أحكام الحج والعمرة كاملة على المذهب الشافعي - كتاب الأم

أحكام الحج والعمرة كاملة على المذهب الشافعي - كتاب الأم
68

اسم الكتاب:
الأم



[كِتَابُ الْحَجِّ] [بَابُ فَرْضِ الْحَجِّ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ]
ِّ بَابُ فَرْضِ الْحَجِّ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ بِمِصْرَ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَتَيْنِ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَصْلُ إثْبَاتِ فَرْضِ الْحَجِّ خَاصَّةً فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْحَجَّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ فَحَكَى أَنَّهُ قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27] ، وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة: 2] مَعَ مَا ذَكَرَ بِهِ الْحَجَّ.
(
قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْآيَةُ الَّتِي فِيهَا بَيَانُ فَرْضِ الْحَجِّ عَلَى مَنْ فُرِضَ عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] وَقَالَ {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] وَهَذِهِ الْآيَةُ مَوْضُوعَةٌ بِتَفْسِيرِهَا فِي الْعُمْرَة.
(
قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] الْآيَةُ قَالَتْ الْيَهُودُ: فَنَحْنُ مُسْلِمُونَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ فَحَجَّهُمْ فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: حُجُّوا فَقَالُوا لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْنَا وَأَبَوْا أَنْ يَحُجُّوا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] قَالَ عِكْرِمَةُ: مَنْ كَفَرَ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ وَمَا أَشْبَهَ مَا قَالَ عِكْرِمَةُ بِمَا قَالَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ؛ لِأَنَّ هَذَا كُفْرٌ بِفَرْضِ الْحَجِّ وَقَدْ أَنْزَلَهُ اللَّهُ.
وَالْكُفْرُ بِآيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كُفْرٌ (أَخْبَرَنَا) : مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَنْ كَفَرَ} [آل عمران: 97] قَالَ هُوَ مَا إنْ حَجَّ لَمْ يَرَهُ بِرًّا، وَإِنْ جَلَسَ لَمْ يَرَهُ إثْمًا

(2/119)

كَانَ سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ يَذْهَبُ إلَى أَنَّهُ كُفْرٌ بِفَرْضِ الْحَجِّ.
(
قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ كَفَرَ بِآيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَانَ كَافِرًا وَهَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ: وَمَا قَالَ عِكْرِمَةُ فِيهِ أَوْضَحُ، وَإِنْ كَانَ هَذَا وَاضِحًا.
(
قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَعَمَّ فَرْضُ الْحَجِّ كُلَّ بَالِغٍ مُسْتَطِيعٍ إلَيْهِ سَبِيلًا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَلِمَ لَا يَكُونُ غَيْرُ الْبَالِغِ إذَا وَجَدَ إلَيْهِ سَبِيلًا مِمَّنْ عَلَيْهِ فَرْضُ الْحَجِّ؟ قِيلَ: الِاسْتِدْلَال بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَالَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: {وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور: 59] يَعْنِي الَّذِينَ أَمَرَهُمْ بِالِاسْتِئْذَانِ مِنْ الْبَالِغِينَ فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ إنَّمَا يَثْبُتُ عَلَيْهِمْ الْفَرْضُ فِي إيذَانِهِمْ فِي الِاسْتِئْذَانِ إذَا بَلَغُوا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6] فَلَمْ يَأْمُرْ بِدَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِمْ بِالرُّشْدِ حَتَّى يَجْتَمِعَ الْبُلُوغُ مَعَهُ وَفَرَضَ اللَّهُ الْجِهَادَ فِي كِتَابِهِ ثُمَّ أَكَّدَ الْيَقِينَ «فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ حَرِيصًا عَلَى أَنْ يُجَاهِدَ وَأَبُوهُ حَرِيصٌ عَلَى جِهَادِهِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشَرَةَ سَنَةً فَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ أُحُدٍ ثُمَّ أَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً عَامَ الْخَنْدَقِ» وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُبَيِّنُ عَنْ اللَّهِ مَا أَنْزَلَ جُمَلًا مِنْ إرَادَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ فَاسْتَدْلَلْنَا بِأَنَّ الْفَرَائِضَ وَالْحُدُودَ إنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْبَالِغِينَ وَصَنَعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ أُحُدٍ مَعَ ابْنِ عُمَرَ بِبِضْعَةِ عَشْرَ رَجُلًا كُلُّهُمْ فِي مِثْلِ سِنِّهِ
(
قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَالْحَجُّ وَاجِبٌ عَلَى الْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَالْفَرَائِضُ كُلُّهَا، وَإِنْ كَانَ سَفِيهًا وَكَذَلِكَ الْحُدُودُ، فَإِذَا حَجَّ بَالِغًا عَاقِلًا أَجْزَأَ عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ لِحَجَّةٍ أُخْرَى إذَا صَارَ رَشِيدًا وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْبَالِغَةُ (قَالَ) : وَفَرْضُ الْحَجِّ زَائِلٌ عَمَّنْ بَلَغَ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ؛ لِأَنَّ الْفَرَائِضَ عَلَى مَنْ عَقَلَهَا وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَاطَبَ بِالْفَرَائِضِ مَنْ فَرَضَهَا عَلَيْهِ فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِهِ وَلَا يُخَاطِبُ إلَّا مَنْ يَعْقِلُ الْمُخَاطَبَةَ وَكَذَلِكَ الْحُدُودُ، وَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَالْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ وَالنَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» ، فَإِنْ كَانَ يُجَنُّ وَيُفِيقُ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ، فَإِذَا حَجَّ مُفِيقًا أَجْزَأَ عَنْهُ، وَإِنْ حَجَّ فِي حَالِ جُنُونِهِ لَمْ يُجْزِ عَنْهُ الْحَجُّ وَعَلَى وَلِيِّ السَّفِيهِ الْبَالِغِ أَنْ يَتَكَارَى لَهُ وَيُمَوِّنَهُ فِي حَجِّهِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَلَا يُضَيِّعُ السَّفِيهُ مِنْ الْفَرَائِضِ شَيْئًا وَكَذَلِكَ وَلِيُّ السَّفِيهَةِ الْبَالِغَةِ

(
قَالَ الشَّافِعِيّ) : وَلَوْ حَجَّ غُلَامٌ قَبْلَ بُلُوغِ الْحُلُمِ وَاسْتِكْمَالِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ثُمَّ عَاشَ بَعْدَهَا بَالِغًا لَمْ يَحُجَّ لَمْ تَقْضِ الْحَجَّةُ الَّتِي حَجَّ قَبْلَ الْبُلُوغِ عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ حَجَّهَا قَبْلَ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ وَكَانَ فِي مَعْنَى مَنْ صَلَّى فَرِيضَةً قَبْلَ وَقْتِهَا الَّذِي تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَيَكُونُ بِهَا مُتَطَوِّعًا كَمَا يَكُونُ بِالصَّلَاةِ مُتَطَوِّعًا وَلَمْ يَخْتَلِفْ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ فِيمَا وَصَفْت فِي الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ

وَالْمَمَالِيكِ لَوْ حَجُّوا وَأَنْ لَيْسَتْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرِيضَةُ الْحَجِّ وَلَوْ أُذِنَ لِلْمُلُوكِ بِالْحَجِّ أَوْ أَحَجَّهُ سَيِّدُهُ كَانَ حَجُّهُ تَطَوُّعًا لَا يُجْزِي عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ إنْ عَتَقَ ثُمَّ عَاشَ مُدَّةً يُمْكِنُهُ فِيهَا أَنْ يَحُجَّ بَعْدَمَا ثَبَتَتْ عَلَيْهِ فَرِيضَةُ الْحَجِّ

(
قَالَ) : وَلَوْ حَجَّ كَافِرٌ بَالِغٌ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ تُجْزِ عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكْتَبُ لَهُ عَمَلٌ يُؤَدَّى فَرْضًا فِي بَدَنِهِ حَتَّى يَصِيرَ إلَى الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِذَا أَسْلَمَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ

(
قَالَ) : وَكَانَ فِي الْحَجِّ مُؤْنَةٌ فِي الْمَالِ وَكَانَ الْعَبْدُ لَا مَالَ لَهُ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَّنَ بِقَوْلِهِ «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى

(2/120)

أَنْ لَا مَالَ لِلْعَبْدِ وَإِنَّ مَا مَلَكَ فَإِنَّمَا هُوَ مِلْكٌ لِلسَّيِّدِ وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يُوَرِّثُونَ الْعَبْدَ مِنْ وَلَدِهِ وَلَا وَالِدِهِ وَلَا غَيْرِهِمْ شَيْئًا فَكَانَ هَذَا عِنْدَنَا مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ اسْتِدْلَالًا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إلَّا لِسَيِّدِهِ وَكَانَ سَيِّدُهُ غَيْرَ الْوَارِثِ وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَجْعَلُونَ عَلَى سَيِّدِهِ الْإِذْنَ لَهُ إلَى الْحَجِّ فَكَانَ الْعَبْدُ مِمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ إلَيْهِ سَبِيلًا فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْعَبِيدَ خَارِجُونَ مِنْ فَرْضِ الْحَجِّ بِخُرُوجِهِمْ مِنْ اسْتِطَاعَةِ الْحَجِّ وَخَارِجٌ مِنْ الْفَرْضِ لَوْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ. وَلَوْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ وَحَجَّ لَمْ تُجْزِ عَنْهُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ لَا تُجْزِي عَنْهُ؟ قُلْت؛ لِأَنَّهَا لَا تَلْزَمُهُ وَأَنَّهَا لَا تُجْزِي عَمَّنْ لَمْ تَلْزَمْهُ قَالَ وَمِثْلُ مَاذَا؟ قُلْت مِثْلُ مُصَلِّي الْمَكْتُوبَةِ قَبْلَ وَقْتِهَا وَصَائِمِ شَهْرِ رَمَضَانَ قَبْلَ إهْلَالِهِ لَا يُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا فِي وَقْتِهِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ عَلَى الْبَدَنِ وَالْعَمَلُ عَلَى الْبَدَنِ لَا يُجْزِي إلَّا فِي الْوَقْتِ، وَالْكَبِيرُ الْفَانِي الْقَادِرُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ وَفِي غَيْرِهِ وَلَيْسَ هَكَذَا الْمَمْلُوكُ وَلَا غَيْرُهُ الْبَالِغُ مِنْ الْأَحْرَارِ، فَلَوْ حَجَّا لَمْ تُجْزِ عَنْهُمَا حَجَّةُ الْإِسْلَامِ إذَا بَلَغَ هَذَا وَعَتَقَ هَذَا وَأَمْكَنَهُمَا الْحَجُّ.

[بَابُ كَيْفَ الِاسْتِطَاعَةُ إلَى الْحَجِّ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : الِاسْتِطَاعَةُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُسْتَطِيعًا بِبَدَنِهِ وَاجِدًا مِنْ مَالِهِ مَا يُبَلِّغُهُ الْحَجَّ فَتَكُونُ اسْتِطَاعَتُهُ تَامَّةً وَيَكُونُ عَلَيْهِ فَرْضُ الْحَجِّ لَا يُجْزِيهِ مَا كَانَ بِهَذَا الْحَالِ، إلَّا أَنْ يُؤَدِّيَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَالِاسْتِطَاعَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ مُضْنُوًّا فِي بَدَنِهِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى مَرْكَبٍ فَيَحُجَّ عَلَى الْمَرْكَبِ بِحَالٍ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَنْ يُطِيعُهُ إذَا أَمَرَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِطَاعَتِهِ لَهُ أَوْ قَادِرٌ عَلَى مَالٍ يَجِدُ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ بِبَعْضِهِ فَيَحُجَّ عَنْهُ فَيَكُونُ هَذَا مِمَّنْ لَزِمَتْهُ فَرِيضَةُ الْحَجِّ كَمَا قَدَرَ، وَمَعْرُوفٌ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ تَكُونُ بِالْبَدَنِ وَبِمَنْ يَقُومُ مَقَامَ الْبَدَنِ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ: أَنَا مُسْتَطِيعٌ لَأَنْ أَبْنِيَ دَارِي يَعْنِي بِيَدِهِ وَيَعْنِي بِأَنْ يَأْمُرَ مَنْ يَبْنِيهَا بِإِجَارَةٍ أَوْ يَتَطَوَّعُ بِبِنَائِهَا لَهُ، وَكَذَلِكَ مُسْتَطِيعٌ لَأَنْ أَخِيطَ ثَوْبِي، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَعْمَلُهُ هُوَ بِنَفْسِهِ وَيَعْمَلُهُ لَهُ غَيْرُهُ.

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: الْحَجُّ عَلَى الْبَدَنِ وَأَنْتَ تَقُولُ فِي الْأَعْمَالِ عَلَى الْأَبَدَانِ إنَّمَا يُؤَدِّيهَا عَامِلُهَا بِنَفْسِهِ مِثْلُ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ فَيُصَلِّي الْمَرْءُ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ صَلَّى جَالِسًا أَوْ مُضْطَجِعًا وَلَا يُصَلِّي عَنْهُ غَيْرُهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصَّوْمِ قَضَاهُ إذَا قَدَرَ أَوْ كَفَّرَ وَلَمْ يَصُمْ عَنْهُ غَيْرُهُ وَأَجْزَأَ عَنْهُ. قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الشَّرَائِعُ تَجْتَمِعُ فِي مَعْنَى وَتَفْتَرِقُ فِي غَيْرِهِ بِمَا فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَهَا فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ بِمَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ عَوَامُّ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَنْ يَجْهَلُوا أَحْكَامَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ قَالَ: فَادْلُلْنِي عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيلَ لَهُ: إنْ شَاءَ اللَّهُ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْت الزُّهْرِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ

(2/123)

سَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَهَلْ تَرَى أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعَمْ» قَالَ سُفْيَانُ هَكَذَا حَفِظْته عَنْ الزُّهْرِيِّ وَأَخْبَرَنِيهِ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُهُ، وَزَادَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ مِثْلُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَيْته نَفَعَهُ فَكَانَ فِيمَا حَفِظَ سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ مَا بَيَّنَ أَنَّ أَبَاهَا إذَا أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ الْحَجِّ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى رَاحِلَتِهِ أَنَّ جَائِزًا لِغَيْرِهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ، وَلَدٌ أَوْ غَيْرُهُ، وَأَنَّ لِغَيْرِهِ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ فَرْضًا إنْ كَانَ عَلَيْهِ فِي الْحَجِّ إذَا كَانَ غَيْرَ مُطِيقٍ لِتَأْدِيَتِهِ بِبَدَنِهِ فَالْفَرْضُ لَازِمٌ لَهُ، وَلَوْ لَمْ يَلْزَمْهُ لَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا فَرِيضَةَ عَلَى أَبِيك إذَا كَانَ إنَّمَا أَسْلَمَ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى الرَّاحِلَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَقَالَ: لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ إنَّمَا يَعْمَلُ الْمَرْءُ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ بَيَّنَ سُفْيَانَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي الْحَدِيثِ مَا لَمْ يَدَعْ بَعْدَهُ فِي قَلْبِ مَنْ لَيْسَ بِالْفَهْمِ شَيْئًا فَقَالَ فِي الْحَدِيثِ «فَقَالَتْ لَهُ: أَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعَمْ: كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيك دَيْنٌ فَقَضَيْته نَفَعَهُ» وَتَأْدِيَةُ الدَّيْنِ عَمَّنْ عَلَيْهِ حَيًّا وَمَيِّتًا فَرْضٌ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَرْأَةَ أَنَّ تَأْدِيَتَهَا عَنْهُ فَرِيضَةَ الْحَجِّ نَافِعَةٌ لَهُ كَمَا يَنْفَعُهُ تَأْدِيَتُهَا عَنْهُ دَيْنًا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ وَمَنْفَعَتُهُ إخْرَاجُهُ مِنْ الْمَآثِمِ وَإِيجَابُ أَجْرِ تَأْدِيَتِهِ الْفَرْضَ لَهُ كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الدَّيْنِ، وَلَا شَيْءَ أَوْلَى أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا مِمَّا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُ وَنَحْنُ نَجْمَعُ بِالْقِيَاسِ بَيْنَ مَا أَشْبَهَ فِي وَجْهٍ، وَإِنْ خَالَفَهُ فِي وَجْهٍ غَيْرِهِ، إذَا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَشَدَّ مُجَامَعَةً لَهُ مِنْهُ فَيَرَى أَنَّ الْحُجَّةَ تَلْزَمُ بِهِ الْعُلَمَاءَ، فَإِذَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ شَيْئَيْنِ، فَالْفَرْضُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُ، وَفِيهِ فَرْقٌ آخَرُ أَنَّ الْعَاقِلَ لِلصَّلَاةِ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ حَتَّى يُصَلِّيَهَا جَالِسًا إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ مُومِيًا وَكَيْفَمَا قَدَرَ وَأَنَّ الصَّوْمَ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ قَضَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَضَاءٍ كَفَّرَ، وَالْفَرْضُ عَلَى الْأَبَدَانِ مُجْتَمِعٌ فِي أَنَّهُ لَازِمٌ فِي حَالٍ ثُمَّ يَخْتَلِفُ بِمَا خَالَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَهُ وَرَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ بِمَا يُفَرِّقُ بِهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ بَعْضُ مَنْ هُوَ دُونَهُمْ، فَاَلَّذِي يُخَالِفُنَا وَلَا يُجِيزُ أَنْ يَحُجَّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ يَزْعُمُ أَنَّ مَنْ نَسِيَ فَتَكَلَّمَ فِي صَلَاةٍ لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ، وَمِنْ نَسِيَ فَأَكَلَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَسَدَ صَوْمُهُ وَيَزْعُمُ أَنَّ مَنْ جَامَعَ فِي الْحَجِّ أَهْدَى. وَمَنْ جَامَعَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ تَصَدَّقَ وَمَنْ جَامَعَ فِي الصَّلَاةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الْفَرَائِضِ فِيمَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً.
وَعِلَّتُهُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهَا خَبَرٌ وَإِجْمَاعٌ، فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ عِلَّتَهُ فَلِمَ رَدَّ مِثْلَ الَّذِي أَخَذَ بِهِ؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: «كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْهَا وَتَنْظُرُ إلَيْهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إلَى الشِّقِّ الْآخَرِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ» ، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي الْحَجِّ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ قَالَ: فَحُجِّي عَنْهُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ ثُمَّ جَاءَتْ امْرَأَةٌ

(2/124)

مِنْ خَثْعَمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدْ أَفْنَدَ وَأَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَدَاءَهَا فَهَلْ يُجْزِي عَنْهُ أَنْ أُؤَدِّيَهَا عَنْهُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَانٌ أَنَّ عَلَيْهِ أَدَاءَهَا إنْ قَدَرَ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَدَّاهَا عَنْهُ فَأَدَاؤُهَا إيَّاهَا عَنْهُ يُجْزِيهِ، وَالْأَدَاءُ لَا يَكُونُ إلَّا لِمَا لَزِمَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْت طَاوُسًا يَقُولُ: «أَتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إنَّ أُمِّيَّ مَاتَتْ وَعَلَيْهَا حَجَّةٌ فَقَالَ حُجِّي عَنْ أُمِّك» أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ «سَمِعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ فُلَانٍ فَقَالَ: إنْ كُنْت حَجَجْت فَلَبِّ عَنْهُ وَإِلَّا فَاحْجُجْ عَنْك» وَرُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ لِشَيْخٍ كَبِيرٍ لَمْ يَحْجُجْ " إنْ شِئْت فَجَهِّزْ رَجُلًا يَحُجُّ عَنْك ".
(
قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ جَهَّزَ مَنْ هُوَ بِهَذِهِ الْحَالِ رَجُلًا فَحَجَّ عَنْهُ ثُمَّ أَتَتْ لَهُ حَالٌ يَقْدِرُ فِيهَا عَلَى الْمَرْكَبِ لِلْحَجِّ وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَحُجَّ لَمْ تُجْزِ تِلْكَ الْحَجَّةُ عَنْهُ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَاتَ أَوْ صَارَ إلَى حَالٍ لَا يَقْدِرُ فِيهَا عَلَى الْحَجِّ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ إذَا بَلَغَ تِلْكَ الْحَالَ أَوْ مَاتَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُجْزِي عَنْهُ حَجُّ غَيْرِهِ بَعْدَ أَنْ لَا يَجِدَ السَّبِيلَ، فَإِذَا وَجَدَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَكَانَ مِمَّنْ فُرِضَ عَلَيْهِ بِبَدَنِهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ إذَا بَلَغَ تِلْكَ الْحَالَ، وَمَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ حَجٍّ فِي نَذْرٍ وَتَبَرُّرٍ فَهُوَ مِثْلُ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتِهِ، يَلْزَمُهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ وَيَحُجُّهُ عَنْهُ غَيْرُهُ، إذَا جَازَ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتَهُ جَازَ ذَلِكَ فِيمَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ.



[بَابُ الْخِلَافِ فِي الْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا نُسِبَ إلَى عِلْمٍ بِبَلَدٍ يُعْرَفُ أَهْلُهُ بِالْعِلْمِ خَالَفَنَا فِي أَنْ يُحَجَّ عَنْ الْمَرْءِ إذَا مَاتَ الْحَجَّةَ الْوَاجِبَةَ عَنْهُ إلَّا بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَا بِالْمَدِينَةِ وَأَعْلَامُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْأَكَابِرُ مِنْ مَاضِي فُقَهَائِهِمْ تَأْمُرُ بِهِ مَعَ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَمَرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ بِهِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَرَبِيعَةُ وَاَلَّذِي قَالَ لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ قَالَهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ سِوَى مَا رَوَى النَّاسُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ، أَنَّهُ أَمَرَ بَعْضَ مَنْ سَأَلَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ ثُمَّ تَرَكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ مَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَهُوَ يَرْوِي عَنْ ابْنِ عُمَرَ ثَلَاثَةً وَسِتِّينَ حَدِيثًا يُخَالِفُ ابْنَ عُمَرَ فِيهَا مِنْهَا مَا يَدَعُهُ لِمَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْهَا مَا يَدَعُهُ لِمَا جَاءَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا مَا يَدَعُهُ لِقَوْلِ رَجُلٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَمِنْهَا مَا يَدَعُهُ لِرَأْيِ نَفْسِهِ فَكَيْفَ جَازَ لِأَحَدٍ نَسَبَ نَفْسَهُ إلَى عِلْمٍ أَنْ يُحِلَّ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَهُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُجَّةً عَلَى السُّنَّةِ وَلَا يَجْعَلُهُ حُجَّةً عَلَى قَوْلِ نَفْسِهِ؟ وَكَانَ مِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَنْ قَالَ كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ رَجُلٌ عَنْ غَيْرِهِ وَلَيْسَ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا اتِّبَاعُهَا بِفَرْضِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَيْفَ وَالْمَسْأَلَةُ فِي شَيْءٍ قَدْ ثَبَتَتْ فِيهِ السُّنَّةُ مَا لَا يَسَعُ عَالِمًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَوْ جَازَ هَذَا لِأَحَدٍ جَازَ

(2/125)

عَلَيْهِ مِثْلُهُ فَقَدْ يُثْبِتُ الَّذِي قَالَ هَذَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشْيَاءَ بِأَضْعَفَ مِنْ إسْنَادِ أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْضَ النَّاسِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ بَعْضٍ وَلَهُ فِي هَذَا مُخَالِفُونَ كَثِيرٌ مِنْهَا الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ وَمِنْهَا بَيْعُ الْعَرَايَا، وَمِنْهَا النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ وَأَضْعَافُ هَذِهِ السُّنَنِ، فَكَيْفَ جَازَ لَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ أَنْ يُثْبِتَ الْأَضْعَفَ وَيَرُدَّ عَلَى غَيْرِهِ الْأَقْوَى؟ وَكَيْفَ جَازَ لَهُ أَنْ يَقُولَ بِالْقَسَامَةِ وَهِيَ مُخْتَلَفٌ فِيهَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ وَأَكْثَرُ الْخَلْقِ يُخَالِفُهُ فِيهَا وَأَعْطَى فِيهَا بِأَيْمَانِ الْمُدَّعِينَ الدَّمَ وَعَظِيمَ الْمَالِ، وَهُوَ لَا يُعْطِي بِهَا جُرْحًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا أَقَلَّ مِنْ الْمَالِ فِي غَيْرِهَا، فَإِنْ قَالَ لَيْسَ فِي السُّنَّةِ قِيَاسٌ وَلَا عَرْضٌ عَلَى الْعَقْلِ فَحَدِيثُ حَجِّ الرَّجُلِ عَنْ غَيْرِهِ أَثْبَتُ مِنْ جَمِيعِ مَا ذَكَرْت وَأَحْرَى أَنْ لَا يَبْعُدَ عَنْ الْعَقْلِ بَعْدَمَا وَصَفْت مِنْ الْقَسَامَةِ وَغَيْرِهَا ثُمَّ عَادَ فَقَالَ بِمَا عَابَ مِنْ حَجِّ الْمَرْءِ عَنْ غَيْرِهِ حَيْثُ لَوْ تَرَكَهُ كَانَ أَجْوَزَ لَهُ وَتَرَكَهُ حَيْثُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ فَقَالَ إذَا أَوْصَى الرَّجُلُ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ حُجَّ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ، وَأَصْلُ مَذْهَبِهِ أَنْ لَا يَحُجَّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، كَمَا لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَقَدْ سَأَلْت بَعْضَ مَنْ يَذْهَبُ مَذْهَبَهُ فَقُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَوْصَى الرَّجُلُ أَنْ يُصَلَّى أَوْ يُصَامَ عَنْهُ بِإِجَارَةٍ أَوْ نَفَقَةٍ غَيْرِ إجَارَةٍ أَوْ تَطَوُّعٍ، أَيُصَامُ أَوْ يُصَلَّى عَنْهُ؟ قَالَ: لَا. وَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ فَقُلْت لَهُ: فَإِذَا كَانَ إنَّمَا أَبْطَلَ الْحَجَّ؛ لِأَنَّهُ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فَكَيْفَ أَجَازَ أَنْ يَحُجَّ الْمَرْءُ عَنْ غَيْرِهِ بِمَالِهِ لَهُ وَلَمْ يُبْطِلْ الْوَصِيَّةَ فِيهِ كَمَا أَبْطَلَهَا؟ قَالَ أَجَازَهَا النَّاسُ قُلْت: فَالنَّاسُ الَّذِينَ أَجَازُوهَا أَجَازُوا أَنْ يَحُجَّ الرَّجُلُ عَنْ الرَّجُلِ إذَا أَفْنَدَ.
وَإِنْ مَاتَ بِكُلِّ حَالٍ وَأَنْتَ لَمْ تُجِزْهَا عَلَى مَا أَجَازُوهَا عَلَيْهِ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَلَمْ تُبْطِلْهَا إبْطَالَك الْوَصِيَّةَ بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِيهَا سُنَّةٌ وَلَا أَثَرٌ وَلَا قِيَاسٌ وَلَا مَعْقُولٌ، بَلْ كَانَ عِنْدَهُ خِلَافُ هَذَا كُلِّهِ وَخِلَافُ مَا احْتَجَّ بِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، فَمَا عَلِمْته إذْ قَالَ لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ اسْتَقَامَ عَلَيْهِ، وَلَا أَمَرَ بِالْحَجِّ فِي الْحَالِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَصْحَابُهُ وَعَامَّةُ الْفُقَهَاءِ وَمَا عَلِمْت مَنْ رَدَّ الْأَحَادِيثَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ تَرَوَّحُوا مِنْ الْحُجَّةِ عَلَيْنَا إلَى شَيْءٍ تَرَوُّحَهُمْ إلَى إبْطَالِ مَنْ أَبْطَلَ أَصْحَابُنَا أَنْ يَحُجَّ الْمَرْءُ عَنْ الْآخَرِ حَيْثُ أَبْطَلَهَا وَأَشْيَاءَ قَدْ تَرَكَهَا مِنْ السُّنَنِ وَلَا شَغَبَ فِيهِ شَغَبَهُ فِي هَذَا، فَقُلْنَا لِبَعْضِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: لَنَا مَذْهَبُك فِي التَّرَوُّحِ إلَى الْحُجَّةِ بِهَذَا مَذْهَبُ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ أَوْ مَنْ لَهُ عِلْمٌ بِلَا نَصَفَةٍ فَقَالَ: وَكَيْفَ؟ قُلْت أَرَأَيْت مَا تَرَوَّحْتَ إلَيْهِ مِنْ هَذَا أَهُوَ قَوْلُ أَحَدٍ يُلْزَمُ قَوْلُهُ فَأَنْتَ تُكْبِرُ خِلَافَهُ أَوْ قَوْلُ آدَمِيٍّ قَدْ يَدْخُلُ عَلَيْهِ مَا يَدْخُلُ عَلَى الْآدَمِيِّينَ مِنْ الْخَطَأِ؟ قَالَ: بَلْ قَوْلُ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ قُلْنَا فَتَرْكُهُ بِأَنْ يَحُجَّ الْمَرْءُ عَنْ غَيْرِهِ حَيْثُ تَرْكُهُ مَرْغُوبٌ عَنْهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنْهُ عِنْدَمَا قَالَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ نَاحِيَتِكُمْ قُلْنَا، وَمَا زَعَمْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا وَنَاحِيَتِنَا بَرِئَ مِنْ أَنْ يُغْفَلَ، وَإِنَّهُمْ لِكَالنَّاسِ وَمَا يَحْتَجُّ مُنْصِفٌ عَلَى امْرِئٍ بِقَوْلِ غَيْرِهِ إنَّمَا يَحْتَجُّ عَلَى الْمَرْءِ بِقَوْلِ نَفْسِهِ.


[بَابُ الْحَالِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا الْحَجُّ]

ُّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ تَرْكَ الْحَجِّ مَاشِيًا إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَرْكَبٍ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ وَالرَّجُلُ فِيهِ أَقَلُّ عُذْرًا مِنْ الْمَرْأَةِ وَلَا يَبِينُ لِي أَنْ أُوجِبَهُ عَلَيْهِ لِأَنِّي لَمْ أَحْفَظْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْمُفْتِينَ أَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا، وَقَدْ رَوَى أَحَادِيثَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا يَجِبَ الْمَشْيُ عَلَى أَحَدٍ إلَى الْحَجِّ، وَإِنْ أَطَاقَهُ غَيْرَ أَنَّ مِنْهَا مُنْقَطِعَةً وَمِنْهَا مَا يَمْتَنِعُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ مِنْ تَثْبِيتِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ قَعَدْنَا

(2/126)

إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَسَمِعْته يَقُولُ: «سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَا الْحَاجُّ؟ فَقَالَ الشَّعِثُ التَّفِلُ فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ الْعَجُّ وَالثَّجُّ فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا السَّبِيلُ؟ فَقَالَ: زَادٌ وَرَاحِلَةٌ» (قَالَ) : وَرُوِيَ عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نِمْرٍ عَمَّنْ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «السَّبِيلُ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» .

[بَابُ الِاسْتِسْلَافِ لِلْحَجِّ]

ِّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى صَاحِبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ سَأَلْته عَنْ الرَّجُلِ لَمْ يَحُجَّ أَيَسْتَقْرِضُ لِلْحَجِّ؟ قَالَ: لَا»

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَالِهِ سَعَةٌ يَحُجُّ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَقْرِضَ فَهُوَ لَا يَجِدُ السَّبِيلَ وَلَكِنْ إنْ كَانَ ذَا عَرَضٍ كَثِيرٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ بَعْضَ عَرَضِهِ أَوْ الِاسْتِدَانَةُ فِيهِ حَتَّى يَحُجَّ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَسْكَنٌ وَخَادِمٌ وَقُوتُ أَهْلِهِ بِقَدْرِ مَا يَرْجِعُ مِنْ الْحَجِّ إنْ سَلِمَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ، وَإِنْ كَانَ لَهُ قُوتُ أَهْلِهِ أَوْ مَا يَرْكَبُ بِهِ لَمْ يَجْمَعْهُمَا فَقُوتُ أَهْلِهِ أَلْزَمُ لَهُ مِنْ الْحَجِّ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ حَتَّى يَضَعَ لِأَهْلِهِ قُوتَهُمْ فِي قَدْرِ غَيْبَتِهِ.


وَلَوْ آجَرَ رَجُلٌ نَفْسَهُ مِنْ رَجُلٍ يَخْدُمُهُ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مَعَهُ أَجْزَأَتْ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَنْتَقِضْ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ بِالْإِجَارَةِ شَيْءٌ إذَا جَاءَ بِالْحَجِّ بِكَمَالِهِ وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِأَمْرِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَنْ يَنْقُضَ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ شَيْئًا كَمَا يَقُومُ بِأَمْرِ نَفْسِهِ إذَا جَاءَ بِمَا عَلَيْهِ وَكَمَا يَتَطَوَّعُ فَيَخْدُمُ غَيْرَهُ لِثَوَابٍ أَوْ لِغَيْرِ ثَوَابٍ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ وَسَعِيدٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ أَوْ آجُرُ نَفْسِي مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فَأَنْسُكَ مَعَهُمْ الْمَنَاسِكَ إلَى أَجْرٍ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَعَمْ {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [البقرة: 202] ، وَلَوْ حَجَّ رَجُلٌ فِي حُمْلَانِ غَيْرِهِ وَمُؤْنَتِهِ أَجْزَأَتْ عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ حَجَّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَرٌ حَمَلَهُمْ فَقَسَمَ بَيْنَ عَوَامِّهِمْ غَنَمًا مِنْ مَالِهِ فَذَبَحُوهَا عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِمْ وَأَجْزَأَتْ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ مَلَكُوا مَا أَعْطَاهُمْ مِنْ الْغَنَمِ فَذَبَحُوا مَا مَلَكُوا، وَمِنْ كَفَاهُ غَيْرُهُ مُؤْنَتَهُ أَجْزَأَتْ عَنْهُ مُتَطَوِّعًا أَوْ بِأُجْرَةٍ لَمْ يَنْتَقِضْ حَجُّهُ إذَا أَتَى بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْحَجِّ، وَمُبَاحٌ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْأُجْرَةَ وَيَقْبَلَ الصِّلَةَ، غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا، الصِّلَةُ لَا تَحْرُمُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ إنَّمَا تَحْرُمُ الصَّدَقَةُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا أَنْ يَسْأَلَ وَلَا يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ، وَإِنَّمَا السَّبِيلُ الَّذِي يُوجِبُ الْحَجَّ أَنْ يَجِدَ الْمُؤْنَةَ وَالْمَرْكَبَ مِنْ شَيْءٍ كَانَ يَمْلِكُهُ قَبْلَ الْحَجِّ أَوْ فِي وَقْتِهِ.


[بَابُ حَجِّ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَ فِيمَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّبِيلَ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تَجِدُهُمَا وَكَانَتْ مَعَ ثِقَةٍ مِنْ النِّسَاءِ فِي طَرِيقٍ مَأْهُولَةٍ آمِنَةٍ فَهِيَ مِمَّنْ عَلَيْهِ الْحَجُّ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْتَثْنِ فِيمَا يُوجِبُ الْحَجَّ إلَّا الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعَ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ ثِقَةٍ مِنْ النِّسَاءِ فَصَاعِدًا لَمْ تَخْرُجْ مَعَ رِجَالٍ لَا امْرَأَةَ مَعَهُمْ وَلَا مَحْرَمَ لَهَا مِنْهُمْ، وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلُ قَوْلِنَا فِي أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ لِلْحَجِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مَحْرَمٌ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ سُئِلَ عَطَاءٌ عَنْ امْرَأَةٍ لَيْسَ

(2/127)

مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ وَلَا زَوْجَ مَعَهَا وَلَكِنْ مَعَهَا وَلَائِدُ وَمَوْلَيَاتٌ يَلِينَ إنْزَالَهَا وَحِفْظَهَا وَرَفْعَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلْتَحُجَّ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ يُشْبِهُ غَيْرَ مَا ذَكَرْت؟ قِيلَ: نَعَمْ. مَا لَا يُخَالِفُنَا فِيهِ أَحَدٌ عَلِمْته مِنْ أَنَّ الْمَرْأَةَ يَلْزَمُهَا الْحَقُّ وَتَثْبُتُ عَلَيْهَا الدَّعْوَى بِبَلَدٍ لَا قَاضِيَ بِهِ فَتُجْلَبُ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَلَعَلَّ الدَّعْوَى تَبْطُلُ عَنْهَا أَوْ تَأْتِي بِمَخْرَجٍ مِنْ حَقٍّ لَوْ ثَبَتَ عَلَيْهَا مَسِيرَةُ أَيَّامٍ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ إذَا كَانَتْ مَعَهَا امْرَأَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي الْمُعْتَدَّاتِ {وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [الطلاق: 1] فَقِيلَ يُقَامُ عَلَيْهَا الْحَدُّ، فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهَا الْخُرُوجَ مِنْ حَقٍّ لَزِمَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَكَذَا وَكَانَ خُرُوجُهَا فَاحِشَةً فَهِيَ بِالْمَعْصِيَةِ بِالْخُرُوجِ إلَى غَيْرِ حَقٍّ أَلْزَمُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا دَلَّ عَلَى هَذَا؟ قِيلَ لَمْ يَخْتَلِفْ النَّاسُ فِيمَا عَلِمْته أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا وَكُلِّ حَقٍّ لَزِمَهَا، وَالسُّنَّةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا لِلنِّدَاءِ كَمَا أَخْرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ، فَإِذَا كَانَ الْكِتَابُ ثُمَّ السُّنَّةُ يَدُلَّانِ مَعًا وَالْإِجْمَاعُ فِي مَوْضِعٍ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ فِي الْحَالِ الَّتِي هِيَ مَمْنُوعَةٌ فِيهَا مِنْ خُرُوجٍ إلَى سَفَرٍ أَوْ خُرُوجٍ مِنْ بَيْتِهَا فِي الْعِدَّةِ إنَّمَا هُوَ عَلَى أَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِمَّا لَا يَلْزَمُهَا وَلَا يَكُونُ سَبِيلًا لِمَا يَلْزَمُهَا وَمَا لَهَا تَرْكُهُ، فَالْحَجُّ لَازِمٌ وَهِيَ لَهُ مُسْتَطِيعَةٌ بِالْمَالِ وَالْبَدَنِ وَمَعَهَا امْرَأَةٌ فَأَكْثَرُ ثِقَةً، فَإِذَا بَلَغَتْ الْمَرْأَةُ الْمَحِيضَ أَوْ اسْتَكْمَلَتْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَلَا مَالَ لَهَا تُطِيقُ بِهِ الْحَجَّ يُجْبَرُ أَبَوَاهَا وَلَا وَلِيَّ لَهَا وَلَا زَوْجُ الْمَرْأَةِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهَا مِنْ مَالِهِ مَا يُحِجُّهَا بِهِ (قَالَ) : وَلَوْ أَرَادَ رَجُلٌ الْحَجَّ مَاشِيًا وَكَانَ مِمَّنْ يُطِيقُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِأَبِيهِ وَلَا لِوَلِيِّهِ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ (قَالَ) : وَلَوْ أَرَادَتْ الْمَرْأَةُ الْحَجَّ مَاشِيَةً كَانَ لِوَلِيِّهَا مَنْعُهَا مِنْ الْمَشْيِ فِيمَا لَا يَلْزَمُهَا (قَالَ) : وَإِذَا بَلَغَتْ الْمَرْأَةُ قَادِرَةً بِنَفْسِهَا وَمَالِهَا عَلَى الْحَجِّ فَأَرَادَ وَلِيُّهَا مَنْعَهَا مِنْ الْحَجِّ أَوْ أَرَادَهُ زَوْجُهَا، مَنَعَهَا مِنْهُ مَا لَمْ تُهِلَّ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ بِغَيْرِ وَقْتٍ إلَّا فِي الْعُمْرِ كُلِّهِ، فَإِنْ أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ بِإِذْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهَا، وَإِنْ أَهَلَّتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَفِيهَا قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا أَنَّ عَلَيْهِ تَخْلِيَتَهَا، وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ لَزِمَهُ عِنْدِي أَنْ يَقُولَ: لَوْ تَطَوَّعَتْ فَأَهَلَّتْ بِالْحَجِّ: أَنَّ عَلَيْهِ تَخَلَّيْتهَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي الْحَجِّ مِمَّنْ قَدَرَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ وَلَزِمَهُ، غَيْرَ أَنَّهَا إذَا تَنَفَّلَتْ بِصَوْمٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهَا وَلَزِمَهُ عِنْدِي فِي قَوْلِهِ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ فِي الِاعْتِكَافِ وَالصَّلَاةِ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ كَمَنْ أُحْصِرَ فَتَذْبَحُ وَتُقَصِّرُ وَتُحِلُّ وَيَكُونُ ذَلِكَ لِزَوْجِهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ وَمُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَرْأَة تُهِلُّ بِالْحَجِّ فَيَمْنَعُهَا زَوْجُهَا: هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْحَصْرِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأُحِبُّ لِزَوْجِهَا أَنْ لَا يَمْنَعَهَا، فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَمْنَعَهَا كَانَ قَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ وَأَنَّ لَهُ تَرْكَهُ إيَّاهَا أَدَاءَ الْوَاجِبِ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا أُجِرَ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.


الْخِلَافُ فِي هَذَا الْبَابِ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْكَلَامِ إلَى مَعْنًى سَأَصِفُ مَا كَلَّمَنِي بِهِ وَمَنْ قَالَ قَوْلَهُ، فَزَعَمَ أَنَّ فَرْضَ الْحَجِّ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ إذَا لَزِمَهُ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُهُ أَنْ يَحُجَّ فِيهِ فَتَرَكَهُ فِي أَوَّلِ مَا يُمْكِنُهُ كَانَ آثِمًا بِتَرْكِهِ، وَكَانَ كَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى صَلَاتِهَا حَتَّى ذَهَبَ الْوَقْتُ، وَكَانَ إنَّمَا يُجْزِئُهُ حَجُّهُ بَعْدَ أَوَّلِ سَنَةٍ مِنْ مَقْدِرَتِهِ عَلَيْهِ قَضَاءً كَمَا تَكُونُ الصَّلَاةُ بَعْدَ ذَهَابِ الْوَقْتِ قَضَاءً، ثُمَّ أَعْطَانَا

(2/128)

بَعْضُهُمْ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ إذَا دَخَلَ وَقْتُهَا الْأَوَّلُ فَتَرَكَهَا، فَإِنْ صَلَّاهَا فِي الْوَقْتِ، وَفِيمَا نَذَرَ مِنْ صَوْمٍ، أَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ بِكَفَّارَةٍ أَوْ قَضَاءٍ، فَقَالَ فِيهِ كُلِّهِ مَتَى أَمْكَنَهُ فَأَخَّرَهُ فَهُوَ عَاصٍ بِتَأْخِيرِهِ ثُمَّ قَالَ فِي الْمَرْأَةِ يُجْبَرُ أَبُوهَا وَزَوْجُهَا عَلَى تَرْكِهَا لِهَذَا الْمَعْنَى وَقَالَهُ مَعَهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُفْتِي وَلَا أَعْرِفُ فِيهِ حُجَّةً إلَّا مَا وَصَفْت مِنْ مَذْهَبِ بَعْضِ أَهْلِ الْكَلَامِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَالَ لِي نَفَرٌ مِنْهُمْ: نَسْأَلُك مِنْ أَيْنَ قُلْت فِي الْحَجِّ لِلْمَرْءِ أَنْ يُؤَخِّرَهُ وَقَدْ أَمْكَنَهُ؟ ، فَإِنْ جَازَ ذَلِكَ جَازَ لَك مَا قُلْت فِي الْمَرْأَةِ؟ قُلْت: اسْتِدْلَالًا مَعَ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْحُجَّةِ اللَّازِمَةِ، قَالُوا فَاذْكُرْهَا، قُلْت: نَعَمْ «نَزَلَتْ فَرِيضَةُ الْحَجِّ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَأَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْحَاجِّ وَتَخَلَّفَ هُوَ عَنْ الْحَجِّ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ تَبُوكَ لَا مُحَارِبًا وَلَا مَشْغُولًا» ، وَتَخَلَّفَ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ قَادِرِينَ عَلَى الْحَجِّ وَأَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ كَانَ هَذَا كَمَا تَقُولُونَ لَمْ يَتَخَلَّفْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ فَرْضٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى الْحَجِّ بَعْدَ فَرْضِ الْحَجِّ إلَّا فِي حَجَّةِ الْإِسْلَامِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا حَجَّةُ الْوَدَاعِ، وَلَمْ يَدَعْ مُسْلِمًا يَتَخَلَّفُ عَنْ فَرْضِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ وَمَعَهُمْ أُلُوفٌ كُلُّهُمْ قَادِرٌ عَلَيْهِ لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ فَرِيضَةِ الْحَجِّ «وَصَلَّى جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي وَقْتَيْنِ وَقَالَ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ» وَقَدْ أَعْتَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعَتَمَةِ حَتَّى نَامَ الصِّبْيَانُ وَالنِّسَاءُ، وَلَوْ كَانَ كَمَا تَصِفُونَ صَلَّاهَا حِينَ غَابَ الشَّفَقُ وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: إنْ كَانَ لَيَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَمَا أَقْدِرُ عَلَى أَنْ أَقْضِيَهُ حَتَّى شَعْبَانَ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ تَصُومَ يَوْمًا زَوْجُهَا شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ» .

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقَالَ لِي بَعْضُهُمْ: فَصِفْ لِي وَقْتَ الْحَجِّ، فَقُلْت الْحَجُّ مَا بَيْنَ أَنْ يَجِبَ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يَمُوتَ أَوْ يَقْضِيَهُ، فَإِذَا مَاتَ عَلِمْنَا أَنَّ وَقْتَهُ قَدْ ذَهَبَ، قَالَ: مَا الدَّلَالَةُ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْت مَا وَصَفْت مِنْ تَأْخِيرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَزْوَاجِهِ وَكَثِيرٍ مِمَّنْ مَعَهُ وَقَدْ أَمْكَنَهُمْ الْحَجُّ، قَالَ: فَمَتَى يَكُونُ فَائِتًا؟ قُلْت إذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَهَا أَوْ بَلَغَ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهِ مِنْ الْإِفْنَادِ، قَالَ فَهَلْ يُقْضَى عَنْهُ؟ قُلْت: نَعَمْ. قَالَ: أَفَتُوجِدُنِي مِثْلَ هَذَا؟ قُلْت: نَعَمْ. يَكُونُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فِي كُلِّ مَا عَدَا شَهْرَ رَمَضَانَ، فَإِذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَهُ وَقَدْ أَمْكَنَهُ، كَفَّرَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ أَمْكَنَهُ فَتَرَكَهُ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُمْكِنَهُ لَمْ يُكَفِّرْ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يُدْرِكَهُ قَالَ: أَفَرَأَيْت الصَّلَاةَ؟ قُلْت: مُوَافِقَةٌ لِهَذَا فِي مَعْنًى، مُخَالِفَةٌ لَهُ فِي آخَرَ قَالَ: وَمَا الْمَعْنَى الَّذِي تُوَافِقُهُ؟ فِيهِ قُلْت: إنَّ لِلصَّلَاةِ وَقْتَيْنِ أَوَّلٌ وَآخَرُ، فَإِنْ أَخَّرَهَا عَنْ الْوَقْتِ الْأَوَّلِ كَانَ غَيْرَ مُفَرِّطٍ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ الْآخَرُ، فَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ كَانَ آثِمًا بِتَرْكِهِ ذَلِكَ وَقَدْ أَمْكَنَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ قَالَ: وَكَيْفَ خَالَفْت بَيْنَهُمَا؟ قُلْت: بِمَا خَالَفَ اللَّهُ ثُمَّ رَسُولُهُ بَيْنَهُمَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَائِضَ تَقْضِي صَوْمًا وَلَا تَقْضِي صَلَاةً وَلَا تُصَلِّي وَتَحُجُّ وَأَنَّ مَنْ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ بِجِمَاعٍ أَعَادَ بِلَا كَفَّارَةٍ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَأَنَّ مَنْ أَفْسَدَ صَوْمَهُ بِجِمَاعٍ كَفَّرَ وَأَعَادَ وَأَنَّ مَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ بِجِمَاعٍ كَفَّرَ غَيْرَ كَفَّارَةِ الصِّيَامِ وَأَعَادَ؟ قَالَ: قَدْ أَرَى افْتِرَاقَهُمَا فَدَعْ ذِكْرَهُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَكَيْفَ لَمْ تَقُلْ فِي الْمَرْأَةِ تُهِلُّ بِالْحَجِّ فَيَمْنَعُهَا وَلِيُّهَا أَنَّهُ لَا حَجَّ عَلَيْهَا وَلَا دَمَ إذْ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ، وَتَقُولُ ذَلِكَ فِي الْمَمْلُوكِ؟ قُلْت إنَّمَا أَقُولُ لَا حَجَّ عَلَيْهَا وَلَا دَمَ عَلَى مَنْ كَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ بِحَالٍ أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُحْرِمُ فِيهِ وَالْإِحْرَامُ لِهَذَيْنِ جَائِزٌ بِأَحْوَالٍ أَوْ حَالٍ لَيْسَا مَمْنُوعَيْنِ مِنْهُ بِالْوَقْتِ الَّذِي أَحْرَمَا فِيهِ إنَّمَا كَانَا مَمْنُوعَيْنِ مِنْهُ بِأَنَّ لِبَعْضِ

(2/129)

الْآدَمِيِّينَ عَلَيْهِمَا الْمَنْعَ وَلَوْ خَلَّاهُمَا كَانَ إحْرَامًا صَحِيحًا عَنْهُمَا مَعًا، فَإِنْ قَالَ: فَكَيْفَ قُلْت لَيُهْرِيقَا الدَّمَ فِي مَوْضِعِهِمَا قُلْت: نَحَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي الْحِلِّ إذْ أُحْصِرَ، فَإِنْ قَالَ: وَيُشْبِهُ هَذَا الْمُحْصَرَ؟ قِيلَ: لَا أَحْسِبُ شَيْئًا أَوْلَى أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ مِنْ الْمُحْصَرِ، وَهُوَ فِي بَعْضِ حَالَاتِهِ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَعْنَى الْمُحْصَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُحْصَرَ مَانِعٌ مِنْ الْآدَمِيِّينَ بِخَوْفٍ مِنْ الْمَمْنُوعِ فَجَعَلَ لَهُ الْخُرُوجَ مِنْ الْإِحْرَامِ، وَإِنْ كَانَ الْمَانِعُ مِنْ الْآدَمِيِّينَ مُتَعَدِّيًا بِالْمَنْعِ، فَإِذَا كَانَ لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ وَالْمَمْلُوكِ مَانِعٌ مِنْ الْآدَمِيِّينَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ كَانَا مُجَامِعَيْنِ لَهُ فِي مَنْعِ بَعْضِ الْآدَمِيِّينَ وَفِي أَكْثَرَ مِنْهُ، مِنْ أَنَّ الْآدَمِيَّ الَّذِي مَنَعَهُمَا، لَهُ مَنْعُهُمَا
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي الْعَبْدِ يُهِلُّ بِالْحَجِّ مِنْ غَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَدَعَهُ سَيِّدُهُ وَلَهُ مَنْعُهُ، وَإِذَا مَنَعَهُ فَالْعَبْدُ كَالْمُحْصَرِ لَا يَجُوزُ فِيهِ إلَّا قَوْلَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، أَحَدُهُمَا: أَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا دَمٌ لَا يُجْزِيهِ غَيْرُهُ فَيُحِلُّ إذَا كَانَ عَبْدًا غَيْرَ وَاجِدٍ لِلدَّمِ وَمَتَى عَتَقَ وَوَجَدَ ذَبَحَ، وَمَنْ قَالَ هَذَا فِي الْعَبْدِ قَالَهُ فِي الْحُرِّ يُحْصَرُ بِالْعَدُوِّ وَهُوَ لَا يَجِدُ شَيْئًا يَحْلِقُ وَيُحِلُّ وَمَتَى أَيْسَرَ أَدَّى الدَّمَ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ تُقَوَّمَ الشَّاةُ دَرَاهِمَ وَالدَّرَاهِمُ طَعَامًا، فَإِنْ وَجَدَ الطَّعَامَ تَصَدَّقَ بِهِ وَإِلَّا صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا وَالْعَبْدُ بِكُلِّ حَالٍ لَيْسَ بِوَاجِدٍ فَيَصُومُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ قَاسَهُ عَلَى مَا يَلْزَمُهُ مِنْ هَدْيِ الْمُتْعَةِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196] فَلَوْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَلَمْ يَصُمْ لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يُحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ وَحَجِّهِ وَيَكُونُ عَلَيْهِ بَعْدَهُ الْهَدْيُ أَوْ الطَّعَامُ، فَيُقَالُ: إذَا كَانَ لِلْمُحْصَرِ أَنْ يُحِلَّ بِدَمٍ يَذْبَحُهُ فَلَمْ يَجِدْهُ حَلَّ وَذَبَحَ مَتَى وَجَدَ أَوْ جَاءَ بِالْبَدَلِ مِنْ الذَّبْحِ إذَا كَانَ لَهُ بَدَلٌ وَلَا يَحْبِسُ لِلْهَدْيِ حَرَامًا عَلَى أَنْ يُحِلَّ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُؤْمَرُ فِيهِ بِالْإِحْلَالِ، وَقَاسَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَيْضًا عَلَى مَا يَلْزَمُهُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] فَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا ذَكَرَ الْهَدْيَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَجَعَلَ بَدَلَهُ غَيْرَهُ، وَجَعَلَ فِي الْكَفَّارَاتِ أَبْدَالًا، ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْمُحْصَرِ الدَّمَ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ كَانَ شَرْطُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْإِبْدَالَ فِي غَيْرِهِ مِمَّا يَلْزَمُ وَلَا يَجُوزُ لِلْعَالِمِ أَنْ يَجْعَلَ مَا أُنْزِلَ مِمَّا يَلْزَمُ فِي النُّسُكِ مُفَسَّرًا دَلِيلًا عَلَى مَا أُنْزِلَ مُجْمَلًا فَيَحْكُمُ فِي الْمُجْمَلِ حُكْمَ الْمُفَسَّرِ كَمَا قُلْنَا فِي ذِكْرِ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فِي قَتْلٍ، مِثْلُهَا رَقَبَةٌ فِي الظِّهَارِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ مُؤْمِنَةً فِيهِ، وَكَمَا قُلْنَا فِي الشُّهُودِ حِينَ ذُكِرُوا عُدُولًا وَذُكِرُوا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَلَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِمْ الْعُدُولَ: هُمْ عُدُولٌ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ عَلَى مَا شَرَطَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْغَيْرِ حَيْثُ شَرَطَهُ، فَاسْتَدْلَلْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْمُجْمَلِ حُكْمُ الْمُفَسَّرِ إذَا كَانَا فِي مَعْنًى وَاحِدٍ، وَالْبَدَلُ لَيْسَ بِزِيَادَةٍ وَقَدْ يَأْتِي مَوْضِعٌ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى لَا نَقُولُ هَذَا فِيهِ: هَذَا لَيْسَ بِالْبَيِّنِ أَنَّ لَازِمًا أَنْ نَقُولَ هَذَا فِي دَمِ الْإِحْصَارِ كُلَّ الْبَيَانِ وَلَيْسَ بِالْبَيِّنِ وَهُوَ مُجْمَلٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.


(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي الْمَرْأَةِ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ زَوْجٍ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ، تُهِلُّ بِالْحَجِّ إنْ رَاجَعَهَا فَلَهُ مَنْعُهَا، وَإِنْ لَمْ يُرَاجِعْهَا مَنَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ، فَإِذَا انْقَضَتْ الْعِدَّةُ فَهِيَ مَالِكَةٌ لِأَمْرِهَا وَيَكُونُ لَهَا أَنْ تُتِمَّ عَلَى الْحَجِّ، وَهَكَذَا الْمَالِكَةُ لِأَمْرِهَا الثَّيِّبُ تُحْرِمُ يُمْنَعُ وَلِيُّهَا مِنْ حَبْسِهَا وَيُقَالُ لِوَلِيِّهَا: إنْ شِئْت فَاخْرُجْ مَعَهَا وَإِلَّا بَعَثْنَا بِهَا مَعَ نِسَاءٍ ثِقَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ نِسَاءَ ثِقَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي سَفَرٍ أَنْ تَخْلُوَ بِرَجُلٍ وَلَا امْرَأَةَ مَعَهَا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ لَمْ تُبْطِلْ إحْرَامَهَا إذَا أَحْرَمَتْ فِي الْعِدَّةِ؟ قُلْت إذَا كَانَتْ تَجِدُ السَّبِيلَ إلَيْهِ بِحَالٍ لَمْ أُعَجِّلْ بِإِبْطَالِهِ حَتَّى أَعْلَمَ أَنْ لَا تَجِدَ السَّبِيلَ إلَيْهِ.

وَإِنْ أَهَلَّتْ فِي عِدَّةٍ مِنْ وَفَاةٍ أَوْ هِيَ قَدْ أَتَى عَلَى طَلَاقِهَا لَزِمَهَا الْإِهْلَالُ وَمَنَعَهَا الْخُرُوجَ حَتَّى تُتِمَّ عِدَّتَهَا، فَإِنْ انْقَضَتْ خَرَجَتْ، فَإِنْ أَدْرَكَتْ حَجًّا وَإِلَّا حَلَّتْ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَلِمَ لَا تَجْعَلُهَا مُحْصَرَةً بِمَانِعِهَا؟ قُلْت: لَهُ مَنْعُهَا إلَى مُدَّةٍ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهَا وَبُلُوغُهَا أَيَّامٍ يَأْتِي عَلَيْهَا لَيْسَ مَنْعُهَا بِشَيْءٍ إلَى غَيْرِهَا وَلَا يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ حَتَّى

(2/130)

قِيلَ قَدْ يَعْتِقُ قَبْلَ عِتْقِهِ شَيْءٌ يُحْدِثُهُ غَيْرُهُ لَهُ أَوْ لَا يُحْدِثُهُ وَلَيْسَ كَالْمُعْتَدَّةِ فِيمَا لِمَانِعِهَا مِنْ مَنْعِهَا فَلَوْ أَهَلَّ عَبْدٌ بِحَجٍّ فَمَنَعَهُ سَيِّدُهُ حَلَّ، وَإِنْ عَتَقَ بَعْدَمَا يُحِلُّ فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ إلَّا حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ عَتَقَ قَبْلَ أَنْ يُحِلَّ مَضَى فِي إحْرَامِهِ، كَمَا يُحْصَرُ الرَّجُلُ بِعَدُوٍّ فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يُحِلَّ، فَإِنْ لَمْ يُحِلَّ حَتَّى يَأْمَنَ الْعَدُوَّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُحِلَّ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَمْضِيَ فِي إحْرَامِهِ، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مَالِكَةً لِأَمْرِهَا أَهَلَّتْ بِحَجٍّ ثُمَّ نُكِحَتْ، لَمْ يَكُنْ لِزَوْجِهَا مَنْعُهَا مِنْ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ لَزِمَهَا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَنْعُهَا وَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ فِي مُضِيِّهَا وَلَا فِي إحْرَامِهَا فِي الْحَجِّ؛ لِأَنَّهَا مَانِعَةٌ لِنَفْسِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ، كَانَ مَعَهَا فِي حَجِّهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُحْرِمَةِ وَلَا الْمُحْرِمِ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا غَلَطٌ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُحْرِمَةِ وَلَا الْمُحْرِمِ فَلَمَّا أَهَلَّتْ هَذِهِ بِحَجٍّ ثُمَّ نُكِحَتْ كَانَ نِكَاحُهَا بَاطِلًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ يَمْنَعُهَا وَتَمْضِي فِي حَجِّهَا وَلَيْسَ لَهَا زَوْجٌ تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ لَهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي أَحْكَامِ الزَّوْجَاتِ، وَلَعَلَّ الشَّافِعِيَّ إنَّمَا حَكَى هَذَا الْقَوْلَ فِي قَوْلِ مَنْ يُجِيزُ نِكَاحَ الْمُحْرِمِ؛ فَأَمَّا قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُحْرِمِ وَلَا الْمُحْرِمَةِ، وَهَذَا لَهُ فِي كِتَابِ الشِّغَارِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَعَلَى وَلِيِّ السَّفِيهَةِ الْبَالِغَةِ إذَا تَطَوَّعَ لَهَا ذُو مَحْرَمٍ وَكَانَ لَهَا مَالٌ أَنْ يُعْطِيَهَا مِنْ مَالِهَا مَا تَحُجُّ بِهِ إذَا شَاءَتْ ذَلِكَ، وَكَانَ لَهَا ذُو مَحْرَمٍ يَحُجُّ بِهَا أَوْ خَرَجَتْ مَعَ نِسَاءٍ مُسْلِمَاتٍ.


[بَابُ الْمُدَّةِ الَّتِي يَلْزَمُ فِيهَا الْحَجُّ وَلَا يَلْزَمُ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا احْتَلَمَ الْغُلَامُ أَوْ حَاضَتْ الْجَارِيَةُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَكْمِلَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ اسْتَكْمَلَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً قَبْلَ الْبُلُوغِ وَهُمَا غَيْرُ مَغْلُوبَيْنِ عَلَى عُقُولِهِمَا وَاجِدَانِ مَرْكَبًا وَبَلَاغًا، مُطِيقَانِ الْمَرْكَبَ، غَيْرَ مَحْبُوسَيْنِ عَنْ الْحَجِّ بِمَرَضٍ وَلَا سُلْطَانٍ وَلَا عَدُوٍّ، وَهُمَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي بَلَغَا فِيهِ قَادِرَانِ بِمَوْضِعٍ، لَوْ خَرَجَا مِنْهُ، فَسَارَا بِسَيْرِ النَّاسِ قَدْرًا عَلَى الْحَجِّ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْحَجُّ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلَا حَتَّى مَاتَا فَقَدْ لَزِمَهُمَا الْحَجُّ، وَعَلَيْهِمَا بِأَنَّهُمَا قَادِرَانِ عَلَيْهِ فِي وَقْتٍ يُجْزِئُ عَنْهُمَا لَوْ مَضَيَا فِيهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُمَا الْحَجُّ، وَإِنْ كَانَا بِمَوْضِعٍ يَعْلَمَانِ أَنْ لَوْ خَرَجَا عِنْدَ بُلُوغِهِمَا، لَمْ يُدْرِكَا الْحَجَّ لِبُعْدِ دَارِهِمَا أَوْ دُنُوِّ الْحَجِّ، فَلَمْ يَخْرُجَا لِلْحَجِّ وَلَمْ يَعِيشَا حَتَّى أَتَى عَلَيْهِمَا حَجٌّ قَابِلٌ، فَلَا حَجَّ عَلَيْهِمَا، وَمَنْ لَمْ يَجِبْ الْحَجُّ عَلَيْهِ فَيَدَعُهُ وَهُوَ لَوْ حَجَّ أَجْزَأَهُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ.

وَلَوْ كَانَا إذَا بَلَغَا فَخَرَجَا يَسِيرَانِ سَيْرًا مُبَايِنًا لِسَيْرِ النَّاسِ فِي السُّرْعَةِ حَتَّى يَسِيرَا مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ فِي سَيْرِ الْعَامَّةِ فِي يَوْمٍ، وَمَسِيرَةَ ثَلَاثٍ فِي يَوْمَيْنِ، لَمْ يَلْزَمْهُمَا عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَسِيرَا سَيْرًا يُخَالِفُ سَيْرَ الْعَامَّةِ، فَهَذَا كُلُّهُ لَوْ فَعَلَا كَانَ حَسَنًا، وَلَوْ بَلَغَا عَاقِلَيْنِ ثُمَّ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهِمَا مَخْرَجُ أَهْلِ بِلَادِهِمَا حَتَّى غَلَبَ عَلَى عُقُولِهِمَا وَلَمْ تَرْجِعْ إلَيْهِمَا عُقُولُهُمَا فِي وَقْتٍ لَوْ خَرَجَا فِيهِ أَدْرَكَا حَجًّا، لَمْ يَلْزَمْهُمَا أَنْ يُحَجَّ عَنْهُمَا، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُمَا أَنْ يُحَجَّ عَنْهُمَا إذَا أَتَى عَلَيْهِمَا وَقْتٌ يَعْقِلَانِ فِيهِ ثُمَّ لَمْ تَذْهَبْ عُقُولُهُمَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِمَا وَقْتٌ لَوْ خَرَجَا فِيهِ إلَى الْحَجِّ بَلَغَاهُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا فَرْقٌ بَيْنَ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ وَبَيْنَ الْمَغْلُوبِ بِالْمَرَضِ؟ قِيلَ الْفَرَائِضُ عَلَى الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ زَائِلَةٌ فِي مُدَّتِهَا كُلِّهَا، وَالْفَرَائِضُ عَلَى الْمَغْلُوبِ بِالْمَرَضِ الْعَاقِلِ عَلَى بَدَنِهِ غَيْرُ زَائِلَةٍ فِي مُدَّتِهِ، وَلَوْ حَجَّ الْمَغْلُوبُ عَلَى عَقْلِهِ لَمْ يُجْزِ عَنْهُ لَا يُجْزِي عَمَلٌ عَلَى الْبَدَنِ لَا يَعْقِلُ عَامِلُهُ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43] وَلَوْ حَجَّ الْعَاقِلُ الْمَغْلُوبُ بِالْمَرَضِ أَجْزَأَ عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ بُلُوغُهُمَا فِي عَامِ جَدْبٍ الْأَغْلَبُ فِيهِ عَلَى النَّاسِ خَوْفُ الْهَلَكَةِ بِالْعَطَشِ فِي سَفَرِ أَهْلِ نَاحِيَةٍ هُمَا فِيهَا، أَوْ لَمْ يَكُنْ مَا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ مِنْ عَلَفٍ مَوْجُودٍ فِيهِ، أَوْ فِي خَوْفٍ مِنْ عَدُوٍّ

(2/131)

لَا يَقْوَى جَمَاعَةٌ حَاجٌّ مِصْرُهُمَا عَلَيْهِ أَوْ اللُّصُوصُ كَذَلِكَ، أَشْبَهَ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ مَنْ أَرَادَ فِيهِ الْحَجَّ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ لَهُ، فَيَكُونُ غَيْرَ لَازِمٍ لَهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُمْكِنَهُ الْحَجُّ بِتَغَيُّرِ هَذَا، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَجٌّ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَجَّ أَوَّلَ مَا بَلَغَ فَأُحْصِرَ بِعَدُوٍّ فَنَحَرَ وَحَلَّ دُونَ مَكَّةَ وَرَجَعَ فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْحَجُّ حَتَّى يَمُوتَ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَجٌّ، وَلَوْ كَانَ مَا وَصَفْت مِنْ الْحَائِلِ فِي الْبِرِّ، وَكَانَ يَقْدِرُ عَلَى الرُّكُوبِ فِي الْبَحْرِ، فَيَكُونُ لَهُ طَرِيقًا، أَحْبَبْت لَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَبِينُ لِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ رُكُوبُ الْبَحْرِ لِلْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ رُكُوبِ الْبَحْرِ خَوْفُ الْهَلَكَةِ، وَلَوْ بَلَغَا مَغْلُوبَيْنِ عَلَى عُقُولِهِمَا فَلَمْ يُفِيقَا فَتَأْتِي عَلَيْهِمَا مُدَّةٌ يَعْقِلَانِ فِيهَا وَيُمْكِنُهُمَا الْحَجُّ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا، وَإِذَا بَلَغَا مَعًا فَمَنَعَا الْحَجَّ بِعَدُوٍّ حَائِلٍ بَيْنَ أَهْلِ نَاحِيَتِهِمَا مَعًا وَبَيْنَ الْحَجِّ، ثُمَّ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهِمَا مُدَّةُ وَقْتِ الْحَجِّ، يَقْدِرَانِ هُمَا وَلَا غَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ نَاحِيَتِهِمَا فِيهِ عَلَى الْحَجِّ، فَلَا حَجَّ عَلَيْهِمَا يُقْضَى عَنْهُمَا إنْ مَاتَا قَبْلَ تَمَكُّنِهِمَا أَوْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ نَاحِيَتِهِمَا مِنْ الْحَجِّ، وَلَوْ حِيلَ بَيْنَهُمَا خَاصَّةً بِحَبْسٍ عَدُوٍّ أَوْ سُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِهِ وَكَانَ غَيْرُهُمَا يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ ثُمَّ مَاتَا وَلَمْ يَحُجَّا كَانَ هَذَانِ مِمَّنْ عَلَيْهِ الِاسْتِطَاعَةُ بِغَيْرِهِمَا وَيُقْضَى الْحَجُّ عَنْهُمَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ حُبِسَ بِبَلَدِهِ أَوْ فِي طَرِيقِهِ بِمَرَضٍ أَوْ زَمَنٍ لَا بِعِلَّةِ غَيْرِهِ وَعَاشَ حَتَّى الْحَجِّ غَيْرَ صَحِيحٍ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَصِحَّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ، وَجِمَاعُ هَذَا أَنْ يَكُونَ الْبَالِغَانِ إذَا لَمْ يَقْدِرَا بِأَيِّ وَجْهٍ مَا كَانَتْ الْقُدْرَةُ بِأَبْدَانِهِمَا وَهُمَا قَادِرَانِ بِأَمْوَالِهِمَا وَفِي نَاحِيَتِهِمَا مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ غَيْرُهُمَا ثُمَّ مَاتَا قَبْلَ أَنْ يَحُجَّا فَقَدْ لَزِمَهُمَا الْحَجُّ، إنَّمَا يَكُونُ غَيْرَ لَازِمٍ لَهُمَا إذَا لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ نَاحِيَتِهِمَا عَلَى الْحَجِّ بِبَعْضِ مَا وَصَفْت، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا خَالَفَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْمُحْصَرِ بِمَا ذَكَرْت مِنْ عَدُوٍّ وَحَدَثٍ؟ قِيلَ ذَلِكَ لَا يَجِدُ السَّبِيلَ بِنَفْسِهِ إلَى الْحَجِّ وَلَا إلَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ غَيْرُهُ مِنْ نَاحِيَتِهِ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ غَيْرَهُ فِي مَعْنَاهُ فِي خَوْفِ الْعَدُوِّ وَالْهَلَكَةِ بِالْجَدْبِ وَالزَّمِنِ وَالْمَرَضِ، وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا بِنَفْسِهِ فَقَدْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ صَحِيحٌ غَيْرُهُ، وَمِثْلُ هَذَا أَنْ يَحْبِسَهُ سُلْطَانٌ عَنْ حَجٍّ أَوْ لُصُوصٌ وَحْدَهُ، وَغَيْرُهُ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ فَيَمُوتُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ، وَالشَّيْخُ الْفَانِي أَقْرَبُ مِنْ الْعُذْرِ مِنْ هَذَيْنِ، وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ إذَا وُجِدَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ.


[بَابُ الِاسْتِطَاعَةِ بِنَفْسِهِ وَغَيْرِهِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَمَّا «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخَثْعَمِيَّةَ بِالْحَجِّ عَنْ أَبِيهَا» دَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} [آل عمران: 97] عَلَى مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْتَطِيعَهُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ وَالْآخَرُ أَنْ يَعْجِزَ عَنْهُ بِنَفْسِهِ بِعَارِضِ كِبَرٍ أَوْ سَقَمٍ أَوْ فِطْرَةِ خِلْقَةٍ، لَا يَقْدِرُ مَعَهَا عَلَى الثُّبُوتِ عَلَى الْمَرْكَبِ وَيَكُونُ مَنْ يُطِيعُهُ إذَا أَمَرَهُ بِالْحَجِّ عَنْهُ، إمَّا بِشَيْءٍ يُعْطِيهِ إيَّاهُ وَهُوَ وَاجِدٌ لَهُ، وَإِمَّا بِغَيْرِ شَيْءٍ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ إذَا وَجَدَ، أَوْ يَأْمُرَ إنْ أُطِيعَ، وَهَذِهِ إحْدَى الِاسْتِطَاعَتَيْنِ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الرَّجُلِ يُسَلِّمُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الثُّبُوتِ عَلَى الْمَرْكَبِ أَوْ الصَّبِيِّ يَبْلُغُ كَذَلِكَ أَوْ الْعَبْدِ يُعْتَقُ كَذَلِكَ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ إنْ قَدَرَ عَلَى الثُّبُوتِ عَلَى الْمَحْمَلِ بِلَا ضَرَرٍ وَكَانَ وَاجِدًا لَهُ أَوْ لِمَرْكَبِ غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى غَيْرِهِ، أَنْ يَرْكَبَ الْمَحْمَلَ أَوْ مَا أَمْكَنَهُ الثُّبُوتُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَرْكَبِ.

وَإِنْ كَانَ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ لَا يَجِدُ مُطِيعًا وَلَا مَالًا، فَهُوَ مِمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ بِالْبَدَنِ وَلَا بِالطَّاعَةِ فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ، وَجِمَاعُ الطَّاعَةِ الَّتِي تُوجِبُ الْحَجَّ وَتَفْرِيعُهَا اثْنَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَأْمُرَ فَيُطَاعُ بِلَا مَالٍ، وَالْآخَرُ أَنْ يَجِدَ مَالًا يَسْتَأْجِرُ بِهِ مَنْ يُطِيعُهُ، فَتَكُونُ إحْدَى الطَّاعَتَيْنِ، وَلَوْ تَحَامَلَ فَحَجَّ أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَرَجَوْت أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ أَجْرًا مِمَّنْ

(2/132)

يَخِفُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَلَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَرْأَةَ أَنْ تَحُجَّ عَنْ أَبِيهَا إذْ أَسْلَمَ وَهُوَ لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ الْفَرْضَ إذَا كَانَ مُسْتَطِيعًا بِغَيْرِهِ، إذَا كَانَ فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَالْمَيِّتُ أَوْلَى أَنْ يَجُوزَ الْحَجُّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَعْنَى هَذَا الَّذِي لَوْ تَكَلَّفَ الْحَجَّ بِحَالٍ أَجْزَأَهُ، وَالْمَيِّتُ لَا يَكُونُ فِيهِ تَكَلُّفٌ أَبَدًا.

[بَابُ الْحَالِ الَّتِي يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ فِيهَا الرَّجُلُ عَنْ غَيْرِهِ]

ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَجِّ الْوَاجِبِ أَنْ يَحُجَّ الْمَرْءُ عَنْ غَيْرِهِ فَاحْتَمَلَ الْقِيَاسُ عَلَى هَذَا وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى خَلْقِهِ فَرْضَيْنِ، أَحَدُهُمَا فَرْضٌ عَلَى الْبَدَنِ، وَالْآخَرُ فَرْضٌ فِي الْمَالِ، فَلَمَّا كَانَ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الْأَبَدَانِ عَلَيْهَا لَا يَتَجَاوَزُهَا، مِثْلُ الصَّلَاةِ وَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَغَيْرِهَا، وَلَا يُصْرَفُ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا بِحَالٍ، وَكَانَ الْمَرِيضُ يُصَلِّي كَمَا رَأَى، وَيَغْلِبُ عَلَى عَقْلِهِ فَيَرْتَفِعُ عَنْهُ فَرْضُ الصَّلَاةِ، وَتَحِيضُ الْمَرْأَةُ فَيَرْتَفِعُ عَنْهَا فَرْضُ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِ الْغَلَبَةِ عَلَى الْعَقْلِ وَالْحَيْضِ، وَلَا يُجْزِي الْمَغْلُوبَ عَلَى عَقْلِهِ صَلَاةٌ صَلَّاهَا وَهُوَ مَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ، وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ لَا تُجْزِيهَا صَلَاةٌ صَلَّتْهَا وَهِيَ حَائِضٌ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصَلِّيَ عَنْهُمَا غَيْرُهُمَا فِي حَالِهِمَا تِلْكَ، فَلَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَرْءَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، كَانَ هَذَا كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتِهِ، وَكُلُّ مَا وَجَبَ عَلَى الْمَرْءِ بِإِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَكَانَ مَا سِوَى هَذَا مِنْ حَجِّ تَطَوُّعٍ أَوْ عُمْرَةِ تَطَوُّعٍ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَحُجَّهُ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يَعْتَمِرَ فِي حَيَاتِهِ وَلَا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَمَنْ قَالَ هَذَا، كَانَ وَجْهًا مُحْتَمَلًا وَلَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ: لَوْ أَوْصَى رَجُلًا أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ تَطَوُّعًا بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ كَمَا لَوْ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَنْهُ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ وَلَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ: إنْ حَجَّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ بِوَصِيَّةٍ فَهِيَ فِي ثُلُثِهِ وَالْإِجَارَةُ عَلَيْهِ فَاسِدَةٌ، ثُمَّ يَكُونُ الْقَوْلُ فِيمَا أُخِذَ مِنْ الْإِجَارَةِ عَلَى هَذَا وَاحِدًا مِنْ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَهُ أَجْرَ مِثْلِهِ وَيَرُدُّ الْفَضْلَ مِمَّا أَخَذَ عَلَيْهِ وَيَلْحَقُ بِالْفَضْلِ إنْ كَانَ نَقَصَهُ كَمَا يَقُولُ فِي كُلِّ إجَارَةٍ فَاسِدَةٍ، وَالْآخَرُ أَنْ لَا أُجْرَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ عَنْ نَفْسِهِ لَا عَنْ غَيْرِهِ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَمَرَ الْمَرْءَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ فِي الْوَاجِبِ، دَلَّ هَذَا عَلَى أَنْ يَكُونَ الْفَرْضُ عَلَى الْأَبَدَانِ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا مَا لَا يَعْمَلُهُ الْمَرْءُ عَنْ غَيْرِهِ، مِثْلُ الصَّلَاةِ، وَلَا يَحْمِلُهُ عَنْهُ غَيْرُهُ مِثْلُ الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا، وَالْآخَرُ النُّسُكُ مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَيَكُونُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَعْمَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ مُتَطَوِّعًا عَنْهُ أَوْ وَاجِبًا عَلَيْهِ إذَا صَارَ فِي الْحَالِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ فِيهَا عَلَى الْحَجِّ، وَلَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ عَنْهُ، وَالْمُتَطَوِّعُ عَنْهُ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْحَالَ الَّتِي أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا بِالْحَجِّ عَنْهُ هِيَ الْحَالُ الَّتِي لَا يَقْدِرُ فِيهَا عَلَى أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ وَلِأَنَّهُ لَوْ تَطَوَّعَ عَنْهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ لَمْ يُجْزِ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا كَانَ هُوَ لَوْ تَطَوَّعَ عَنْ نَفْسِهِ كَانَتْ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا فَتَطَوَّعَ عَنْهُ غَيْرُهُ لَمْ يُجْزِ عَنْهُ، وَقَدْ ذَهَبَ عَطَاءٌ مَذْهَبًا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّهُ يُجْزِي عَنْهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ عَنْهُ بِكُلِّ نُسُكٍ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ إنْ عَمِلَهُمَا مُطِيقًا لَهُ أَوْ غَيْرَ مُطِيقٍ، وَذَلِكَ أَنَّ سُفْيَانَ أَخْبَرَنَا عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى عَطَاءٍ قَالَ: رُبَّمَا أَمَرَنِي عَطَاءٌ أَنْ أَطُوفَ عَنْهُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَكَأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الطَّوَافَ مِنْ النُّسُكِ وَأَنَّهُ يُجْزِي أَنْ يَعْمَلَهُ الْمَرْءُ عَنْ غَيْرِهِ فِي أَيِّ حَالٍ مَا كَانَ، وَلَيْسَ نَقُولُ بِهَذَا، وَقَوْلُنَا لَا يَعْمَلُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ إلَّا وَالْمَعْمُولُ عَنْهُ غَيْرُ مُطِيقٍ الْعَمَلَ، بِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى أَنْ يُطِيقَ بِحَالٍ، أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِالسُّنَّةِ وَالْمَعْقُولِ، لِمَا

(2/133)

وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَطَوَّعَ عَنْهُ رَجُلٌ وَالْمُتَطَوَّعُ عَنْهُ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ لَمْ يُجْزِ الْمَحْجُوجَ عَنْهُ (قَالَ) : وَمَنْ وُلِدَ زَمَنًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى مَرْكَبٍ، مُحَمَّلٍ وَلَا غَيْرِهِ، أَوْ عَرَضَ ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ بُلُوغِهِ، أَوْ كَانَ عَبْدًا فَعَتَقَ، أَوْ كَافِرًا فَأَسْلَمَ فَلَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ مُدَّةٌ يُمْكِنُهُ فِيهَا الْحَجُّ حَتَّى يَصِيرَ بِهَذِهِ الْحَالِ، وَجَبَ عَلَيْهِ إنْ وَجَدَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بِإِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِ إجَارَةٍ، وَإِذَا أَمْكَنَهُ مَرْكَبُ مَحْمَلٍ أَوْ شِجَارٍ أَوْ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ بِبَدَنِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الثُّبُوتِ عَلَى بَعِيرٍ أَوْ دَابَّةٍ إلَّا فِي مَحْمَلٍ أَوْ شِجَارٍ وَكَيْفَمَا قَدَرَ عَلَى الْمَرْكَبِ وَأَيِّ مَرْكَبٍ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ، لَا يُجْزِيهِ غَيْرُهُ (قَالَ) : وَمَنْ كَانَ صَحِيحًا يُمْكِنُهُ الْحَجُّ فَلَمْ يَحُجَّ حَتَّى عَرَضَ لَهُ هَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَبْعَثَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ إلَى الْحَالِ الَّتِي أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَحُجَّ فِيهَا عَمَّنْ بَلَغَهَا (قَالَ) : وَلَوْ كَانَ بِهِ مَرَضٌ يُرْجَى الْبُرْءُ مِنْهُ، لَمْ أَرَ لَهُ أَنْ يَبْعَثَ أَحَدًا يَحُجُّ عَنْهُ حَتَّى يَبْرَأَ فَيَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ يَهْرَمَ فَيُحَجَّ عَنْهُ أَوْ يَمُوتَ فَيُحَجَّ عَنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْمَرِيضِ الْمُضْنَى وَبَيْنَ الْهَرِمِ أَوْ الزَّمِنِ؟ قِيلَ لَهُ لَمْ يَصِرْ أَحَدٌ عَلِمْته بَعْدَ هَرَمٍ لَا يَخْلِطُهُ سَقَمٌ غَيْرُهُ إلَى قُوَّةٍ يَقْدِرُ فِيهَا عَلَى الْمَرْكَبِ، وَالْأَغْلَبُ مِنْ أَهْلِ الزَّمَانَةِ أَنَّهُمْ كَالْهَرِمِ، وَأَمَّا أَهْلُ السَّقَمِ فَنَرَاهُمْ كَثِيرًا يَعُودُونَ إلَى الصِّحَّةِ (قَالَ) : وَلَوْ حَجَّ رَجُلٌ عَنْ زَمِنٍ ثُمَّ ذَهَبَتْ زَمَانَتُهُ، ثُمَّ عَاشَ مُدَّةً يُمْكِنُهُ فِيهَا أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ، كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّا إنَّمَا أَذِنَّا لَهُ عَلَى ظَاهِرِ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ، فَلَمَّا أَمْكَنَتْهُ الْمَقْدِرَةُ عَلَى الْحَجِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَرْكُهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَهُ بِبَدَنِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَالَ) : وَلَوْ بَعَثَ السَّقِيمُ رَجُلًا يَحُجُّ عَنْهُ فَحَجَّ عَنْهُ ثُمَّ بَرِئَ وَعَاشَ بَعْدَ الْبُرْءِ مُدَّةً يُمْكِنُهُ أَنْ يَحُجَّ فِيهَا فَلَمْ يَحُجَّ حَتَّى مَاتَ كَانَ عَلَيْهِ الْحَجُّ، وَكَذَلِكَ الزَّمِنُ وَالْهَرِمُ (قَالَ) : وَالزَّمَنُ وَالزَّمَانَةُ الَّتِي لَا يُرْجَى الْبُرْءُ مِنْهَا وَالْهَرَمُ، فِي هَذَا الْمَعْنَى. ثُمَّ يُفَارِقُهُمْ الْمَرِيضُ، فَلَا نَأْمُرُهُ أَنْ يَبْعَثَ أَحَدًا يَحُجُّ عَنْهُ وَنَأْمُرُ الْهَرِمَ وَالزَّمِنَ أَنْ يَبْعَثَا مَنْ يَحُجُّ عَنْهُمَا، فَإِنْ بَعَثَ الْمَرِيضُ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ ثُمَّ لَمْ يَبْرَأْ حَتَّى مَاتَ فَفِيهَا قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يُجْزِئَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَعَثَ فِي الْحَالِ الَّتِي لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْعَثَ فِيهَا، وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ وَبِهِ آخُذُ. وَالثَّانِي أَنَّهَا مُجْزِيَةٌ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَجَّ عَنْهُ حُرٌّ بَالِغٌ وَهُوَ لَا يُطِيقُ، ثُمَّ لَمْ يَصِرْ إلَى أَنْ يَقْوَى عَلَى الْحَجِّ بَعْدَ أَنْ حَجَّ عَنْهُ غَيْرُهُ، فَيَحُجُّ عَنْ نَفْسِهِ.


[بَابُ مَنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ]

ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: «سَمِعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا يَقُولُ لَبَّيْكَ عَنْ فُلَانٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنْ كُنْت حَجَجْت فَلَبِّ عَنْ فُلَانٍ وَإِلَّا فَاحْجُجْ عَنْ نَفْسِك ثُمَّ اُحْجُجْ عَنْهُ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: سَمِعَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَجُلًا يَقُولُ
" لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ " فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " وَيْحَك وَمَا شُبْرُمَةُ؟ " قَالَ فَذَكَرَ قَرَابَةً لَهُ فَقَالَ " أَحَجَجْت عَنْ نَفْسِك " فَقَالَ: لَا قَالَ " فَاحْجُجْ عَنْ نَفْسِك ثُمَّ اُحْجُجْ عَنْ شُبْرُمَةَ ".
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخَثْعَمِيَّةَ بِالْحَجِّ عَنْ أَبِيهَا فَفِي ذَلِكَ دَلَائِلُ مِنْهَا مَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّهَا إحْدَى الِاسْتِطَاعَتَيْنِ، وَإِذَا أَمَرَهَا بِالْحَجِّ عَنْهُ فَكَانَ فِي

(2/134)

الْحَالِ الَّتِي أَمَرَ فِيهَا بِالْحَجِّ عَنْهُ وَكَانَ كَقَضَاءِ الدَّيْنِ عَنْهُ، فَأَبَانَ أَنَّ الْعَمَلَ عَنْ بَدَنِهِ فِي حَالِهِ تِلْكَ، يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَهُ عَنْهُ غَيْرُهُ فَيُجْزِئُ عَنْهُ وَيُخَالِفُ الصَّلَاةَ فِي هَذَا الْمَعْنَى. فَسَوَاءٌ مَنْ حَجَّ عَنْهُ مِنْ ذِي قَرَابَةٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِذَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةً تَحُجُّ عَنْ رَجُلٍ وَهُمَا مُجْتَمِعَانِ فِي الْإِحْرَامِ كُلِّهِ إلَّا اللَّبُوسَ، فَإِنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ فِي بَعْضِهِ، فَالرَّجُلُ أَوْلَى أَنْ يَجُوزَ حَجُّهُ عَنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةُ مِنْ الْمَرْأَةِ عَنْ الرَّجُلِ وَكُلٌّ جَائِزٌ مَعَ مَا رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَغَيْرِهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا كَتَبْنَا مِمَّا يُسْتَغْنَى فِيهِ بِنَصِّ الْخَبَرِ، وَلَوْ أَنَّ امْرَأً لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَجُّ إلَّا وَهُوَ غَيْرُ مُطِيقٍ بِبَدَنِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَى أَحَدٍ غَيْرِهِ وَاجِبًا أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ ذُو رَحِمِهِ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَوْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَحُجُّ عَنْ مَنْ كَانَ، وَلَوْ كَانَ فَقِيرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى زَادٍ وَمَرْكَبٍ، وَإِنْ كَانَ بَدَنُهُ صَحِيحًا فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى أَيْسَرَ قَبْلَ الْحَجِّ بِمُدَّةٍ لَوْ خَرَجَ فِيهَا لَمْ يُدْرِكْ الْحَجَّ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ حَجٌّ آخَرُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حَجٌّ يُقْضَى، وَلَوْ أَيْسَرَ فِي وَقْتٍ لَا يُمْكِنُهُ فِيهِ الْحَجُّ فَأَقَامَ مُوسِرًا إلَى أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ أَشْهُرُ الْحَجِّ، وَلَمْ يَدْنُ الْوَقْتُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ أَهْلُ بَلَدِهِ لِمُوَافَاةِ الْحَجِّ حَتَّى صَارَ لَا يَجِدُ زَادًا وَلَا مَرْكَبًا ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ حَجِّهِ ذَلِكَ أَوْ قَبْلَ حَجٍّ آخَرَ يُوسِرُ فِيهِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَجٌّ، إنَّمَا يَكُونُ عَلَيْهِ حَجٌّ إذَا أَتَى عَلَيْهِ وَقْتُ حَجٍّ بَعْدَ بُلُوغٍ وَمَقْدِرَةٍ، ثُمَّ لَمْ يَحُجَّ حَتَّى يَفُوتَهُ الْحَجُّ، وَلَوْ كَانَ مُوسِرًا مَحْبُوسًا عَنْ الْحَجِّ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ غَيْرُهُ، أَوْ يَحُجَّ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَهَذَا مَكْتُوبٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.

[بَابُ الْإِجَارَةِ عَلَى الْحَجِّ]

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : لِلرَّجُلِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الرَّجُلَ يَحُجُّ عَنْهُ إذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَرْكَبِ لِضَعْفِهِ وَكَانَ ذَا مَقْدِرَةٍ بِمَالِهِ وَلِوَارِثِهِ بَعْدَهُ، وَالْإِجَارَةُ عَلَى الْحَجِّ جَائِزَةٌ جَوَازُهَا عَلَى الْأَعْمَالِ سِوَاهُ، بَلْ الْإِجَارَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْبِرِّ خَيْرٌ مِنْهَا عَلَى مَا لَا بِرَّ فِيهِ، وَيَأْخُذُ مِنْ الْإِجَارَةِ مَا أَعْطَى، وَإِنْ كَثُرَ كَمَا يَأْخُذُهَا عَلَى غَيْرِهِ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا يَحُجُّ عَنْهُ فَقَرَنَ عَنْهُ كَانَ دَمُ الْقِرَانِ عَلَى الْأَجِيرِ وَكَانَ زَادُ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ خَيْرًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ بِحَجٍّ وَزَادَ مَعَهُ عُمْرَةً


وَلَوْ اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ يَحُجُّ عَنْهُ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ فَالْإِجَارَةُ جَائِزَةٌ، وَالْحَجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ شُرِطَ أَنْ يُحْرِمَ عَنْهُ، وَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى أَنْ يَقُولَ تَحُجُّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِ كَذَا حَتَّى يَقُولَ تُحْرِمُ عَنْهُ مِنْ مَوْضِعِ كَذَا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الْإِحْرَامُ مِنْ كُلِّ مَوْضِعٍ.

فَإِذَا لَمْ يَقُلْ هَذَا فَالْإِجَارَةُ مَجْهُولَةٌ، وَإِذَا وَقَّتَ لَهُ مَوْضِعًا يُحْرِمُ مِنْهُ فَأَحْرَمَ قَبْلَهُ ثُمَّ مَاتَ فَلَا إجَارَةَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ سَفَرِهِ، وَتُجْعَلُ الْإِجَارَةُ لَهُ مِنْ حِينِ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ الَّذِي وَقَّتَ لَهُ إلَى أَنْ يُكْمِلَ الْحَجَّ، فَإِنْ أَهَلَّ مِنْ وَرَاءِ الْمِيقَاتِ لَمْ تُحْسَبْ الْإِجَارَةُ إلَّا مِنْ الْمِيقَاتِ، وَإِنْ مَرَّ بِالْمِيقَاتِ غَيْرَ مُحْرِمٍ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ فَلَا إجَارَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ فِي الْحَجِّ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَمَا أَحْرَمَ مِنْ وَرَاءِ الْمِيقَاتِ حُسِبَتْ لَهُ الْإِجَارَةُ مِنْ يَوْمِ أَحْرَمَ مِنْ وَرَاءِ الْمِيقَاتِ وَلَمْ تُحْسَبْ لَهُ مِنْ الْمِيقَاتِ إذَا لَمْ يُحْرِمْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْعَمَلَ فِيهِ، وَإِنْ خَرَجَ لِلْحَجِّ فَتَرَكَ الْإِحْرَامَ وَالتَّلْبِيَةَ وَعَمِلَ عَمَلَ الْحَجِّ أَوْ لَمْ يَعْمَلْهُ إذَا قَالَ لَمْ أُحْرِمْ بِالْحَجِّ أَوْ قَالَ اعْتَمَرْت وَلَمْ أَحُجَّ أَوْ قَالَ اُسْتُؤْجِرْت عَلَى الْحَجِّ فَاعْتَمَرْت فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَجَّ فَأَفْسَدَهُ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِلْإِجَارَةِ مُبْطِلٌ لِحَقِّ نَفْسِهِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحُجَّ عَنْهُ عَلَى أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مَوْضِعٍ فَأَحْرَمَ مِنْهُ ثُمَّ مَاتَ فِي الطَّرِيقِ فَلَهُ مِنْ الْإِجَارَةِ بِقَدْرِ مَا مَضَى مِنْ سَفَرِهِ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يُهِلَّ مِنْ وَرَاءِ الْمِيقَاتِ فَفَعَلَ فَقَدْ قَضَى بَعْضَ مَا اسْتَأْجَرَهُ عَلَيْهِ، وَإِذَا اسْتَأْجَرَهُ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَإِحْرَامُهُ قَبْلَ الْمِيقَاتِ تَطَوُّعٌ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى

(2/135)

أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ الْيَمَنِ فَاعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ الَّذِي اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ فَأَهَلَّ بِحَجٍّ عَنْ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ، فَلَا يُجْزِيهِ إذَا أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ عَنْ نَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ إلَى مِيقَاتِ الْمُسْتَأْجِرِ الَّذِي شَرَطَ أَنْ يُهِلَّ مِنْهُ فَيُهِلُّ عَنْهُ بِالْحَجِّ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُهِلَّ فَبَلَغَ الْمِيقَاتَ فَأَهَلَّ مِنْهُ بِالْحَجِّ عَنْهُ أَجْزَأَ عَنْهُ وَإِلَّا أَهَرَاقَ دَمًا، وَذَلِكَ مِنْ مَالِهِ دُونَ مَالِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَيَرُدُّ مِنْ الْإِجَارَةِ بِقَدْرِ مَا يُصِيبُ مَا بَيْنَ الْمِيقَاتِ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ مِنْ عَمَلِهِ نَقَصَهُ، وَلَا يُحْسَبُ الدَّمُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّهُ بِعَمَلِهِ كَانَ وَيُجْزِئُهُ الْحَجُّ عَلَى كُلِّ حَالٍ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُهِلَّ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ أَوْ مِنْ وَرَاءِ الْمِيقَاتِ أَوْ مِنْهُ وَكُلُّ شَيْءٍ أَحْدَثَهُ الْأَجِيرُ فِي الْحَجِّ لَمْ يَأْمُرْهُ بِهِ الْمُسْتَأْجِرُ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الْفِدْيَةُ فَالْفِدْيَةُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ دُونَ مَالِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَلَوْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ بَعْدَ الْعُمْرَةِ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ مِيقَاتِ الْمُسْتَأْجِرِ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْحَجَّ، كَانَ لَهُ مِنْ الْإِجَارَةِ بِقَدْرِ مَا عَمِلَ مِنْ الْحَجِّ وَقَدْ قِيلَ لَا أَجْرَ لَهُ إلَّا أَنْ يُكْمِلَ الْحَجَّ، وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَالَهُ فِي الْحَاجِّ عَنْ الرَّجُلِ لَا يَسْتَوْجِبُ مِنْ الْإِجَارَةِ شَيْئًا إلَّا بِكَمَالِ الْحَجِّ وَهَذَا قَوْلٌ يُتَوَجَّهُ، وَالْقِيَاسُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ لِكُلٍّ حَظًّا مِنْ الْإِجَارَةِ

وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ يَحُجُّ عَنْهُ فَأَفْسَدَ الْحَجَّ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ جَمِيعَ مَا اسْتَأْجَرَهُ بِهِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ قَابِلٍ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حَاجًّا عَنْ غَيْرِهِ حَجًّا فَاسِدًا، وَإِذَا صَارَ الْحَجُّ الْفَاسِدُ عَنْ نَفْسِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَوْ حَجَّهُ عَنْ غَيْرِهِ كَانَ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَوْ أَخَذَ الْإِجَارَةَ عَلَى قَضَاءِ الْحَجِّ الْفَاسِدِ رَدَّهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ إنَّمَا أَصَابَ فِي الْحَجِّ مَا عَلَيْهِ فِيهِ الْفِدْيَةُ مِمَّا لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ كَانَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ فِيمَا أَصَابَ وَالْإِجَارَةُ لَهُ.


وَلَوْ اسْتَأْجِرْهُ لِلْحَجِّ فَأُحْصِرَ بِعَدُوٍّ فَفَاتَهُ الْحَجُّ ثُمَّ دَخَلَ فَطَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ أَنَّ لَهُ مِنْ الْإِجَارَةِ بِقَدْرِ مَا بَيْنَ أَنْ أَهَلَّ مِنْ الْمِيقَاتِ إلَى بُلُوغِهِ الْمَوْضِعَ الَّذِي حُبِسَ فِيهِ فِي سَفَرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَا بَلَغَ مِنْ سَفَرِهِ فِي حَجِّهِ الَّذِي لَهُ الْإِجَارَةُ حَتَّى صَارَ غَيْرَ حَاجٍّ، وَإِنَّمَا أَخَذَ الْإِجَارَةَ عَلَى الْحَجِّ وَصَارَ يَخْرُجُ مِنْ الْإِحْرَامِ بِعَمَلٍ لَيْسَ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ


وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فَاعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ أَرَادَ الْحَجَّ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ خَرَجَ إلَى مِيقَاتِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ فَأَهَلَّ عَنْهُ مِنْهُ لَا يُجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَهَرَاقَ دَمًا


وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا يَحُجُّ عَنْ رَجُلٍ فَاعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى مِيقَاتِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ الَّذِي شَرَطَ أَنْ يُهِلَّ عَنْهُ مِنْهُ إنْ كَانَ الْمِيقَاتُ الَّذِي وَقَّتَ لَهُ بِعَيْنِهِ فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ عَنْهُ أَجْزَأَتْ عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ، فَإِنْ تَرَكَ مِيقَاتَهُ وَأَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ أَجْزَأَهُ الْحَجُّ، وَكَانَ عَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِ مِيقَاتِهِ مِنْ مَالِهِ وَرَجَعَ عَلَيْهِ مِمَّا اُسْتُؤْجِرَ بِهِ بِقَدْرِ مَا تَرَكَ مِمَّا بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَمَكَّةَ


وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يَتَمَتَّعَ عَنْهُ فَأَفْرَدَ أَجْزَأَتْ الْحَجَّةُ عَنْهُ وَرَجَعَ بِقَدْرِ حِصَّةِ الْعُمْرَةِ مِنْ الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى عَمَلَيْنِ فَعَمِلَ أَحَدَهُمَا وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يُفْرِدَ فَقَرَنَ عَنْهُ كَانَ زَادُهُ عُمْرَةً وَعَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دَمُ الْقِرَانِ وَهُوَ كَرَجُلٍ اُسْتُؤْجِرَ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا فَعَمِلَهُ، وَزَادَ آخَرَ مَعَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي زِيَادَةِ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ بِهَا، وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يَقْرِنَ عَنْهُ فَأَفْرَدَ الْحَجَّ أَجْزَأَ عَنْهُ الْحَجُّ وَبَعَثَ غَيْرَهُ يَعْتَمِرُ عَنْهُ إنْ كَانَتْ الْعُمْرَةُ الْوَاجِبَةُ وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ حِصَّةِ الْعُمْرَةِ مِنْ الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى

(2/136)

عَمَلَيْنِ فَعَمِلَ أَحَدَهُمَا

وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَنْ نَفْسِهِ وَحَجَّةٍ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ رَدَّ جَمِيعَ الْإِجَارَةِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ سَفَرَهُمَا وَعَمَلَهُمَا وَاحِدٌ، وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ وَلَا يَأْتِي بِعَمَلِ الْحَجِّ دُونَ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَنْوِيَ جَامِعًا بَيْنَ عَمَلَيْنِ أَحَدُهُمَا عَنْ نَفْسِهِ وَالْآخَرُ عَنْ غَيْرِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مَعًا عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى أَحَدَهُمَا عَنْ نَفْسِهِ فَصَارَا مَعًا عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ عَمَلَ نَفْسِهِ أَوْلَى بِهِ مِنْ عَمَلِ غَيْرِهِ إذَا لَمْ يَتَمَيَّزْ عَمَلُ نَفْسِهِ مِنْ عَمَلِ غَيْرِهِ،

وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا يَحُجُّ عَنْ مَيِّتٍ فَأَهَلَّ بِحَجٍّ عَنْ مَيِّتٍ ثُمَّ نَوَاهُ عَنْ نَفْسِهِ كَانَ الْحَجُّ عَنْ الَّذِي نَوَى الْحَجَّ عَنْهُ وَكَانَ الْقَوْلُ فِي الْأُجْرَةِ وَاحِدًا مِنْ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُبْطِلٌ لَهَا لِتَرْكِ حَقِّهِ فِيهَا، وَالْآخَرُ أَنَّهَا لَهُ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ عَنْ غَيْرِهِ.

وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلَانِ رَجُلًا يَحُجُّ عَنْ أَبَوَيْهِمَا، فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ عَنْهُمَا مَعًا كَانَ مُبْطِلًا لِإِجَارَتِهِ، وَكَانَ الْحَجُّ عَنْ نَفْسِهِ، لَا عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَوْ نَوَى الْحَجَّ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْهُمَا أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا كَانَ عَنْ نَفْسِهِ وَبَطَلَتْ إجَارَتُهُ.
وَإِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَحُجَّ قَطُّ فَتَطَوَّعَ مُتَطَوِّعٌ قَدْ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فَحَجَّ عَنْهُ أَجْزَأَ عَنْهُ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ لِوَصِيِّهِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا لِيَحُجَّ عَنْهُ غَيْرُهُ وَلَا أَنْ يُعْطِيَ هَذَا شَيْئًا لِحَجِّهِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ حَجَّ عَنْهُ مُتَطَوِّعًا، وَإِذَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخَثْعَمِيَّةَ أَنْ تَحُجَّ عَنْ أَبِيهَا وَرَجُلًا أَنْ يَحُجَّ عَنْ أُمِّهِ وَرَجُلًا أَنْ يَحُجَّ عَنْ أَبِيهِ لَنَذَرَ نَذْرَهُ أَبُوهُ دَلَّ هَذَا دَلَالَةً بَيِّنَةً أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تُحْرِمَ الْمَرْأَةُ عَنْ الرَّجُلِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ هَذَا كَانَ أَنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ عَنْ الرَّجُلِ وَالرَّجُلُ عَنْ الْمَرْأَةِ أَوْلَى، مِنْ قِبَلِ أَنَّ الرَّجُلَ أَكْمَلُ إحْرَامًا مِنْ الْمَرْأَةِ وَإِحْرَامُهُ كَإِحْرَامِ الرَّجُلِ فَأَيُّ رَجُلٍ حَجَّ عَنْ امْرَأَةٍ أَوْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ حَجَّتْ عَنْ امْرَأَةٍ أَوْ عَنْ رَجُلٍ أَجْزَأَ ذَلِكَ الْمَحْجُوجَ عَنْهُ، إذَا كَانَ الْحَاجُّ قَدْ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ.

[بَابُ مِنْ أَيْنَ نَفَقَةُ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ]
َّ؟ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُوسٍ أَنَّهُمَا قَالَا: الْحَجَّةُ الْوَاجِبَةُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
(
قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَالَ غَيْرُهُمَا لَا يُحَجُّ عَنْهُ إلَّا أَنْ يُوصِيَ، فَإِنْ أَوْصَى حُجَّ عَنْهُ مِنْ ثُلُثِهِ إذَا بَلَغَ ذَلِكَ الثُّلُثَ وَبُدِئَ عَلَى الْوَصَايَا؛ لِأَنَّهُ لَازِمٌ، فَإِنْ لَمْ يُوصِ لَمْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ ثُلُثٍ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ إذَا أَنْزَلْت الْحَجَّ عَنْهُ وَصِيُّهُ حَاصَّ أَهْلَ الْوَصَايَا وَلَمْ يَبْدَأْ غَيْرَهُ مِنْ الْوَصَايَا، وَمَنْ قَالَ هَكَذَا فَكَانَ يَبْدَأُ بِالْعِتْقِ بَدَأَ عَلَيْهِ (قَالَ) : وَالْقِيَاسُ فِي هَذَا أَنَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَمَنْ قَالَ هَذَا قَضَى أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَنْهُ بِأَقَلَّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنْ يُسْتَأْجَرَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِيقَاتِهِ أَوْ قُرْبِهِ لِتَخِفَّ مُؤْنَتُهُ وَلَا يُسْتَأْجَرُ رَجُلٌ مِنْ بَلَدِهِ إذَا كَانَ بَلَدُهُ بَعِيدًا إلَّا أَنْ يُبَدَّلَ ذَلِكَ بِمَا يُوجَدُ بِهِ رَجُلٌ قَرِيبٌ، وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَالَهُ فِي الْحَجِّ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ وَرَآهُ دَيْنًا عَلَيْهِ وَقَالَهُ فِي كُلِّ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ وَقَالَهُ فِي كُلِّ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَخْرَجٌ مِنْهُ إلَّا بِأَدَائِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ فِيهِ مِثْلُ زَكَاةِ الْمَالِ وَمَا كَانَ، لَا يَكُونُ أَبَدًا إلَّا وَاجِبًا عَلَيْهِ شَاءَ أَوْ كَرِهَ بِغَيْرِ شَيْءٍ أَحْدَثَهُ هُوَ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ إنَّمَا وَجَبَتْ لَهُمْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَهَذَا مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، أَمَرَ أَنْ يُؤَدِّيَهُ إلَى صِنْفٍ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ فَجَمَعَ أَنْ وَجَبَ وُجُوبَ الْحَجِّ بِفَرْضِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنْ كَانَ كَمَا وَصَفْت لِلْآدَمِيّين، وَمَنْ قَالَ هَذَا بَدَأَ هَذَا عَلَى جَمِيعِ مَا مَعَهُ مِنْ الْوَصَايَا وَالتَّدْبِيرِ وَحَاصَّ بِهِ أَهْلَ الدَّيْنِ قَبْلَ الْوَرَثَةِ إذَا جَعَلَهُ اللَّهُ وَاجِبًا وُجُوبَ

(2/137)

مَا لِلْآدَمِيِّينَ، وَهَذَا قَوْلٌ يَصِحُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَهُ فِي الْحَجِّ إنْ لَمْ يَبْلُغْ إلَّا مَرِيضًا ثُمَّ لَمْ يَصِحَّ حَتَّى مَاتَ مَرِيضًا أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لَا وَصِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمَرِيضِ وَالصَّحِيحِ سَوَاءٌ فَأَمَّا مَا لَزِمَهُ مِنْ كَفَّارَةِ يَمِينٍ أَوْ غَيْرِهِ.
فَإِنْ أَوْصَى بِهِ فَقَدْ قِيلَ يَكُونُ فِي ثُلُثِهِ كَالْوَصَايَا وَقِيلَ بَلْ لَازِمٌ وَمَا لَزِمَهُ مِنْ شَيْءٍ أَلْزَمَهُ نَفْسَهُ مِنْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةِ قَتْلٍ أَوْ ظِهَارٍ وَهُوَ وَاجِدٌ فَقَدْ يُخَالِفُ مَا لَزِمَهُ بِكُلِّ حَالٍ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَدْ كَانَ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَيَخْتَلِفَانِ فِي هَذَا، وَيَجْتَمِعَانِ فِي أَنَّهُ قَدْ أَوْجَبَ كُلًّا مِنْهُمَا فَأَوْجَبَ هَذَا وَأَوْجَبَ إقْرَارَ الْآدَمِيِّ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ هُمَا لَازِمَانِ مَعًا وَأَنَا أَسْتَخِيرُ اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ.

[
بَابُ الْحَجِّ بِغَيْرِ نِيَّةٍ]
(
قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - أُحِبُّ أَنْ يَنْوِيَ الرَّجُلُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ عِنْدَ دُخُولِهِ فِيهِمَا كَمَا أُحِبُّ لَهُ فِي كُلِّ وَاجِبٍ عَلَيْهِ غَيْرِهِمَا، فَإِنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ يَنْوِي أَنْ يَكُونَ تَطَوُّعًا أَوْ يَنْوِي أَنْ يَكُونَ عَنْ غَيْرِهِ أَوْ أَحْرَمَ فَقَالَ: إحْرَامِي كَإِحْرَامِ فُلَانٍ لِرَجُلٍ غَائِبٍ عَنْهُ فَكَانَ فُلَانٌ مُهِلًّا بِالْحَجِّ كَانَ فِي هَذَا كُلِّهِ حَاجًّا وَأَجْزَأَ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْت؟ قُلْت فَإِنَّ مُسْلِمَ بْنَ خَالِدٍ وَغَيْرَهُ أَخْبَرَنَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: «قَدِمَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ سِعَايَتِهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَ أَهْلَلْت يَا عَلِيُّ؟ قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فَأَهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا كَمَا أَنْتَ قَالَ: وَأَهْدَى لَهُ عَلِيٌّ هَدْيًا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى إذَا أَتَى الْبَيْدَاءَ فَنَظَرْت مَدَّ بَصَرِي مِنْ بَيْنِ رَاكِبٍ وَرَاجِلٍ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ وَرَائِهِ كُلُّهُمْ يُرِيدُ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ يَلْتَمِسُ أَنْ يَقُولَ كَمَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَنْوِي إلَّا الْحَجَّ وَلَا يَعْرِفُ غَيْرَهُ وَلَا يَعْرِفُ الْعُمْرَةَ فَلَمَّا طُفْنَا فَكُنَّا عِنْدَ الْمَرْوَةِ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُحْلِلْ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً وَلَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت مَا أَهْدَيْت فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ» ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ «أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُقِمْ عَلَى إحْرَامِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُحْلِلْ وَلَمْ يَكُنْ مَعِي هَدْيٌ فَحَلَلْت، وَكَانَ مَعَ الزُّبَيْرِ هَدْيٌ فَلَمْ يُحْلِلْ» ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ «عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِخَمْسٍ بَقَيْنَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ لَا نَرَى إلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلَمَّا كُنَّا بِمِنًى أُتِيتُ بِلَحْمِ بَقَرٍ فَقُلْت مَا هَذَا؟ قَالُوا ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ نِسَائِهِ» ، قَالَ يَحْيَى فَحَدَّثْت بِهِ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ فَقَالَ: جَاءَتْك وَاَللَّهِ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ وَالْقَاسِمُ مِثْلَ مَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ لَا يُخَالِفُ مَعْنَاهُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَمَدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ «عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّتِهِ لَا نَرَى إلَّا الْحَجَّ حَتَّى إذَا كُنَّا بِسَرِفٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا حِضْت فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أَبْكِي فَقَالَ مَالَك أَنُفِسْت: فَقُلْت: نَعَمْ فَقَالَ: إنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ قَالَتْ

(2/138)

وَضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ وَهِشَامُ بْنُ حُجَيْرٍ سَمِعُوا طَاوُسًا يَقُولُ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْمَدِينَةِ لَا يُسَمِّي حَجًّا وَلَا عُمْرَةً يَنْتَظِرُ الْقَضَاءَ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهُوَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ أَهَلَّ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً، وَقَالَ: لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت لَمَا سُقْت الْهَدْيَ وَلَكِنَّنِي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَسُقْت هَدْيِي فَلَيْسَ لِي مَحِلٌ دُونَ مَحِلِ هَدْيِي فَقَامَ إلَيْهِ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْضِ لَنَا قَضَاءَ قَوْمٍ كَأَنَّمَا وُلِدُوا الْيَوْمَ أَعُمْرَتُنَا هَذِهِ لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَقَالَ: لَا، بَلْ لِأَبَدٍ دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ وَدَخَلَ عَلِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بِمَ أَهْلَلْت؟ فَقَالَ أَحَدُهُمَا عَنْ طَاوُوسٍ: إهْلَالَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ الْآخَرُ: لَبَّيْكَ حَجَّةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ مُهِلِّينَ يَنْتَظِرُونَ الْقَضَاءَ فَعَقَدُوا الْإِحْرَامَ لَيْسَ عَلَى حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ وَلَا قِرَانٍ يَنْتَظِرُونَ الْقَضَاءَ، فَنَزَلَ الْقَضَاءُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَ مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ أَنْ يَجْعَلَ إحْرَامَهُ عُمْرَةً وَمَنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَجْعَلَهُ حَجًّا» .
(
قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَبَّى عَلِيٌّ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ بِالْيَمَنِ وَقَالَا فِي تَلْبِيَتِهِمَا " إهْلَالٌ كَإِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهُمَا بِالْمُقَامِ عَلَى إحْرَامِهِمَا، فَدَلَّ هَذَا عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْإِحْرَامِ وَالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُجْزِي عَنْ أَحَدٍ إلَّا بِأَنْ يَنْوِيَ فَرِيضَةً بِعَيْنِهَا وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ، وَيُجْزِئُ بِالسُّنَّةِ الْإِحْرَامُ، فَلَمَّا دَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْءِ أَنْ يُهِلَّ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ حَجًّا بِعَيْنِهِ وَيُحْرِمَ بِإِحْرَامِ الرَّجُلِ لَا يَعْرِفُهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا أَهَلَّ مُتَطَوِّعًا وَلَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْفَرِيضَةِ كَانَتْ حَجَّةَ الْفَرِيضَةِ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا كَانَ إذَا أَهَلَّ بِالْحَجِّ عَنْ غَيْرِهِ وَلَمْ يُهْلِلْ بِالْحَجِّ عَنْ نَفْسِهِ كَانَتْ الْحَجَّةُ عَنْ نَفْسِهِ، وَكَانَ هَذَا مَعْقُولًا فِي السُّنَّةِ مُكْتَفًى بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ ذَكَرْت فِيهِ حَدِيثًا مُنْقَطِعًا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَأْيًا لِابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مُتَّصِلًا (قَالَ) : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ إلَّا حُرٌّ بَالِغٌ مُسْلِمٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ عَبْدٌ بَالِغٌ وَلَا حُرٌّ غَيْرُ بَالِغٍ إذَا كَانَ حَجُّهُمَا لِأَنْفُسِهِمَا لَا يُجْزِئُ عَنْهُمَا مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لَمْ يُجْزِ عَنْ غَيْرِهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَالَ) : وَأَمْرُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ سَوَاءٌ، فَيُعْتَمَرُ عَنْ الرَّجُلِ كَمَا يُحَجُّ عَنْهُ، وَلَا يُجْزِيهِ أَنْ يَعْتَمِرَ عَنْهُ إلَّا مَنْ اعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ بَالِغٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ (قَالَ) : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَأَمَرَهُ رَجُلٌ يَحُجَّ عَنْهُ وَيَعْتَمِرَ فَحَجَّ عَنْهُ وَاعْتَمَرَ أَجْزَأَتْ الْمُعْتَمِرَ عَنْهُ الْعُمْرَةُ وَلَمْ تُجْزِ عَنْهُ الْحَجَّةُ، وَهَكَذَا لَوْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يَعْتَمِرْ فَحَجَّ عَنْ غَيْرِهِ وَاعْتَمَرَ، أَجْزَأَتْ الْمَحْجُوجَ عَنْهُ الْحَجَّةُ وَلَمْ تُجْزِ عَنْهُ الْعُمْرَةُ، وَيُجْزِيهِ أَيُّ النُّسُكَيْنِ كَانَ الْعَامِلُ عَمِلَهُ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ عَمِلَهُ عَنْهُ، وَلَا يُجْزِيهِ النُّسُكُ الَّذِي لَمْ يَعْمَلْهُ الْعَامِلُ عَنْ نَفْسِهِ.
وَإِذَا كَانَ مِمَّنْ لَهُ أَنْ يَبْعَثَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَيَعْتَمِرَ أَجْزَأَهُ أَنْ يَبْعَثَ رَجُلًا وَاحِدًا يُقْرِنُ عَنْهُ وَأَجْزَأَهُ أَنْ يَبْعَثَ اثْنَيْنِ مُفْتَرِقَيْنِ يَحُجُّ هَذَا عَنْهُ وَيَعْتَمِرُ هَذَا عَنْهُ وَكَذَلِكَ امْرَأَتَيْنِ أَوْ امْرَأَةً وَرَجُلًا (قَالَ) : وَهَذَا فِي فَرْضِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كَمَا وَصَفْت يُجْزِي رَجُلًا أَنْ يَحُجَّ عَنْ رَجُلٍ وَقَدْ قِيلَ إذَا أَجْزَأَ فِي الْفَرْضِ أَجْزَأَ أَنْ يَتَنَفَّلَ بِالْحَجِّ عَنْهُ وَقَدْ قِيلَ يَحُجُّ الْفَرْضَ فَقَطْ بِالسُّنَّةِ وَلَا يَحُجُّ عَنْهُ نَافِلَةً وَلَا يَعْتَمِرُ نَافِلَةً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ قَالَ يَحُجُّ الْمَرْءُ عَنْ الْمَرْءِ مُتَطَوِّعًا قَالَ: إذَا كَانَ أَصْلُ الْحَجِّ مُفَارِقًا لِلصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَكَانَ الْمَرْءُ يَعْمَلُ عَنْ الْمَرْءِ الْحَجَّ فَيُجْزِي عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَفِي الْحَالِ الَّتِي لَا يُطِيقُ فِيهَا الْحَجَّ، فَكَذَلِكَ يَعْمَلُهُ عَنْهُ مُتَطَوِّعًا، وَهَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ النُّسُكِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى عَطَاءٍ قَالَ: رُبَّمَا قَالَ لِي عَطَاءٌ: طُفْ عَنِّي.
(
قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ إلَّا حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتَهُ، وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ الدَّلَالَةُ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا أَمَرَ بِالْحَجِّ عَنْ الرَّجُلِ فِي الْحَالِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ فِيهَا الْمَحْجُوجُ عَنْهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ،

(2/139)

وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ مُخَالِفًا فِي أَنَّ رَجُلًا لَوْ حَجَّ عَنْ رَجُلٍ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ لَا يُجْزِي عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا عِنْدَهُمْ هَكَذَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا عُذِرَ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ بِتَأْدِيَةِ الْفَرْضِ وَمَا جَازَ فِي الضَّرُورَةِ دُونَ غَيْرِهَا، لَمْ يُجْزِ، مَا لَمْ يَكُنْ ضَرُورَةً مِثْلَهُ

(
قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَهَلَّ رَجُلٌ بِحَجٍّ فَفَاتَهُ فَحَلَّ بِطَوَافِ الْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لَمْ يُجْزِ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهَا وَلَمْ تُجْزِ عَنْهُ مِنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ وَلَا عُمْرَةِ نَذْرٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِعُمْرَةٍ، وَإِنَّمَا كَانَ حَجًّا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ حَجَّ سُنَّةً فَلَا يَدْخُلُ فِي حَجِّ سُنَّةٍ غَيْرِهَا، وَالْآخَرُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقِيمَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلَوْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ كَانَ إهْلَالُهُ عُمْرَةً يُجْزِئُ عَنْهُ مِنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلْإِهْلَالِ إلَّا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَلَمَّا أَهَلَّ فِي وَقْتٍ كَانَتْ الْعُمْرَةُ فِيهِ مُبَاحَةً وَالْحَجُّ مَحْظُورًا كَانَ مُهِلًّا بِعُمْرَةٍ وَلَيْسَ هَذَا كَالْمُهِلِّ بِالْحَجِّ وَالْحَجُّ مُبَاحٌ لَهُ فَيَفُوتُهُ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ ذَلِكَ الْحَجِّ كَانَ حَجًّا، وَابْتِدَاءُ هَذَا الْحَجِّ كَانَ عُمْرَةً، وَإِذَا أَجْزَأَتْ الْعُمْرَةُ بِلَا نِيَّةٍ لَهَا أَنَّهَا عُمْرَةٌ أَجْزَأَتْ إذَا أَهَلَّ بِحَجٍّ وَكَانَ إهْلَالُهُ عُمْرَةً.
(
قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْعُمْرَةُ لَا تَفُوتُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا تَصْلُحُ فِي كُلِّ شَهْرٍ وَالْحَجُّ يَفُوتُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ إلَّا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مِنْ السَّنَةِ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ فِي عَامٍ فَحَبَسَهُ مَرَضٌ أَوْ خَطَأُ عَدَدٍ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مَا خَلَا الْعَدُوُّ أَقَامَ حَرَامًا حَتَّى يُحِلَّ مَتَى حَلَّ، وَلَمْ تَفُتْهُ الْعُمْرَةُ مَتَى وَصَلَ إلَى الْبَيْتِ فَعَمِلَ عَمَلَهَا

(
قَالَ) : وَلَوْ حَجَّ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ بِلَا إجَارَةٍ ثُمَّ أَرَادَ الْإِجَارَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَكَانَ مُتَطَوِّعًا عَنْهُ وَأَجْزَأَتْ عَنْهُ حَجَّتُهُ

(
قَالَ) : وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا يَعْتَمِرُ عَنْهُ فِي شَهْرٍ فَاعْتَمَرَ فِي غَيْرِهِ أَوْ عَلَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فِي سَنَةٍ فَحَجَّ فِي غَيْرِهَا كَانَتْ لَهُ الْإِجَارَةُ وَكَانَ مُسِيئًا بِمَا فَعَلَ

(
قَالَ) : وَلَا بَأْسَ بِالْإِجَارَةِ عَلَى الْحَجِّ وَعَلَى الْعُمْرَةِ وَعَلَى الْخَيْرِ كُلِّهِ، وَهِيَ عَلَى عَمَلِ الْخَيْرِ أَجْوَزُ مِنْهَا عَلَى مَا لَيْسَ بِخَيْرٍ وَلَا بِرٍّ مِنْ الْمُبَاحِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا الْحُجَّةُ فِي جَوَازِ الْإِجَارَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْخَيْرِ؟ قِيلَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّجَ رَجُلًا امْرَأَةً بِسُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ» (قَالَ) : وَالنِّكَاحُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِمَا لَهُ قِيمَةٌ مِنْ الْإِجَارَاتِ وَالْأَثْمَانِ.

[
بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالْحَجِّ]
(
قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَوْصَى رَجُلٌ لَمْ يَحُجَّ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ وَارِثٌ وَلَمْ يُسَمِّ شَيْئًا أَحَجَّ عَنْهُ الْوَارِثُ بِأَقَلَّ مَا يُوجَدُ بِهِ أَحَدٌ يَحُجُّ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ، وَيَحُجُّ عَنْهُ غَيْرُهُ بِأَقَلَّ مَا يُوجَدُ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بِهِ مِمَّنْ هُوَ أَمِينٌ عَلَى الْحَجِّ.
(
قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَرُدُّ عَنْ الْوَارِثِ وَصِيَّةً بِهَذَا إنَّمَا هَذِهِ إجَازَةٌ، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ أَحَجُّوهُ بِكَذَا أَبْطَلَ كُلَّ مَا زَادَ عَلَى أَقَلِّ مَا يُوجَدُ بِهِ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ، فَإِنْ قَبِلَ ذَلِكَ لَمْ أُحِجَّ عَنْهُ غَيْرَهُ (قَالَ) : وَلَوْ أَوْصَى لِغَيْرِ وَارِثٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ يَحُجُّ بِهَا عَنْهُ، فَإِنْ حَجَّ فَذَلِكَ لَهُ وَمَا زَادَ عَلَى أَجْرِ مِثْلِهِ وَصِيَّةٌ، فَإِنْ امْتَنَعَ لَمْ يُحِجَّ عَنْهُ أَحَدًا لَا بِأَقَلَّ مَا يُوجَدُ بِهِ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ، وَلَوْ قَالَ أَحِجُّوا عَنِّي مِنْ رَأْيِ فُلَانٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَرَأَى فُلَانٌ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ وَارِثٌ لَهُ لَمْ يَحُجَّ عَنْهُ الْوَارِثُ إلَّا بِأَقَلَّ مَا يُوجَدُ بِهِ مَنْ يَحُجَّ عَنْهُ، فَإِنْ أَبَى قِيلَ لِفُلَانٍ رَأْيُ غَيْرِ وَارِثٍ، فَإِنْ فَعَلَ أَجَزْنَا ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَحَجَجْت عَنْهُ رَجُلًا

(2/140)

بِأَقَلَّ مَا يُوجَدُ بِهِ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ

(
قَالَ) : وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ: أَوَّلُ وَاحِدٍ يَحُجُّ عَنِّي فَلَهُ مِائَةُ دِينَارٍ فَحَجَّ عَنْهُ غَيْرُ وَارِثٍ فَلَهُ مِائَةُ دِينَارٍ، وَإِنْ حَجَّ عَنْهُ وَارِثٌ فَلَهُ أَقَلُّ مَا يُوجَدُ بِهِ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ

(
قَالَ) : وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا يَحُجُّ عَنْهُ أَوْ يَعْتَمِرُ بِمَا شَاءَ كَانَ ذَلِكَ مَالًا مِنْ مَالِ الْمُسْتَأْجِرِ إذَا حَجَّ عَنْهُ أَوْ اعْتَمَرَ، فَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فَأَفْسَدَ الْحَجَّ لَمْ يَقْضِ ذَلِكَ مِنْ الرَّجُلِ الْحَجَّ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ الْإِجَارَةَ كُلَّهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ أَخْطَأَ الْعَدَدَ فَفَاتَهُ الْحَجُّ، وَكَذَلِكَ الْفَسَادُ فِي الْعُمْرَةِ

(
قَالَ) : وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا يَحُجُّ عَنْهُ أَوْ يَعْتَمِرُ فَاصْطَادَ صَيْدًا أَوْ تَطَيَّبَ أَوْ فَعَلَ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ شَيْئًا تَجِبُ فِيهِ الْفِدْيَةُ فَدَى ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ وَكَانَتْ لَهُ الْإِجَارَةُ وَانْظُرْ إلَى كُلِّ مَا كَانَ يَكُونُ حَجُّهُ لَوْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ قَاضِيًا عَنْهُ وَعَلَيْهِ فِيهِ كَفَّارَةٌ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ جَعَلَتْهُ قَاضِيًا عَنْ غَيْرِهِ وَلَهُ الْإِجَارَةُ كَامِلَةً فِي مَالِهِ وَعَلَيْهِ فِي مَالِهِ فِدْيَةُ كُلِّ مَا أَصَابَ (قَالَ) : وَهَكَذَا وَلِيُّ الْمَيِّتِ إذَا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا يَحُجّ عَنْ الْمَيِّتِ لَا يَخْتَلِفَانِ فِي شَيْءٍ

(
قَالَ) : وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا يَحُجُّ عَنْهُ فَقَرَنَ عَنْهُ كَانَ زَادُهُ خَيْرًا لَهُ وَلَمْ يَنْقُصْهُ وَعَلَيْهِ فِي مَالِهِ دَمُ الْقِرَانِ

(
قَالَ) : وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ يَحُجُّ عَنْهُ فَاعْتَمَرَ أَوْ يَعْتَمِرُ فَحَجَّ رَدَّ الْإِجَارَةَ؛ لِأَنَّ الْحَاجَّ إذَا أَمَرَ أَنْ يَعْتَمِرَ عَمِلَ عَنْ نَفْسِهِ غَيْرَ مَا أَمَرَ بِهِ وَالْحَجُّ غَيْرُ الْعُمْرَةِ وَالْعُمْرَةُ غَيْرُ الْحَجِّ

(
قَالَ) : وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ يَحُجُّ عَنْهُ فَاعْتَمَرَ ثُمَّ عَادَ فَحَجَّ عَنْهُ مِنْ مِيقَاتِهِ أَجْزَأَتْ عَنْهُ

(
قَالَ) : وَلَوْ اعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ أَرَادَ الْحَجَّ عَنْ غَيْرِهِ، لَمْ تَكُنْ حَجَّتُهُ كَامِلَةً عَنْ غَيْرِهِ إلَّا بِأَنْ يَخْرُجَ إلَى مِيقَاتِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ، يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ مِيقَاتِهِ، فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ وَحَجَّ مِنْ دُونِ مِيقَاتِهِ أَهَرَاقَ دَمًا وَأَجْزَأَتْ عَنْهُ

(
قَالَ) : وَلَوْ خَرَجَ رَجُلٌ حَاجًّا عَنْ رَجُلٍ فَسَلَكَ غَيْرَ طَرِيقِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ وَأَتَى عَلَى مِيقَاتٍ فِي طَرِيقِهِ غَيْرَ مِيقَاتِ الرَّجُلِ فَأَهَلَّ مِنْهُ وَمَضَى عَلَى حَجِّهِ أَجْزَأَتْ عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

(
قَالَ) : وَيُجْزِي الْحَاجَّ عَنْ الرَّجُلِ أَنْ يَنْوِيَ الْحَجَّ عَنْهُ عِنْدَ إحْرَامِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ أَجْزَأَ عَنْهُ كَمَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ، وَالْمُتَطَوِّعُ بِالْحَجِّ عَنْ الرَّجُلِ كَالْمُسْتَأْجِرِ فِي كُلِّ أَمْرِهِ يُجْزِيهِ فِي كُلِّ مَا أَجْزَأَهُ عَنْهُ كَمَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ كُلَّ مَا أَفْسَدَ عَلَيْهِ فِي كُلٍّ إلَّا أَنَّ الْمُتَطَوِّعَ لَا يَرُدُّ إجَارَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهَا

(
قَالَ) : وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا يَحُجُّ عَنْهُ أَوْ عَنْ مَيِّتٍ فَحَجَّ وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَلَمْ تُجْزِ عَنْهُمَا وَرَدَّ الْإِجَارَةَ (قَالَ) : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْوَصِيُّ لِلْمَيِّتِ إذَا لَمْ يُحِجَّ الْمَيِّتُ بَعْضَ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ عَنْهُ أَوْصَى بِذَلِكَ الْمَيِّتُ أَوْ لَمْ يُوصِ، وَالْإِجَارَةُ لَيْسَتْ بِوَصِيَّةٍ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ وَارِثًا أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ فَسَوَاءٌ وَيُحَجُّ عَنْ الْمَيِّتِ الْحَجَّةُ وَالْعُمْرَةُ الْوَاجِبَتَانِ أَوْصَى بِهِمَا أَوْ لَمْ يُوصِ كَمَا يُؤَدَّى عَنْهُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ (قَالَ) : وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِلْحَاجِّ اخْتَرْت أَنْ يُعْطَاهُ فُقَرَاءُ الْحَاجِّ وَلَا أَعْلَمُهُ يَحْرُمُ أَنْ يُعْطَاهُ غَنِيٌّ مِنْهُمْ (قَالَ) : وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ تَطَوُّعًا فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَالْآخَرُ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ كَمَا لَوْ أَوْصَى أَنْ يُسْتَأْجَرَ عَنْهُ مَنْ يُصَلِّي عَنْهُ لَمْ يَجُزْ، وَمَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ رَدَّ وَصِيَّتَهُ فَجَعَلَهَا مِيرَاثًا

(
قَالَ) : وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ: حُجَّ عَنْ فُلَانٍ الْمَيِّتِ بِنَفَقَتِك، دَفَعَ إلَيْهِ النَّفَقَةَ أَوْ لَمْ يَدْفَعْهَا، كَانَ هَذَا غَيْرَ جَائِزٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ أُجْرَةٌ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، فَإِنْ حَجَّ أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ وَارِثًا أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ، أَوْصَى بِذَلِكَ الْمَيِّتُ أَوْ لَمْ يُوصِ بِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ إنْ أَوْصَى بِذَلِكَ لِوَارِثٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْطَى مِنْ الْإِجَارَةِ مَا زَادَ عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ مِنْ الْفَضْلِ؛ لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ وَصِيَّةٌ وَالْوَصِيَّةُ لَا تَجُوزُ لِوَارِثٍ.

(2/141)

[بَابُ مَا يُؤَدَّى عَنْ الرَّجُلِ الْبَالِغِ الْحَجُّ]
ُّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا وَصَلَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ الْحُرُّ الْبَالِغُ إلَى أَنْ يَحُجَّ أَجْزَأَتْ عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا مَقْدِرَةَ لَهُ بِذَاتِ يَدِهِ فَحَجَّ مَاشِيًا فَهُوَ مُحْسِنٌ بِتَكَلُّفِهِ شَيْئًا لَهُ الرُّخْصَةُ فِي تَرْكِهِ وَحَجَّ فِي حِينٍ يَكُونُ عَمَلُهُ مُؤَدِّيًا عَنْهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ آجَرَ نَفْسَهُ مِنْ رَجُلٍ يَخْدُمُهُ وَحَجَّ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ أُؤَاجِرُ نَفْسِي مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فَأَنْسُكَ مَعَهُمْ الْمَنَاسِكَ هَلْ يُجْزِئُ عَنِّي؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [البقرة: 202] .
(
قَالَ) : وَكَذَلِكَ لَوْ حَجَّ وَغَيْرُهُ يَكْفِيهِ مُؤْنَتَهُ؛ لِأَنَّهُ حَاجٌّ فِي هَذِهِ الْحَالَاتِ عَنْ نَفْسِهِ لَا عَنْ غَيْرِهِ (قَالَ) : وَكَذَلِكَ لَوْ حَجَّ فِي عَامٍ أَخْطَأَ النَّاسُ فِيهِ يَوْمَ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّ حَجَّهُمْ يَوْمَ يَحُجُّونَ كَمَا فِطْرُهُمْ يَوْمَ يُفْطِرُونَ وَأَضْحَاهُمْ يَوْمَ يُضَحُّونَ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا كُلِّفُوا الظَّاهِرَ فِيمَا يَغِيبُ عَنْهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهَكَذَا لَوْ أَصَابَ رَجُلٌ أَهْلَهُ بَعْدَ الرَّمْيِ وَالْحِلَاقِ كَانَتْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ وَكَانَ حَجُّهُ تَامًّا، وَهَكَذَا لَوْ دَخَلَ عَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَخَرَجَ مِنْهَا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ أَجْزَأَتْ عَنْهُ حَجَّتُهُ وَأَهْرَاقَ دَمًا، وَهَكَذَا كُلُّ مَا فَعَلَ مِمَّا لَيْسَ لَهُ فِي إحْرَامِهِ غَيْرُ الْجِمَاعِ كَفَّرَ وَأَجْزَأَتْ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.

[
بَابُ حَجِّ الصَّبِيِّ يَبْلُغُ وَالْمَمْلُوكِ يَعْتِقُ وَالذِّمِّيُّ يُسْلِمُ]
ُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا بَلَغَ غُلَامٌ أَوْ عَتَقَ مَمْلُوكٌ أَوْ أَسْلَمَ كَافِرٌ بِعَرَفَةَ أَوْ مُزْدَلِفَةَ فَأَحْرَمَ أَيْ هَؤُلَاءِ صَارَ إلَى هَذِهِ الْحَالِ بِالْحَجِّ ثُمَّ وَافَى عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ، وَاقِفًا بِهَا أَوْ غَيْرَ وَاقِفٍ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ وَأَجْزَأَ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ، وَلَوْ أَحْرَمَ الْعَبْدُ وَالْغُلَامُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ بِالْحَجِّ يَنْوِيَانِ بِإِحْرَامِهِمَا فَرْضَ الْحَجِّ أَوْ النَّافِلَةَ أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُمَا ثُمَّ عَتَقَ هَذَا وَبَلَغَ هَذَا قَبْلَ عَرَفَةَ أَوْ بِعَرَفَةَ أَوْ بِمُزْدَلِفَةَ أَوْ أَيْنَ كَانَا فَرَجَعَا إلَى عَرَفَةَ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ أَجْزَأَتْ عَنْهُمَا مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلَوْ احْتَاطَا بِأَنْ يُهْرِيقَا دَمًا كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَلَا يَبِينُ لِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَلَوْ أَحْرَمَ مِنْ مِيقَاتِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ بِعَرَفَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ دَمٍ يُهْرِيقُهُ؛ لِأَنَّ إحْرَامَهُ لَيْسَ بِإِحْرَامٍ

وَلَوْ أَذِنَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَفْسَدَهُ قَبْلَ عَرَفَةَ ثُمَّ عَتَقَ فَوَافَى عَرَفَةَ لَمْ تُجْزِ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ تَمَامُهَا؛ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِإِذْنِ أَهْلِهِ وَهِيَ تَجُوزُ لَهُ، وَإِنْ لَمْ تُجْزِ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا أَفْسَدَهَا مَضَى فِيهَا فَاسِدَةً وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا وَيُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ إذَا قَضَاهَا فَالْقَضَاءُ عَنْهُ يُجْزِيهِ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ

(
قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي الْغُلَامِ الْمُرَاهِقِ لَمْ يَبْلُغْ: يُهِلُّ بِالْحَجِّ ثُمَّ يُصِيبُ امْرَأَتَهُ قَبْلَ عَرَفَةَ ثُمَّ يَحْتَلِمُ بِعَرَفَةَ يَمْضِي فِي حَجِّهِ وَلَا أَرَى هَذِهِ الْحَجَّةَ مُجْزِئَةً عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ جَعَلَ لَهُ حَجًّا فَالْحَاجُّ إذَا جَامَعَ أَفْسَدَ وَعَلَيْهِ الْبَدَلُ وَبَدَنَةٌ، فَإِذَا جَاءَ بِبَدَلٍ وَبَدَنَةٍ أَجْزَأَتْ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ (قَالَ) : وَلَوْ أَهَلَّ ذِمِّيٌّ أَوْ كَافِرٌ مَا كَانَ هَذَا بِحَجٍّ ثُمَّ جَامَعَ ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ عَرَفَةَ وَبَعْدَ الْجِمَاعِ فَجَدَّدَ إحْرَامًا مِنْ الْمِيقَاتِ أَوْ دُونِهِ وَأَهْرَاقَ دَمًا لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ أَجْزَأَتْ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُفْسِدًا فِي حَالِ الشِّرْكِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ غَيْرَ مُحْرِمٍ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِذَا زَعَمْت أَنَّهُ كَانَ فِي إحْرَامِهِ غَيْرَ مُحْرِمٍ، أَفَكَانَ الْفَرْضُ عَنْهُ مَوْضُوعًا؟ قِيلَ: لَا، بَلْ كَانَ عَلَيْهِ وَعَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ

(2/142)

يُؤْمِنَ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَبِرَسُولِهِ وَيُؤَدِّي الْفَرَائِضَ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ، غَيْرَ أَنَّ السُّنَّةَ تَدُلُّ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ أَنَّ كُلَّ كَافِرٍ أَسْلَمَ اسْتَأْنَفَ الْفَرَائِضَ مِنْ يَوْمِ أَسْلَمَ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِإِعَادَةِ مَا فَرَّطَ فِيهِ فِي الشِّرْكِ مِنْهَا وَأَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ إذَا أَسْلَمَ ثُمَّ اسْتَقَامَ، فَلَمَّا كَانَ إنَّمَا يَسْتَأْنِفُ الْأَعْمَالَ وَلَا يَكُونُ عَامِلًا عَمَلًا يُكْتَبُ لَهُ إلَّا بَعْدَ الْإِسْلَامِ كَانَ مَا كَانَ غَيْرَ مَكْتُوبٍ لَهُ مِنْ إحْرَامِهِ لَيْسَ إحْرَامًا وَالْعَمَلُ يُكْتَبُ لِلْعَبْدِ الْبَالِغِ، وَإِذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّغِيرِ: لَهُ حَجٌّ، فَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ حَاجٌّ وَأَنَّ حَجَّهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَكْتُوبٌ لَهُ.

[
بَابُ الرَّجُلِ يَنْذُرُ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ]
(
قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَمَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً بِنَذْرٍ فَحَجَّ أَوْ اعْتَمَرَ يُرِيدُ قَضَاءَ حَجَّتِهِ أَوْ عُمْرَتِهِ الَّتِي نَذَرَ، كَانَ حَجَّتُهُ وَعُمْرَتُهُ الَّتِي نَوَى بِهَا قَضَاءَ النَّذْرِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتَهُ ثُمَّ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ حَجَّةِ النَّذْرِ بَعْدَ ذَلِكَ

(
قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا مَاتَ وَلَمْ يَقْضِ النَّذْرَ وَلَا الْوَاجِبَ قُضِيَ عَنْهُ الْوَاجِبُ أَوَّلًا، فَإِنْ كَانَ فِي مَالِهِ سَعَةٌ أَوْ كَانَ لَهُ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ قَضَى النَّذْرَ عَنْهُ بَعْدَهُ.
(
قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ حَجَّ عَنْهُ رَجُلٌ بِإِجَارَةٍ أَوْ تَطَوُّعٍ يَنْوِي عَنْهُ قَضَاءَ النَّذْرِ كَانَ الْحَجُّ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَضَى عَنْهُ النَّذْرَ بَعْدَهُ إذَا كَانَ إحْرَامُ غَيْرِهِ عَنْهُ، إذَا أَرَادَ تَأْدِيَةَ الْفَرْضِ عَنْهُ يَقُومُ مَقَامَ إحْرَامِ نَفْسِهِ عَنْهُ فِي الْأَدَاءِ عَنْهُ، فَكَذَلِكَ هُوَ فِي النَّذْرِ عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَوْ حَجَّ عَنْهُ رَجُلَانِ هَذَا الْفَرْضَ وَهَذَا النَّذْرَ، كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ وَأَجْزَأَ عَنْهُ.


 


ملف doc

كلمات دليلية: