ مُدَّيْنِ صَامَ يَوْمَيْنِ وَهَكَذَا كُلُّ مَا لَمْ يَبْلُغْ مُدًّا صَامَ مَكَانَهُ يَوْمًا أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ هَذَا الْمَعْنَى.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَمِنْ أَيْنَ قُلْت مَكَانَ الْمُدِّ صِيَامُ يَوْمٍ وَمَا زَادَ عَلَى مُدٍّ مِمَّا لَا يَبْلُغُ مُدًّا آخَرَ صَوْمُ يَوْمٍ؟ قُلْت قُلْته مَعْقُولًا وَقِيَاسًا، فَإِنْ قَالَ: فَأَيْنَ الْقِيَاسُ بِهِ وَالْمَعْقُولُ فِيهِ؟ قُلْت أَرَأَيْت إذَا لَمْ يَكُنْ لِمَنْ قَتَلَ جَرَادَةً أَنْ يَدَعَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِقِيمَتِهَا ثَمَرَةً أَوْ لُقْمَةً؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ مُجْزِيَةٌ لَا تُعَطَّلُ بِقِلَّةِ قِيمَتِهَا ثُمَّ جَعَلَ فِيهَا قِيمَتَهَا فَإِذَا بَدَا لَهُ أَنْ يَصُومَ هَلْ يَجِدُ مِنْ الصَّوْمِ شَيْئًا يَجْزِيهِ أَبَدًا أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا، قُلْت فَبِذَلِكَ عَقَلْنَا أَنَّ أَقَلَّ مَا يَجِبُ مِنْ الصَّوْمِ يَوْمٌ وَعَقَلْنَا وَقِسْنَا أَنَّ الطَّلَاقَ إذَا كَانَ لَا يَتَبَعَّضُ فَأَوْقَعَ إنْسَانٌ بَعْضَ تَطْلِيقَةٍ لَزِمَتْهُ تَطْلِيقَةٌ، وَعَقَلْنَا أَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ إذَا كَانَتْ نِصْفَ عِدَّةِ الْحُرَّةِ فَلَمْ تَتَبَعَّضْ الْحَيْضَةُ نِصْفَيْنِ فَجَعَلْنَا عِدَّتَهَا حَيْضَتَيْنِ.

بَابُ الْخِلَافِ فِي عَدْلِ الصِّيَامِ وَالطَّعَامِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ لِي بَعْضُ النَّاسِ: إذَا صَامَ عَنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَإِذَا أَطْعَمَ مِنْهُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَطْعَمَ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدَّيْنِ وَقَالَ هَلْ رَوَيْت فِي هَذَا عَنْ أَصْحَابِك شَيْئًا يُوَافِقُ قَوْلَنَا وَيُخَالِفُ قَوْلَك؟ قُلْت نَعَمْ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ مُجَاهِدًا كَانَ يَقُولُ مَكَانَ كُلِّ مُدَّيْنِ يَوْمًا فَقَالَ: وَكَيْفَ لَمْ تَأْخُذْ بِقَوْلِ مُجَاهِدٍ وَأَخَذْتَ بِقَوْلِ عَطَاءٍ يُطْعِمُ الْمِسْكِينَ حَيْثُ وَجَبَ إطْعَامُهُ مُدًّا إلَّا فِي فِدْيَةِ الْأَذَى فَإِنَّك قُلْت يُطْعِمُهُ مُدَّيْنِ وَلِمَ لَمْ تَقُلْ إذْ قُلْت فِي فِدْيَةِ الْأَذَى يُطْعِمُهُ مُدَّيْنِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ؟ .

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لَهُ يَجْمَعُ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْك جَوَابٌ وَاحِدٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ فَاذْكُرْهُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَصْلُ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ نَحْنُ وَأَنْتَ وَمَنْ نَسَبْنَاهُ مَعَنَا إلَى الْفِقْهِ فَالْفَرْضُ عَلَيْهِ فِي تَأْدِيَةِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ لَا يَقُولَ إلَّا مِنْ حَيْثُ يَعْلَمُ وَيُعْلَمُ أَنَّ أَحْكَامَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ثُمَّ أَحْكَامَ رَسُولِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ يَجْمَعُهُمَا مَعًا أَنَّهُمَا تَعَبُّدٌ ثُمَّ فِي التَّعَبُّدِ وَجْهَانِ فَمِنْهُ تَعَبُّدٌ لِأَمْرٍ أَبَانَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أَوْ رَسُولُهُ سَبَبَهُ فِيهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ مِنْ كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ فَذَلِكَ الَّذِي قُلْنَا بِهِ وَبِالْقِيَاسِ فِيمَا هُوَ فِي مِثْلِ مَعْنَاهُ وَمِنْهُ مَا هُوَ تَعَبُّدٌ لِمَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ شَأْنُهُ مِمَّا عَلَّمَهُ وَعَلَّمْنَا حُكْمَهُ وَلَمْ نَعْرِفْ فِيهِ مَا عَرَفْنَا مِمَّا أَبَانَ لَنَا فِي كِتَابِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَدَّيْنَا الْفَرْضَ فِي الْقَوْلِ بِهِ وَالِانْتِهَاءِ إلَيْهِ، وَلَمْ نَعْرِفْ فِي شَيْءٍ لَهُ مَعْنًى فَنَقِيسُ عَلَيْهِ

وَإِنَّمَا قِسْنَا عَلَى مَا عَرَفْنَا وَلَمْ يَكُنْ لَنَا عِلْمٌ إلَّا مَا عَلَّمَنَا اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَقَالَ:

هَذَا كُلُّهُ كَمَا وَصَفْت لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ التَّكْشِيفِ قَالَ بِغَيْرِهِ فَقِفْنِي مِنْهُ عَلَى أَمْرٍ أَعْرِفُهُ فَإِنَّ أَصْحَابَنَا يُعْطُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ كَمَا وَصَفْت لَا يُغَادِرُونَ مِنْهَا حَرْفًا وَتَخْتَلِفُ أَقَاوِيلُهُمْ إذَا فَرَّعُوا عَلَيْهَا فَقُلْت فَأَقْبَلُ مِنْهُمْ الصَّوَابَ وَأَرُدُّ عَلَيْهِمْ الْغَفْلَةَ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ لَلَازِمٌ لِي وَمَا يَبْرَأُ آدَمِيٌّ رَأَيْته مِنْ غَفْلَةٍ طَوِيلَةٍ وَلَكِنْ أَنْصِبُ لِمَا قُلْت مِثَالًا فَقُلْت: أَرَأَيْت إذْ حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ قُلْنَا وَقُلْت قِيمَتُهَا خَمْسُونَ دِينَارًا وَهُوَ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَتْ فِيهِ أَلْفُ دِينَارٍ أَوْ مَيِّتًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ وَهُوَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَيِّتًا أَوْ حَيًّا فَكَانَ مُغَيَّبَ

(2/203)

الْمَعْنَى يَحْتَمِلُ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ إذَا جَنَى عَلَيْهِ فَهَلْ قِسْنَا عَلَيْهِ مُلَفَّفًا أَوْ رَجُلًا فِي بَيْتٍ يُمْكِنُ فِيهِمَا الْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ وَهُمَا مُغَيَّبَا الْمَعْنَى؟
قَالَ: لَا، قُلْت وَلَا قِسْنَا عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ الدِّمَاءِ؟ قَالَ: لَا قُلْت وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّا تَعَبَّدْنَا بِطَاعَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ وَلَمْ نَعْرِفْ سَبَبَ مَا حَكَمَ لَهُ بِهِ قُلْت فَهَكَذَا قُلْنَا فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِمَا عِمَامَةٌ وَلَا بُرْقُعٌ وَلَا قُفَّازَانِ قَالَ وَهَكَذَا قُلْنَا فِيهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ فَرْضَ وُضُوءٍ وَخُصَّ مِنْهُ الْخُفَّانِ خَاصَّةً فَهُوَ تَعَبُّدٌ لَا قِيَاسَ عَلَيْهِ قُلْت وَقِسْنَا نَحْنُ وَأَنْتَ إذْ قَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ أَنَّ الْخِدْمَةَ كَالْخَرَاجِ قَالَ: نَعَمْ قُلْت: لِأَنَّا عَرَفْنَا أَنَّ الْخَرَاجَ حَادِثٌ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَضَمِنَهُ مِنْهُ وَلَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ صَفْقَةُ الْبَيْعِ قَالَ: نَعَمْ، وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ مِنْ جُمْلَةِ مَا أَرَدْت وَدَلَالَةٌ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ سُنَّةً مَقِيسٌ عَلَيْهَا وَأُخْرَى غَيْرُ مَقِيسٍ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ الْقَسَامَةُ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا وَلَكِنْ أَخْبَرَنِي بِالْأَمْرِ الَّذِي لَهُ اخْتَرْت أَنَّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدًّا إلَّا فِي فِدْيَةِ الْأَذَى إذَا تَرَكَ الصَّوْمَ فَإِمَّا أَنْ يَصُومَ مَكَانَ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا فَيَكُونُ صَوْمُ يَوْمٍ مَكَانَ مُدٍّ فَإِنْ ثَبَتَ لَك الْمُدُّ صَحِيحٌ لَا أَسْأَلُك عَنْهُ إلَّا فِيمَا قُلْت إنَّ صَوْمَ الْيَوْمِ يَقُومُ مَقَامَ إطْعَامِ مِسْكِينٍ فَقُلْت لَهُ حَكَمَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلَى الْمُظَاهِرِ إذَا عَادَ لِمَا قَالَ {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ - فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجادلة: 3 - 4] فَكَانَ مَعْقُولًا أَنَّ إمْسَاكَ الْمُظَاهِرِ عَنْ أَنْ يَأْكُلَ سِتِّينَ يَوْمًا كَإِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَبِهَذَا الْمَعْنَى صِرْت إلَى أَنَّ إطْعَامَ مِسْكِينٍ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ قَالَ فَهَلْ مِنْ دَلِيلٍ مَعَ هَذَا؟ قُلْت نَعَمْ «أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُصِيبَ لِأَهْلِهِ نَهَارًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ؟ قَالَ: لَا، فَسَأَلَهُ هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ فَقَالَ لَا. فَسَأَلَهُ هَلْ تَقْدِرُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ فَقَالَ: لَا، فَأَعْطَاهُ عَرَقَ تَمْرٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى سِتِّينَ مِسْكِينًا فَأَدَّى الْمُؤَدِّي» لِلْحَدِيثِ أَنَّ فِي الْعَرَقِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا قَالَ أَوْ عِشْرِينَ، وَمَعْرُوفٌ أَنَّ الْعَرَقَ يُعْمَلُ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا لِيَكُونَ الْوَسْقُ بِهِ أَرْبَعَةً فَذَهَبْنَا إلَى أَنَّ إطْعَامَ الْمِسْكِينِ مُدُّ طَعَامٍ وَمَكَانَ إطْعَامِ الْمِسْكِينِ صَوْمُ يَوْمٍ، قَالَ: أَمَّا صَوْمُ يَوْمٍ مَكَانَ كُلِّ مِسْكِينٍ فَكَمَا قُلْت، وَأَمَّا إطْعَامُ الْمِسْكِينِ مُدًّا فَإِذَا قَالَ أَوْ عِشْرِينَ صَاعًا قُلْت فَهَذَا مُدٌّ وَثُلُثٌ لِكُلِّ مِسْكِينٍ قَالَ: فَلِمَ لَا تَقُولُ بِهِ؟ قُلْت فَهَلْ عَلِمْت أَحَدًا قَطُّ قَالَ إلَّا مُدًّا أَوْ مُدَّيْنِ؟ قَالَ: لَا قُلْت فَلَوْ كَانَ كَمَا قُلْت أَنْتَ كُنْت أَنْتَ قَدْ خَالَفْته وَلَكِنَّهُ احْتِيَاطٌ مِنْ الْمُحْدَثِ، وَهَذَا كَمَا قُلْت فِي الْعَرَقِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا

وَعَلَى ذَلِكَ كَانَتْ تُعْمَلُ فِيمَا أَخْبَرَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْيَمَنِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْعَلُونَهَا مَعَايِيرَ كَالْمَكَايِيلِ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا بِالتَّمْرِ، قَالَ: فَقَدْ زَعَمْت أَنَّ الْكَفَّارَةَ فِي الطَّعَامِ وَإِصَابَةِ الْمَرْأَةِ تَعَبُّدٌ لِأَمْرٍ قَدْ عَرَفْته وَعَرَفْنَاهُ مَعَك فَأَبِنْ أَنَّ الْكَفَّارَةَ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى وَغَيْرِهَا تَعَبُّدٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ

قُلْت: أَلَيْسَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِي الطَّعَامِ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ» فَكَانَ ذَلِكَ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ؟ قَالَ: بَلَى قُلْت وَأَمَرَهُ فَقَالَ: أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ قَالَ: بَلَى

قُلْت: وَقَالَ:
" أَوْ اُنْسُكْ شَاةً " قَالَ: بَلَى قُلْت: فَلَوْ قِسْنَا الطَّعَامَ عَلَى الصَّوْمِ أَمَا نَقُولُ صَوْمُ يَوْمٍ مَكَانَ إطْعَامِ مِسْكِينَيْنِ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْت: وَلَوْ قِسْنَا الشَّاةَ بِالصَّوْمِ كَانَتْ شَاةٌ عَدْلَ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؟ قَالَ: بَلَى قُلْت: وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي الْمُتَمَتِّعِ {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196] فَجَعَلَ الْبَدَلَ مِنْ شَاةٍ صَوْمَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ قَالَ: نَعَمْ وَقُلْت: قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} [المائدة: 89] الْآيَةَ فَجَعَلَ الرَّقَبَةَ مَكَانَ إطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ قَالَ: نَعَمْ
قُلْت: وَالرَّقَبَةُ فِي الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ مَكَانَ سِتِّينَ يَوْمًا، قَالَ: نَعَمْ وَقَدْ بَانَ أَنَّ صَوْمَ سِتِّينَ يَوْمًا أَوْلَى بِالْقُرْبِ مِنْ الرَّقَبَةِ مِنْ صَوْمِ عَشَرَةٍ وَبَانَ لِي أَنَّ صَوْمَ يَوْمٍ أَوْلَى بِإِطْعَامِ مِسْكِينٍ مِنْهُ بِإِطْعَامِ مِسْكِينَيْنِ؛ لِأَنَّ صَوْمَ يَوْمٍ جُوعُ يَوْمٍ، وَإِطْعَامَ مِسْكِينٍ إطْعَامُ يَوْمٍ، فَيَوْمٌ بِيَوْمٍ أَوْلَى أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ مِنْ يَوْمَيْنِ بِيَوْمٍ وَأَوْضَحُ مِنْ أَنَّهَا أَوْلَى

(2/204)

الْأُمُورِ بِالْقِيَاسِ قَالَ: فَهَلْ فِيهِ مِنْ أَثَرٍ أَعْلَى مِنْ قَوْلِ عَطَاءٍ؟
قُلْت: نَعَمْ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ فَهَلْ خَالَفَك فِي هَذَا غَيْرُك مِنْ أَهْلِ نَاحِيَتِك؟

فَقُلْت: نَعَمْ زَعَمَ مِنْهُمْ زَاعِمٌ مَا قُلْت: مِنْ أَنَّ الْكَفَّارَاتِ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا كَفَّارَةَ الظِّهَارِ فَإِنَّهَا بِمُدِّ هِشَامٍ قَالَ فَلَعَلَّ مُدَّ هِشَامٍ مُدَّانِ فَيَكُونُ أَرَادَ قَوْلَنَا مُدَّيْنِ وَإِنَّمَا جَعَلَ مُدَّ هِشَامٍ عَلَمًا

قُلْت: لَا، مُدُّ هِشَامٍ، مُدٌّ وَثُلُثٌ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ مُدٌّ وَنِصْفٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ فَالْغَنِيُّ بِالْمَسْأَلَةِ عَنْ هَذَا الْقَوْلُ - إذَا كَانَ كَمَا وَصَفْت - غَنِيٌّ بِمَا لَا يُعِيدُ وَلَا يُبْدِي كَيْف جَازَ لِأَحَدٍ أَنْ يَزْعُمَ أَنَّ الْكَفَّارَاتِ بِمُدٍّ مُخْتَلِف؟

أَرَأَيْت لَوْ قَالَ لَهُ إنْسَانٌ هِيَ بِمُدٍّ أَكْبَرَ مِنْ مُدِّ هِشَامٍ أَضْعَافًا، وَالطَّعَامُ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا سِوَاهُ بِمُدٍّ مُحْدَثٍ الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ مِنْ مُدِّ هِشَامٍ، أَوْ رَأَيْت الْكَفَّارَاتِ إذْ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَيْفَ جَازَ أَنْ تَكُونَ بِمُدِّ رَجُلٍ لَمْ يُخْلَقْ أَبُوهُ وَلَعَلَّ جَدَّهُ لَمْ يُخْلَقْ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّمَا قَالَ النَّاسُ هِيَ مُدَّانِ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَا أَدْخَلَ مُدًّا وَكَسْرًا؟

هَذَا خُرُوجٌ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الدُّنْيَا فِي الْكَفَّارَاتِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقُلْت لَهُ: وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ نَاحِيَتِنَا أَيْضًا أَنَّ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ الْكَفَّارَاتِ أَكْثَرَ مِمَّا عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ فِيهِمْ أَوْسَعُ مِنْهُ بِالْمَدِينَةِ قَالَ: فَمَا قُلْت: لِمَنْ قَالَ هَذَا؟

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لَهُ: أَرَأَيْت الَّذِينَ يَقْتَاتُونَ الْفَثَّ وَاَلَّذِينَ يَقْتَاتُونَ اللَّبَنَ وَاَلَّذِينَ يَقْتَاتُونَ الْحَنْظَلَ وَاَلَّذِينَ يَقْتَاتُونَ الْحِيتَانِ لَا يَقْتَاتُونَ غَيْرَهَا وَاَلَّذِينَ السِّعْرُ عِنْدَهُمْ أَغْلَى مِنْهُ بِالْمَدِينَةِ بِكَثِيرٍ كَيْفَ يُكَفِّرُونَ يَنْبَغِي فِي قَوْلِهِمْ أَنْ يُكَفِّرُوا أَقَلَّ مِنْ كَفَّارَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَيُكَفِّرُونَ مِنْ الدُّخْنِ وَهُوَ نَبَاتٌ يَقْتَاتُهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي الْجَدْبِ؟

وَيَنْبَغِي إذَا كَانَ سِعْرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَرْخَصَ مِنْ سِعْرِ أَهْلِ بَلَدٍ أَنْ يَكُونَ مَنْ يُكَفِّرُ فِي زَمَانِ غَلَاءِ السِّعْرِ بِبَلَدٍ أَقَلَّ كَفَّارَةً مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إنْ كَانَ إنَّمَا زَعَمَ أَنَّ هَذَا لِغَلَاءِ سِعْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَقِيلَ لَهُ هَلْ رَأَيْت مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ شَيْئًا خُفِّفَ عَنْ أَحَدٍ أَوْ اخْتَلَفُوا فِي صَلَاةٍ أَوْ زَكَاةٍ أَوْ حَدٍّ أَوْ غَيْرِهِ؟

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) :

قُلْت: فَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَارَضَ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ هَذَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَزَعَمَ زَاعِمٌ غَيْرُ قَائِلِ هَذَا أَنَّهُ قَالَ: الطَّعَامُ حَيْثُ شَاءَ الْمُكَفِّرُ فِي الْحَجِّ وَالصَّوْمِ كَذَلِكَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقِيلَ لَهُ: لَئِنْ زَعَمْت أَنَّ الدَّمَ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَكَّةَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ إلَّا بِمَكَّةَ كَمَا قُلْت؛ لِأَنَّهُمَا طَعَامَانِ. قَالَ فَمَا حُجَّتُك فِي الصَّوْمِ؟

قُلْت: أَذِنَ اللَّهُ لِلْمُتَمَتِّعِ أَنْ يَكُونَ مِنْ صَوْمِهِ ثَلَاثٌ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٌ إذَا رَجَعَ وَلَمْ يَكُنْ فِي الصَّوْمِ مَنْفَعَةٌ لِمَسَاكِينَ الْحَرَمِ وَكَانَ عَلَى بَدَنِ الرَّجُلِ فَكَانَ عَمَلًا بِغَيْرِ وَقْتٍ فَيَعْمَلُهُ حَيْثُ شَاءَ


[بَابٌ هَلْ لِمَنْ أَصَابَ الصَّيْدَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِغَيْرِ النَّعَمِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] إلَى قَوْلِهِ {صِيَامًا} [المائدة: 95]

(2/205)

فَكَانَ الْمُصِيبُ مَأْمُورًا بِأَنْ يَفْدِيَهُ وَقِيلَ لَهُ مِنْ النَّعَمِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ بِأَنْ يَفْتَدِيَ بِأَيِّ ذَلِكَ شَاءَ وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهَا وَكَانَ هَذَا أَظْهَرَ مَعَانِيهِ، وَأَظْهَرُهَا الْأَوْلَى بِالْآيَةِ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَ بِهَدْيٍ إنْ وَجَدَهُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فَطَعَامٌ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فَصَوْمٌ كَمَا أَمَرَ فِي التَّمَتُّعِ وَكَمَا أَمَرَ فِي الظِّهَارِ، وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ أَشْبَهَهُمَا وَذَلِكَ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ بِأَنْ يُكَفِّرَ بِأَيِّ الْكَفَّارَاتِ شَاءَ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى» وَجَعَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - إلَى الْمَوْلَى أَنْ يَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ وَإِنْ احْتَمَلَ الْوَجْهَ الْآخَرَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ قَالَ مَا ذَهَبْت إلَيْهِ غَيْرُك؟
قِيلَ: نَعَمْ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] قَالَ عَطَاءٌ فَإِنْ أَصَابَ إنْسَانٌ نَعَامَةً كَانَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ ذَا يَسَارٍ أَنْ يَهْدِيَ جَزُورًا أَوْ عَدْلَهَا طَعَامًا أَوْ عَدْلَهَا صِيَامًا أَيَّتَهُنَّ شَاءَ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {فَجَزَاءٌ} [المائدة: 95] كَذَا وَكَذَا وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ أَوْ أَوْ فَلْيَخْتَرْ مِنْهُ صَاحِبُهُ مَا شَاءَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقُلْت لِعَطَاءٍ أَرَأَيْت إنْ قَدَرَ عَلَى الطَّعَامِ أَلَا يَقْدِرُ عَلَى عَدْلِ الصَّيْدِ الَّذِي أَصَابَ؟ قَالَ تَرْخِيصُ اللَّهِ عَسَى أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ طَعَامٌ وَلَيْسَ عِنْدَهُ ثَمَنُ الْجَزُورِ وَهِيَ الرُّخْصَةُ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إذَا جَعَلْنَا إلَيْهِ ذَلِكَ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ أَيَّةَ شَاءَ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْيَسِيرِ مَعَهُ وَالِاخْتِيَارُ وَالِاحْتِيَاطُ لَهُ أَنْ يَفْدِيَ بِنَعَمٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَطَعَامٌ، وَأَنْ لَا يَصُومَ إلَّا بَعْدَ الْإِعْوَازِ مِنْهُمَا أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] لَهُ أَيَّتَهُنَّ شَاءَ.

أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ أَوْ أَوْ، لَهُ أَيَّةُ شَاءَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ إلَّا فِي قَوْلِهِ {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة: 33] فَلَيْسَ بِمُخَيَّرٍ فِيهَا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَعَمْرٌو فِي الْمُحَارِبِ وَغَيْرِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَقُولُ قِيلَ لِلشَّافِعِيِّ فَهَلْ قَالَ أَحَدٌ لَيْسَ هُوَ بِالْخِيَارِ؟

فَقَالَ: نَعَمْ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: مَنْ أَصَابَ مِنْ الصَّيْدِ مَا يَبْلُغُ فِيهِ شَاةً فَذَلِكَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] وَأَمَّا {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} [المائدة: 95] فَذَلِكَ الَّذِي لَا يَبْلُغُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ هَدْيُ الْعُصْفُورِ يُقْتَلُ فَلَا يَكُونُ فِيهِ هَدْيٌ قَالَ {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] عَدْلُ النَّعَامَةِ وَعَدْلُ الْعُصْفُورِ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِعَطَاءٍ، فَقَالَ عَطَاءٌ كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ أَوْ أَوْ يَخْتَارُ مِنْهُ صَاحِبُهُ مَا شَاءَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِقَوْلِ عَطَاءٍ فِي هَذَا أَقُولُ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] وَرُوِيَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أَيَّ ذَلِكَ فَعَلْت أَجْزَأَك» .

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَوَجَدْتُهُمَا مَعًا فِدْيَةً مِنْ شَيْءٍ أُفِيتَ قَدْ مُنِعَ الْمُحْرِمُ مِنْ إفَاتَتِهِ الْأَوَّلُ الصَّيْدُ وَالثَّانِي الشَّعْرُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَكُلُّ مَا أَفَاتَهُ الْمُحْرِمُ سِوَاهُمَا كَمَا نَهَى عَنْ إفَاتَتِهِ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ مِنْ النَّعَمِ أَوْ الطَّعَامِ أَوْ الصَّوْمِ أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ كَانَ وَاجِدًا وَغَيْرَ وَاجِدٍ قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ} [البقرة: 196] الْآيَةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَكَانَ التَّمَتُّعُ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ لَيْسَ بِإِفَاتَةِ شَيْءٍ جَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِيهِ الْهَدْيَ فَمَا فَعَلَ الْمُحْرِمُ مِنْ فِعْلٍ تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الْفِدْيَةُ وَكَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ لَيْسَ بِإِفَاتَةِ شَيْءٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَهُ مِنْ النَّعَمِ إنْ بَلَغَ النَّعَمَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْدِيَهُ بِغَيْرِ النَّعَمِ وَهُوَ يَجِدُ النَّعَمَ وَذَلِكَ مِثْلُ طِيبِ مَا تَطَيَّبَ بِهِ أَوْ لُبْسِ مَا لَيْسَ لَهُ لُبْسُهُ أَوْ جَامَعَ أَوْ نَالَ مِنْ امْرَأَتِهِ أَوْ تَرَكَ مِنْ نُسُكِهِ أَوْ مَا مَعْنَى هَذَا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} [البقرة: 196] ؟

قُلْت: اللَّهُ أَعْلَمُ أَمَّا الظَّاهِرُ فَإِنَّهُ مَأْذُونٌ بِحِلَاقِ

(2/206)

الشَّعْرِ لِلْمَرَضِ وَالْأَذَى فِي الرَّأْسِ وَإِنْ لَمْ يَمْرَضْ فَإِذَا جَعَلْت عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِ الْفِدْيَةِ النَّعَمَ فَقُلْت لَا يَجُوزُ إلَّا مِنْ النَّعَمِ مَا كَانَتْ مَوْجُودَةً فَأَعْوَزَ الْمُفْتَدِي مِنْ النَّعَمِ لِحَاجَةٍ أَوْ انْقِطَاعٍ مِنْ النَّعَمِ فَكَانَ يَقْدِرُ عَلَى طَعَامٍ قُوِّمَ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ دَرَاهِمَ، وَالدَّرَاهِمُ طَعَامًا، ثُمَّ تَصَدَّقَ بِالطَّعَامِ عَلَى كُلِّ مِسْكِينٍ بِمُدٍّ وَإِنْ أَعْوَزَ مِنْ الطَّعَامِ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِذَا قِسْته عَلَى هَذِهِ الْمُتْعَةِ فَكَيْفَ لَمْ تَقُلْ فِيهِ مَا قُلْت: فِي الْمُتَمَتِّعِ؟
قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ قِسْته عَلَيْهِ فِي أَنَّهُ جَامَعَهُ فِي أَنَّهُ فِعْلٌ لَا إفَاتَةٌ وَفَرَّقْت بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ فَيَكُونُ بَدَنَةً عَلَى قَدْرِ عِظَمِ مَا أَصَابَ وَشَاةً دُونَ ذَلِكَ فَلَمَّا كَانَ يَنْتَقِلُ فَيَقِلُّ وَيَكْثُرُ بِقَدْرِ عِظَمِ مَا أَصَابَ فَارَقَ فِي هَذَا الْمَعْنَى هَدْيَ الْمُتْعَةِ الَّذِي لَا يَكُونُ عَلَى أَحَدٍ إذَا وَجَدَ أَقَلَّ وَلَا أَكْثَرَ مِنْهُ وَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ كَانَ مُتَطَوِّعًا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَصِرْنَا بِالطَّعَامِ وَالصَّوْمِ إلَى الْمَعْنَى الْمَعْقُولِ فِي الْقُرْآنِ مِنْ كَفَّارَةِ الْمُظَاهِرِ وَالْقَتْلِ وَالْمُصِيبِ أَهْلَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَمِنْ هَذَا تَرْكُ الْبَيْتُوتَةِ بِ مِنًى وَتَرْكُ الْمُزْدَلِفَةِ وَالْخُرُوجُ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ عَرَفَةَ وَتَرْكُ الْجِمَارِ وَمَا أَشْبَهَهُ


[الْإِعْوَازُ مِنْ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَوَقْتُهُ]

ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] إلَى قَوْلِهِ {عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196] .

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَدَلَّ الْكِتَابُ عَلَى أَنْ يَصُومَ فِي الْحَجِّ وَكَانَ مَعْقُولًا فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ فِي الْحَجِّ الَّذِي وَجَبَ بِهِ الصَّوْمُ، وَمَعْقُولًا أَنَّهُ لَا يَكُونُ الصَّوْمُ إلَّا بَعْدَ الدُّخُولِ فِي الْحَجِّ لَا قَبْلَهُ فِي شُهُورِ الْحَجِّ وَلَا غَيْرِهَا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: 196] فَإِنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ فِي شَوَّالٍ أَوْ ذِي الْقَعْدَةِ أَوْ ذِي الْحِجَّةِ كَانَ لَهُ أَنْ يَصُومَ حِينَ يَدْخُلُ فِي الْحَجِّ وَعَلَيْهِ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ الْحَجِّ حَتَّى يَصُومَ إذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَأَنْ يَكُونَ آخِرَ مَا لَهُ مِنْ الْأَيَّامِ فِي آخِرِ صِيَامِهِ الثَّلَاثَ يَوْمُ عَرَفَةَ وَذَلِكَ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الْغَدِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ مِنْ الْحَجِّ وَيَكُونُ فِي يَوْمٍ لَا صَوْمَ فِيهِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي الْمُتَمَتِّعِ إذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَلَمْ يَصُمْ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ فَلْيَصُمْ أَيَّامَ مِنًى، أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ مِثْلَ ذَلِكَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَقُولُ، وَهُوَ مَعْنَى مَا قُلْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَيُشْبِهُ الْقُرْآنَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَاخْتَلَفَ عَطَاءٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ فِي وُجُوبِ صَوْمِ الْمُتَمَتِّعِ أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ حَتَّى يُوَافِيَ عَرَفَةَ مُهِلًّا بِالْحَجِّ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ إذَا أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِقَوْلِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ نَقُولُ وَهُوَ أَشْبَهُ بِالْقُرْآنِ ثُمَّ الْخَبَرِ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا أَهَلَّ بِالْحَجِّ ثُمَّ مَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ أَوْ بَعْدُ قَبْلَ أَنْ يَصُومَ فَفِيهَا قَوْلَانِ:

أَحَدُهُمَا أَنَّ عَلَيْهِ دَمَ الْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصُمْ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَامَ عَنْهُ وَهَذَا قَوْلٌ يُحْتَمَلُ

وَالْقَوْلُ الثَّانِي لَا دَمَ عَلَيْهِ وَلَا صَوْمَ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ فِيهِ الصَّوْمُ وَقْتٌ زَالَ عَنْهُ فَرْضُ الدَّمِ وَغَلَبَ عَلَى الصَّوْمِ فَإِنْ كَانَ بَقِيَ مُدَّةً يُمْكِنُهُ أَنْ يَصُومَ فِيهَا فَفَرَّطَ تَصَدَّقَ عَنْهُ مَكَانَ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ حِنْطَةً؛ لِأَنَّ السَّبْعَةَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الرُّجُوعِ إلَى أَهْلِهِ، وَلَوْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَصُمْ الثَّلَاثَةَ وَلَا السَّبْعَ تَصَدَّقَ عَنْهُ فِي الثَّلَاثِ وَمَا أَمْكَنَهُ صَوْمُهُ مِنْ السَّبْعِ فَتَرَكَهُ يَوْمًا كَانَ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ وَهَذَا قَوْلٌ يَصِحُّ قِيَاسًا وَمَعْقُولًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.


(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي صَوْمِ الْمُتَمَتِّعِ أَيَّامَ مِنًى: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَوْمِ أَيَّامِ مِنًى» وَلَا نَجِدُ السَّبِيلَ إلَى أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ خَاصَّةً إذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَلَالَةٌ بِأَنَّ نَهْيَهُ إنَّمَا هُوَ عَلَى

(2/207)

مَا لَا يَلْزَمُ مِنْ الصَّوْمِ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْ قَالَ يَصُومُ الْمُتَمَتِّعُ أَيَّامَ مِنًى ذَهَبَ عَلَيْهِ نَهْيُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهَا فَلَا أَرَى أَنْ يَصُومَ أَيَّامَ مِنًى وَقَدْ كُنْت أَرَاهُ وَأَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَوَجَدْت أَيَّامَ مِنًى خَارِجًا مِنْ الْحَجِّ يَحِلُّ بِهِ إذَا طَافَ بِالْبَيْتِ النِّسَاءُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ أَقُولَ هَذَا فِي الْحَجِّ، وَهُوَ خَارِجٌ مِنْهُ وَإِنْ بَقِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ عَمَلِهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ يَحْتَمِلُ اللِّسَانُ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَجِّ؟

قِيلَ: نَعَمْ يَحْتَمِلُهُ اللِّسَانُ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَجِّ شَيْءٌ احْتِمَالًا مُسْتَكْرَهًا بَاطِنًا لَا ظَاهِرًا، وَلَوْ جَازَ هَذَا جَازَ إذَا لَمْ يَطُفْ الطَّوَافَ الَّذِي يَحِلُّ بِهِ مِنْ حَجِّهِ النِّسَاءُ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ يَصُومُهُنَّ عَلَى أَنَّهُ صَامَهُنَّ فِي الْحَجِّ (قَالَ) : وَلَوْ جَازَ أَنْ يَصُومَ أَيَّامَ مِنًى جَازَ فِيهَا يَوْمَ النَّحْرِ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ صَوْمِهِ وَصَوْمِهَا وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَوْمِهَا مَرَّةً كَنَهْيِهِ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ مَرَّةً وَمِرَارًا


[بَابُ الْحَالِ الَّتِي يَكُونُ الْمَرْءُ فِيهَا مَعُوزًا بِمَا لَزِمَهُ مِنْ فِدْيَةٍ]

ٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إذَا حَجَّ الرَّجُلُ وَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهَا فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ لَمْ يُطْعِمْ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْهَدْيِ أَطْعَمَ وَلَا يَكُونُ الطَّعَامُ وَالْهَدْيُ إلَّا بِمَكَّةَ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَامَ حَيْثُ شَاءَ، وَلَوْ صَامَ فِي فَوْرِهِ ذَلِكَ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ فِي صِيَامِ الْمُفْتَدِي مَا بَلَغَنِي فِي ذَلِكَ شَيْءٌ، وَإِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَصْنَعَهُ فِي فَوْرِهِ ذَلِكَ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ كَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ فِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فِي حَجِّهِ ذَلِكَ أَوْ عُمْرَتِهِ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى قَالَ فِي الْمُفْتَدِي بَلَغَنِي أَنَّهُ فِيمَا بَيْنَ أَنْ صَنَعَ الَّذِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِيهِ الْفِدْيَةُ وَبَيْنَ أَنْ يَحِلَّ إنْ كَانَ حَاجًّا أَنْ يَنْحَرَ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا بِأَنْ يَطَّوَّفَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ هَكَذَا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْت؟

قِيلَ إنْ كَانَتْ الْفِدْيَةُ شَيْئًا وَجَبَتْ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَفْتَدِيَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ إصْلَاحَ كُلِّ عَمَلٍ فِيهِ كَمَا يَكُونُ إصْلَاحُ الصَّلَاةِ فِيهَا وَإِنْ كَانَ هَذَا يُفَارِقُ الصَّلَاةَ بِأَنَّ الْفِدْيَةَ غَيْرُ الْحَجِّ، وَإِصْلَاحُ الصَّلَاةِ مِنْ الصَّلَاةِ فَالِاخْتِيَارُ فِيهِ مَا وَصَفْت وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَمَرَ رَجُلًا يَصُومُ وَلَا يَفْتَدِي وَقَدَّرَ لَهُ نَفَقَتَهُ فَكَأَنَّهُ لَوْلَا أَنَّهُ رَأَى الصَّوْمَ يَجْزِيهِ فِي سَفَرِهِ لَسَأَلَهُ عَنْ يُسْرِهِ وَلَقَالَ آخَرُ هَذَا حَتَّى يَصِيرَ إلَى مَالِكٍ إنْ كُنْت مُوسِرًا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَنْظُرُ إلَى حَالِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فِي ذَلِكَ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ فَإِنْ كَانَ وَاجِدًا لِلْفِدْيَةِ الَّتِي لَا يَجْزِيهِ إذَا كَانَ وَاجِدًا غَيْرَهَا جَعَلْتهَا عَلَيْهِ لَا مَخْرَجَ لَهُ مِنْهَا فَإِذَا جَعَلْتهَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَفْتَدِ حَتَّى أَعْوَز كَانَ دَيْنًا عَلَيْهِ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهِ. وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَصُومَ احْتِيَاطًا لَا إيجَابًا ثُمَّ إذَا وَجَدَ أَهْدَى.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ غَيْرَ قَادِرٍ تَصَدَّقَ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ صَامَ فَإِنْ صَامَ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ ثُمَّ أَيْسَرَ فِي سَفَرِهِ أَوْ بَعْدُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَ وَإِنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ (قَالَ) : وَإِنْ كَانَ مَعُوزًا حِينَ وَجَبَتْ فَلَمْ يَتَصَدَّقْ وَلَمْ يَصُمْ حَتَّى أَيْسَرَ أَهْدَى وَلَا بُدَّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُبْتَدِئٌ شَيْئًا فَلَا يَبْتَدِئُ صَدَقَةً وَلَا صَوْمًا وَهُوَ يَجِدُ هَدْيًا (قَالَ) : وَإِنْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ وَهُوَ مَعُوزٌ فِي سَفَرِهِ وَلَمْ يَفْتَدِ حَتَّى أَيْسَرَ ثُمَّ أَعْوَزَ كَانَ عَلَيْهِ هَدْيٌ لَا بُدَّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْهَدْيِ إلَى غَيْرِهِ حَتَّى أَيْسَرَ فَلَا بُدَّ مِنْ هَدْيٍ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَصُومَ احْتِيَاطًا لَا وَاجِبًا، وَإِذَا جَعَلْت الْهَدْيَ دَيْنًا فَسَوَاءٌ بَعَثَ بِهِ مِنْ بَلَدِهِ أَوْ اشْتَرَى لَهُ بِمَكَّةَ فَنَحَرَ عَنْهُ لَا يَجْزِي عَنْهُ حَتَّى يَذْبَحَ بِمَكَّةَ وَيَتَصَدَّقَ بِهِ وَكَذَلِكَ الطَّعَامُ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَيَقْضِيهِ حَيْثُ شَاءَ إذَا أَخَّرَهُ عَنْ سَفَرِهِ وَهَكَذَا كُلُّ وَاجِبٍ عَلَيْهِ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ كَانَ مِنْ دَمٍ أَوْ طَعَامٍ لَا يَجْزِيهِ إلَّا بِمَكَّةَ

(2/208)

[فِدْيَةُ النَّعَامِ]
ِ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَابْنَ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - قَالُوا فِي النَّعَامَةِ يَقْتُلُهَا الْمُحْرِمُ بَدَنَةٌ مِنْ الْإِبِلِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : هَذَا غَيْرُ ثَابِتٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ مِمَّنْ لَقِيت فَبِقَوْلِهِمْ إنَّ فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةً وَبِالْقِيَاسِ قُلْنَا فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ لَا بِهَذَا فَإِذَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ نَعَامَةً فَفِيهَا بَدَنَةٌ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ فَكَانَتْ ذَاتَ جَنِينٍ حِينَ سَمَّيْتهَا أَنَّهَا جَزَاءُ النَّعَامَةِ ثُمَّ وَلَدَتْ فَمَاتَ وَلَدُهَا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَحَلَّهُ أَغْرَمَهُ؟ قَالَ: لَا. قُلْت: فَابْتَعْتهَا وَمَعَهَا وَلَدُهَا فَأَهْدَيْتهَا فَمَاتَ وَلَدُهَا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَحَلَّهُ أَغْرَمَهُ؟ قَالَ: لَا

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَطَاءً يَرَى فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةً وَبِقَوْلِهِ نَقُولُ فِي الْبَدَنَةِ وَالْجَنِينِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَجَبَتْ فِيهِ بَدَنَةٌ فَأَوْجَبَتْ جَنِينًا مَعَهَا فَيُنْحَرُ مَعَهَا وَنَقُولُ فِي كُلِّ صَيْدٍ يُصَادُ ذَاتَ جَنِينٍ فَفِيهِ مِثْلُهُ ذَاتُ جَنِينٍ


[بَابُ بَيْضِ النَّعَامَةِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ]

ُ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: إنْ أَصَبْت بَيْضَ نَعَامَةٍ وَأَنْتَ لَا تَدْرِي غَرِمْتهَا تُعَظِّمُ بِذَلِكَ حُرُمَاتِ اللَّهِ تَعَالَى.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَقُولُ؛ لِأَنَّ بَيْضَةً مِنْ الصَّيْدِ جُزْءٌ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ صَيْدًا وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا مُخَالِفًا مِمَّنْ حَفِظْت عَنْهُ مِمَّنْ لَقِيت وَقَوْلُ عَطَاءٍ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَيْضَةَ تُغَرِّمُ وَأَنَّ الْجَاهِلَ يَغْرَمُ؛ لِأَنَّ هَذَا إتْلَافٌ قِيَاسًا عَلَى قَتْلِ الْخَطَإِ وَبِهَذَا نَقُولُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي بَيْضِ النَّعَامِ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ يُصَابُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ خَارِجٌ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ مِنْ النَّعَمِ وَدَاخِلٌ فِيمَا لَهُ قِيمَةٌ مِنْ الطَّيْرِ مِثْلُ الْجَرَادَةِ وَغَيْرِهَا قِيَاسًا عَلَى الْجَرَادَةِ فَإِنَّ فِيهَا قِيمَتَهَا فَقُلْت: لِلشَّافِعِيِّ: فَهَلْ تَرْوِي فِيهَا شَيْئًا عَالِيًا؟

قَالَ أَمَّا شَيْءٌ يَثْبُتُ مِثْلُهُ فَلَا، فَقُلْت: فَمَا هُوَ؟

فَقَالَ أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي بَيْضَةِ النَّعَامَةِ يُصِيبُهَا الْمُحْرِمُ قِيمَتُهَا» أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: فِي بَيْضَةِ النَّعَامَةِ يُصِيبُهَا الْمُحْرِمُ صَوْمُ يَوْمٍ أَوْ إطْعَامُ مِسْكِينٍ أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ: أَفَرَأَيْت إنْ كَانَ فِي بَيْضَةِ النَّعَامَةِ فَرْخٌ؟

فَقَالَ لِي: كُلُّ مَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ النَّعَمِ وَلَا أَثَرَ فِيهِ مِنْ الطَّائِرِ فَعَلَيْهِ فِيهِ قِيمَتُهُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهُ فِيهِ وَتُقَوِّمُهُ عَلَيْهِ كَمَا تُقَوِّمُهُ لَوْ أَصَابَهُ وَهُوَ لِإِنْسَانٍ فَتُقَوَّمُ الْبَيْضَةُ لَا فَرْخَ فِيهَا قِيمَةَ بَيْضَةٍ لَا فَرْخَ فِيهَا، وَالْبَيْضَةُ فِيهَا فَرْخٌ قِيمَةَ بَيْضَةٍ فِيهَا فَرْخٌ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ بَيْضَةٍ لَا فَرْخَ فِيهَا

قُلْت: فَإِنْ كَانَتْ الْبَيْضَةُ فَاسِدَةً؟

قَالَ: تُقَوِّمُهَا فَاسِدَةً إنْ

(2/209)

كَانَتْ لَهَا قِيمَةٌ وَتَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا قِيمَةٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْك فِيهَا؟
قُلْت: لِلشَّافِعِيِّ أَفَيَأْكُلُهَا الْمُحْرِمُ؟

قَالَ: لَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ الصَّيْدِ وَقَدْ يَكُونُ مِنْهَا صَيْدٌ

قُلْت: لِلشَّافِعِيِّ فَالصَّيْدُ مُمْتَنِعٌ وَهُوَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ يَكُونُ مِنْ الصَّيْدِ مَا يَكُونُ مَقْصُوصًا وَصَغِيرًا فَيَكُونُ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ وَالْمُحْرِمُ يُجْزِئُهُ إذَا أَصَابَهُ فَقُلْت: إنَّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ مُمْتَنِعًا أَوْ يُؤَوَّلُ إلَى الِامْتِنَاعِ قَالَ: وَقَدْ تُؤَوَّلُ الْبَيْضَةُ إلَى أَنْ يَكُونَ مِنْهَا فَرْخٌ ثُمَّ يَؤُولُ إلَى أَنْ يَمْتَنِعَ.

الْخِلَافُ فِي بَيْضِ النَّعَامِ فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ: أَخَالَفَك أَحَدٌ فِي بَيْضِ النَّعَامَةِ؟

قَالَ: نَعَمْ

قُلْت: قَالَ مَاذَا قَالَ؟

قَالَ قَوْمٌ إذَا كَانَ فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ فَتُحْمَلُ عَلَى الْبَدَنَةِ وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ وَجْهٍ لَا يُثْبِتُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ مِثْلَهُ وَلِذَلِكَ تَرَكْنَاهُ وَبِأَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَمْ يُجْزِهِ بِمَغِيبٍ يَكُونُ وَلَا يَكُونُ، وَإِنَّمَا يَجْزِيهِ بِقَائِمٍ

قُلْت: لِلشَّافِعِيِّ: فَهَلْ خَالَفَك غَيْرُهُ؟

قَالَ نَعَمْ رَجُلٌ كَأَنَّهُ سَمِعَ هَذَا الْقَوْلَ فَاحْتَذَى عَلَيْهِ

قُلْت: وَمَا قَالَ فِيهِ؟

قَالَ: عَلَيْهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ كَمَا يَكُونُ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ عُشْرُ قِيمَةِ الْأَمَةِ

قُلْت: أَفَرَأَيْت لِهَذَا وَجْهًا؟

قَالَ: لَا. الْبَيْضَةُ إنْ كَانَتْ جَنِينًا كَانَ لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا مُزَايِلَةٌ لِأُمِّهَا فَحُكْمُهَا حُكْمُ نَفْسِهَا، وَالْجَنِينُ لَوْ خَرَجَ مِنْ أُمِّهِ ثُمَّ قَتَلَهُ إنْسَانٌ وَهُوَ حَيٌّ كَانَتْ فِيهِ قِيمَةُ نَفْسِهِ وَلَوْ خَرَجَ مَيِّتًا فَقَطَعَهُ إنْسَانٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَإِنْ شِئْت فَاجْعَلْ الْبَيْضَةَ فِي حَالِ مَيِّتٍ أَوْ حَيٍّ فَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَمَا لِلْبَيْضَةِ وَالْجَنِينِ؟

إنَّمَا حُكْمُ الْبَيْضَةِ حُكْمُ نَفْسِهَا فَلَا يَجُوزُ إذَا كَانَتْ لَيْسَتْ مِنْ النَّعَمِ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ فِيهَا بِقِيمَتِهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَقَدْ قَالَ لِلْقَائِلِ: مَا فِي هَذِهِ الْبَيْضَةِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهَا مَأْكُولَةٌ غَيْرُ حَيَوَانٍ وَلِلْمُحْرِمِ أَكْلُهَا وَلَكِنَّ هَذَا خِلَافُ مَذْهَبِ أَهْلِ الْعِلْمِ


[الْهَدْيُ]

ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الْهَدْيُ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَسَوَاءٌ الْبُخْتُ وَالْعِرَابُ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْجَوَامِيسِ وَالضَّأْنِ وَالْمَعْزِ، وَمَنْ نَذَرَ هَدْيًا فَسَمَّى شَيْئًا لَزِمَهُ الشَّيْءُ الَّذِي سَمَّى صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا وَمَنْ لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا أَوْ لَزِمَهُ هَدْيٌ لَيْسَ بِجَزَاءٍ مِنْ صَيْدٍ فَيَكُونُ عَدْلُهُ فَلَا يُجْزِيهِ مِنْ الْإِبِلِ وَلَا الْبَقَرِ وَلَا الْمَعْزِ إلَّا ثَنِيٌّ فَصَاعِدًا وَيُجْزِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَيُجْزِي مِنْ الضَّأْنِ وَحْدَهُ الْجَذَعُ وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الْحَرَمُ لَا مَحِلَّ لِلْهَدْيِ دُونَهُ إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ الرَّجُلُ مَوْضِعًا مِنْ الْأَرْضِ فَيَنْحَرُ فِيهِ هَدْيًا أَوْ يُحْصَرُ رَجُلٌ بِعَدُوٍّ فَيَنْحَرُ حَيْثُ أُحْصِرَ وَلَا هَدْيَ إلَّا فِي الْحَرَمِ لَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ (قَالَ) : وَالِاخْتِيَارُ فِي الْهَدْيِ أَنْ يَتْرُكَهُ صَاحِبُهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ثُمَّ يُقَلِّدَهُ نَعْلَيْنِ ثُمَّ يُشْعِرَهُ فِي الشِّقِّ الْأَيْمَنِ. وَالْإِشْعَارُ

(2/237)

فِي الْهَدْيِ أَنْ يَضْرِبَ بِحَدِيدَةٍ فِي سَنَامِ الْبَعِيرِ أَوْ سَنَامِ الْبَقَرِ حَتَّى يُدْمِيَ وَالْبَقَرُ وَالْإِبِلُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَلَا يُشْعِرُ الْغَنَمَ وَيُقَلِّدُ الرِّقَاعَ وَخَرِبَ الْقِرَبِ ثُمَّ يُحْرِمُ صَاحِبُ الْهَدْيِ مَكَانَهُ وَإِنْ تَرَكَ التَّقْلِيدَ وَالْإِشْعَارَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّدَ وَأَشْعَرَ وَهُوَ لَا يُرِيدُ الْإِحْرَامَ فَلَا يَكُونُ مُحْرِمًا (قَالَ) : وَإِذَا سَاقَ الْهَدْيَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْكَبَهُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ وَإِذَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ رَكِبَهُ رُكُوبًا غَيْرَ فَادِحٍ لَهُ، وَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ الرَّجُلَ الْمُعْيَا وَالْمُضْطَرَّ عَلَى هَدْيِهِ

وَإِذَا كَانَ الْهَدْيُ أُنْثَى فَنَتَجَتْ فَإِنْ تَبِعَهَا فَصِيلُهَا سَاقَهُ وَإِنْ لَمْ يَتْبَعْهَا حَمَلَهُ عَلَيْهَا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ لَبَنِهَا إلَّا بَعْدَ رِيِّ فَصِيلِهَا وَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْقِيَ أَحَدًا وَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ فَصِيلَهَا وَإِنْ حَمَلَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَأَعْجَفَهَا غَرِمَ قِيمَةَ مَا نَقَصَهَا وَكَذَلِكَ إنْ شَرِبَ مِنْ لَبَنِهَا مَا يُنْهِكُ فَصِيلَهَا غَرِمَ قِيمَةَ اللَّبَنِ الَّذِي شَرِبَ.

وَإِنْ قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا وَوَجَّهَهَا إلَى الْبَيْتِ أَوْ وَجَّهَهَا بِكَلَامٍ فَقَالَ هَذِهِ هَدْيٌ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا وَلَا يُبَدِّلُهَا بِخَيْرٍ وَلَا بِشَرٍّ مِنْهَا كَانَتْ زَاكِيَةً أَوْ غَيْرَ زَاكِيَةٍ وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يَرِثُوهَا

وَإِنَّمَا أَنْظُرُ فِي الْهَدْيِ إلَى يَوْمِ يُوجَبُ، فَإِنْ كَانَ وَافِيًا ثُمَّ أَصَابَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَوَرٌ أَوْ عَرَجٌ أَوْ مَا لَا يَكُونُ بِهِ وَافِيًا عَلَى الِابْتِدَاءِ لَمْ يَضُرَّهُ إذَا بَلَغَ الْمَنْسَكَ، وَإِنْ كَانَ يَوْمَ وَجَبَ لَيْسَ بِوَافٍ ثُمَّ صَحَّ حَتَّى يَصِيرَ وَافِيًا قَبْلَ أَنْ يُنْحَرَ لَمْ يَجُزْ عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ وَلَا عَلَيْهِ أَنْ يُبَدِّلَهُ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بِإِبْدَالِهِ مَعَ نَحْرِهِ أَوْ يَكُونَ أَصْلُهُ وَاجِبًا فَلَا يُجْزِي عَنْهُ فِيهِ إلَّا وَافٍ، وَالْهَدْيُ هَدْيَانِ هَدْيٌ أَصْلُهُ تَطَوُّعٌ فَذَلِكَ إذَا سَاقَهُ فَعَطِبَ فَأَدْرَكَ ذَكَاتَهُ فَنَحَرَهُ أَحْبَبْت لَهُ أَنْ يَغْمِسَ قِلَادَتَهُ فِي دَمِهِ ثُمَّ يَضْرِبَ بِهَا صَفْحَتَهُ ثُمَّ يُخَلِّيَ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُ يَأْكُلُونَهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ أَحَدٌ تَرَكَهُ بِتِلْكَ الْحَالِ وَإِنْ عَطِبَ فَلَمْ يُدْرِكْ ذَكَاتَهُ فَلَا بَدَلَ عَلَيْهِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ الْحَالَيْنِ فَإِنْ أَدْرَكَ ذَكَاتَهُ فَتَرَكَ أَنْ يُذَكِّيَهُ أَوْ ذَكَّاهُ فَأَكَلَهُ أَوْ أَطْعَمَهُ أَغْنِيَاءَ أَوْ بَاعَهُ فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ وَإِنْ أَطْعَمَ بَعْضَهُ أَغْنِيَاءَ وَبَعْضَهُ مَسَاكِينَ أَوْ أَكَلَ بَعْضَهُ وَخَلَّى بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ مَا بَقِيَ مِنْهُ غَرِمَ قِيمَةَ مَا أَكَلَ وَمَا أَطْعَمَ الْأَغْنِيَاءَ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ لَا يُجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهَدْيٌ وَاجِبٌ فَذَلِكَ إذَا عَطِبَ دُونَ الْحَرَمِ صَنَعَ بِهِ صَاحِبُهُ مَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ وَهِبَةٍ وَإِمْسَاكٍ وَعَلَيْهِ بَذْلُهُ بِكُلِّ حَالٍ وَلَوْ تَصَدَّقَ بِهِ فِي مَوْضِعِهِ عَلَى مَسَاكِينَ كَانَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ هَدْيًا حِينَ عَطِبَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ

وَإِذَا سَاقَ الْمُتَمَتِّعُ الْهَدْيَ مَعَهُ أَوْ الْقَارِنُ لِمُتْعَتِهِ أَوْ قِرَانِهِ فَلَوْ تَرَكَهُ حَتَّى يَنْحَرَهُ يَوْمَ النَّحْرِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ وَإِنْ قَدِمَ فَنَحَرَهُ فِي الْحَرَمِ أَجْزَأَ عَنْهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ عَلَى النَّاسِ فَرْضَيْنِ فَرْضٌ فِي الْأَبْدَانِ فَلَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ وَفَرْضٌ فِي بِالْأَمْوَالِ فَيَكُونُ قَبْلَ الْوَقْتِ إذَا كَانَ شَيْئًا مِمَّا فِيهِ الْفَرْضُ وَهَكَذَا إنْ سَاقَهُ مُفْرَدًا مُتَطَوِّعًا بِهِ وَالِاخْتِيَارُ إذَا سَاقَهُ مُعْتَمِرًا أَنْ يَنْحَرَهُ بَعْدَمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَبْل أَنْ يَحْلِقَ عِنْدَ الْمَرْوَةِ وَحَيْثُ نَحَرَهُ مِنْ فِجَاجِ مَكَّةَ أَجْزَأَهُ وَالِاخْتِيَارُ فِي الْحَجِّ أَنْ يَنْحَرَهُ يَعْنِي بَعْدَ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَقَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ وَحَيْثُمَا نَحَرَهُ مِنْ مِنًى أَوْ مَكَّةَ إذَا أَعْطَاهُ مَسَاكِينَ الْحَرَمِ أَجْزَأَهُ

وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ كَانَ عَلَيْهِمَا هَدْيَانِ وَاجِبَانِ فَأَخْطَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِهَدْيِ صَاحِبِهِ فَذَبَحَهُ ثُمَّ أَدْرَكَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَدْيَ نَفْسِهِ وَرَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِقِيمَةِ مَا بَيْنَ الْهَدْيَيْنِ حَيَّيْنِ وَمَنْحُورَيْنِ وَأَجْزَأَ عَنْهُمَا وَتَصَدَّقَا بِكُلِّ مَا ضُمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ وَلَوْ لَمْ يُدْرِكَاهُ حَتَّى فَاتَ تَصَدُّقُهُ، ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ

(2/238)

مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ قِيمَةَ الْهَدْيِ حَيًّا وَكَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَدَلُ وَلَا أُحِبُّ أَنْ يُبَدِّلَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إلَّا بِجَمِيعِ ثَمَنِ هَدْيِهِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ بِثَمَنِ هَدْيِهِ هَدْيًا زَادَ حَتَّى يُبَدِّلَهُ هَدْيًا

وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا نَحَرَ هَدْيَهُ فَمَنَعَ الْمَسَاكِينَ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ أَوْ نَحَرَهُ بِنَاحِيَةٍ وَلَمْ يَحُلْ بَيْنَ الْمَسَاكِينِ وَبَيْنَهُ حَتَّى يُنْتِنَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَدِّلَهُ وَالنَّحْرُ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَيَّامَ مِنًى كُلَّهَا حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِهَا فَإِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ فَلَا نَحْرَ إلَّا أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ هَدْيٌ وَاجِبٌ نَحَرَهُ وَأَعْطَاهُ مَسَاكِينَ الْحَرَمِ قَضَاءً، وَيَذْبَحُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَإِنَّمَا أَكْرَهُ ذَبْحَ اللَّيْلِ لِئَلَّا يُخْطِئَ رَجُلٌ فِي الذَّبْحِ أَوْ لَا يُوجَدُ مَسَاكِينُ حَاضِرُونَ فَأَمَّا إذَا أَصَابَ الذَّبْحَ وَوَجَدَ مَسَاكِينَ حَاضِرِينَ فَسَوَاءٌ وَفِي أَيِّ الْحَرَمِ ذَبَحَهُ ثُمَّ أَبْلَغَهُ مَسَاكِينَ الْحَرَمِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ كَانَ ذَبْحُهُ إيَّاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ نَاسٍ.

وَيَنْحَرُ الْإِبِلَ قِيَامًا غَيْرَ مَعْقُولَةٍ فَإِنْ أَحَبَّ عَقْلَ إحْدَى قَوَائِمِهَا وَإِنْ نَحَرَهَا بَارِكَةً أَوْ مُضْطَجِعَةً أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَيَنْحَرُ الْإِبِلَ وَيَذْبَحُ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَإِنْ نَحَرَ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ أَوْ ذَبَحَ الْإِبِلَ كَرِهْت لَهُ ذَلِكَ وَأَجْزَأَتْ عَنْهُ وَمَنْ أَطَاقَ الذَّبْحَ مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ رَجُلٍ أَجْزَأَ أَنْ يَذْبَحَ النَّسِيكَةَ، وَهَكَذَا مَنْ حَلَّتْ ذَكَاتُهُ إلَّا أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَذْبَحَ النَّسِيكَةَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ فَإِنْ فَعَلَ فَلَا إعَادَةَ عَلَى صَاحِبِهِ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَذْبَحَ النَّسِيكَةَ صَاحِبُهَا أَوْ يَحْضُرَ الذَّبْحَ فَإِنَّهُ يُرْجَى عِنْدَ سُفُوحِ الدَّمِ الْمَغْفِرَةُ

(
قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا سَمَّى اللَّهَ عَلَى النَّسِيكَةِ أَجْزَأَ عَنْهُ وَإِنْ قَالَ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي أَوْ تَقَبَّلْ عَنْ فُلَانٍ الَّذِي أَمَرَهُ بِذَبْحِهِ فَلَا بَأْسَ، وَأُحِبُّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ كَبِدِ ذَبِيحَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ أَوْ لَحْمِهَا، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا بَأْسَ وَإِنَّمَا آمُرُهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ التَّطَوُّعِ وَالْهَدْيُ هَدْيَانِ وَاجِبٌ وَتَطَوُّعٌ فَكُلُّ مَا كَانَ أَصْلُهُ وَاجِبًا عَلَى إنْسَانٍ لَيْسَ لَهُ حَبْسُهُ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ شَيْئًا وَذَلِكَ مِثْلُ هَدْيِ الْفَسَادِ وَالطِّيبِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَالنُّذُورِ وَالْمُتْعَةِ.

وَإِنْ أَكَلَ مِنْ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ تَصَدَّقَ بِقِيمَةِ مَا أَكَلَ مِنْهُ وَكُلُّ مَا كَانَ أَصْلُهُ تَطَوُّعًا مِثْلُ الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا تَطَوُّعًا أَكَلَ مِنْهُ وَأَطْعَمَ وَأَهْدَى وَادَّخَرَ وَتَصَدَّقَ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَأْكُلَ وَلَا يَحْبِسَ إلَّا ثُلُثًا وَيُهْدِي ثُلُثًا وَيَتَصَدَّقُ بِثُلُثٍ وَإِنْ لَمْ يُقَلِّدْ هَدْيَهُ وَلَمْ يُشْعِرْهُ قَارِنًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ أَجْزَأَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ هَدْيًا مِنْ " مِنًى " أَوْ مَكَّةَ ثُمَّ يَذْبَحُهُ مَكَانَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْهَدْيِ عَمَلٌ إنَّمَا الْعَمَلُ عَلَى الْآدَمِيِّينَ وَالنُّسُكُ لَهُمْ وَإِنَّمَا هَذَا مَالٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِكَ السَّبْعَةُ الْمُتَمَتِّعُونَ فِي بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا سَبْعَةً وَجَبَتْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَاةٌ أَوْ مُحْصَرِينَ وَيُخْرِجُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حِصَّتَهُ مِنْ ثَمَنِهَا.
(
قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» .

[
مَا يُفْسِدُ الْحَجَّ]
َّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إذَا أَهَلَّ الرَّجُلُ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ أَصَابَ أَهْلَهُ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يُهِلَّ إلَى أَنْ يُكْمِلَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَهُوَ مُفْسِدٌ وَإِذَا أَهَلَّ الرَّجُلُ بِحَجٍّ أَوْ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ ثُمَّ أَصَابَ أَهْلَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ وَيَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَإِنْ لَمْ يَرْمِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بَعْدَ عَرَفَةَ فَهُوَ مُفْسِدٌ وَاَلَّذِي يُفْسِدُ الْحَجَّ الَّذِي يُوجِبُ الْحَدَّ مِنْ أَنْ يُغَيِّبَ الْحَشَفَةَ، لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ شَيْءٌ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ عَبَثٍ وَلَا تَلَذُّذٍ وَإِنْ جَاءَ الْمَاءُ الدَّافِقُ فَلَا شَيْءَ وَمَا فَعَلَهُ الْحَاجُّ مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ صَيْدٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِذَا أَفْسَدَ رَجُلٌ الْحَجَّ مَضَى فِي حَجِّهِ كَمَا كَانَ يَمْضِي فِيهِ لَوْ لَمْ يُفْسِدْهُ فَإِذَا كَانَ قَابِلُ حَجَّ وَأَهْدَى بَدَنَةً تُجْزِي عَنْهُمَا مَعًا وَكَذَلِكَ لَوْ

(2/239)

كَانَتْ امْرَأَتُهُ حَلَالًا وَهُوَ حَرَامٌ أَجْزَأَتْ عَنْهُ بَدَنَةٌ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ هِيَ حَرَامًا وَكَانَ هُوَ حَلَالًا كَانَتْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ وَيُحِجُّهَا مِنْ قَابِلٍ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ الْفَاعِلُ وَأَنَّ الْآثَارَ إنَّمَا جَاءَتْ بِبَدَنَةٍ وَاحِدَةٍ تُجْزِي عَنْ كِلَيْهِمَا وَلَوْ وَطِئَ مِرَارًا كَانَ وَاحِدًا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَدْ أَفْسَدَهُ مَرَّةً وَلَوْ وَطِئَ نِسَاءً كَانَ وَاحِدًا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ أَفْسَدَهُ مَرَّةً إلَّا أَنَّهُنَّ إنْ كُنَّ مُحْرِمَاتٍ فَقَدْ أَفْسَدَ عَلَيْهِنَّ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُحِجَّهُنَّ كُلَّهُنَّ ثُمَّ يَنْحَرَ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بَدَنَةً لِأَنَّ إحْرَامَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غَيْرُ إحْرَامِ الْأُخْرَى وَمَا تَلَذَّذَ بِهِ مِنْ امْرَأَتِهِ دُونَ مَا وَصَفْت مِنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَشَاةٌ تُجْزِيهِ فِيهِ وَإِذَا لَمْ يَجِدْ الْمُفْسِدُ بَدَنَةً ذَبَحَ بَقَرَةً وَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَقَرَةً ذَبَحَ سَبْعًا مِنْ الْغَنَمِ وَإِذَا كَانَ مُعْسِرًا عَنْ هَذَا كُلِّهِ قُوِّمَتْ الْبَدَنَةُ لَهُ دَرَاهِمَ بِمَكَّةَ وَالدَّرَاهِمُ طَعَامًا ثُمَّ أَطْعَمَ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا عَنْ الطَّعَامِ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا وَهَكَذَا كُلُّ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ فَأَعْسَرَ بِهِ مِمَّا لَمْ يَأْتِ فِيهِ نَفْسِهِ نَصُّ خَبَرٍ صَنَعَ فِيهِ هَكَذَا وَمَا جَاءَ فِيهِ نَصُّ خَبَرٍ فَهُوَ عَلَى مَا جَاءَ فِيهِ وَلَا يَكُونُ الطَّعَامُ وَلَا الْهَدْيُ إلَّا بِمَكَّةَ وَمِنًى وَيَكُونُ الصَّوْمُ حَيْثُ شَاءَ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لِأَهْلِ الْحَرَمِ فِي صِيَامِهِ.


 



كلمات دليلية: