أحكام صلاة الجنازة وكيفيتها على المذهب الشافعي - كتاب الأم

أحكام صلاة الجنازة وكيفيتها على المذهب الشافعي - كتاب الأم
8331

اسم الكتاب:
الأم



[بَابُ حَمْلِ الْجِنَازَةِ]
ِ وَلَيْسَ فِي التَّرَاجِمِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَيُسْتَحَبُّ لِلَّذِي يَحْمِلُ الْجِنَازَةَ أَنْ يَضَعَ السَّرِيرَ عَلَى كَاهِلِهِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ وَيَحْمِلَ بِالْجَوَانِبِ الْأَرْبَعِ، وَقَالَ قَائِلٌ: لَا تُحْمَلُ بَيْنَ الْعَمُودِ هَذَا عِنْدَنَا مُسْتَنْكَرٌ فَلَمْ يَرْضَ أَنْ جَهِلَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْلَمَهُ حَتَّى عَابَ قَوْلَ مَنْ قَالَ بِفِعْلِهِ هَذَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ رَأَيْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ فِي جِنَازَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَائِمًا بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ، وَاضِعًا السَّرِيرَ عَلَى كَاهِلِهِ، وَأَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عُمَرَ فِي جِنَازَةِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَائِمًا بَيْنَ قَائِمَتَيْ السَّرِيرِ، أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَمِّهِ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: رَأَيْت عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَحْمِلُ بَيْنَ عَمُودَيْ سَرِيرِ أُمِّهِ، فَلَمْ يُفَارِقْهُ حَتَّى وَضَعَهُ أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَحْمِلُ بَيْنَ عَمُودَيْ سَرِيرِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ أَبِي عَوْنٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْت ابْنَ الزُّبَيْرِ يَحْمِلُ بَيْنَ عَمُودَيْ سَرِيرِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَزَعَمُ الَّذِي عَابَ هَذَا عَلَيْنَا أَنَّهُ مُسْتَنْكَرٌ لَا نَعْلَمُهُ إلَّا قَالَ بِرَأْيِهِ، وَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛، وَمَا سَكَتْنَا عَنْهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ أَكْثَرُ مِمَّا ذَكَرْنَا


[بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْرِمِ إذَا مَاتَ]

َ وَلَيْسَ فِي التَّرَاجِمِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا مَاتَ الْمُحْرِمُ غُسِّلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكُفِّنَ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي أَحْرَمَ فِيهَا أَوْ غَيْرِهَا لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ، وَلَا عِمَامَةٌ، وَلَا يُعْقَدُ عَلَيْهِ ثَوْبٌ كَمَا لَا يَعْقِدُ الْحَيُّ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُمَسُّ بِطِيبٍ، وَيُخَمَّرُ وَجْهُهُ، وَلَا يُخَمَّرُ رَأْسُهُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْفَنُ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إذَا مَاتَ كُفِّنَ كَمَا يُكَفَّنُ غَيْرُ الْمُحْرِمِ، وَلَيْسَ مَيِّتُ إحْرَامٍ، وَاحْتُجَّ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَلَعَلَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَسْمَعْ الْحَدِيثَ بَلْ لَا أَشُكُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَوْ سَمِعَهُ مَا خَالَفَهُ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُنَا كَمَا قُلْنَا وَبَلَغَنَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ مِثْلُهُ، وَمَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَيْسَ لِأَحَدٍ خِلَافُهُ إذَا بَلَغَهُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ:

(1/307)

سَمِعْت سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَرَّ رَجُلٌ عَنْ بَعِيرِهِ فَوُقِصَ فَمَاتَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ» قَالَ سُفْيَانُ، وَأَزَادَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي بَحْرَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ صَنَعَ نَحْوَ ذَلِكَ.

[بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ وَالتَّكْبِيرِ فِيهَا]

، وَمَا يُفْعَلُ بَعْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، وَلَيْسَ فِي التَّرَاجِمِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا صَلَّى الرَّجُلُ عَلَى الْجِنَازَةِ كَبَّرَ أَرْبَعًا، وَتِلْكَ السُّنَّةُ، وَرُوِيَتْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ الْيَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ» . أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَخْبَرَهُ «أَنَّ مِسْكِينَةً مَرِضَتْ فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَرَضِهَا قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُ الْمَرْضَى، وَيَسْأَلُ عَنْهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا مَاتَتْ فَآذِنُونِي بِهَا فَخُرِجَ بِجِنَازَتِهَا لَيْلًا فَكَرِهُوا أَنْ يُوقِظُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُخْبِرَ بِاَلَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِهَا فَقَالَ أَلَمْ آمُرْكُمْ أَنْ تُؤْذِنُونِي بِهَا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَك لَيْلًا فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى صَفَّ بِالنَّاسِ عَلَى قَبْرِهَا وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَلِذَلِكَ نَقُولُ يُكَبَّرُ أَرْبَعًا عَلَى الْجَنَائِزِ، يُقْرَأُ فِي الْأُولَى بِأُمِّ الْقُرْآنِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَدْعُو لِلْمَيِّتِ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا يُقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إنَّا صَلَّيْنَا عَلَى الْجِنَازَةِ، وَعَلِمْنَا كَيْفَ سُنَّةَ الصَّلَاةِ فِيهَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا وَجَدْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُنَّةً اتَّبَعْنَاهَا أَرَأَيْت لَوْ قَالَ قَائِلٌ: أَزِيدُ فِي التَّكْبِيرِ عَلَى مَا قُلْتُمْ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ أَوْ لَا أُكَبِّرُ وَأَدْعُو لِلْمَيِّتِ هَلْ كَانَتْ لَنَا عَلَيْهِ حُجَّةٌ إلَّا أَنْ نَقُولَ قَدْ خَالَفْت السُّنَّةَ؟ وَكَذَلِكَ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ قَالَ لَا يَقْرَأُ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ لَمْ تَبْلُغْهُ السُّنَّةُ فِيهَا، أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ عَلَى الْمَيِّتِ أَرْبَعًا، وَقَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى» أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: «صَلَّيْت خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جِنَازَةٍ فَقَرَأَ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَلَمَّا سَلَّمَ سَأَلْته عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ سُنَّةٌ، وَحَقٌّ» ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ قَالَ «: سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ يَجْهَرُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى الْجِنَازَةِ، وَقَالَ: إنَّمَا فَعَلْت لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ» ، أَخْبَرَنَا مُطَرِّفُ بْنُ مَازِنٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ «السُّنَّةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ ثُمَّ يَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى سِرًّا فِي نَفْسِهِ ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُخْلِصَ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ فِي التَّكْبِيرَاتِ لَا يَقْرَأَ فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ ثُمَّ يُسَلِّمَ سِرًّا فِي نَفْسِهِ» ، أَخْبَرَنَا مُطَرِّفُ بْنُ مَازِنٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ الْفِهْرِيُّ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ قَالَ

(1/308)

مِثْلَ قَوْلِ أَبِي أُمَامَةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِإِمَامِهِمْ يَصْنَعُونَ مَا يَصْنَعُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَقُولَانِ السُّنَّةَ إلَّا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: السُّنَّةُ أَنْ يُقْرَأَ عَلَى الْجِنَازَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَقُولُونَ بِالسُّنَّةِ، وَالْحَقِّ إلَّا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُوسَى بْنِ وَرْدَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى عَلَى الْجِنَازَةِ، وَبَلَغَنَا ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ بِالنِّيَّةِ فَقَدْ «فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّجَاشِيِّ صَلَّى عَلَيْهِ بِالنِّيَّةِ» ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ بِالنِّيَّةِ، وَهَذَا خِلَافُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ خِلَافُهَا وَمَا نَعْلَمُهُ رَوَى فِي ذَلِكَ شَيْئًا إلَّا مَا قَالَ بِرَأْيِهِ (قَالَ) : وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَمَا يُدْفَنُ الْمَيِّتُ بَلْ نَسْتَحِبُّهُ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ، وَهَذَا أَيْضًا خِلَافُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ عَلِمَهَا خِلَافُهَا قَدْ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى قَبْرِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، وَعَلَى قَبْرِ غَيْرِهِ» ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى قَبْرِ امْرَأَةٍ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا» .

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) :، وَصَلَّتْ عَائِشَةُ عَلَى قَبْرِ أَخِيهَا، وَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ عَلَى قَبْرِ أَخِيهِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيَرْفَعُ الْمُصَلِّي يَدَيْهِ كُلَّمَا كَبَّرَ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ لِلْأَثَرِ وَالْقِيَاسِ عَلَى السُّنَّةِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَفَعَ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ كَبَّرَهَا فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ قَائِمٌ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ كُلَّمَا كَبَّرَ عَلَى الْجِنَازَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبَلَغَنِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَلَى ذَلِكَ أَدْرَكْت أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَّا فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى، وَقَالَ: وَيُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً يُسْمِعُ مَنْ يَلِيهِ، وَإِنْ شَاءَ تَسْلِيمَتَيْنِ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) :، وَيُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ قِيَامًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةَ، وَلَوْ صَلَّوْا جُلُوسًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَوْ رُكْبَانًا أَعَادُوا، وَإِنْ صَلَّوْا بِغَيْرِ طَهَارَةٍ أَعَادُوا، وَإِنْ دَفَنُوهُ بِغَيْرِ صَلَاةٍ، وَلَا غُسْلٍ أَوْ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ فَلَا بَأْسَ عِنْدِي أَنْ يُمَاطَ عَنْهُ التُّرَابُ، وَيُحَوَّلَ فَيُوَجَّهَ لِلْقِبْلَةِ، وَقِيلَ: يُخْرَجُ وَيُغَسَّلُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ فَإِنْ دُفِنَ وَقَدْ غُسِّلَ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ لَمْ أُحِبَّ إخْرَاجَهُ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ فِي الْقَبْرِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ إذَا كَبَّرَ عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى ثُمَّ يُكَبِّرَ ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَسْتَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ يُخْلِصَ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ، وَلَيْسَ فِي الدُّعَاءِ شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ، وَأُحِبُّ أَنْ يَقُولَ
" اللَّهُمَّ عَبْدُك، وَابْنُ عَبْدِك، وَابْنُ أَمَتِك كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُك، وَرَسُولُك وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إحْسَانِهِ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ، وَقِه عَذَابَ الْقَبْرِ، وَكُلَّ هَوْلٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَابْعَثْهُ مِنْ الْآمِنِينَ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، وَبَلِّغْهُ بِمَغْفِرَتِك، وَطَوْلِك دَرَجَاتِ الْمُحْسِنِينَ اللَّهُمَّ فَارَقَ مَنْ كَانَ يُحِبُّ مِنْ سَعَةِ الدُّنْيَا، وَالْأَهْلِ، وَغَيْرِهِمْ إلَى ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَضِيقِهِ، وَانْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَقَدْ جِئْنَاك شُفَعَاءَ لَهُ وَرَجَوْنَا لَهُ رَحْمَتَك، وَأَنْتَ أَرْأَفُ بِهِ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ بِفَضْلِ رَحْمَتِك فَإِنَّهُ فَقِيرٌ إلَى رَحْمَتِك وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ "

(1/309)

قَالَ الشَّافِعِيُّ) : سَمِعْنَا مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ الْمَشْيُ أَمَامَ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ مِنْ الْمَشْيِ خَلْفَهَا، وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا عِنْدَنَا يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: الْمَشْيُ خَلْفَهَا أَفْضَلُ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ عُمَرَ إنَّمَا قَدُمَ النَّاسَ لِتَضَايُقِ الطَّرِيقِ حَتَّى كَأَنَّا لَمْ نَحْتَجَّ بِغَيْرِ مَا رَوَيْنَا عَنْ عُمَرَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: الْمَشْيُ خَلْفَهُ أَفْضَلُ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْجِنَازَةَ مَتْبُوعَةٌ، وَلَيْسَتْ بِتَابِعَةٍ، وَقَالَ: التَّفَكُّرُ فِي أَمْرِهَا إذَا كَانَ خَلْفَهَا أَكْثَرُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْقَوْلُ فِي أَنَّ الْمَشْيَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ مَشَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَامَهَا، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الْعَامَّةَ تَقْتَدِي بِهِمْ، وَتَفْعَلُ فِعْلَهُمْ، وَلَمْ يَكُونُوا مَعَ تَعْلِيمِهِ الْعَامَّةَ نَعْلَمُهُمْ يَدَّعُونَ مَوْضِعَ الْفَضْلِ فِي اتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ، وَلَمْ نَكُنْ نَحْنُ نَعْرِفُ مَوْضِعَ الْفَضْلِ إلَّا بِفِعْلِهِمْ فَإِذَا فَعَلُوا شَيْئًا وَتَتَابَعُوا عَلَيْهِ كَانَ ذَلِكَ مَوْضِعَ الْفَضْلِ فِيهِ وَالْحُجَّةُ فِيهِ مِنْ مَشْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَثْبَتُ مِنْ أَنْ يُحْتَاجَ مَعَهَا إلَى غَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَ فِي اجْتِمَاعِ أَئِمَّةِ الْهُدَى بَعْدَهُ الْحُجَّةُ، وَلَمْ يَمْشُوا فِي مَشْيِهِمْ لِتَضَايُقِ الطَّرِيقِ إنَّمَا كَانَتْ الْمَدِينَةُ أَوْ عَامَّتُهَا فَضَاءً حَتَّى عُمِّرَتْ بَعْدُ فَأَيْنَ تَضَايُقُ الطَّرِيقِ فِيهَا، وَلَسْنَا نَعْرِفُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خِلَافَ فِعْلِ أَصْحَابِهِ؟ ، وَقَالَ قَائِلُ هَذَا الْجِنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ فَلَمْ نَرَ مَنْ مَشَى أَمَامَهَا إلَّا لِاتِّبَاعِهَا فَإِذَا مَشَى لِحَاجَتِهِ فَلَيْسَ بِتَابِعٍ لِلْجِنَازَةِ، وَلَا يُشَكُّ عِنْدَ أَحَدٍ أَنَّ مَنْ كَانَ أَمَامَهَا هُوَ مَعَهَا، وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: الْجِنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ فَرَأَى هَذَا كَلَامًا ضَعِيفًا لِأَنَّ الْجِنَازَةَ إنَّمَا هِيَ تُنْقَلُ لَا تَتْبَعُ أَحَدًا، وَإِنَّمَا يَتْبَعُ بِهَا، وَيَنْقُلُهَا الرِّجَالُ، وَلَا تَكُونُ هِيَ تَابِعَةً، وَلَا زَائِلَةً إلَّا أَنْ يُزَالَ بِهَا لَيْسَ لِلْجِنَازَةِ عَمَلٌ إنَّمَا الْعَمَلُ لِمَنْ تَبِعَهَا وَلِمَنْ مَعَهَا، وَلَوْ شَاءَ مُحْتَجٌّ أَنْ يَقُولَ: أَفْضَلُ مَا فِي الْجِنَازَةِ حَمْلُهَا، وَالْحَامِلُ إنَّمَا يَكُونُ أَمَامَهَا ثُمَّ يَحْمِلُهَا لَكَانَ مَذْهَبًا، وَالْفِكْرُ لِلْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَخَلِّفِ سَوَاءٌ، وَلَعَمْرِي لِمَنْ يَمْشِي مِنْ أَمَامِهَا الْفِكْرُ فِيهَا، وَإِنَّمَا خَرَجَ مِنْ أَهْلِهِ يَتْبَعُهَا إنَّ هَذِهِ لَمِنْ الْغَفْلَةِ، وَلَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ هَكَذَا أَنْ يَمْشِيَ، وَهُوَ خَلْفَهَا أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ» أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانُوا يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ» أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقْدُمُ النَّاسَ أَمَامَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عُبَيْدٍ مَوْلَى السَّائِبِ قَالَ رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ وَعُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَمْشِيَانِ أَمَامَ الْجِنَازَةِ فَتَقَدَّمَا فَجَلَسَا يَتَحَدَّثَانِ فَلَمَّا جَازَتْ بِهِمَا الْجِنَازَةُ قَامَا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَغَيْرِهِ أَخَذْنَا فِي أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَقَدَّمَ فَيَجْلِسَ قَبْلَ أَنْ لَا يُؤْتَى بِالْجِنَازَةِ، وَلَا يَنْتَظِرُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَهْلُهَا فِي الْجُلُوسِ، وَيَنْصَرِفُ أَيْضًا بِلَا إذْنٍ، وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ اسْتَتَمَّ ذَلِكَ كُلَّهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أُحِبُّ حَمْلَ الْجِنَازَةِ مِنْ أَيْنَ حَمَلَهَا، وَوَجْهُ حَمْلِهَا أَنْ يَضَعَ يَاسِرَةَ السَّرِيرِ الْمُقَدَّمَةَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ يَاسِرَتَهُ الْمُؤَخَّرَةَ ثُمَّ يَامِنَةَ السَّرِيرِ الْمُقَدَّمَةَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ يَامِنَتَهُ الْمُؤَخَّرَةَ، وَإِذَا كَانَ النَّاسُ مَعَ الْجِنَازَةِ كَثِيرِينَ ثُمَّ أَتَى عَلَى مَيَاسِرِهِ مَرَّةً أَحْبَبْت لَهُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرُ حَمْلِهِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ، وَكَيْفَمَا يَحْمِلُ فَحَسَنٌ وَحَمْلُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ سَوَاءٌ، وَلَا يَحْمِلُ النِّسَاءُ الْمَيِّتَ، وَلَا الْمَيِّتَةَ، وَإِنْ ثَقُلَتْ الْمَيِّتَةُ فَقَدْ رَأَيْت مَنْ يَحْمِلُ عَمْدًا حَتَّى يَكُونَ مَنْ يَحْمِلُهَا عَلَى سِتَّةٍ وَثَمَانِيَةٍ

(1/310)

عَلَى السَّرِيرِ، وَعَلَى اللَّوْحِ إنْ لَمْ يُوجَدْ السَّرِيرُ، وَعَلَى الْمَحْمِلِ، وَمَا حُمِلَ عَلَيْهِ أَجْزَأَ، وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ عَجَلَةٍ أَوْ بَعْضِ حَاجَةِ تَتَعَذَّرُ فَخِيفَ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ قَبْلَ أَنْ يُهَيَّأَ لَهُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ حُمِلَ عَلَى الْأَيْدِي وَالرِّقَابِ، وَمُشِيَ بِالْجِنَازَةِ أَسْرَعَ سَجِيَّةِ مَشْيِ النَّاسِ لَا الْإِسْرَاعَ الَّذِي يَشُقُّ عَلَى ضَعَفَةِ مَنْ يَتْبَعُهَا إلَّا أَنْ يُخَافَ تَغَيُّرُهَا أَوْ انْبِجَاسُهَا فَيُعَجِّلُونَهَا مَا قَدَرُوا، وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجِنَازَةِ الْإِبْطَاءَ فِي شَيْءٍ مِنْ حَالَاتِهَا مِنْ غُسْلٍ أَوْ وُقُوفٍ عِنْدَ الْقَبْرِ فَإِنَّ هَذَا مَشَقَّةٌ عَلَى مَنْ يَتْبَعُ الْجِنَازَةَ:.

[بَابُ الْخِلَافِ فِي إدْخَالِ الْمَيِّتِ الْقَبْرَ]

َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَسِلَّ الْمَيِّتَ سَلًّا مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يُدْخَلُ مُعْتَرِضًا مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ، وَرَوَى حَمَّادٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُدْخِلَ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ مُعْتَرِضًا» أَخْبَرَنِي الثِّقَاتُ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ قَبْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى يَمِينِ الدَّاخِلِ مِنْ الْبَيْتِ لَاصِقٌ بِالْجِدَارِ، وَالْجِدَارُ الَّذِي لِلَّحْدِ لِجَنْبِهِ قِبْلَةُ الْبَيْتِ، وَأَنَّ لَحْدَهُ تَحْتَ الْجِدَارِ فَكَيْفَ يُدْخَلُ مُعْتَرِضًا، وَاللَّحْدُ لَاصِقٌ بِالْجِدَارِ لَا يَقِفُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَا يُمْكِنُ إلَّا أَنْ يُسَلَّ سَلًّا أَوْ يُدْخَلَ مِنْ خِلَافِ الْقِبْلَةِ؟ ، وَأُمُورُ الْمَوْتَى، وَإِدْخَالُهُمْ مِنْ الْأُمُورِ الْمَشْهُورَةِ عِنْدَنَا لِكَثْرَةِ الْمَوْتِ، وَحُضُورِ الْأَئِمَّةِ، وَأَهْلِ الثِّقَةِ، وَهُوَ مِنْ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ الَّتِي يُسْتَغْنَى فِيهَا عَنْ الْحَدِيثِ، وَيَكُونُ الْحَدِيثُ فِيهَا كَالتَّكْلِيفِ بِعُمُومِ مَعْرِفَةِ النَّاسِ لَهَا، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْمُهَاجِرُونَ، وَالْأَنْصَارُ بَيْنَ أَظْهُرِنَا يَنْقُلُ الْعَامَّةُ عَنْ الْعَامَّةِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَيِّتَ يُسَلُّ سَلًّا، ثُمَّ جَاءَنَا آتٍ مِنْ غَيْرِ بَلَدِنَا يُعَلِّمُنَا كَيْفَ نُدْخِلُ الْمَيِّتَ ثُمَّ لَمْ يُعَلِّمْ حَتَّى رَوَى عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُدْخِلَ مُعْتَرِضًا» ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ وَالنَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ» ، أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «سُلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ» ، وَأَخْبَرَنَا عَنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ وَرَبِيعَةَ، وَابْنِ الضُّرِّ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُسَطَّحُ الْقَبْرُ، وَكَذَلِكَ بَلَغَنَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ سَطَّحَ قَبْرَ إبْرَاهِيمَ ابْنِهِ، وَوَضَعَ عَلَيْهِ حَصًى مِنْ حَصَى الرَّوْضَةِ» ، وَأَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَشَّ عَلَى قَبْرِ إبْرَاهِيمَ ابْنِهِ، وَوَضَعَ عَلَيْهِ حَصْبَاءَ» ، وَالْحَصْبَاءُ لَا تَثْبُتُ إلَّا عَلَى قَبْرٍ مُسَطَّحٍ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يُسَنَّمُ الْقَبْرُ، وَمَقْبَرَةُ الْمُهَاجِرِينَ، وَالْأَنْصَارِ عِنْدَنَا مُسَطَّحٌ قُبُورُهَا، وَيُشْخَصُ مِنْ الْأَرْضِ نَحْوٌ مِنْ شِبْرٍ، وَيَجْعَلُ عَلَيْهَا الْبَطْحَاءَ مَرَّةً وَمَرَّةً تُطَيَّنُ، وَلَا أَحْسِبُ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَنْقُلَ فِيهَا أَحَدٌ عَلَيْنَا، وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: رَأَيْت قَبْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ مُسَطَّحَةً.


(قَالَ) : وَيُغَسِّلُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إذَا مَاتَتْ، وَالْمَرْأَةُ زَوْجَهَا إذَا مَاتَ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: تُغَسِّلُ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا، وَلَا يُغَسِّلُهَا، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ فَرَّقْت بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: أَوْصَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ تُغَسِّلَهُ أَسْمَاءُ، فَقُلْت: وَأَوْصَتْ فَاطِمَةُ أَنْ يُغَسِّلَهَا عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قَالَ: وَإِنَّمَا قُلْت: أَنْ تُغَسِّلَهُ هِيَ لِأَنَّهَا فِي عِدَّةٍ مِنْهُ، قُلْنَا: إنْ كَانَتْ الْحُجَّةُ الْأَثَرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ فَلَوْ لَمْ يُرْوَ عَنْ طَلْحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَا ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا غَيْرِهِمَا فِي ذَلِكَ شَيْءٌ كَانَتْ

(1/311)

الْحُجَّةُ عَلَيْك بِأَنْ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهَا مِنْهُ إلَّا مَا حَلَّ لَهُ مِنْهَا، قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ إذَا مَاتَتْ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ سِوَاهَا وَيَنْكِحَ أُخْتَهَا؟ فَقِيلَ لَهُ: الْعِدَّةُ وَالنِّكَاحُ لَيْسَا مِنْ الْغُسْلِ فِي شَيْءٍ، أَرَأَيْت قَوْلَك: يَنْكِحُ أُخْتَهَا أَوْ أَرْبَعًا سِوَاهَا أَنَّهَا فَارَقَتْ حُكْمَ الْحَيَاةِ، وَصَارَتْ كَأَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ زَوْجَةً قَطُّ قِيلَ: نَعَمْ، قِيلَ: فَهُوَ إذَا مَاتَ زَوْجٌ أَوْ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ زَوْجًا قَالَ: بَلْ لَيْسَ بِزَوْجٍ قَدْ انْقَطَعَ حُكْمُ الْحَيَاةِ عَنْهُ كَمَا انْقَطَعَ عَنْهَا غَيْرَ أَنَّ عَلَيْهَا مِنْهُ عِدَّةً قُلْنَا: الْعِدَّةُ جُعِلَتْ عَلَيْهَا بِسَبَبٍ لَيْسَ هَذَا، أَلَا تَرَى أَنَّهَا تَعْتَدُّ وَلَا يَعْتَدُّ، وَأَنَّهَا تُتَوَفَّى فَيَنْكِحُ أَرْبَعًا؟ وَيُتَوَفَّى فَلَا تَنْكِحُ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى تَعْتَدَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا شَيْءٌ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا دُونَهُ، وَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ، فِيمَا يَحِلُّ لَهُ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْ صَاحِبٍ، سَوَاءٌ. أَرَأَيْت لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَلَيْسَتْ عَلَيْهَا مِنْهُ عِدَّةٌ؟ قَالَ: بَلَى (قُلْت) : فَكَذَلِكَ لَوْ بَانَتْ بِإِيلَاءٍ أَوْ لِعَانٍ؟ قَالَ: بَلَى، قِيلَ: فَإِنْ بَانَتْ مِنْهُ ثُمَّ مَاتَ، وَهِيَ فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ أَتُغَسِّلُهُ؟ قَالَ: لَا.
(قُلْت) : وَلِمَ قَدْ زَعَمْت أَنَّ غُسْلَهَا إيَّاهُ دُونَ غُسْلِهِ إيَّاهَا إنَّمَا هُوَ بِالْعِدَّةِ، وَهَذِهِ تَعْتَدُّ؟ (قَالَ) : لَيْسَتْ لَهُ بِامْرَأَةٍ (قُلْت) : فَمَا يَنْفَعُك حُجَّتُك بِالْعِدَّةِ كَالْعَبَثِ. كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَقُولَ: تُغَسِّلُهُ إذْ زَعَمْت أَنَّ الْعِدَّةَ تُحِلُّ لَهَا مِنْهُ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا غُسْلُهُ، قِيلَ: أَفَيَحِلُّ لَهَا فِي الْعِدَّةِ مِنْهُ، وَهُمَا حَيَّانِ أَنْ تَنْظُرَ إلَى فَرْجِهِ وَتُمْسِكَهُ كَمَا كَانَ يَحِلُّ لَهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ؟ قَالَ: لَا، قِيلَ: وَهِيَ مِنْهُ فِي عِدَّةٍ (قَالَ) : وَلَا تُحِلُّ الْعِدَّةُ هَهُنَا شَيْئًا، وَلَا تُحَرِّمُهُ إنَّمَا تُحِلُّهُ عُقْدَةُ النِّكَاحِ فَإِذَا زَالَ بِأَنْ لَا يَكُونَ لَهُ عَلَيْهَا فِيهِ رَجْعَةٌ فَهِيَ مِنْهُ فِيمَا يَحِلُّ لَهُ وَيَحْرُمُ كَمَا تُعَدُّ النِّسَاءُ.

قِيلَ: وَكَذَلِكَ هُوَ مِنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: فَلَوْ قَالَ: هَذَا غَيْرُكُمْ ضَعَّفْتُمُوهُ؛ وَهِيَ لَا تَعْدُو، وَهُوَ لَا يَعْدُو إذَا مَاتَتْ أَنْ يَكُونَ عَقْدُ النِّكَاحِ زَائِلًا بِلَا زَوَالٍ لِلطَّلَاقِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ غَسْلُهَا، وَلَا لَهَا غَسْلُهُ أَوْ يَكُونَ ثَابِتًا فَيَحِلُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ مَا يَحِلُّ لِلْآخَرِ أَوْ نَكُونَ مُقَلِّدِينَ لِسَلَفِنَا فِي هَذَا، فَقَدْ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ وَسْطَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَنْ تُغَسِّلَهُ أَسْمَاءُ، وَهُوَ فِيمَا يَحِلُّ لَهُ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَعْلَمُ وَأَتْقَى لِلَّهِ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ إذَا رَأَى لَهَا أَنْ تُغَسِّلَهُ إذَا مَاتَ كَانَ لَهُ أَنْ يُغَسِّلَهَا إذَا مَاتَتْ لِأَنَّ الْعَقْدَ الَّذِي حَلَّتْ لَهُ بِهِ هُوَ الْعَقْدُ الَّذِي بِهِ حَلَّ لَهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْفَرْجَ كَانَ حَرَامًا قَبْلَ الْعَقْدِ فَلَمَّا انْعَقَدَ حَلَّ حَتَّى تَنْفَسِخَ الْعُقْدَةُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ فِيمَا يَحِلُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ مَا لِلْآخَرِ لَا يَكُونُ لِلْوَاحِدِ مِنْهُمَا فِي الْعَقْدِ شَيْءٌ لَيْسَ لِصَاحِبِهِ، وَلَا إذَا انْفَسَخَتْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ فِي شَيْءٍ لَا يَحِلُّ لِصَاحِبِهِ، وَلَا إذَا مَاتَ شَيْءٌ لَا يَحِلُّ لِصَاحِبِهِ فَهُمَا فِي هَذِهِ الْحَالَاتِ سَوَاءٌ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: «لَوْ اسْتَقْبَلْنَا مِنْ أَمْرِنَا مَا اسْتَدْبَرْنَا مَا غَسَّلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا نِسَاؤُهُ»
" أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أُمِّ مُحَمَّدٍ بِنْتِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ أَوْصَتْهَا أَنْ تُغَسِّلَهَا إذَا كَانَتْ هِيَ، وَعَلِيٌّ فَغَسَّلَتْهَا هِيَ، وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -.

[بَابُ الْعَمَلِ فِي الْجَنَائِزِ]

ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: حَقٌّ عَلَى النَّاسِ غُسْلُ الْمَيِّتِ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَدَفْنُهُ لَا يَسَعُ عَامَّتَهُمْ تَرْكُهُ، وَإِذَا قَامَ بِذَلِكَ مِنْهُمْ مَنْ فِيهِ كِفَايَةٌ لَهُ أَجْزَأَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ كَالْجِهَادِ عَلَيْهِمْ حَقٌّ أَنْ لَا يَدَعُوهُ، وَإِذَا ابْتَدَرَ مِنْهُمْ مَنْ يَكْفِي النَّاحِيَةَ الَّتِي يَكُونُ بِهَا الْجِهَادُ أَجْزَأَ عَنْهُمْ

(1/312)

وَالْفَضْلُ لِأَهْلِ الْوِلَايَةِ بِذَلِكَ عَلَى أَهْلِ التَّخَلُّفِ عَنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا تَرَكَ عُمَرُ عِنْدَنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عُقُوبَةَ مَنْ مَرَّ بِالْمَرْأَةِ الَّتِي دَفَنَهَا أَظُنُّهُ كُلَيْبًا، لِأَنَّ الْمَارَّ الْمُنْفَرِدَ قَدْ كَانَ يَتَّكِلُ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِيهِ، وَأَمَّا أَهْلُ رُفْقَةٍ مُنْفَرِدِينَ فِي طَرِيقٍ غَيْرِ مَأْهُولَةٍ لَوْ تَرَكُوا مَيِّتًا مِنْهُمْ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُوَارُوهُ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُعَاقِبَهُمْ لِاسْتِخْفَافِهِمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَوَائِجِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا وَجَبَ عَلَى النَّاسِ فَضَيَّعُوهُ فَعَلَى السُّلْطَانِ أَخْذُهُ مِنْهُمْ، وَعُقُوبَتُهُمْ فِيهِ بِمَا يَرَى غَيْرَ مُتَجَاوِزٍ الْقَصْدَ فِي ذَلِكَ (قَالَ) : وَأُحِبُّ إذَا مَاتَ الْمَيِّتُ أَنْ لَا يُعَجِّلَ أَهْلُهُ غُسْلَهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَغْشَى عَلَيْهِ فَيُخَيَّلُ إلَيْهِمْ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ حَتَّى يَرَوْا عَلَامَاتِ الْمَوْتِ الْمَعْرُوفَةَ فِيهِ، وَهُوَ أَنْ تَسْتَرْخِيَ قَدَمَاهُ، وَلَا تَنْتَصِبَانِ، وَأَنْ تَنْفَرِجَ زَنْدَا يَدَيْهِ، وَالْعَلَامَاتُ الَّتِي يَعْرِفُونَ بِهَا الْمَوْتَ، فَإِذَا رَأَوْهَا عَجَّلُوا غُسْلَهُ، وَدَفْنَهُ فَإِنَّ تَعْجِيلَهُ تَأْدِيَةُ الْحَقِّ إلَيْهِ، وَلَا يُنْتَظَرُ بِدَفْنِ الْمَيِّتِ غَائِبٌ مَنْ كَانَ الْغَائِبُ، وَإِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ غُمِّضَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ قَبِيصَةَ نَصْرُ بْنُ ذُؤَيْبٍ كَانَ يُحَدِّثُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَغْمَضَ أَبَا سَلَمَةَ» .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُطْبَقُ فُوهُ وَإِنْ خِيفَ اسْتِرْخَاءُ لَحْيَيْهِ شُدَّ بِعِصَابَةٍ (قَالَ) : وَرَأَيْت مَنْ يُلَيِّنُ مَفَاصِلَهُ، وَيَبْسُطُهَا لِتُلَيَّنَ، وَلَا تَجْسُو وَرَأَيْت النَّاسَ يَضَعُونَ الْحَدِيدَةَ، السَّيْفَ أَوْ غَيْرَهُ، عَلَى بَطْنِ الْمَيِّتِ، وَالشَّيْءَ مِنْ الطِّينِ الْمَبْلُولِ كَأَنَّهُمْ يَذُودُونَ أَنْ تَرْبُو بَطْنُهُ فَمَا صَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ مِمَّا رَجَوْا، وَعَرَفُوا أَنَّ فِيهِ دَفْعَ مَكْرُوهٍ رَجَوْت أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَمْ أَرَ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ أَنْ يَضَعُوا الزَّاوُوقَ يَعْنِي الزِّئْبَقَ فِي أُذُنِهِ، وَأَنْفِهِ، وَلَا أَنْ يَضَعُوا المرتك يَعْنِي المرداسنج عَلَى مَفَاصِلِهِ وَذَلِكَ شَيْءٌ تَفْعَلُهُ الْأَعَاجِمُ يُرِيدُونَ بِهِ الْبَقَاءَ لِلْمَيِّتِ، وَقَدْ يَجْعَلُونَهُ فِي الصُّنْدُوقِ وَيُفْضُونَ بِهِ إلَى الْكَافُورِ، وَلَسْت أُحِبُّ هَذَا، وَلَا شَيْئًا مِنْهُ، وَلَكِنْ يُصْنَعُ بِهِ كَمَا يُصْنَعُ بِأَهْلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ يُغَسَّلُ، وَالْكَفَنُ، وَالْحَنُوطُ، وَالدَّفْنُ، فَإِنَّهُ صَائِرٌ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْكَرَامَةُ لَهُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ (قَالَ) : وَبَلَغَنِي أَنَّهُ «قِيلَ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: نَتَّخِذُ لَك شَيْئًا كَأَنَّهُ الصُّنْدُوقُ مِنْ الْخَشَبِ، فَقَالَ: اصْنَعُوا بِي مَا صَنَعْتُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ، وَأَهِيلُوا عَلَيَّ التُّرَابَ»


[بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا حَضَرَ الْوَلِيُّ الْمَيِّتَ أَحْبَبْت أَنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إلَّا بِأَمْرِ وَلِيِّهِ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ الْخَاصَّةِ الَّتِي أَرَى الْوَلِيَّ أَحَقَّ بِهَا مِنْ الْوَالِي، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَنْ لَهُ عِلْمٌ: الْوَالِي أَحَقُّ.

وَإِذَا حَضَرَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْقَرَابَةِ فَأَحَقُّهُمْ بِهِ الْأَبُ، وَالْجَدُّ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ ثُمَّ الْوَلَدُ، وَوَلَدُ الْوَلَدِ ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ، وَالْأُمِّ ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ ثُمَّ أَقْرَبُ النَّاسِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، وَلَيْسَ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ لِأَنَّهُ إنَّمَا الْوِلَايَةُ لِلْعَصَبَةِ فَإِذَا اسْتَوَى الْوُلَاةُ فِي الْقَرَابَةِ، وَتَشَاحُّوا، وَكُلُّ ذِي حَقٍّ فَأَحَبُّهُمْ إلَيَّ أَسَنُّهُمْ، إلَّا أَنْ تَكُونَ حَالُهُ لَيْسَتْ مَحْمُودَةً فَكَانَ أَفْضَلُهُمْ، وَأَفْقَهُهُمْ أَحَبَّ إلَيَّ، فَإِنْ تَقَارَبُوا فَأَسَنُّهُمْ فَإِنْ اسْتَوَوْا وَقَلَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فَلَمْ يَصْطَلِحُوا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، فَأَيُّهُمْ خَرَجَ سَهْمُهُ، وَلِيَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ (قَالَ) : وَالْحُرُّ مِنْ الْوُلَاةِ أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ مِنْ الْمَمْلُوكِ، وَلَا بَأْسَ بِصَلَاةِ الْمَمْلُوكِ عَلَى الْجِنَازَةِ، وَإِذَا حَضَرَ رَجُلٌ وَلِيٌّ أَوْ غَيْرُ وَلِيٍّ مَعَ نِسْوَةٍ بَعْلًا رَجُلًا مَيِّتًا أَوْ امْرَأَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا مِنْ النِّسَاءِ إذَا

(1/313)

عَقَلَ الصَّلَاةَ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ مَمْلُوكًا كَانَ أَوْ حُرًّا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَعْقِلُ الصَّلَاةَ صَلَّيْنَ عَلَى الْمَيِّتِ صَفًّا مُنْفَرِدَاتٍ، وَإِنْ أَمَّتْهُنَّ إحْدَاهُنَّ، وَقَامَتْ وَسَطَهُنَّ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا، فَقَدْ «صَلَّى النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْرَادًا لَا يَؤُمُّهُمْ أَحَدٌ» وَذَلِكَ لِعِظَمِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَنَافُسِهِمْ فِي أَنْ لَا يَتَوَلَّى الْإِمَامَةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَاحِدٌ وَصَلَّوْا عَلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَوْتَى، وَالْأَمْرُ الْمَعْمُولُ بِهِ إلَى الْيَوْمِ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِمْ بِإِمَامٍ، وَلَوْ صُلِّيَ عَلَيْهِمْ أَفْرَادًا أَجْزَأَهُمْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأُحِبُّ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ صَلَاةً وَاحِدَةً هَكَذَا رَأَيْت صَلَاةَ النَّاسِ لَا يَجْلِسُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا لِصَلَاةٍ مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَلَوْ جَاءَ، وَلِيٌّ لَهُ، وَلَا يُخَافُ عَلَى الْمَيِّتِ التَّغَيُّرُ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَجَوْت أَنْ لَا يَكُونَ بِذَلِكَ بَأْسٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(قَالَ) : وَإِنْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ انْصَرَفَ فَتَوَضَّأَ، وَكَبَّرَ مَنْ خَلْفَهُ مَا بَقِيَ مِنْ التَّكْبِيرِ فُرَادَى لَا يَؤُمُّهُمْ أَحَدٌ، وَلَوْ كَانَ فِي مَوْضِعِ وُضُوئِهِ قَرِيبًا فَانْتَظَرُوهُ فَبَنَى عَلَى التَّكْبِيرِ رَجَوْت أَنْ لَا يَكُونَ بِذَلِكَ بَأْسٌ، وَلَا يُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ فِي مِصْرٍ إلَّا طَاهِرًا.


(قَالَ) : وَلَوْ سُبِقَ رَجُلٌ بِبَعْضِ التَّكْبِيرِ لَمْ يُنْتَظَرْ بِالْمَيِّتِ حَتَّى يَقْضِيَ تَكْبِيرَهُ وَلَا يَنْتَظِرُ الْمَسْبُوقُ الْإِمَامَ أَنْ يُكَبِّرَ ثَانِيَةً وَلَكِنَّهُ يَفْتَتِحُ لِنَفْسِهِ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إذَا خَافَ الرَّجُلُ فِي الْمِصْرِ فَوْتَ الْجِنَازَةِ تَيَمَّمَ وَصَلَّى، وَهَذَا لَا يُجِيزُ التَّيَمُّمَ فِي الْمِصْرِ لِصَلَاةٍ نَافِلَةٍ، وَلَا مَكْتُوبَةٍ إلَّا لِمَرِيضٍ زَعَمَ، وَهَذَا غَيْرُ مَرِيضٍ، وَلَا تَعْدُو الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ تَكُونَ كَالصَّلَوَاتِ لَا تُصَلَّى إلَّا بِطَهَارَةِ الْوُضُوءِ، وَلَيْسَ التَّيَمُّمُ فِي الْمِصْرِ لِلصَّحِيحِ الْمُطِيقِ بِطَهَارَةٍ أَوْ تَكُونَ كَالذِّكْرِ فَيُصَلِّيَ عَلَيْهَا إنْ شَاءَ غَيْرَ طَاهِرٍ، خَافَ الْفَوْتَ أَوْ لَمْ يَخَفْ، كَمَا يُذْكَرُ غَيْرَ طَاهِرٍ


[بَابُ اجْتِمَاعِ الْجَنَائِزِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : لَوْ اجْتَمَعَتْ جَنَائِزُ رِجَالٍ، وَنِسَاءٍ، وَصِبْيَانٍ، وَخَنَاثَى، جُعِلَ الرِّجَالُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ، وَقُدِّمَ إلَى الْإِمَامِ أَفْضَلُهُمْ ثُمَّ الصِّبْيَانُ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الْخَنَاثَى يَلُونَهُمْ ثُمَّ النِّسَاءُ خَلْفَهُمْ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ وَإِنْ تَشَاحَّ وُلَاةُ الْجَنَائِزِ، وَكُنَّ مُخْتَلِفَاتٍ صَلَّى وَلِيُّ الْجِنَازَةِ الَّتِي سَبَقَتْ ثُمَّ إنْ شَاءَ وَلِيُّ سِوَاهَا مِنْ الْجَنَائِزِ اسْتَغْنَى بِتِلْكَ الصَّلَاةِ، وَإِنْ شَاءَ أَعَادَ الصَّلَاةَ عَلَى جِنَازَتِهِ، وَإِنْ تَشَاحُّوا فِي مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ فَالسَّابِقُ أَحَقُّ إذَا كَانُوا رِجَالًا، فَإِنْ كُنَّ رِجَالًا، وَنِسَاءً وُضِعَ الرِّجَالُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ، وَالنِّسَاءُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ، وَلَمْ يُنْظَرْ فِي ذَلِكَ إلَى السَّبْقِ لِأَنَّ مَوْضِعَهُنَّ هَكَذَا، وَكَذَلِكَ الْخُنْثَى، وَلَكِنْ إنْ سَبَقَ، وَلِيُّ الصَّبِيِّ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُزِيلَ الصَّبِيَّ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَوَضَعَ وَلِيُّ الرَّجُلِ الرَّجُلَ خَلْفَهُ إنْ شَاءَ أَوْ يَذْهَبُ بِهِ إلَى مَوْضِعٍ غَيْرِهِ، فَإِنْ افْتَتَحَ الْمُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ الصَّلَاةَ فَكَبَّرَ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ ثُمَّ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ أُخْرَى وُضِعَتْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهَا لِأَنَّهُ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ يَنْوِي بِهَا غَيْرَ هَذِهِ الْجِنَازَةِ الْمُؤَخَّرَةِ.


(قَالَ) : وَلَوْ صَلَّى الْإِمَامُ عَلَى الْجِنَازَةِ غَيْرَ مُتَوَضِّئٍ، وَمَنْ خَلْفَهُ مُتَوَضِّئُونَ أَجْزَأَتْ صَلَاتُهُمْ، وَإِنْ كَانَ كُلُّهُمْ غَيْرَ مُتَوَضِّئِينَ أَعَادُوا، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ ثَلَاثَةٌ فَصَاعِدًا مُتَوَضِّئُونَ أَجْزَأَتْ، وَإِنْ سَبَقَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ ثُمَّ جَاءَ وَلِيُّ غَيْرِهِ أَحْبَبْت أَنْ لَا تُوضَعَ لِلصَّلَاةِ ثَانِيَةً، وَإِنْ فَعَلَ فَلَا بَأْسَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.


(قَالَ) : وَلَوْ سَقَطَ لِرَجُلٍ شَيْءٌ لَهُ قِيمَةٌ فِي قَبْرٍ فَدُفِنَ، كَانَ لَهُ أَنْ يَكْشِفَ عَنْهُ حَتَّى يَأْخُذَ مَا سَقَطَ

(1/314)

[بَابُ الدَّفْنِ]
ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ مَاتَ مَيِّتٌ بِمَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ أَحْبَبْت أَنْ يُدْفَنَ فِي مَقَابِرِهِمَا، وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ بِبَلَدٍ قَدْ ذُكِرَ فِي مَقْبَرَتِهِ خَبَرٌ أَحْبَبْت أَنْ يُدْفَنَ فِي مَقَابِرِهَا فَإِنْ كَانَتْ بِبَلَدٍ لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ فِيهَا فَأُحِبُّ أَنْ يُدْفَنَ فِي الْمَقَابِرِ لِحُرْمَةِ الْمَقَابِرِ، وَالدَّوَاعِي لَهَا وَأَنَّهُ مَعَ الْجَمَاعَةِ أَشْبَهُ مِنْ أَنْ لَا يُتَغَوَّطَ، وَلَا يُبَالَ عَلَى قَبْرِهِ، وَلَا يُنْبَشَ، وَحَيْثُمَا دُفِنَ الْمَيِّتُ فَحَسَنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأُحِبُّ أَنْ يُعَمَّقَ لِلْمَيِّتِ قَدْرَ بَسْطَةٍ، وَمَا أُعْمِقَ لَهُ، وَوُورِيَ أَجْزَأَ وَإِنَّمَا أَحْبَبْت ذَلِكَ أَنْ لَا تَنَالَهُ السِّبَاعُ، وَلَا يَقْرُبَ عَلَى أَحَدٍ إنْ أَرَادَ نَبْشَهُ، وَلَا يَظْهَرَ لَهُ رِيحٌ وَيُدْفَنَ فِي مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ مِنْ الضِّيقِ وَالْعَجَلَةِ الْمَيِّتَانِ، وَالثَّلَاثَةُ فِي الْقَبْرِ إذَا كَانُوا، وَيَكُونُ الَّذِي لِلْقِبْلَةِ مِنْهُمْ أَفْضَلَهُمْ، وَأَسَنَّهُمْ، وَلَا أُحِبُّ أَنْ تُدْفَنَ الْمَرْأَةُ مَعَ الرَّجُلِ عَلَى حَالٍ، وَإِنْ كَانَتْ ضَرُورَةٌ، وَلَا سَبِيلَ إلَى غَيْرِهَا كَانَ الرَّجُلُ أَمَامَهَا، وَهِيَ خَلْفَهُ، وَيُجْعَلُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي الْقَبْرِ حَاجِزٌ مِنْ تُرَابٍ، وَأُحِبُّ إحْكَامَ الْقَبْرِ وَلَا وَقْتَ فِيمَنْ يَدْخُلُ الْقَبْرَ فَإِنْ كَانُوا وِتْرًا أَحَبُّ إلَيَّ، وَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ يَضْبِطُونَ الْمَيِّتَ بِلَا مَشَقَّةٍ أَحَبُّ إلَيَّ، وَسَلُّ الْمَيِّتِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ وَذَلِكَ أَنْ يُوضَعَ رَأْسُ سَرِيرِهِ عِنْدَ رِجْلِ الْقَبْرِ ثُمَّ يُسَلُّ سَلًّا، وَيُسْتَرُ الْقَبْرُ بِثَوْبٍ نَظِيفٍ حَتَّى يُسَوَّى عَلَى الْمَيِّتِ لَحْدُهُ، وَسَتْرُ الْمَرْأَةِ إذَا دَخَلَتْ قَبْرَهَا أَوْكَدُ مِنْ سَتْرِ الرَّجُلِ، وَتُسَلُّ الْمَرْأَةُ كَمَا يُسَلُّ الرَّجُلُ، وَإِنْ وَلِيَ إخْرَاجَهَا مِنْ نَعْشِهَا، وَحَلَّ عُقَدٍ مِنْ الثِّيَابِ إنْ كَانَ عَلَيْهَا، وَتَعَاهَدَهَا النِّسَاءُ فَحَسَنٌ، وَإِنْ وَلِيَهَا الرَّجُلُ فَلَا بَأْسَ فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ ذُو مَحْرَمٍ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ ذُو مَحْرَمٍ فَذُو قَرَابَةٍ وَوَلَاءٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْمُسْلِمُونَ وُلَاتُهَا، وَهَذَا مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ، وَدُونَهَا الثِّيَابُ، وَقَدْ صَارَتْ مَيِّتَةً، وَانْقَطَعَ عَنْهَا حُكْمُ الْحَيَاةِ (قَالَ) : وَتُوضَعُ الْمَوْتَى فِي قُبُورِهِمْ عَلَى جُنُوبِهِمْ الْيُمْنَى، وَتُرْفَعُ رُءُوسُهُمْ بِحَجَرٍ أَوْ لَبِنَةٍ، وَيُسْنَدُونَ لِئَلَّا يَنْكَبُّوا، وَلَا يَسْتَلْقُوا، وَإِنْ كَانَ بِأَرْضٍ شَدِيدَةٍ لُحِدَ لَهُمْ، ثُمَّ نُصِبَ عَلَى لُحُودِهِمْ اللَّبِنُ نَصْبًا ثُمَّ يُتَّبَعُ فُرُوجُ اللَّبِنِ بِكُسَارِ اللَّبِنِ، وَالطِّينِ حَتَّى يُحْكَمَ ثُمَّ أُهِيلَ التُّرَابُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانُوا بِبَلَدٍ رَقِيقَةٍ شُقَّ لَهُمْ شَقٌّ ثُمَّ بُنِيَتْ لُحُودُهُمْ بِحِجَارَةٍ أَوْ لَبِنٍ ثُمَّ سُقِفَتْ لُحُودُهُمْ عَلَيْهِمْ بِالْحِجَارَةِ أَوْ الْخَشَبِ لِأَنَّ اللَّبِنَ لَا يَضْبِطُهَا فَإِنْ سُقِفَتْ تُتُبِّعَتْ فُرُوجُهَا حَتَّى تُنْظَمَ (قَالَ) : وَرَأَيْتُهُمْ عِنْدَنَا يَضَعُونَ عَلَى السَّقْفِ الْإِذْخِرَ ثُمَّ يَضَعُونَ عَلَيْهِ التُّرَابَ مُثْرِيًا ثُمَّ يُهِيلُونَ التُّرَابَ بَعْدَ ذَلِكَ إهَالَةً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : هَذَا الْوَجْهُ الْأَثَرُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ، وَلَا يُتْرَكَ، وَكَيْفَمَا وُورِيَ الْمَيِّتُ أَجْزَأَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَيَحْثُو مَنْ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ بِيَدَيْهِ مَعًا التُّرَابَ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَثَى عَلَى الْمَيِّتِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ تَعْجِيلَ دَفْنِ الْمَيِّتِ إذَا بَانَ مَوْتُهُ فَإِذَا أَشْكَلَ أَحْبَبْت الْأَنَاةَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مَوْتُهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ غَرِيقًا أَحْبَبْت التَّأَنِّي بِهِ بِقَدْرِ مَا يُوَلَّى مِنْ حَفْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مَصْعُوقًا أَحْبَبْت أَنْ يُسْتَأْنَى بِهِ حَتَّى يُخَافَ تَغَيُّرُهُ، وَإِنْ بَلَغَ ذَلِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً لِأَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ يُصْعَقُ فَيَذْهَبُ عَقْلُهُ ثُمَّ يُفِيقُ بَعْدَ الْيَوْمَيْنِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فَزِعًا مِنْ حَرْبٍ أَوْ سَبُعٍ أَوْ فَزِعًا غَيْرَ ذَلِكَ أَوْ كَانَ مُتَرَدِّيًا مِنْ جَبَلٍ، وَإِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ فَلَا تَخْفَى عَلَامَاتُ الْمَوْتِ بِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ خَفِيَتْ عَلَى الْبَعْضِ لَمْ تَخْفَ عَلَى الْكُلِّ وَإِذَا كَانَتْ الطَّوَاعِينُ أَوْ مَوْتُ الْفَجْأَةِ، وَاسْتَبَانَ الْمَوْتُ فَلَمْ يَضْبِطْهُ أَهْلُ الْبَيْتِ إلَّا أَنْ يُقَدِّمُوا بَعْضَ الْمَوْتَى فَقَدَّمُوا الْوَالِدَيْنِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ثُمَّ قَدَّمُوا بَعْدُ مَنْ رَأَوْا، فَإِنْ كَانَ امْرَأَتَانِ لِرَجُلٍ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا أَيَّتُهُمَا تُقَدَّمُ وَإِذَا خِيفَ التَّغْيِيرُ عَلَى بَعْضِ الْمَوْتَى قُدِّمَ مَنْ كَانَ يُخَافُ عَلَيْهِ التَّغْيِيرُ لَا مَنْ لَا يُخَافُ التَّغْيِيرُ

(1/315)

عَلَيْهِ، وَيُقَدَّمُ الْكِبَارُ عَلَى الصِّغَارِ إذَا لَمْ يُخَفْ التَّغْيِيرُ عَلَى مَنْ تَخَلَّفَ، وَإِذَا كَانَ الضَّرُورَةُ دُفِنَ الِاثْنَانِ، وَالثَّلَاثَةُ فِي قَبْرٍ، وَقُدِّمَ إلَى الْقِبْلَةِ أَفْضَلُهُمْ، وَأَقْرَؤُهُمْ ثُمَّ جُعِلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي يَلِيهِ حَاجِزٌ مِنْ تُرَابٍ فَإِنْ كَانُوا رِجَالًا وَنِسَاءً وَصِبْيَانًا جُعِلَ الرَّجُلُ الَّذِي يَلِيَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ الصَّبِيُّ ثُمَّ الْمَرْأَةُ وَرَاءَهُ وَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ لَمْ تُدْفَنْ الْمَرْأَةُ مَعَ الرِّجَالِ، وَإِنَّمَا رَخَّصْت فِي أَنْ يُدْفَنَ الرَّجُلَانِ فِي قَبْرٍ بِالسُّنَّةِ، لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَّا يَتَحَدَّثُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ اثْنَانِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ قِيلَ ثَلَاثَةٌ» .

[بَابُ مَا يَكُونُ بَعْدَ الدَّفْنِ]

ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ مَنْ مَضَى أَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يُقْعَدَ عِنْدَ قَبْرِهِ إذَا دُفِنَ بِقَدْرِ مَا تُجْزَرُ جَزُورٌ (قَالَ) : وَهَذَا أَحْسَنُ، وَلَمْ أَرَ النَّاسَ عِنْدَنَا يَصْنَعُونَهُ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ مَا أُحِبُّ أَنْ أُدْفَنَ بِالْبَقِيعِ لَأَنْ أُدْفَنَ فِي غَيْرِهِ أَحَبُّ إلَيَّ إنَّمَا هُوَ وَاحِدُ رَجُلَيْنِ إمَّا ظَالِمٌ فَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ فِي جِوَارِهِ وَإِمَّا صَالِحٌ فَلَا أُحِبُّ أَنْ يُنْبَشَ فِي عِظَامِهِ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : تَعْنِي فِي الْمَأْثَمِ، وَإِنْ أُخْرِجَتْ عِظَامُ مَيِّتٍ أَحْبَبْت أَنْ تُعَادَ فَتُدْفَنَ وَأُحِبُّ أَنْ لَا يُزَادَ فِي الْقَبْرِ تُرَابٌ مِنْ غَيْرِهِ وَلَيْسَ بِأَنْ يَكُونَ فِيهِ تُرَابٌ مِنْ غَيْرِهِ بَأْسٌ إذًا إذَا زِيدَ فِيهِ تُرَابٌ مِنْ غَيْرِهِ ارْتَفَعَ جِدًّا، وَإِنَّمَا أُحِبُّ أَنْ يُشَخِّصَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ شِبْرًا أَوْ نَحْوَهُ وَأُحِبُّ أَنْ لَا يُبْنَى، وَلَا يُجَصَّصَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ الزِّينَةَ وَالْخُيَلَاءَ، وَلَيْسَ الْمَوْتُ مَوْضِعَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَمْ أَرَ قُبُورَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مُجَصَّصَةً (قَالَ الرَّاوِي) : عَنْ طَاوُسٍ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ تُبْنَى الْقُبُورُ أَوْ تُجَصَّصَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ رَأَيْت مِنْ الْوُلَاةِ مَنْ يَهْدِمَ بِمَكَّةَ مَا يُبْنَى فِيهَا فَلَمْ أَرَ الْفُقَهَاءَ يَعِيبُونَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ الْقُبُورُ فِي الْأَرْضِ يَمْلِكُهَا الْمَوْتَى فِي حَيَاتِهِمْ أَوْ وَرَثَتُهُمْ بَعْدَهُمْ لَمْ يُهْدَمْ شَيْءٌ أَنْ يُبْنَى مِنْهَا وَإِنَّمَا يُهْدَمُ إنْ هُدِمَ مَا لَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ فَهَدْمُهُ لِئَلَّا يُحْجَرَ عَلَى النَّاسِ مَوْضِعُ الْقَبْرِ فَلَا يُدْفَنُ فِيهِ أَحَدٌ فَيَضِيقُ ذَلِكَ بِالنَّاسِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ تَشَاحَّ النَّاسُ مِمَّنْ يَحْفِرُ لِلْمَوْتَى فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمَقْبَرَةِ، وَهِيَ غَيْرُ مِلْكٍ لِأَحَدٍ حَفَرَ الَّذِي يَسْبِقُ حَيْثُ شَاءَ وَإِنْ جَاءُوا مِمَّا أَقْرَعَ الْوَالِي بَيْنَهُمْ وَإِذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ حَفْرُ قَبْرِهِ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ مُدَّةٌ يَعْلَمُ أَهْلُ ذَلِكَ الْبَلَدِ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ ذَهَبَ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِالْبُلْدَانِ فَيَكُونُ فِي السَّنَةِ وَأَكْثَرَ فَإِنْ عَجَّلَ أَحَدٌ بِحَفْرِ قَبْرِهِ فَوَجَدَ مَيِّتًا أَوْ بَعْضَهُ أُعِيدَ عَلَيْهِ التُّرَابُ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ عِظَامِهِ شَيْءٌ أُعِيدَ فِي الْقَبْرِ.


(قَالَ) : وَإِذَا كَانَتْ أَرْضٌ لِرَجُلٍ فَأَذِنَ بِأَنْ يُقْبَرَ فِيهَا ثُمَّ أَرَادَ أَخْذَهَا فَلَهُ أَخْذُ مَا لَمْ يُقْبَرْ فِيهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ مَا قُبِرَ فِيهِ مِنْهَا، وَإِنْ قَبَرَ قَوْمٌ فِي أَرْضٍ لِرَجُلٍ بِلَا إذْنِهِ فَأَرَادَ تَحْوِيلَهُمْ عَنْهَا أَوْ بِنَاءَهَا أَوْ زَرْعَهَا أَوْ حَفْرَهَا آبَارًا، كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ شَحَّ فَهُوَ أَحَقُّ بِحَقِّهِ، وَأُحِبُّ لَوْ تَرَكَ الْمَوْتَى حَتَّى يَبْلُوا.


(قَالَ) : وَأَكْرَهُ وَطْءَ الْقَبْرِ، وَالْجُلُوسَ، وَالِاتِّكَاءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ الرَّجُلُ السَّبِيلَ إلَى قَبْرِ مَيِّتِهِ إلَّا بِأَنْ يَطَأَهُ فَذَلِكَ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ فَأَرْجُو حِينَئِذٍ أَنْ يَسَعَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا بَأْسَ بِالْجُلُوسِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ الْجُلُوسِ عَلَيْهِ لِلتَّغَوُّطِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَيْسَ هَذَا عِنْدَنَا كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ نَهَى عَنْهُ الْمَذْهَبُ فَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ مُطْلَقًا لِغَيْرِ الْمَذْهَبِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ تَبِعْت جِنَازَةً مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَمَّا كَانَ دُونَ الْقُبُورِ جَلَسَ أَبُو هُرَيْرَةَ ثُمَّ قَالَ
" لَأَنْ أَجْلِسَ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقُ رِدَائِي ثُمَّ قَمِيصِي ثُمَّ إزَارِي ثُمَّ تُفْضِي إلَى جِلْدِي أَحَبُّ إلَيَّ

(1/316)

مِنْ أَنْ أَجْلِسَ عَلَى قَبْرِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ".

(قَالَ) : وَأَكْرَهُ أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ مَسْجِدٌ، وَأَنْ يُسَوَّى أَوْ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَوًّى أَوْ يُصَلَّى إلَيْهِ (قَالَ) : وَإِنْ صَلَّى إلَيْهِ أَجْزَأَهُ، وَقَدْ أَسَاءَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ لَا يَبْقَى دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ» (قَالَ) : وَأَكْرَهُ هَذَا لِلسُّنَّةِ، وَالْآثَارِ، وَأَنَّهُ كُرِهَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنْ يُعَظَّمَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَعْنِي يُتَّخَذُ قَبْرُهُ مَسْجِدًا، وَلَمْ تُؤْمَنْ فِي ذَلِكَ الْفِتْنَةُ، وَالضَّلَالُ عَلَى مَنْ يَأْتِي بَعْدُ فَكُرِهَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِئَلَّا يُوطَأَ فَكُرِهَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّ مُسْتَوْدَعَ الْمَوْتَى مِنْ الْأَرْضِ لَيْسَ بِأَنْظَفِ الْأَرْضِ، وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَرْضِ أَنْظَفُ


[بَابُ الْقَوْلِ عِنْدَ دَفْنِ الْمَيِّتِ]

ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: وَإِذَا وُضِعَ الْمَيِّتُ فِي قَبْرٍ قَالَ مَنْ يَضَعُهُ
" بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "، وَأُحِبُّ أَنْ يَقُولَ " اللَّهُمَّ أَسْلَمَهُ إلَيْك الْأَشِحَّاءُ مِنْ وَلَدِهِ وَأَهْلِهِ وَقَرَابَتِهِ وَإِخْوَانِهِ وَفَارَقَ مَنْ كَانَ يُحِبُّ قُرْبَهُ، وَخَرَجَ مِنْ سَعَةِ الدَّارِ وَالْحَيَاةِ إلَى ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَضِيقِهِ وَنَزَلَ بِك، وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ إنْ عَاقَبْته عَاقَبْته بِذَنْبِهِ، وَإِنْ عَفَوْت فَأَنْتَ أَهْلُ الْعَفْوِ اللَّهُمَّ أَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ، وَهُوَ فَقِيرٌ إلَى رَحْمَتِك اللَّهُمَّ اُشْكُرْ حَسَنَتَهُ، وَتَجَاوَزْ عَنْ سَيِّئَتِهِ، وَشَفِّعْ جَمَاعَتَنَا فِيهِ وَاغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَدْخِلْ عَلَيْهِ الْأَمَانَ، وَالرُّوحَ فِي قَبْرِهِ "، وَلَا بَأْسَ بِزِيَارَةِ الْقُبُورِ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ يَعْنِي ابْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَكِنْ لَا يُقَالُ عِنْدَهَا هُجْرٌ مِنْ الْقَوْلِ، وَذَلِكَ مِثْلُ الدُّعَاءِ بِالْوَيْلِ، وَالثُّبُورِ وَالنِّيَاحَةِ فَأَمَّا إذَا زُرْت تَسْتَغْفِرُ لِلْمَيِّتِ وَيَرِقُّ قَلْبَك، وَتَذْكُرُ أَمْرَ الْآخِرَةِ فَهَذَا مِمَّا لَا أَكْرَهُهُ، وَلَا أُحِبُّ الْمَبِيتَ فِي الْقُبُورِ لِلْوَحْشَةِ عَلَى الْبَائِتِ، وَقَدْ رَأَيْت النَّاسَ عِنْدَنَا يُقَارِبُونَ مِنْ ذَوِي الْقَرَابَاتِ فِي الدَّفْنِ، وَأَنَا أُحِبُّ ذَلِكَ، وَأَجْعَلُ الْوَالِدَ أَقْرَبَ إلَى الْقِبْلَةِ مِنْ الْوَلَدِ إذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ، وَكَيْفَمَا دُفِنَ أَجْزَأَ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَيْسَ فِي التَّعْزِيَةِ شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ يُقَالُ لَا يُعْدَى إلَى غَيْرِهِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ «لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَاءَتْ التَّعْزِيَةُ سَمِعُوا قَائِلًا يَقُولُ إنَّ فِي اللَّهِ عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَخَلَفًا مِنْ كُلِّ هَالِكٍ، وَدَرْكًا مِنْ كُلِّ مَا فَاتَ فَبِاَللَّهِ فَثِقُوا، وَإِيَّاهُ فَارْجُوا فَإِنَّ الْمُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَدْ عَزَّى قَوْمٌ مِنْ الصَّالِحِينَ بِتَعْزِيَةٍ مُخْتَلِفَةٍ فَأُحِبُّ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ هَذَا الْقَوْلَ، وَيَتَرَحَّمَ عَلَى الْمَيِّتِ، وَيَدْعُوَ لِمَنْ خَلْفَهُ (قَالَ) :، وَالتَّعْزِيَةُ مِنْ حِينِ مَوْتِ الْمَيِّتِ أَنَّ الْمَنْزِلَ، وَالْمَسْجِدَ وَطَرِيقَ الْقُبُورِ، وَبَعْدَ الدَّفْنِ، وَمَتَى عَزَّى فَحَسَنٌ فَإِذَا شَهِدَ الْجِنَازَةَ أَحْبَبْت أَنْ تُؤَخَّرَ التَّعْزِيَةُ إلَى أَنْ يُدْفَنَ الْمَيِّتُ إلَّا أَنْ يَرَى جَزَعًا مِنْ الْمُصَابِ فَيُعَزِّيَهُ عِنْدَ جَزَعِهِ، وَيُعَزِّيَ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ، وَالْمَرْأَةَ إلَّا أَنْ تَكُونَ امْرَأَةً شَابَّةً وَلَا أُحِبُّ مُخَاطَبَتَهَا إلَّا لِذِي مَحْرَمٍ، وَأُحِبُّ لِجِيرَانِ الْمَيِّتِ أَوْ ذِي قَرَابَتِهِ أَنْ يَعْمَلُوا لِأَهْلِ الْمَيِّتِ فِي يَوْمِ يَمُوتُ، وَلَيْلَتِهِ طَعَامًا يُشْبِعُهُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ، وَذِكْرٌ كَرِيمٌ، وَهُوَ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْخَيْرِ قَبْلَنَا، وَبَعْدَنَا لِأَنَّهُ لَمَّا «جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اجْعَلُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَهُمْ أَمْرٌ يَشْغَلُهُمْ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ «جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اجْعَلُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَهُمْ أَمْرٌ يَشْغَلُهُمْ أَوْ مَا يَشْغَلُهُمْ» شَكَّ سُفْيَانُ (قَالَ

(1/317)

الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ لِقَيِّمِ أَهْلِ الْمَيِّتِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ أَنْ يَتَعَاهَدَ أَضْعَفَهُمْ عَنْ احْتِمَالِهَا بِالتَّعْزِيَةِ بِمَا يَظُنُّ مِنْ الْكَلَامِ وَالْفِعْلِ أَنَّهُ يُسَلِّيهِ، وَيَكُفُّ مِنْ حُزْنِهِ، وَأُحِبُّ لِوَلِيِّ الْمَيِّتِ الِابْتِدَاءَ بِأَوْلَى مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَسْتَأْخِرُ سَأَلَ غُرَمَاءَهُ أَنْ يُحَلِّلُوهُ وَيَحْتَالُوا بِهِ عَلَيْهِ، وَأَرْضَاهُمْ مِنْهُ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ، أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَظُنُّهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» (قَالَ) : وَأُحِبُّ إنْ أَوْصَى بِشَيْءٍ أَنْ يُعَجِّلَ الصَّدَقَةَ عَنْهُ، وَيَجْعَلَ ذَلِكَ فِي أَقَارِبِهِ وَجِيرَانِهِ، وَسَبِيلِ الْخَيْرِ، وَأُحِبُّ مَسْحَ رَأْسِ الْيَتِيمِ وَدَهْنَهُ، وَإِكْرَامَهُ، وَأَنْ لَا يُنْهَرَ، وَلَا يُقْهَرَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَوْصَى بِهِ

[بَابُ الْقِيَامِ لِلْجِنَازَةِ]

ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَقُومُ لِلْجِنَازَةِ مَنْ شَهِدَهَا، وَالْقِيَامُ لَهَا مَنْسُوخٌ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ وَاقِدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ مَسْعُودِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُومُ فِي الْجَنَائِزِ ثُمَّ جَلَسَ بَعْدُ» أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَوْ شَبِيهًا بِهَذَا، وَقَالَ «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَرَ بِالْقِيَامِ ثُمَّ جَلَسَ، وَأَمَرَ بِالْجُلُوسِ»


(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُصَلِّي عَلَى الْجَنَائِزِ أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَكَذَلِكَ يُدْفَنُ فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَقَدْ «دُفِنَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِسْكِينَةٌ لَيْلًا فَلَمْ يُنْكِرْ» ، وَدُفِنَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لَيْلًا، وَدُفِنَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدُ لَيْلًا، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا مَعَ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ، وَلَا مَعَ طُلُوعِهَا حَتَّى تَبْرُزَ، وَاحْتُجَّ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لِأَهْلِ جِنَازَةٍ وَضَعُوهَا عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الصُّبْحِ:
" إمَّا إنْ تُصَلُّوا عَلَيْهَا الْآنَ وَإِمَّا أَنْ تَدَعُوهَا حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ " (قَالَ) :: وَابْنُ عُمَرَ يَرْوِي عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ بِصَلَاتِهِ طُلُوعَ الشَّمْسِ، وَلَا غُرُوبَهَا» ، وَقَدْ يَكُونُ ابْنُ عُمَرَ سَمِعَ هَذَا مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً، وَلَمْ يَسْمَعْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَرَأَى هَذَا حَمْلَهُ عَلَى كُلِّ صَلَاةٍ، وَلَمْ يَرَ النَّهْيَ إلَّا فِيمَا سُمِعَ (قَالَ) : وَقَدْ جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ نَهْيَهُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ إنَّمَا يَعْنِي بِهِ صَلَاةَ النَّافِلَةِ فَأَمَّا كُلُّ صَلَاةٍ كُرِهَتْ فَلَا، وَأَثْبَتْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى كُلِّ صَلَاةٍ، وَكَانَتْ الصَّلَاةُ عَلَى الْجَنَائِزِ صَلَاةً لَا تَحِلُّ إلَّا فِي وَقْتِ صَلَاةٍ مَا صُلِّيَ عَلَى مَيِّتِ الْعَصْرِ، وَلَا الصُّبْحِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ لَا يَجْلِسَ مَنْ تَبِعَ الْجِنَازَةَ، وَلَا يَتَفَرَّقَ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَكْثُرَ الْمُصَلِّي عَلَيْهَا فَإِنَّ أَصْحَابَنَا يَتَحَرَّوْنَ بِالْجَنَائِزِ انْصِرَافَ النَّاسِ مِنْ الصَّلَاةِ لِكَثْرَةِ الْمُصَلِّينَ فَيَقُولُ: صَلُّوا مَعَ كَثْرَةِ النَّاسِ أَوْ أَخِّرُوا إلَى أَنْ يَأْتِيَ الْمُصَلُّونَ لِلضُّحَى أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِإِسْنَادٍ لَا أَحْفَظُهُ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَالشَّمْسُ مُصْفَرَّةٌ قَبْلَ الْمَغِيبِ قَلِيلًا وَلَمْ يَنْتَظِرْ بِهِ مَغِيبَ الشَّمْسِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَكْرَهُ النِّيَاحَةَ عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَأَنْ تَنْدُبَهُ النَّائِحَةُ عَلَى الِانْفِرَادِ لَكِنْ يُعَزَّى بِمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الصَّبْرِ، وَالِاسْتِرْجَاعِ، وَأَكْرَهُ الْمَأْتَمَ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بُكَاءٌ فَإِنَّ ذَلِكَ يُجَدِّدُ الْحُزْنَ، وَيُكَلِّفُ الْمُؤْنَةَ مَعَ مَا مَضَى فِيهِ مِنْ الْأَثَرِ (قُتِلَ) : وَأُرَخِّصُ فِي الْبُكَاءِ بِلَا أَنْ يَتَأَثَّرَ، وَلَا أَنْ يَعُلْنَ

(1/318)

إلَّا خَبَرًا، وَلَا يَدْعُونَ بِحَرْبٍ قَبْلَ الْمَوْتِ فَإِذَا مَاتَ أَمْسَكْنَ.
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ عَنْ عَتِيكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَتِيكٍ أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتِيكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَابِتٍ فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ فَصَاحَ بِهِ فَلَمْ يُجِبْهُ فَاسْتَرْجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ غُلِبْنَا عَلَيْك يَا أَبَا الرَّبِيعِ فَصَاحَ النِّسْوَةُ وَبَكَيْنَ فَجَعَلَ ابْنُ عَتِيكٍ يُسَكِّتُهُنَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعْهُنَّ فَإِذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ قَالُوا، وَمَا الْوُجُوبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إذَا مَاتَ»


[غُسْلُ الْمَيِّتِ]

ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ هَذَا الْكِتَابَ مِنْ الشَّافِعِيِّ وَإِنَّمَا أَقْرَؤُهُ عَلَى الْمَعْرِفَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَوَّلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ مَنْ يُحَضِّرُ الْمَيِّتَ مِنْ أَوْلِيَائِهِ أَنْ يَتَوَلَّى أَرْفَقُهُمْ بِهِ إغْمَاضَ عَيْنَيْهِ بِأَسْهَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَشُدَّ تَحْتَ لَحْيَيْهِ عِصَابَةً عَرِيضَةً، وَتُرْبَطَ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهِ كَيْ لَا يَسْتَرْخِيَ لَحْيُهُ الْأَسْفَلُ فَيَنْفَتِحَ فُوهُ ثُمَّ يَجْسُوَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَا يَنْطَبِقَ، وَيَرُدَّ يَدَيْهِ حَتَّى يُلْصِقَهُمَا بِعَضُدَيْهِ ثُمَّ يَبْسُطَهُمَا ثُمَّ يَرُدَّهُمَا ثُمَّ يَبْسُطَهُمَا مَرَّاتٍ لِيَبْقَى لِينُهُمَا فَلَا يَجْسُوَ، وَهُمَا إذَا لُيِّنَا عِنْدَ خُرُوجِ الرُّوحِ تَبَاقَى لِينُهُمَا إلَى وَقْتِ دَفْنِهِ فَفُكَّتَا، وَهُمَا لَيِّنَتَانِ، وَيُلَيِّنُ كَذَلِكَ أَصَابِعَهُ، وَيَرُدُّ رِجْلَيْهِ مِنْ بَاطِنٍ حَتَّى يُلْصِقَهُمَا بِبُطُونِ فَخِذَيْهِ كَمَا وَصَفْت فِيمَا يَصْنَعُ فِي يَدَيْهِ وَيَضَعُ عَلَى بَطْنِهِ شَيْئًا مِنْ طِينٍ أَوْ لَبِنَةٍ أَوْ حَدِيدَةٍ، سَيْفٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ بَعْضَ أَهْلِ التَّجْرِبَةِ يَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ بَطْنَهُ أَنْ تَرْبُوَ، وَيُخْرِجُ مِنْ تَحْتِهِ الْوَطْءَ كُلَّهُ، وَيُفْضِي بِهِ إلَى لَوْحٍ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ أَوْ سَرِيرِ أَلْوَاحٍ مُسْتَوٍ فَإِنَّ بَعْضَ أَهْلِ التَّجْرِبَةِ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُسْرِعُ انْتِفَاخُهُ عَلَى الْوَطْءِ، وَيَسْلُبُ ثِيَابًا إنْ كَانَتْ عَلَيْهِ، وَيُسْجِي ثَوْبًا يُغَطِّي بِهِ جَمِيعَ جَسَدِهِ، وَيَجْعَلُ مِنْ تَحْتِ رِجْلِهِ وَرَأْسِهِ وَجَنْبَيْهِ لِئَلَّا يَنْكَشِفَ فَإِذَا أَحْضَرُوا لَهُ غَسْلَهُ، وَكَفَنَهُ، وَفَرَغُوا مِنْ جِهَازِهِ فَإِنْ كَانَ عَلَى يَدَيْهِ، وَفِي عَانَتِهِ شَعْرٌ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ كَرِهَ أَخْذَهُ عَنْهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَرْخَصَ فِيهِ، فَمَنْ أَرْخَصَ فِيهِ لَمْ يَرَ بَأْسًا أَنْ يَحْلِقَهُ بِالنُّورَةِ أَوْ يَجُزَّهُ بِالْجَلَمِ، وَيَأْخُذَ مِنْ شَارِبَيْهِ، وَيُقَلِّمَ مِنْ أَظْفَارِهِ، وَيَصْنَعَ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ مَا كَانَ فِطْرَةً فِي الْحَيَاةِ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ وَلَا لِحْيَتِهِ شَيْئًا لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُؤْخَذُ زِينَةً أَوْ نُسُكًا، وَمَا وَصَفْت مِمَّا يُؤْخَذُ فِطْرَةً فَإِنْ نَوَّرَهُ أَنْقَاهُ مِنْ نُورَةٍ، وَإِنْ لَمْ يُنَوِّرْهُ اتَّخَذَ قَبْلَ ذَلِكَ عِيدَانًا طِوَالًا مِنْ شَجَرٍ لَيِّنٍ لَا يَجْرَحُ ثُمَّ اسْتَخْرَجَ جَمِيعَ مَا تَحْتَ أَظْفَارِ يَدَيْهِ، وَرِجْلَيْهِ مِنْ الْوَسَخِ ثُمَّ أَفْضَى بِهِ إلَى مُغْتَسَلِهِ مَسْتُورًا، وَإِنْ غَسَلَهُ فِي قَمِيصٍ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ، وَأَنْ يَكُونَ الْقَمِيصُ سَخِيفًا رَقِيقًا أَحَبُّ إلَيَّ، وَإِنْ ضَاقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَانَ أَقَلَّ مَا يَسْتُرُهُ بِهِ مَا يُوَارِي مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْعَوْرَةُ مِنْ الرَّجُلِ فِي الْحَيَاةِ، وَيَسْتُرُ الْبَيْتَ الَّذِي يُغَسِّلُهُ فِيهِ بِسَتْرٍ وَلَا يَشْرَكُهُ فِي النَّظَرِ إلَى الْمَيِّتِ إلَّا مَنْ لَا غِنَى لَهُ عَنْهُ مِمَّنْ يُمْسِكُهُ أَوْ يُقَلِّبُهُ أَوْ يَصُبُّ عَلَيْهِ، وَيَغُضُّونَ كُلُّهُمْ، وَهُوَ عَنْهُ الطَّرْفَ، وَإِلَّا فِيمَا لَا يُجْزِيهِ فِيهِ إلَّا النَّظَرُ إلَيْهِ لِيَعْرِفَ مَا يُغَسِّلُ مِنْهُ، وَمَا بَلَغَ الْغَسْلُ، وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الزِّيَادَةِ فِي الْغَسْلِ، وَيَجْعَلُ السَّرِيرَ الَّذِي يُغَسِّلُهُ عَلَيْهِ كَالْمُنْحَدِرِ قَلِيلًا، وَيُنْفِذُ مَوْضِعَ مَائِهِ الَّذِي يُغَسِّلُهُ بِهِ مِنْ الْبَيْتِ فَإِنَّهُ أَحْرَزُ لَهُ أَنْ يَنْضَحَ فِيهِ شَيْءٌ انْصَبَّ عَلَيْهِ، وَلَوْ انْتَضَحَ لَمْ يَضُرَّهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَكِنَّ هَذَا أَطْيَبُ لِلنَّفْسِ وَيَتَّخِذُ إنَاءَيْنِ إنَاءً يَغْرِفُ بِهِ مِنْ الْمَاءِ الْمَجْمُوعِ لِغُسْلِهِ، وَإِنَاءً يَصُبُّ فِيهِ ذَلِكَ الْإِنَاءَ ثُمَّ يَصُبُّ الْإِنَاءَ الثَّانِيَ عَلَيْهِ لِيَكُونَ إنَاءُ الْمَاءِ غَيْرَ قَرِيبٍ مِنْ الصَّبِّ عَلَى الْمَيِّتِ، وَيُغَسِّلُهُ بِالْمَاءِ غَيْرِ.

(1/319)

السُّخْنِ لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُغَسَّلَ بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ، وَلَوْ غُسِّلَ بِهِ أَجْزَأَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَسَخٌ، وَكَانَ بِبَلَدٍ بَارِدٍ أَوْ كَانَتْ بِهِ عِلَّةٌ لَا يَبْلُغُ الْمَاءُ غَيْرُ الْمُسَخَّنِ أَنْ يُنَقِّيَ جَسَدَهُ غَايَةَ الْإِنْقَاءِ، وَلَوْ لَصِقَ بِجَسَدِهِ مَا لَا يُخْرِجُهُ إلَّا الدُّهْنُ دُهِنَ ثُمَّ غُسِّلَ حَتَّى يَتَنَظَّفَ، وَكَذَلِكَ إنْ طُلِيَ بِنُورَةٍ، وَلَا يُفْضِي غَاسِلُ الْمَيِّتِ بِيَدِهِ إلَى شَيْءٍ مِنْ عَوْرَتِهِ وَلَوْ تَوَقَّى سَائِرَ جَسَدِهِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَيُعِدُّ خِرْقَتَيْنِ نَظِيفَتَيْنِ قَبْلَ غُسْلِهِ فَيَلُفُّ عَلَى يَدِهِ إحْدَاهُمَا ثُمَّ يُغَسِّلُ بِهَا أَعْلَى جَسَدِهِ، وَأَسْفَلَهُ فَإِذَا أَفْضَى إلَى مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، وَمَذَاكِيرِهِ فَغَسَّلَ ذَلِكَ أَلْقَاهَا فَغُسِلَتْ، وَلَفَّ الْأُخْرَى، وَكُلَّمَا عَادَ عَلَى الْمَذَاكِيرِ، وَمَا بَيْنَ الْأَلْيَتَيْنِ أَلْقَى الْخِرْقَةَ الَّتِي عَلَى يَدِهِ، وَأَخَذَ الْأُخْرَى الْمَغْسُولَةَ لِئَلَّا يَعُودَ بِمَا مَرَّ عَلَى الْمَذَاكِيرِ، وَبِمَا بَيْنَ الْأَلْيَتَيْنِ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ

[بَابُ عِدَّةِ غَسْلِ الْمَيِّتِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ مِنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ الْإِنْقَاءُ كَمَا يَكُونُ أَقَلَّ مَا يُجْزِئُ فِي الْجَنَابَةِ، وَأَقَلُّ مَا أُحِبُّ أَنْ يُغَسَّلَ ثَلَاثًا فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ بِإِنْقَائِهِ مَا يُرِيدُ الْغَاسِلُ فَخَمْسٌ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ مَا يُحِبُّ فَسَبْعٌ، وَلَا يُغَسِّلُهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَاءِ إلَّا أَلْقَى فِيهِ كَافُورًا لِلسُّنَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَرِهْتُهُ، وَرَجَوْت أَنْ يُجْزِئَهُ، وَلَسْت أَعْرِفُ أَنْ يُلْقَى فِي الْمَاءِ وَرَقُ سِدْرٍ، وَلَا طِيبٌ غَيْرَ كَافُورٍ، وَلَا يَغِرُّهُ، وَلَكِنْ يَتْرُكُ مَاءً عَلَى وَجْهِهِ، وَيُلْقِي فِيهِ الْكَافُورَ


[مَا يُبْدَأُ بِهِ فِي غَسْلِ الْمَيِّتِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : يُلْقَى الْمَيِّتُ عَلَى ظَهْرِهِ ثُمَّ يَبْدَأُ غَاسِلُهُ فَيُوَضِّئُهُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ وَيُجْلِسُهُ إجْلَاسًا رَفِيقًا وَيُمِرُّ يَدَهُ عَلَى بَطْنِهِ إمْرَارًا رَفِيقًا بَلِيغًا لِيُخْرِجَ شَيْئًا إنْ كَانَ فِيهِ ثَمَّ فَإِنْ خَرَجَ شَيْءٌ أَلْقَاهُ، وَأَلْقَى الْخِرْقَةَ عَنْ يَدِهِ، وَوَضَّأَهُ ثُمَّ غَسَّلَ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ بِالسِّدْرِ حَتَّى يُنَقِّيَهُمَا وَيُسَرِّحَهُمَا تَسْرِيحًا رَفِيقًا ثُمَّ يُغَسِّلُهُ مِنْ صَفْحَةِ عُنُقِهِ الْيُمْنَى صَبًّا إلَى قَدَمِهِ الْيُمْنَى، وَغُسِّلَ فِي ذَلِكَ شِقُّ صَدْرِهِ، وَجَنْبُهُ، وَفَخِذُهُ، وَسَاقُهُ الْأَيْمَنُ كُلُّهُ يُحَرِّكُهُ لَهُ مُحَرِّكٌ لِيَتَغَلْغَلَ الْمَاءُ مَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ، وَيُمِرُّ يَدَهُ فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَلِيَأْخُذَ الْمَاءَ فَيُغَسِّلَ يَامِنَةَ ظَهْرِهِ ثُمَّ يَعُودُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ فَيَصْنَعُ بِهِ ذَلِكَ ثُمَّ يَحْرِفُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ فَيُغَسِّلُ نَاتِئَةَ ظَهْرِهِ، وَقَفَاهُ وَفَخِذِهِ، وَسَاقِهِ إلَى قَدَمِهِ، وَهُوَ يَرَاهُ مُمْكِنًا ثُمَّ يَحْرِفُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَصْنَعَ بِيَاسِرَةِ قَفَاهُ، وَظَهْرِهِ، وَجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَأَلْيَتَيْهِ، وَفَخِذَيْهِ وَسَاقِهِ، وَقَدَمِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَيُّ
شِقٍّ حَرَفَهُ إلَيْهِ لَمْ يَحْرِفْهُ حَتَّى يُغَسِّلَ مَا تَحْتَهُ، وَمَا يَلِيهِ لِيَحْرِفَهُ عَلَى مَوْضِعٍ نَقِيٍّ نَظِيفٍ، وَيَصْنَعُ هَذَا فِي كُلِّ غَسْلَةٍ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى جَمِيعِ غُسْلِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ، وَسَخٌ نُحِّيَ إلَى إمْكَانِ غُسْلِهِ بِأُشْنَانٍ ثُمَّ مَاءٍ قَرَاحٍ، وَإِنْ غَسَّلَهُ

(1/320)

بِسِدْرٍ أَوْ أُشْنَانٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ نَحْسَبْ شَيْئًا خَالَطَهُ مِنْ هَذَا شَيْءٌ يَعْلُو فِيهِ غُسْلًا، وَلَكِنْ إذَا صَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ حَتَّى يَذْهَبَ هَذَا أُمِرَّ عَلَيْهِ بَعْدَهُ الْمَاءُ الْقَرَاحُ بِمَا وَصَفْت، وَكَانَ غَسْلُهُ بِالْمَاءِ، وَكَانَ هَذَا تَنْظِيفًا لَا يُعَدُّ غَسْلَ طَهَارَةٍ، وَالْمَاءُ لَيْسَ فِيهِ كَافُورٌ كَالْمَاءِ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْكَافُورِ، وَلَا يُغَيِّرُ الْمَاءَ عَنْ سَجِيَّةِ خِلْقَتِهِ، وَلَا يَعْلُو فِيهِ مِنْهُ إلَّا رِيحُهُ، وَالْمَاءُ بِحَالِهِ فَكَثْرَةُ الْكَافُورِ فِي الْمَاءِ لَا تَضُرُّ، وَلَا تَمْنَعُهُ أَنْ يَكُونَ طَهَارَةً يَتَوَضَّأُ بِهِ الْحَيُّ، وَلَا يَتَوَضَّأُ الْحَيُّ بِسِدْرٍ مَضْرُوبٍ بِمَاءٍ لِأَنَّ السِّدْرَ لَا يُطَهِّرُ، وَيُتَعَهَّدُ بِمَسْحِ بَطْنِ الْمَيِّتِ فِي كُلِّ غَسْلَةٍ، وَيَقْعُدُ عِنْدَ آخِرِ كُلِّ غَسْلَةٍ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ آخِرِ غَسْلَةٍ غَسَلَهَا تُعُهِّدَتْ يَدَاهُ، وَرِجْلَاهُ، وَرُدَّتَا لِئَلَّا تَجْسُوَا ثُمَّ مُدَّتَا فَأُلْصِقَتَا بِجَنْبِهِ، وَصَفَّ بَيْنَ قَدَمَيْهِ وَأُلْصِقَ أَحَدُ كَعْبَيْهِ بِالْآخَرِ، وَضُمَّ إحْدَى فَخِذَيْهِ إلَى الْأُخْرَى فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْمَيِّتِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ غَسْلِهِ شَيْءٌ أُنْقِيَ، وَاعْتُدَّتْ غَسْلَةً وَاحِدَةً ثُمَّ يُسْتَخَفُّ فِي ثَوْبٍ فَإِذَا جَفَّ صُيِّرَ فِي أَكْفَانِهِ.

[عَدَدُ كَفَنِ الْمَيِّتِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أُحِبُّ عَدَدَ كَفَنِ الْمَيِّتِ إلَى ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ رَيْطَاتٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ فَمَنْ كُفِّنَ فِيهَا بُدِئَ بِاَلَّتِي يُرِيدُونَ أَنْ تَكُونَ أَعْلَاهَا فَبُسِطَتْ أَوَّلًا ثُمَّ بُسِطَتْ الْأُخْرَى فَوْقَهَا ثُمَّ الثَّالِثَةُ فَوْقَهُمَا ثُمَّ حُمِلَ الْمَيِّتُ فَوُضِعَ فَوْقَ الْعُلْيَا ثُمَّ أُخِذَ الْقُطْنُ مَنْزُوعُ الْحَبِّ فَجُعِلَ فِيهِ الْحَنُوطُ وَالْكَافُورُ، وَأُلْقِيَ عَلَى الْمَيِّتِ مَا يَسْتُرُهُ ثُمَّ أُدْخِلَ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ إدْخَالًا بَلِيغًا وَأَكْثَرَ لِيَرُدَّ شَيْئًا إنْ جَاءَ مِنْهُ عِنْدَ تَحْرِيكِهِ إذَا حُمِلَ فَإِنْ خِيفَ أَنْ يَأْتِيَ شَيْءٌ لِعِلَّةٍ كَانَتْ بِهِ أَوْ حَدَثَتْ يُرَدُّ بِهَا أَدْخَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَفَنِهِ لِبْدًا ثُمَّ شَدُّوهُ عَلَيْهِ كَمَا يَشُدُّ التُّبَّانَ الْوَاسِعَ فَيَمْنَعُ شَيْئًا إنْ جَاءَ مِنْهُ مِنْ أَنْ يَظْهَرَ أَوْ ثَوْبًا صَفِيقًا أَقْرَبَ الثِّيَابِ شَبَهًا بِاللِّبْدِ، وَأَمْنَعَهَا لِمَا يَأْتِي مِنْهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَشَدُّوهُ عَلَيْهِ خِيَاطَةً، وَإِنْ لَمْ يَخَافُوا ذَلِكَ فَلَفُّوا مَكَانَ ذَلِكَ ثَوْبًا لَا يَضُرُّهُمْ، وَإِنْ تَرَكُوهُ رَجَوْت أَنْ يُجْزِئَهُمْ وَالِاحْتِيَاطُ بِعَمَلِهِ أَحَبُّ إلَيَّ ثُمَّ يُؤْخَذُ الْكُرْسُفُ فَيُوضَعُ عَلَيْهِ الْكَافُورُ فَيُوضَعُ عَلَى فِيهِ وَمَنْخَرَيْهِ وَعَيْنَيْهِ، وَمَوْضِعِ سُجُودِهِ فَإِنْ كَانَتْ بِهِ جِرَاحٌ نَافِدٌ وُضِعَ عَلَيْهَا، وَيُحَنَّطُ رَأْسُهُ، وَلِحْيَتُهُ، وَلَوْ ذُرَّ الْكَافُورُ عَلَى جَمِيعِ جَسَدِهِ وَثَوْبِهِ الَّذِي يُدْرَجُ فِيهِ أَحْبَبْت ذَلِكَ، وَيُوضَعُ الْمَيِّتُ مِنْ الْكَفَنِ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَبْقَى مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ مِنْهُ أَقَلُّ مَا بَقِيَ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ ثُمَّ تُؤْخَذُ صنفة الثَّوْبِ الْيُمْنَى فَتُرَدُّ عَلَى شِقِّ الرِّجْلِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ تُؤْخَذُ صَنِفَتهُ الْيُسْرَى فَتَرُدُّ عَلَى شِقِّ الرِّجْلِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يُغَطِّيَ بِهَا صَنِفَتهُ الْأُولَى ثُمَّ يَصْنَعُ بِالثَّوْبِ الَّذِي يَلِيهِ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ بِالثَّوْبِ الْأَعْلَى مِثْلَ ذَلِكَ، وَأُحِبُّ أَنْ يُذَرَّ بَيْنَ أَضْعَافِهَا حَنُوطٌ وَالْكَافُورُ ثُمَّ يُجْمَعُ مَا عِنْدَ رَأْسِهِ مِنْ الثِّيَابِ جَمْعَ الْعِمَامَةِ ثُمَّ يُرَدُّ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى يُؤْتَى بِهِ صَدْرُهُ، وَمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ كَذَلِكَ حَتَّى يُؤْتَى بِهِ عَلَى ظَهْرِ رِجْلَيْهِ إلَى حَيْثُ بَلَغَ، فَإِنْ خَافُوا انْتِشَارَ الثِّيَابِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ عَقَدُوهَا كَيْ لَا تَنْتَشِرَ فَإِنْ أَدْخَلُوهُ الْقَبْرَ لَمْ يَدَعُوا عَلَيْهِ عُقْدَةً إلَّا حَلُّوهَا، وَلَا خِيَاطَةً إلَّا فَتَقُوهَا، وَأَضْجَعُوهُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ، وَرَفَعُوا رَأْسَهُ بِلَبِنَةٍ، وَأَسْنَدُوهُ لِئَلَّا يَسْتَلْقِيَ عَلَى ظَهْرِهِ، وَأَدْنَوْهُ فِي اللَّحْدِ مِنْ مُقَدَّمِهِ كَيْ لَا يَنْقَلِبَ عَلَى، وَجْهِهِ فَإِنْ كَانَ بِبَلَدٍ شَدِيدِ التُّرَابِ أَحْبَبْت أَنْ يُلْحَدَ لَهُ، وَيُنْصَبَ اللَّبِنُ عَلَى قَبْرِهِ ثُمَّ تُسَدُّ فُرَجُ اللَّبِنِ ثُمَّ يُهَالُ التُّرَابُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بِبَلَدٍ رَقِيقٍ ضُرِحَ لَهُ وَالضَّرْحُ أَنْ تُشَقَّ الْأَرْضُ ثُمَّ تُبْنَى ثُمَّ يُوضَعَ فِيهِ الْمَيِّتُ كَمَا وَصَفْت ثُمَّ سُقِفَ بِأَلْوَاحٍ ثُمَّ سُدَّتْ فُرَجُ الْأَلْوَاحِ ثُمَّ أُلْقِيَ عَلَى الْأَلْوَاحِ وَالْفُرَجِ إذْخِرٌ وَشَجَرٌ مَا كَانَ، فَيُمْسِكُ التُّرَابَ أَنْ يَنْتَخِلَ عَلَى الْمَيِّتِ فَوُضِعَ مِكْتَلًا مِكْتَلًا لِئَلَّا يَتَزَايَلَ الشَّجَرُ عَنْ مَوَاضِعِهِ ثُمَّ أُهِيلَ عَلَيْهِ

(1/321)

التُّرَابُ، وَالْإِهَالَةُ عَلَيْهِ أَنْ يَطْرَحَ مَنْ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ التُّرَابَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا عَلَيْهِ، وَيُهَالُ بِالْمَسَاحِي، وَلَا نُحِبُّ أَنْ يُزْدَادَ فِي الْقَبْرِ أَكْثَرُ مِنْ تُرَابِهِ لَيْسَ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لِئَلَّا يَرْتَفِعَ جِدًّا، وَيُشَخَّصُ الْقَبْرُ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ نَحْوَ مِنْ شِبْرٍ، وَيُسَطَّحُ، وَيُوضَعُ عَلَيْهِ حَصْبَاءُ وَتُسَدُّ أَرْجَاؤُهُ بِلَبِنٍ أَوْ بِنَاءٍ، وَيُرَشُّ عَلَى الْقَبْرِ وَيُوضَعُ عِنْدَ رَأْسِهِ صَخْرَةٌ أَوْ عَلَامَةٌ مَا كَانَتْ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْقَبْرِ فَذَلِكَ أَكْمَلُ مَا يَكُونُ مِنْ اتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ فَلْيَنْصَرِفْ مَنْ شَاءَ، وَالْمَرْأَةُ فِي غَسْلِهَا وَتَعَاهُدِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِثْلُ الرَّجُلِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَفَقَّدَ مِنْهَا أَكْثَرَ مَا يُتَفَقَّدُ مِنْ الرَّجُلِ، وَإِنْ كَانَ بِهَا بَطْنٌ أَوْ كَانَتْ نُفَسَاءَ أَوْ بِهَا عِلَّةٌ اُحْتِيطَ فَخِيطَ عَلَيْهَا لِبْدٌ لِيَمْنَعَ مَا يَأْتِي مِنْهَا إنْ جَاءَ، وَالْمَشْيُ بِالْجِنَازَةِ الْإِسْرَاعُ، وَهُوَ فَوْقَ سَجِيَّةِ الْمَشْيِ فَإِنْ كَانَتْ بِالْمَيِّتِ عِلَّةٌ يُخَافُ لَهَا أَنْ تُجِيءُ مِنْهُ شَيْئًا أَحْبَبْت أَنْ يُرْفَقَ بِالْمَشْيِ وَأَنْ يُدَارَى لِئَلَّا يَأْتِيَ مِنْهُ أَذًى، وَإِذَا غُسِّلَتْ الْمَرْأَةُ، ضُفِرَ شَعْرُهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ فَأُلْقِينَ خَلْفَهَا، وَأُحِبُّ لَوْ قُرِئَ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَدُعِيَ لِلْمَيِّتِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ، وَأُحِبُّ تَعْزِيَةَ أَهْلِ الْمَيِّتِ، وَجَاءَ الْأَثَرُ فِي تَعْزِيَتِهِمْ، وَأَنْ يُخَصَّ بِالتَّعْزِيَةِ كِبَارُهُمْ، وَصِغَارُهُمْ الْعَاجِزُونَ عَنْ احْتِمَالِ الْمُصِيبَةِ، وَأَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ أَهْلُ رَحِمِهِمْ وَجِيرَانُهُمْ طَعَامًا لِشُغْلِهِمْ بِمُصِيبَتِهِمْ عَنْ صَنْعَةِ الطَّعَامِ.

الْعِلَلُ فِي الْمَيِّتِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَ الْمَيِّتُ مَصْعُوقًا أَوْ مَيِّتًا غَمًّا أَوْ مَحْمُولًا عَلَيْهِ عَذَابٌ أَوْ حَرِيقًا أَوْ غَرِيقًا أَوْ بِهِ عِلَّةٌ قَدْ تَوَارَتْ بِمِثْلِ الْمَوْتِ اُسْتُؤْنِيَ بِدَفْنِهِ، وَتُعُوهِدَ حَتَّى يُسْتَيْقَنَ مَوْتُهُ لَا وَقْتَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً مَا لَمْ يَبِنْ بِهِ الْمَوْتُ أَوْ يُخَافُ أَثَرُهُ ثُمَّ غُسِّلَ وَدُفِنَ، وَإِذَا اسْتُيْقِنَ مَوْتُهُ عُجِّلَ غُسْلُهُ وَدَفْنُهُ، وَلِلْمَوْتِ عَلَامَاتٌ مِنْهَا امْتِدَادُ جِلْدَةِ الْوَلَدِ مُسْتَقْبِلِهِ
" قَالَ الرَّبِيعُ " يَعْنِي خُصَاهُ فَإِنَّهَا تُفَاضُ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَافْتِرَاجُ زَنْدَيْ يَدَيْهِ، وَاسْتِرْخَاءُ الْقَدَمَيْنِ حَتَّى لَا يَنْتَصِبَانِ، وَمَيَلَانُ الْأَنْفِ، وَعَلَامَاتٌ سِوَى هَذِهِ، فَإِذَا رُئِيَتْ دَلَّتْ عَلَى الْمَوْتِ.

[مَنْ يَدْخُلُ قَبْرَ الرَّجُلِ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : لَا يَضُرُّ الرَّجُلَ مَنْ دَخَلَ قَبْرَهُ مِنْ الرِّجَالِ وَلَا يَدْخُلُ النِّسَاءُ قَبْرَ رَجُلٍ، وَلَا امْرَأَةٍ إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ غَيْرُهُنَّ، وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونُوا وِتْرًا فِي الْقَبْرِ ثَلَاثَةً أَوْ خَمْسَةً أَوْ سَبْعَةً، وَلَا يَضُرُّهُمْ أَنْ يَكُونُوا شَفْعًا، وَيَدْخُلُهُ مَنْ يُطِيقُهُ، وَأُحِبُّهُمْ أَنْ يَدْخُلَ قَبْرَهُ أَفْقَهُهُمْ ثُمَّ أَقْرَبُهُمْ بِهِ رَحِمًا ثُمَّ يَدْخُلُ قَبْرَ الْمَرْأَةِ مِنْ الْعَدَدِ مِثْلُ مَنْ يَدْخُلُ قَبْرَ الرَّجُلِ، وَلَا تَدْخُلُهُ امْرَأَةٌ إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ غَيْرُهَا، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَلِيَهَا النِّسَاءُ لِتَخْلِيصِ شَيْءٍ إنْ كُنَّ يَلِينَهُ، وَحَلِّ عَقْدٍ عَنْهَا، وَإِنْ وَلِيَهَا الرِّجَالُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَلَا بَأْسَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَلِيَهَا إلَّا زَوْجٌ أَوْ ذُو مَحْرَمٍ إلَّا أَنْ يُوجَدَ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدُوا أَحْبَبْت أَنْ يَلِيَهَا رَقِيقٌ إنْ كَانُوا لَهَا فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَخُصْيَانٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا رَقِيقٌ فَذُو مَحْرَمٍ أَوْ وَلَاءٍ فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَمَنْ وَلِيَهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا بَأْسَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَتُغَسِّلُ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا، وَالرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إنْ شَاءَ وَتُغَسِّلُهَا ذَاتُ مَحْرَمٍ مِنْهَا أَحَبُّ إلَيَّ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَامْرَأَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَيُدْخِلُ الْمَرْأَةَ قَبْرَهَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مِنْ قَرَابَتِهَا أَحَدُ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ لَوْ احْتَاجَتْ إلَيْهِمْ فِي حَيَاتِهَا لَجَازَ لَهُمْ أَنْ يَنْظُرُوا إلَيْهَا وَيَشْهَدُوا عَلَيْهَا

(1/322)

[بَابُ التَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَائِزِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَيُكَبِّرُ عَلَى الْجَنَائِزِ أَرْبَعًا، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، وَيُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ عِنْدَ الْفَرَاغِ، وَيَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَدْعُو لِجُمْلَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ يُخْلِصُ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ وَمِمَّا يُسْتَحَبُّ فِي الدُّعَاءِ أَنْ يَقُولَ
" اللَّهُمَّ عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك خَرَجَ مِنْ رَوْحِ الدُّنْيَا وَسَعَتِهَا وَمَحْبُوبِهِ أَحِبَّائِهِ فِيهَا إلَى ظُلْمَةِ الْقَبْرِ، وَمَا هُوَ لَاقِيهِ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُك وَرَسُولُك، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ اللَّهُمَّ نَزَلَ بِك، وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ وَأَصْبَحَ فَقِيرًا إلَى رَحْمَتِك، وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ، وَقَدْ جِئْنَاك رَاغِبِينَ إلَيْك شُفَعَاءَ لَهُ اللَّهُمَّ فَإِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، وَبَلِّغْهُ بِرَحْمَتِك رِضَاك، وَقِه فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَهُ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَجَافِ الْأَرْضَ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَلَقِّهِ بِرَحْمَتِك الْأَمْنَ مِنْ عَذَابِك حَتَّى تَبْعَثَهُ إلَى جَنَّتِك يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ "، وَإِذَا أُدْخِلَ قَبْرَهُ أَنْ يُقَالَ " اللَّهُمَّ أَسْلَمَهُ إلَيْك الْأَهْلُ وَالْإِخْوَانُ وَرَجَعَ عَنْهُ كُلُّ مَنْ صَحِبَهُ، وَصَحِبَهُ عَمَلُهُ، اللَّهُمَّ فَزِدْ فِي حَسَنَتِهِ وَاشْكُرْهُ وَاحْطُطْ سَيِّئَتَهُ، وَاغْفِرْ لَهُ وَاجْمَعْ لَهُ بِرَحْمَتِك الْأَمْنَ مِنْ عَذَابِك، وَاكْفِهِ كُلَّ هَوْلٍ دُونَ الْجَنَّةِ اللَّهُمَّ وَاخْلُفْهُ فِي تَرِكَتِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَارْفَعْهُ فِي عِلِّيِّينَ، وَعُدْ عَلَيْهِ بِفَضْلِ رَحْمَتِك يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ "

(1/323)

[بَابُ الْحُكْمِ فِيمَنْ دَخَلَ فِي صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ هَلْ لَهُ قَطْعُ مَا دَخَلَ فِيهِ]
ِ قَبْلَ تَمَامِهِ؟ وَلَيْسَ فِي التَّرَاجِمِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : مَنْ دَخَلَ فِي صَوْمٍ وَاجِبٍ عَلَيْهِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ أَوْ قَضَاءٍ أَوْ صَوْمِ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ مِنْ وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ أَوْ صَلَّى مَكْتُوبَةً فِي وَقْتِهَا أَوْ قَضَاهَا أَوْ صَلَاةً نَذَرَهَا أَوْ صَلَاةَ طَوَافٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ صَوْمٍ، وَلَا صَلَاةٍ مَا كَانَ مُطِيقًا لِلصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ عَلَى طَهَارَةٍ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِلَا عُذْرٌ مِمَّا وَصَفْت أَوْ مَا أَشْبَهَهُ عَامِدًا، كَانَ مُفْسِدًا آثِمًا عِنْدَنَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَكَانَ عَلَيْهِ إذَا خَرَجَ مِنْهُ الْإِعَادَةُ لِمَا خَرَجَ مِنْهُ بِكَمَالِهِ فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ بِعُذْرٍ مِنْ سَهْوٍ أَوْ انْتِقَاضِ وُضُوءٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُذْرِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ فَيَقْضِيَ مَا تَرَكَ مِنْ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ بِكَمَالِهِ لَا يَحِلُّ لَهُ غَيْرُهُ طَالَ تَرْكُهُ لَهُ أَوْ قَصُرَ، وَأَصْلُ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْءِ تَرْكُ صَلَاةٍ، وَلَا صَوْمٍ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ فَيَقْضِيَ مَا تَرَكَ بِكَمَالِهِ فَخَرَجَ مِنْهُ قَبْلَ إكْمَالِهِ عَادَ، وَدَخَلَ فِيهِ فَأَكْمَلَهُ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُكْمِلْهُ بَعْدَ دُخُولِهِ فِيهِ فَهُوَ بِحَالَةٍ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَأْتِ بِهِ كَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تُكْمِلُ صَلَاةُ الْمُصَلِّي الصَّلَاةَ الْوَاجِبَةَ، وَصَوْمُ الصَّائِمِ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ إذَا قَدِمَ فِيهِ مَعَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ نِيَّةً يَدْخُلُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ فَلَوْ كَبَّرَ لَا يَنْوِي وَاجِبًا مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ دَخَلَ فِي الصَّوْمِ لَا يَنْوِي، وَاجِبًا لَمْ تُجْزِهِ صَلَاتُهُ وَلَا صِيَامُهُ مِنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ مِنْهُمَا، وَمَا قُلْت فِي هَذَا دَاخِلٌ فِي دَلَالَةِ سُنَّةٍ أَوْ أَثَرٍ لَا أَعْلَمُ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِيهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ تَطَوَّعَ بِصَلَاةٍ أَوْ طَوَافٍ أَوْ صِيَامٍ أَحْبَبْت لَهُ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ كَامِلًا إلَّا مِنْ أَمْرٍ يُعْذَرُ بِهِ كَمَا يُعْذَرُ فِي خُرُوجِهِ مِنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ بِالسَّهْوِ أَوْ الْعَجْزِ عَنْ طَاقَتِهِ أَوْ انْتِقَاضِ وُضُوءٍ فِي الصَّلَاةِ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ، فَإِنْ خَرَجَ بِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ فَلَوْ عَادَ لَهُ فَكَمَّلَهُ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدِي أَنْ يَعُودَ لَهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَلِمَ لَا يَعُودُ لِمَا دَخَلَ فِيهِ مِنْ التَّطَوُّعِ مِنْ صَوْمٍ وَصَلَاةٍ وَطَوَافٍ إذَا خَرَجَ مِنْهُ كَمَا يَعُودُ لِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ؟ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِاخْتِلَافِ الْوَاجِبِ مِنْ ذَلِكَ وَالنَّافِلَةِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَأَيْنَ الْخِلَافُ بَيْنَهُمَا؟ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا اخْتِلَافَ مُخْتَلِفَانِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهِمَا، وَبَعْدَهُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا وُجِدَ فِي اخْتِلَافِهِمَا؟ قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْت الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَكَانَ لَهُ تَرْكُهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا قِيلَ: أَفَرَأَيْت النَّافِلَةَ، أَكَانَ لَهُ تَرْكُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: أَفَتَرَاهُمَا مُتَبَايِنَتَيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: أَفَرَأَيْت الْوَاجِبَ عَلَيْهِ مِنْ صَوْمٍ وَصَلَاةٍ لَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ لَا يَنْوِي الصَّلَاةَ الَّتِي وَجَبَتْ بِعَيْنِهَا وَالصَّوْمَ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا وَلَوْ فَعَلَ لَمْ يُجْزِهِ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِيلَ لَهُ: أَفَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي صَلَاةِ نَافِلَةٍ، وَصَوْمٍ لَا يَنْوِي نَافِلَةً بِعَيْنِهَا، وَلَا فَرْضًا

(1/324)

أَفَتَكُونُ نَافِلَةً؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ قِيلَ لَهُ: وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ وَهُوَ مُطِيقٌ عَلَى الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا أَوْ مُضْطَجِعًا، وَفِي السَّفَرِ رَاكِبًا أَيْنَ تَوَجَّهَتْ بِهِ دَابَّتُهُ يُومِئُ إيمَاءً؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ قِيلَ لَهُ: وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ هَذَا فِي الْمَكْتُوبَةِ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا، قِيلَ: أَفَتَرَاهُمَا مُفْتَرِقَتَيْنِ بَيْنَ الِافْتِرَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهِمَا، وَمَعَ الدُّخُولِ، وَبَعْدَ الدُّخُولِ عِنْدَنَا وَعِنْدَك اسْتِدْلَالًا بِالسُّنَّةِ، وَمَا لَمْ أَعْلَمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مُخَالِفًا فِيهِ.
بَابُ الْخِلَافِ فِيهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَخَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ، وَآخَرُ فِي هَذَا فَكَلَّمْت بَعْضَ النَّاسِ، وَكَلَّمَنِي بِبَعْضِ مَا حَكَيْت فِي صَدْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَأَتَيْت عَلَى مَعَانِيهِ وَأَجَابَنِي بِجُمَلِ مَا قُلْت غَيْرَ أَنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي أَوْضَحْتُهَا حِينَ كَتَبْتُهَا بِأَكْثَرَ مِنْ اللَّفْظِ الَّذِي كَانَ مِنِّي حِينَ كَلَّمْتُهُ فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَحْكِيَ إلَّا مَا قُلْت عَلَى وَجْهِهِ، وَإِنْ كُنْت لَمْ أَحْكِ إلَّا مَعْنَى مَا قُلْت لَهُ بَلْ تَحَرَّيْت أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مَا قُلْت لَهُ، وَأَنْ آتِيَ عَلَى مَا قَالَ، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِيهَا هُوَ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِهِ مِمَّا سَأَحْكِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَا قَالُوا، وَقُلْت: فَقَالَ لِي: قَدْ عَلِمْت أَنَّ فُقَهَاءَ الْمَكِّيِّينَ، وَغَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدَنِيِّينَ يَقُولُونَ مَا قُلْت لَا يُخَالِفُونَك فِيهِ، وَقَدْ وَافَقَنَا فِي قَوْلِنَا بَعْضُ الْمَدَنِيِّينَ فَخَالَفَك مَرَّةً وَخَالَفَنَا فِي شَيْءٍ مِنْهُ فَقُلْت: لَا أَعْرِفُهُ بِعَيْنِهِ فَاذْكُرْ قَوْلَك وَالْحُجَّةَ فِيهِ ذِكْرَ مَنْ لَا يَحْتَجُّ إلَّا بِمَا يُرَى مِثْلُهُ حُجَّةً وَلَا تَذْكُرْ مِمَّا يُوَافِقُ قَوْلَك قَوْلَ مَنْ لَا يُرَى قَوْلُهُ حُجَّةً بِحَالٍ: قَالَ: أَفْعَلُ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَوْ أَخْبَرَنَا ثِقَةٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ «أَنَّ عَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ أَصْبَحَتَا صَائِمَتَيْنِ فَأُهْدِيَ لَهُمَا شَيْءٌ فَذَكَرَتَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ صُومَا يَوْمًا مَكَانَهُ» فَقُلْت: هَلْ عِنْدَك حُجَّةٌ مِنْ رِوَايَةٍ أَوْ أَثَرٍ لَازِمٍ غَيْرِ هَذَا؟ قَالَ: مَا يَحْضُرُنِي الْآنَ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَهَذَا الَّذِي كُنَّا نَبْنِي عَلَيْهِ مِنْ الْأَخْبَارِ فِي هَذَا قَالَ: فَقُلْت لَهُ: هَلْ تَقْبَلُ مِنِّي أَنْ أُحَدِّثَك مُرْسَلًا كَثِيرًا عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، وَابْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَنُظَرَائِهِمَا وَمَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْهُمَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَعَطَاءٌ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ؟ قَالَ: لَا. قُلْت: فَكَيْفَ قَبِلْت عَنْ ابْنِ شِهَابٍ مُرْسَلًا فِي شَيْءٍ وَلَا تَقْبَلُهُ عَنْهُ، وَلَا عَنْ مِثْلِهِ، وَلَا أَكْبَرَ مِنْهُ فِي شَيْءٍ غَيْرِهِ؟ قَالَ فَقَالَ: فَلَعَلَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ إلَّا عَنْ ثِقَةٍ. قُلْت: وَهَكَذَا يَقُولُ لَك مَنْ أَخَذَ بِمُرْسَلِهِ فِي غَيْرِ هَذَا، وَمُرْسَلِ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ فَيَقُولُ كُلَّمَا غَابَ عَنِّي مِمَّا يُمْكِنُ فِيهِ أَنْ يَحْمِلَهُ عَنْ ثِقَةٍ أَوْ عَنْ مَجْهُولٍ لَمْ تَقُمْ عَلَيَّ بِهِ حُجَّةٌ حَتَّى أَعْرِفَ مَنْ حَمَلَهُ عَنْهُ بِالثِّقَةِ فَأَقْبَلَهُ أَوْ أَجْهَلَهُ فَلَا أَقْبَلَهُ، قُلْت: وَلِمَ؟ إلَّا أَنَّك إنَّمَا أَنْزَلْتَهُ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَاتِ، وَلَا تَأْمَنُ أَنْ يَشْهَدَ لَك شَاهِدَانِ عَلَى مَا لَمْ يَرَيَا، وَلَمْ يُسَمِّيَا مَنْ شَهِدَا عَلَى شَهَادَتِهِ؟ قَالَ: أَجَلْ، وَهَكَذَا نَقُولُ فِي الْحَدِيثِ كُلِّهِ قَالَ: فَقُلْت لَهُ: وَقَدْ كَلَّمَنِي فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ كَلَامَ مَنْ كَأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ فِيهِ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا عِنْدَ ابْنِ شِهَابٍ، وَفِيهِ شَيْءٌ يُخَالِفُهُ، وَلَمْ نَعْرِفْ ثِقَةً ثَبْتًا يُخَالِفُهُ، وَهُوَ أَوْلَى أَنْ تَصِيرَ إلَيْهِ مِنْهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: فَكَانَ ذَاهِبًا عِنْدَ ابْنِ شِهَابٍ؟ قُلْت: نَعَمْ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَيْت عَنْ حَفْصَةَ، وَعَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَقُلْت لَهُ أَسَمِعْتَهُ مِنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ؟ قَالَ: لَا، إنَّمَا أَخْبَرَنِيهِ رَجُلٌ بِبَابِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَوْ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَاءِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لَهُ: أَفَرَأَيْت لَوْ كُنْت تَرَى الْحُجَّةَ تَقُومُ بِالْحَدِيثِ الْمُرْسَلِ ثُمَّ عَلِمْت أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ قَالَ فِي الْحَدِيثِ مَا حَكَيْت لَك أَتَقْبَلُهُ؟ قَالَ: لَا هَذَا يُوهِنُهُ بِأَنْ يُخْبِرَ أَنَّهُ قَبِلَهُ عَنْ

(1/325)

رَجُلٍ لَا يُسَمِّيهِ وَلَوْ عَرَفَهُ لَسَمَّاهُ أَوْ وَثَّقَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ: أَفَلَيْسَ يَقْبُحُ أَنْ يَدْخُلَ رَجُلٌ فِي صَلَاتِهِ ثُمَّ يَخْرُجَ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي صَوْمٍ فَيَخْرُجَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ صَوْمَ يَوْمٍ أَوْ فِي طَوَافٍ فَيَخْرُجَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ سَبْعًا؟ فَقُلْت لَهُ: وَقَدْ صِرْت إذْ لَمْ تَجِدْ حُجَّةً فِيمَا كُنْت تَحْتَجُّ بِهِ إلَى أَنْ تَكَلَّمَ كَلَامَ أَهْلِ الْهَالَةِ قَالَ: الَّذِي قُلْت أَحْسَنُ. قُلْت: أَتَقُولُ أَنْ يُكْمِلَ الرَّجُلُ مَا دَخَلَ فِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: وَأَحْسَنُ مِنْهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى أَضْعَافِهِ؟ قَالَ: أَجَلْ. قُلْت أَفَتُوجِبُهُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا قُلْت لَهُ: أَفَرَأَيْت رَجُلًا قَوِيًّا نَشِيطًا فَارِغًا لَا يَصُومُ يَوْمًا وَاحِدًا تَطَوُّعًا أَوْ لَا يَطُوفُ سَبْعًا أَوْ لَا يُصَلِّي رَكْعَةً هُوَ أَقْبَحُ فِعْلًا أَمْ مَنْ طَافَ فَلَمْ يُكْمِلْ طَوَافًا حَتَّى قَطَعَهُ مِنْ عُذْرٍ فَلَمْ يَبْنِ أَوْ صَنَعَ ذَلِكَ فِي صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ؟ قَالَ الَّذِي امْتَنَعَ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ ذَلِكَ سَيِّئٌ، قُلْت: أَفَتَأْمُرُهُ إذَا كَانَ فِعْلُهُ أَقْبَحَ أَنْ يُصَلِّيَ، وَيَصُومَ وَيَطُوفَ تَطَوُّعًا أَمْرًا تُوجِبُهُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا. قُلْت: فَلَيْسَ قَوْلُك أَحْسَنَ، وَأَقْبَحَ مِنْ مَوْضِعِ الْحُجَّةِ بِسَبِيلٍ هَهُنَا إنَّمَا هُوَ مَوْضِعُ اخْتِيَارٍ قَالَ: نَعَمْ فَلَمْ يَدْخُلْ الِاخْتِيَارُ فِي مَوْضِعِ الْحُجَّةِ، وَقَدْ أَجَزْنَا لَهُ قَبْلَ أَنْ نَقُولَ هَذَا مَا اخْتَرْت لَهُ وَأَكْثَرَ فَقُلْنَا: مَا نُحِبُّ أَنْ يُطِيقَ رَجُلٌ صَوْمًا فَيَأْتِيَ عَلَيْهِ شَهْرٌ لَا يَصُومُ بَعْضَهُ، وَلَا صَلَاةً فَيَأْتِي عَلَيْهِ لَيْلٌ، وَلَا نَهَارٌ إلَّا تَطَوَّعَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَدَدٍ كَثِيرٍ مِنْ الصَّلَاةِ، وَمَا يَزِيدُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ شَيْئًا إلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَا يُنْقِصُ مِنْهُ أَحَدٌ إلَّا وَالْحَظُّ لَهُ فِي تَرْكِ النَّقْصِ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ لِعَالِمٍ أَنْ يَقُولَ لِرَجُلٍ: هَذَا مَعِيبٌ، وَهَذَا مُسْتَخِفٌّ، وَالِاسْتِخْفَافُ، وَالْعَيْبُ بِالنِّيَّةِ، وَالْفِعْلِ وَقَدْ يَكُونُ الْفِعْلُ وَالتَّرْكُ مِمَّنْ لَا يَسْتَخِفُّ، فَقَالَ فِيمَا قُلْت مِنْ الرَّجُلِ يَخْرُجُ مِنْ التَّطَوُّعِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ الصَّوْمِ أَوْ الطَّوَافِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ خَبَرٌ يَلْزَمُ أَوْ قِيَاسٌ يُعْرَفُ؟ قُلْت: نَعَمْ.
قَالَ: فَاذْكُرْ بَعْضَ مَا يَحْضُرُك مِنْهَا قُلْنَا: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَمَّته عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ «عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْت إنَّا خَبَّأْنَا لَك حَيْسًا: فَقَالَ أَمَا إنِّي كُنْت أُرِيدُ الصَّوْمَ، وَلَكِنْ قَرِّبِيهِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ قَدْ قِيلَ: إنَّهُ يَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لَهُ: لَيْسَ فِيمَا حَفِظْت عَنْ سُفْيَانَ فِي الْحَدِيثِ، وَأَنَا أَسْأَلُك. قَالَ.

فَسَلْ: قُلْت أَرَأَيْت مَنْ دَخَلَ فِي صَوْمِ وَاجِبٍ عَلَيْهِ مِنْ كَفَّارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا لَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَيَقْضِيَ يَوْمًا مَكَانَهُ؟ قَالَ: لَا. قُلْت: أَفَرَأَيْت إنْ كَانَ مَنْ دَخَلَ فِي التَّطَوُّعِ عِنْدَك بِالصَّوْمِ كَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَيَجُوزُ أَنْ تَقُولَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ثُمَّ يَقْضِي؟ قَالَ: لَا. قُلْت: وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي الْحَدِيثِ وَكَانَ عَلَى مَعْنَى مَا ذَهَبْت إلَيْهِ كُنْت قَدْ خَالَفْتَهُ؟ قَالَ: فَلَوْ كَانَ فِي الْحَدِيثِ أَيُحْتَمَلُ مَعْنًى غَيْرُ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَهُ؟ قُلْت: نَعَمْ. يُحْتَمَلُ إنْ شَاءَ تَطَوَّعَ يَوْمًا مَكَانَهُ قَالَ: وَأَيَّامًا أَفَتَجِدُ فِي شَيْءٍ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْت؟ قُلْت: نَعَمْ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ أَبِي لَبِيدٍ قَالَ سَمِعْت أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: قَدِمَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْمَدِينَةَ فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ إذْ قَالَ: يَا كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ اذْهَبْ إلَى عَائِشَةَ فَسَلْهَا عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الْعَصْرِ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَذَهَبْت مَعَهُ إلَى عَائِشَةَ، وَبَعَثَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ مَعَنَا فَأَتَى عَائِشَةَ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ لَهُ: اذْهَبْ فَسَلْ أُمَّ سَلَمَةَ، فَذَهَبْت مَعَهُ إلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَسَأَلَهَا «فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَصَلَّى عِنْدِي رَكْعَتَيْنِ لَمْ أَكُنْ أَرَاهُ يُصَلِّيهِمَا قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْت صَلَاةً لَمْ أَكُنْ أَرَاك تُصَلِّيهَا قَالَ: إنِّي كُنْت أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَنَّهُ قَدِمَ عَلَيَّ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ أَوْ صَدَقَةٌ فَشَغَلُونِي عَنْهُمَا فَهُمَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «أَحَبُّ

(1/326)

الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» ، وَإِنَّمَا أَرَادَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى عَمَلٍ كَانَ يَعْمَلُهُ فَلَمَّا شُغِلَ عَنْهُ عَمِلَهُ فِي أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ مِنْهُ لَيْسَ أَنَّ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْعَصْرِ وَاجِبَتَانِ، وَلَا بَعْدَهَا، وَإِنَّمَا هُمَا نَافِلَةٌ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ " مَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَلْيُصَلِّهِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ فَإِنَّهُ قِيَامُ اللَّيْلِ " لَيْسَ أَنَّهُ يُوجِبُ قِيَامَ اللَّيْلِ وَلَا قَضَاءَهُ، وَلَكِنْ يَقُولُ مَنْ أَرَادَ تَحَرَّى فَصَلَّى فَلْيَفْعَلْ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ عُمَرَ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَسَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْإِسْلَامِ» ، وَهُوَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَهُ إنْ أَرَادَ أَنْ يَسْبِقَ بِاعْتِكَافٍ اعْتَكَفَ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنَّهُ نَذَرَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَخْبَرَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ، وَغَيْرُهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَامَ فِي سَفَرِهِ إلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يُفْطِرُوا فَقِيلَ لَهُ: إنَّ النَّاسَ صَامُوا حِينَ صُمْت فَدَعَا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ، وَأَمَرَ مَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ أَنْ يَحْبِسُوا فَلَمَّا حَبَسُوا، وَلَحِقَهُ مَنْ وَرَاءَهُ رَفَعَ الْإِنَاءَ إلَى فِيهِ فَشَرِبَ وَفِي حَدِيثِهِمَا أَوْ حَدِيثِ أَحَدِهِمَا، وَذَلِكَ بَعْدَ الْعَصْرِ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْمَدِينَةِ حَتَّى إذَا كَانَ بِكُرَاعِ الْغَمِيمِ، وَهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ رَفَعَ إنَاءً فِيهِ مَاءٌ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ، وَهُوَ عَلَى الرَّحْلِ فَحَبَسَ مَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَدْرَكَهُ مَنْ وَرَاءَهُ ثُمَّ شَرِبَ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ هَذَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ قُلْت: فَذَلِكَ أَوْكَدُ لِلْحُجَّةِ عَلَيْك أَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي السَّفَرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَا عِلَّةَ غَيْرُهُ بِرُخْصَةِ اللَّهِ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَصُومَ إنْ شَاءَ فَيُجْزَى عَنْهُ مَنْ أَفْطَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَكْمِلَهُ دَلَّ هَذَا عَلَى مَعْنَى قَوْلِي مِنْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّوْمِ أَنْ لَا يَدْخُلَ فِيهِ كَانَ بِالدُّخُولِ فِيهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ بِكُلِّ حَالٍ، وَكَانَ لَهُ إذَا دَخَلَ فِيهِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ بِكُلِّ حَالٍ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَالتَّطَوُّعُ بِكُلِّ وَجْهٍ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ هَكَذَا مِنْ الْفَرْضِ الَّذِي لَهُ تَرْكُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَى أَنْ يَقْضِيَهُ فِي غَيْرِهِ قَالَ: فَتَقُولُ بِهَذَا؟ قُلْت: نَعَمْ، أَقُولُهُ اتِّبَاعًا لِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] قَالَ لِي: فَقَدْ ذُكِرَ لِي أَنَّك تَحْفَظُ فِي هَذَا أَثَرًا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْت لَهُ: الَّذِي جِئْتُك بِهِ أَقْطَعُ لِلْعُذْرِ وَأَوْلَى أَنْ تَتَّبِعَهُ مِنْ الْأَثَرِ قَالَ فَاذْكُرْ الْأَثَرَ قُلْت: فَإِنْ ذَكَرْتُهُ بِمَا ثَبَتَ بِمِثْلِهِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ تَأْتِ بِشَيْءٍ يُخَالِفُهُ ثَابِتٍ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ تَعْلَمُ أَنَّ فِيمَا قُلْنَا الْحُجَّةَ، وَفِي خِلَافِهِ الْخَطَأَ؟ قَالَ: فَاذْكُرْهُ. قُلْت: أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ وَعَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يُفْطِرَ الْإِنْسَانُ فِي صِيَامِ التَّطَوُّعِ، وَيَضْرِبُ لِذَلِكَ أَمْثَالًا، رَجُلٌ قَدْ طَافَ سَبْعًا، وَلَمْ يُوفِهِ فَلَهُ مَا احْتَسَبَ أَوْ صَلَّى رَكْعَةً، وَلَمْ يُصَلِّ أُخْرَى فَلَهُ أَجْرُ مَا احْتَسَبَ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ، وَعَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَرَى بِالْإِفْطَارِ فِي صِيَامِ التَّطَوُّعِ بَأْسًا أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ، وَعَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بِالْإِفْطَارِ فِي صِيَامِ التَّطَوُّعِ بَأْسًا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي أَهْلَهُ حِينَ يَنْتَصِفُ النَّهَارَ أَوْ قَبْلَهُ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ غَدَاءٍ؟ فَيَجِدُهُ أَوْ لَا يَجِدُهُ

(1/327)

فَيَقُولُ: لَأَصُومَنَّ هَذَا الْيَوْمَ فَيَصُومُهُ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا، وَبَلَغَ ذَلِكَ الْحِينَ، وَهُوَ مُفْطِرٌ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنَا عَطَاءٌ، وَبَلَغَنَا أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يُصْبِحُ مُفْطِرًا حَتَّى الضُّحَى أَوْ بَعْدَهُ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ وَجَدَ غَدَاءً أَوْ لَمْ يَجِدْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي قَوْلِهِ يُصْبِحُ مُفْطِرًا يَعْنِي يُصْبِحُ لَمْ يَنْوِ صَوْمًا، وَلَمْ يَطْعَمْ شَيْئًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا لَا يُجْزِئُ فِي صَوْمٍ وَاجِبٍ حَتَّى يَنْوِيَ صَوْمَهُ قَبْلَ الْفَجْرِ، أَخْبَرَنَا الثِّقَاتُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْمَجِيدِ عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ خَرَجَ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّمَا هُوَ تَطَوُّعٌ فَمَنْ شَاءَ زَادَ وَمَنْ شَاءَ نَقَصَ أَخْبَرَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِإِسْنَادٍ لَا يَحْضُرُنِي ذِكْرُهُ فِيمَا يُثْبِتُ مِثْلَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِثْلُ مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ لَا يُخَالِفُهُ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ حَدَّثَنِي مَنْ رَأَى أَبَا ذَرٍّ يُكْثِرُ الرُّكُوعَ، وَالسُّجُودَ فَقِيلَ لَهُ: أَيُّهَا الشَّيْخُ تَدْرِي عَلَى شَفْعٍ تَنْصَرِفُ أَمْ عَلَى وِتْرٍ؟ قَالَ: لَكِنَّ اللَّهَ يَدْرِي أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي تَمِيمٍ الْمُنْذِرِيِّ عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ: أَتَيْت بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَإِذَا أَنَا بِشَيْخٍ يُكْثِرُ الرُّكُوعَ، وَالسُّجُودَ فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْت: إنَّك شَيْخٌ وَإِنَّك لَا تَدْرِي عَلَى شَفْعٍ انْصَرَفْت أَمْ عَلَى وِتْرٍ فَقَالَ: إنَّك قَدْ كُفِيت حِفْظَهُ وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنِّي لَا أَسْجُدُ سَجْدَةً إلَّا رَفَعَنِي اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً أَوْ كَتَبَ لِي بِهَا حَسَنَةً أَوْ جَمَعَ لِي كِلْتَيْهِمَا، قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ الشَّيْخُ الَّذِي صَلَّى، وَقَالَ الْمَقَالَةَ أَبُو ذَرٍّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَوْلُ أَبِي ذَرٍّ " لَكِنَّ اللَّهَ يَدْرِي "، وَقَوْلُهُ " قَدْ كُفِيت حِفْظَهُ " يَعْنِي عَلِمَ اللَّهُ بِهِ، وَيَتَوَسَّعُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ هُوَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَهَذَا لَا يَتَّسِعُ فِي الْفَرْضِ إلَّا أَنْ يَنْصَرِفَ عَلَى عَدَدٍ لَا يُزِيدُ فِيهِ، وَلَا يُنْقِصُ مِنْهُ شَيْئًا، وَقَدْ تَوَسَّعَ أَبُو ذَرٍّ فِيهِ فِي التَّطَوُّعِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقُلْت مَذْهَبُك فِيمَا يَظْهَرُ اتِّبَاعُ الْوَاحِدِ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا لَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ مِنْ رِوَايَتِك، وَرِوَايَةِ أَصْحَابِك الثَّابِتَةِ عِنْدَهُمْ مَا وُصِفَ عَنْ عَلِيٍّ وَعُمَرَ وَأَبِي ذَرٍّ مِنْ الرِّوَايَةِ الَّتِي لَا يَدْفَعُ عَالِمٌ أَنَّهَا غَايَةٌ فِي الثَّبْتِ رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَنَحْنُ وَأَنْتَ نُثْبِتُ رِوَايَتَنَا عَنْ جَابِرِ بِنَّ عَبِدِ اللَّهِ وَيَرْوِي عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَدَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يُوَافِقُ مَا قُلْنَا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا دَلَالَةٌ مِنْ سُنَّةٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا الْآثَارُ، وَأَيًّا كَانَ لَمْ يَكُ عَلَى أَصْلِ مَذْهَبِك أَنْ نَقُولَ قَوْلَنَا فِيهِ وَأَنْتَ تَرْوِي عَنْ عُمَرَ إذَا أَغْلَقَ بَابًا أَوْ أَرْخَى سِتْرًا فَقَدْ وَجَبَ الْمَهْرُ، وَنَقُولُ وَلَوْ تَصَادَقَا أَنَّهُ لَمْ يَمَسَّهَا، وَجَبَ الْمَهْرُ وَالْعِدَّةُ اتِّبَاعًا لِقَوْلِ عُمَرَ فَتُرَدُّ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ وَقَدْ خَالَفَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَشُرَيْحٌ وَتَأَوَّلَ حُجَّةً لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة: 237] ، وَلِقَوْلِهِ {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49] قَالُوا إنَّمَا أَوْجَبَ اللَّهُ الْمَهْرَ، وَالْعِدَّةَ فِي الطَّلَاقِ بِالْمَسِيسِ فَقُلْت: لَا تُنَازِعْ عُمَرَ، وَلَا تَتَأَوَّلْ مَعَهُ بَلْ تَتَّبِعُهُ، وَنَتَّبِعُ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: «مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا أَوْ تَرَكَهُ فَلْيُهْرِقْ دَمًا» ، وَفِي قَوْلِهِ " مَا الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الطَّعَامِ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ ثُمَّ يَقُولَ بِرَأْيِهِ، وَلَا أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إلَّا مِثْلَهُ فَقُلْت: لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ شَيْءٌ اُشْتُرِيَ مَتَى يُقْبَضُ اتِّبَاعًا لِابْنِ عَبَّاسٍ، وَتَرْوِي ذَلِكَ حُجَّةً عَلَى مَنْ خَالَفَك إذَا كَانَ مَعَك قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَتَرْوِي عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ خِلَافَ عُمَرَ، وَتَحْتَجُّ بِهِ عَلَيْهِ، وَتَرَى لَك فِيهِ حُجَّةً عَلَى مَنْ خَالَفَك ثُمَّ تَدَعُ عُمَرَ وَعَلِيًّا وَابْنَ عَبَّاسٍ وَجَابِرًا وَأَبَا ذَرٍّ، وَعَدَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَّفِقَةً أَقَاوِيلُهُمْ، وَأَفْعَالُهُمْ، وَتُخَالِفُهُمْ عَلَى أَقَاوِيلِهِمْ بِالْقِيَاسِ ثُمَّ تُخَطِّئُ الْقِيَاسَ أَرَأَيْت لَا يُمْكِنُ أَحَدًا فِي قَوْلِ، وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْك قِيَاسًا صَحِيحًا، وَمَعَهُمْ دَلَائِلُ السُّنَّةِ الَّتِي لَيْسَ لِأَحَدٍ خِلَافُهَا؟ (قَالَ) : أَفَتَكُونُ صَلَاةُ رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ؟ (قُلْت) : مَسْأَلَتُك مَعَ مَا وَصَفْت مِنْ الْأَخْبَارِ

(1/328)

جَهَالَةٌ أَوْ تَجَاهُلٌ فَإِنْ زَعَمْت أَنَّ لَنَا، وَلَك أَنْ نَكُونَ مُتَكَلِّمِينَ سُنَّةً أَوْ أَثَرًا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ سَأَلْت فِي مَوْضِعِ مَسْأَلَةٍ وَإِنْ زَعَمْت أَنَّ أَقَاوِيلَهُمْ غَايَةٌ يُنْتَهَى إلَيْهَا لَا تُجَاوَزُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا سُنَّةٌ لَمْ يَكُنْ لِمَسْأَلَتِك مَوْضِعٌ (قَالَ) : أَفَرَأَيْت إنْ كَنَعْت عَنْ الْقَوْلِ فِي الصِّيَامِ، وَالطَّوَافِ، وَكَلَّمْتُك فِي الصَّلَاةِ وَزَعَمْت أَنِّي لَا أَقِيسُ شَرِيعَةً بِشَرِيعَةٍ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لَك فَلَمَّا لَمْ أَجِدْ فِي الصَّوْمِ حَدِيثًا يَثْبُتُ يُخَالِفُ مَا ذَهَبْت إلَيْهِ، وَلَا فِي الطَّوَافِ، وَكَنَعْت عَنْ الْكَلَامِ فِيهِمَا قُلْت، وَرَجَعْت إلَى إجَازَةِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ صَوْمِ التَّطَوُّعِ، وَالطَّوَافِ؟ فَقَالَ بَلْ أَقِفُ فِيهِ قُلْت أَفَتَقْبَلُ مِنْ غَيْرِك الْوُقُوفَ عِنْدَ الْحُجَّةِ؟ قَالَ: لَعَلِّي سَأَجِدُ حُجَّةً فِيمَا قُلْتَ: قُلْت: فَإِنْ قَالَ لَك غَيْرُك فَلَعَلِّي سَأَجِدُ الْحُجَّةَ عَلَيْك فَلَا أَقْبَلُ مِنْك أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ، وَفَائِدَةُ وُقُوفِك، وَالْخَبَرُ الَّذِي يَلْزَمُ مِثْلُهُ عِنْدَك ثَابِتٌ بِخِلَافِ قَوْلِك فَإِنْ قَالَ فَإِنْ قُلْت لَك فِي الصَّلَاةِ إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «صَلَاةُ اللَّيْلِ، وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ» قُلْت: فَأَنْتَ تُخَالِفُ هَذَا فَتَقُولُ: صَلَاةُ النَّهَارِ أَرْبَعٌ، وَصَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى قَالَ بِحَدِيثٍ قُلْت فَهُوَ إذَنْ يُخَالِفُ هَذَا الْحَدِيثَ فَأَيُّهُمَا الثَّابِتُ؟ قَالَ فَاقْتَصِرْ عَلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَأَنْتَ تَعْرِفُ الْحَدِيثَ لَيْلًا، وَتُثْبِتُهُ؟ قُلْت: نَعَمْ. وَلَيْسَتْ لَك حُجَّةٌ فِيهِ إنْ لَمْ تَكُنْ عَلَيْك قَالَ، وَكَيْفَ قُلْت: إنَّمَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى لِمَنْ أَرَادَ صَلَاةً تُجَاوِزُ مَثْنَى فَأَمَرَ بِأَنْ يُسَلِّمَ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ لِئَلَّا تَشْتَبِهَ بِصَلَاةِ الْفَرِيضَةِ لَا أَنَّهُ حَرَامٌ أَنْ يُصَلِّيَ أَقَلَّ مِنْ مَثْنَى، وَلَا أَكْثَرَ قَالَ، وَأَيْنَ أَجَازَ أَنْ يُصَلِّيَ أَقَلَّ مِنْ مَثْنَى؟ قُلْت فِي قَوْلِهِ «فَإِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً يُوتِرُ بِهَا مَا قَدْ صَلَّى» فَقَدْ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً مُنْفَرِدَةً، وَجَعَلَهَا صَلَاةً، وَقَدْ رَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوتِرُ بِخَمْسِ رَكَعَاتٍ لَا يُسَلِّمُ، وَلَا يَجْلِسُ إلَّا فِي أُخْرَاهُنَّ» ، وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَلَّمَ مِنْ الرَّكْعَةِ وَالرَّكْعَتَيْنِ» ، وَأَخْبَرَ أَنَّ وَجْهَ الصَّلَاةِ فِي التَّطَوُّعِ أَنْ تَكُونَ مَثْنَى، وَلَمْ يُحَرِّمْ أَنْ تُجَاوِزَ مَثْنَى، وَلَا تَقْصُرَ عَنْهُ قَالَ فَإِنْ قُلْت بَلْ حَرَّمَ أَنْ لَا يُصَلِّيَ إلَّا مَثْنَى، قُلْت: فَأَنْتَ إذَنْ تُخَالِفُ إنْ زَعَمْت أَنَّ الْوِتْرَ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ زَعَمْت أَنَّهُ ثَلَاثٌ لَا يَفْصِلُ بِسَلَامٍ بَيْنَهُنَّ أَوْ أَكْثَرَ فَلَيْسَ وَاحِدَةٌ وَلَا ثَلَاثٌ مَثْنَى، قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ لَيْسَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ هَذَا بِحُجَّةٍ عَلَيْك عِنْدَهُ فَمَا زَالَ النَّاسُ يَأْمُرُونَ بِأَنْ يُصَلُّوا مَثْنَى، وَلَا يُحَرِّمُونَ دُونَ مَثْنَى فَإِذَا جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ غَيْرَ مَثْنَى قُلْت: فَلِمَ أَحْتَجُّ بِهِ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قُلْت لَهُ: نَحْنُ وَأَنْتَ مُجْمِعُونَ عَلَى إنَّمَا يَجِبُ لِلرَّجُلِ إذَا قَرَأَ السَّجْدَةَ طَاهِرًا أَنْ يَسْجُدَ، وَأَنْتَ تُوجِبُهَا عَلَيْهِ أَفَسَجْدَةٌ لَا قِرَاءَةَ فِيهَا أَقَلُّ أَمْ رَكْعَةٌ؟ قَالَ: هَذَا سُنَّةٌ وَأَثَرٌ قُلْت لَهُ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَى السُّنَّةِ وَلَا الْأَثَرِ؟ قَالَ: لَا. قُلْت: فَلِمَ أَدْخَلْتَهُ عَلَيْنَا فِي السُّنَّةِ وَالْأَثَرِ؟ وَإِذَا كَانَتْ سَجْدَةٌ تَكُونُ صَلَاةً، وَلَمْ تُبْطِلْهَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةُ اللَّيْلِ
" مَثْنَى لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ بِهَا أَنْ يُجَاوِزَ بِهَا مَثْنَى فَيَقْصُرَ بِهَا عَلَى مَثْنَى فَكَيْفَ عَبَثٌ أَنْ نَقُولَ أَقَلُّ مِنْ مَثْنَى، وَأَكْثَرُ مِنْ سَجْدَةِ صَلَاةٌ؟ قَالَ: فَإِنْ قُلْت: السُّجُودُ وَاجِبٌ قُلْنَا فَذَلِكَ أَوْكَدُ لِلْحُجَّةِ عَلَيْك أَنْ يُحِبَّ مِنْ الصَّلَاةِ سَجْدَةً بِلَا قِرَاءَةٍ، وَلَا رُكُوعٍ ثُمَّ تَعِيبَ أَنْ يَجُوزَ أَكْثَرُ مِنْهَا قُلْت لَهُ سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجْدَةَ شُكْرٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ الدَّرَاوَرْدِيُّ وَسَجَدَ أَبُو بَكْرٍ شُكْرًا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حِينَ جَاءَهُ قَتْلُ مُسَيْلِمَةَ،، وَسَجَدَ عُمَرُ حِينَ جَاءَهُ فَتْحُ مِصْرَ شُكْرًا لِلَّهِ جَلَّ اسْمُهُ فَإِذَا جَازَ أَنْ يُتَطَوَّعَ لِلَّهِ بِسَجْدَةٍ فَكَيْفَ كَرِهْت أَنْ يُتَطَوَّعَ بِأَكْثَرَ مِنْهَا؟

(1/329)

وَقُلْت لَهُ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا ذَهَبَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الْمُزَّمِّلِ حِينَ خَفَّفَ قِيَامَ اللَّيْلِ وَنِصْفِهِ قَالَ {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20] يَعْنِي صَلُّوا مَا تَيَسَّرَ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ فِيمَا قَدْ وُضِعَ عَنْهُمْ فَرْضُهُ بِلَا تَوْقِيتٍ كَانَ أَقْرَبَ إلَى أَنْ يُشْبِهَ أَنْ يَكُونَ هَذَا لَهُ حُجَّةً، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ مِنْك، وَقَدْ أَوْتَرَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَسَعْدٌ وَغَيْرُهُمَا بِرَكْعَةٍ فِي اللَّيْلِ لَمْ يَزِيدُوا عَلَيْهَا بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُتْبَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ كُرَيْبًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى مُعَاوِيَةَ صَلَّى الْعِشَاءَ ثُمَّ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا فَأَخْبَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: أَصَابَ أَيْ بَنَى لَيْسَ أَحَدٌ مِنَّا أَعْلَمَ مِنْ مُعَاوِيَةَ هِيَ وَاحِدَةٌ أَوْ خَمْسٌ أَوْ سَبْعٌ إلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الْوِتْرِ مَا شَاءَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خُصَيْفَةَ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيَّ عَنْ صَلَاةِ طَلْحَةَ قَالَ إنْ شِئْت أَخْبَرْتُك عَنْ صَلَاةِ عُثْمَانَ قَالَ قُلْت لَأَغْلِبَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى الْمُقَامِ فَقُمْت فَإِذَا بِرَجُلٍ يَزْحَمُنِي مُتَقَنِّعًا فَنَظَرْت فَإِذَا عُثْمَانُ قَالَ فَتَأَخَّرْت عَنْهُ فَصَلَّى فَإِذَا هُوَ يَسْجُدُ سُجُودَ الْقُرْآنِ حَتَّى إذَا قُلْت هَذِهِ هَوَادِي الْفَجْرِ فَأَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ لَمْ يُصَلِّ غَيْرَهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ فَمَا حُجَّتُك عَلَى صَاحِبِك الَّذِي خَالَفَ مَذْهَبَك؟ قُلْت لَهُ: حُجَّتِي عَلَيْك حُجَّتِي عَلَيْهِ، وَلَوْ سَكَتَ عَنْ جَمِيعِ مَا احْتَجَجْت بِهِ عَلَيْك سُكَاتَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ كُنْت مَحْجُوجًا عَلَى لِسَانِ نَفْسِك قَالَ: وَأَيْنَ؟ قُلْت: هَلْ تَعْدُو النَّافِلَةُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ مِنْ الصِّيَامِ كَمَا قُلْت مِنْ أَنَّهَا لَمَّا لَمْ يَجِبْ عَلَى الرَّجُلِ الدُّخُولُ فِيهَا فَدَخَلَ فِيهَا فَقَطَعَهَا أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ بَدَلُهَا إذَا لَمْ يَكُنْ أَصْلُهَا مِمَّا يَلْزَمُهُ تَأْدِيَتُهُ أَوْ تَكُونُ غَيْرَ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ فَإِذَا دَخَلَ فِيهَا، وَجَبَتْ بِدُخُولِهِ فِيهَا فَلَزِمَهُ تَمَامُهَا؟ قَالَ: مَا تَعْدُو وَاحِدًا مِنْ هَذَيْنِ، قُلْت: فَقَوْلُهُ خَارِجٌ مِنْ هَذَيْنِ؟ قَالَ: وَكَيْفَ؟ قُلْت: يَزْعُمُ أَنَّ مَنْ قَطَعَ صَلَاةً أَوْ صِيَامًا أَوْ طَوَافًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْضِيَهُ كَمَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الْمَفْرُوضِ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا كُلِّهِ وَمَنْ قَطَعَ مِنْ عُذْرٍ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَقْضِيَهُ، وَهُوَ يَزْعُمُ فِي الْمَفْرُوضِ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إذَا قَطَعَهُ مِنْ عِلَّةٍ أَنْ يَقْضِيَهُ كَمَا يَلْزَمُهُ إذَا قَطَعَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، قَالَ: لَيْسَ لِقَائِلِ هَذَا حُجَّةٌ يَحْتَاجُ عَالِمٌ مَعَهُ إلَى مُنَاظَرَاتِهِ، وَقَدْ كُنْت أَعْلَمُ أَنَّهُ يُوَافِقُنَا مِنْهُ فِي شَيْءٍ، وَيُخَالِفُنَا فِي شَيْءٍ لَمْ أَعْرِفْهُ حَتَّى ذَكَرَهُ قُلْت فَهَكَذَا قَوْلُهُ قَالَ فَلَعَلَّ عِنْدَهُ فِيهِ أَثَرًا، قُلْنَا: فَيُوهِمُ أَنَّ عِنْده أَثَرًا وَلَا يَذْكُرُهُ، وَأَنْتَ تَرَاهُ يَذْكُرُ مِنْ الْآثَارِ مَا لَا يُوَافِقُ قَوْلَهُ لَا تَرَى أَنْتَ لَهُ فِيهِ حُجَّةً، وَلَا أَثَرًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ فَبَقِيَتْ لَنَا عَلَيْك حُجَّةٌ، وَهِيَ أَنَّك تَرَكْت فِيهِمَا بَعْضَ الْأَصْلِ الَّذِي ذَهَبْت إلَيْهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت، وَمَا هِيَ؟ قَالَ: أَنْتَ تَقُولُ مَنْ تَطَوَّعَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَدَخَلَ فِيهِمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُمَا، وَهُمَا نَافِلَةٌ فَمَا فَرَّقَ بَيْنَ الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ صَلَاةٍ، وَطَوَافٍ، وَصَوْمٍ؟ قُلْت: الْفَرْقُ الَّذِي لَا أَعْلَمُك وَلَا أَحَدًا يُخَالِفُ فِيهِ قَالَ فَمَا هُوَ؟ قُلْت أَفَرَأَيْت مَنْ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ أَوْ صَوْمَهُ أَوْ طَوَافَهُ أَيَمْضِي فِي وَاحِدٍ مِنْهَا أَوْ يَسْتَأْنِفُهَا قَالَ: بَلْ يَسْتَأْنِفُهَا قُلْت، وَلَوْ مَضَى فِي صَلَاةٍ فَاسِدَةٍ أَوْ صَوْمٍ أَوْ طَوَافٍ لَمْ يُجْزِهِ، وَكَانَ عَاصِيًا، وَلَوْ فَسَدَتْ طَهَارَتُهُ، وَمَضَى مُصَلِّيًا أَوْ طَائِفًا لَمْ يَجُزْ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: يُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْت: أَفَرَأَيْت إذَا فَسَدَ حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ أَيُقَالُ لَهُ: اُخْرُجْ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْضِيَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَهُوَ فَاسِدٌ؟ قَالَ: لَا، وَقُلْت: وَيُقَالُ لَهُ اعْمَلْ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَقَدْ فَسَدَا كَمَا تَعْمَلُهُ صَحِيحًا لَا تَدَعْ مِنْ عَمَلِهِ شَيْئًا لِلْفَسَادِ، وَاحْجُجْ قَابِلًا، وَاعْتَمِرْ وَافْتَدِ، قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: أَفَتَرَاهُمَا يُشْبِهَانِ شَيْئًا مِمَّا وَصَفْت؟ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ




كلمات دليلية: