بيان وجوب صيام رمضان برؤية الهلال وعدم الاعتماد على الحساب

س: سماحة الشيخ عبد العزيز : مع مطلع هذا الشهر الكريم يتحدث الناس بطبيعة الحال عن الرؤية، وتسمع عبارة يرددها البعض، فيقولون مثلاً: لو اتفق المسلمون على بدء الصيام في يوم واحد، والفطر في يوم واحد. ويرون أن هذا من وحدة الصف ومن وحدة المسلمين، هل يمكن أن يتحقق ذلك سماحة الشيخ؟ أرجو أن تتفضلوا ببيان وجه الحق في هذا

ج: العبادات ليست إلى البشر واختيارهم وآرائهم، العبادات توقيفية، (الجزء رقم : 16، الصفحة رقم: 52) تلقاها المسلمون عن ربهم في كتابه العظيم، وعن رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام في سنته الصحيحة، وليس لأحد أن يخترع شيئا من كيسه، فيجمع الناس على شيء لم يجمعهم الله عليه ولا رسوله عليه الصلاة والسلام، فالله جل وعلا أمر رسوله أن يبلغنا متي نصوم؟ ومتى نفطر؟ فعلى العباد أن يمتثلوا أمر لله وأمر رسوله، فقال عليه الصلاة والسلام: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين وقال: لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له وقال عليه الصلاة والسلام: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين، فالمؤمنون هكذا يعتمدون من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يتحروا دخول الشهر وخروجه، فإن ضبطوا شهر شعبان ثلاثين صاموا، وإن رئي الهلال لليلة ثلاثين من شعبان صاموا، ثم (الجزء رقم : 16، الصفحة رقم: 53) بعد ذلك رمضان هكذا، إن رأوا هلال شوال للثلاثين أفطروا وصار شهرهم تسعا وعشرين، فإن لم يروا الهلال ليلة شوال صاموا ثلاثين، هكذا أمرهم نبيهم عليه الصلاة والسلام، والأمة كذلك في جميع الدنيا عليهم هذا الأمر، عليهم أن يعملوا ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا رئي في بلد من بلدان المسلمين، وصاموا بالرؤية فقد تنازع العلماء في ذلك: هل يلزم جميع أهل الأرض أن يصوموا بصومهم؟ على قولين لأهل العلم، منهم من قال: يلزم. وذكره بعضهم قول الجمهور أنه يلزم بقية المسلمين أن يصوموا، إن ثبت في السعودية مثلا، أو في مصر أو في الشام، أو في كذا أو في كذا رؤية شرعية وجب على الباقين أن يصوموا معهم، إذا ثبت ذلك من طريق محكمة شرعية معتمدة يوثق بها، وقال آخرون من أهل العلم: لا يلزم ذلك، بل لكل أهل بلد رؤيتهم؛ لأن المطالع تختلف وتتباعد بعض الأحيان، كما بين أمريكا والجزيرة العربية، وبين أمريكا ومصر والشام وأشباه ذلك. واحتجوا على هذا بما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قدم عليه كريب من الشام، فسأله، قال: متى صمتم؟ قال صمنا يوم الجمعة، ورأى الناس الهلال وصام معاوية، وصام الناس، قال ابن عباس : نحن رأيناه في المدينة ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، أو نراه. فقال له كريب : ألا تكتفي برؤية معاوية والناس؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى (الجزء رقم : 16، الصفحة رقم: 54) الله عليه وسلم؛ حيث قال لنا: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين فابن عباس رأى أن الحديث لا يعم الدول كلها والبلاد كلها، وأن كل بلاد منفصلة عن بلاد وبعيدة عنها تختلف مطالعها فلها أن تستقل برؤية، وتابعه على هذا جماعة من أهل العلم، وقالوا بمثل قول ابن عباس . وقال الأكثرون: القول هو قول من قال بالعموم؛ لأن الأدلة عامة؛ لأنه قال صلى الله عليه وسلم: صوموا . والخطاب للأمة، ما هو لأهل المدينة، الخطاب للأمة كلها: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته وهكذا قوله: لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه ليس المراد المدينة، المراد الأمة، وقال عليه الصلاة والسلام: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين وأشار بأصابعه العشرة ثلاث مرات، يعني ثلاثين: والشهر هكذا وهكذا وهكذا . وحبس إبهامه في الثالثة، يعني تسعة وعشرين. ثم قال: فلا (الجزء رقم : 16، الصفحة رقم: 55) تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له هذه أخبار صريحة صحيحة ظاهرها العموم، ولكن الناس قد يوافقون لبعض الدول في رؤيتها، وقد يتهمون بعض الدول بأنها تعتمد على الحساب، والحساب لا يعتمد عليه عند جميع أهل العلم، أجمع العلماء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن تبعهم بإحسان إلى أنه لا يعتمد الحساب في الرؤية، حكى ذلك أبو العباس ابن تيمية وجماعة، وحكى بعضهم خلافا شاذا في ذلك. فالحاصل أن الحساب لا يعتمد عليه بنص الرسول صلى الله عليه وسلم، فدعوى الناس أن الحساب ينبغي أن يعتمد عليه، وأنه متى ولد الهلال اعتمد، ومتى لم يولد لم يعتمد، هذا مصادم للسنة، ومصادم لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب هذا يجب أن يطرح، وأن يعمل بقوله صلى الله عليه وسلم: صوموا لرؤيته الحديث. فلا تصوموا حتى تروا الهلال ، والنبي صلى الله عليه وسلم أنصح الناس، وأفصح الناس وأعلم الناس، وأكملهم أمانة، فلو كان يجوز للناس أن يعتمدوا الحساب لقال: إذا عرفتم الحساب، تواجد (الجزء رقم : 16، الصفحة رقم: 56) لكم الحساب فاعتمدوه. يعرف أن يقول هذا الكلام، وهو أقدر الناس على الكلام عليه الصلاة والسلام، وهو مأمور بالبلاغ، فقد بلغ البلاغ المبين عليه الصلاة والسلام، فلم يقل للناس: احسبوا واعتمدوا الحساب إذا وجد فيكم من يحسب. ولا تزال الأمة أكثرها لا يعرف الحساب من شرقها إلى غربها، ثم لو عرفه نصفهم أو أكثرهم أو كلهم لم يجز لهم أن يعتمدوه؛ لأن عليهم الاتباع لا الابتداع، عليهم أن يتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم، كما قال الله عز وجل: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ، وقال سبحانه: فليحذر الذين يخالفون عن أمره - يعني يحيدون عن أمره - أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم . ويقول عز وجل: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون . ويقول: ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا . قال أهل العلم: الرد إلى الله: الرد إلى القرآن العظيم، (الجزء رقم : 16، الصفحة رقم: 57) والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم: الرد إليه في حياته، عليه الصلاة والسلام، وبعد وفاته الرد إلى سنته الصحيحة، في حياته كان يعمل بالرؤية، فإن لم ير أكمل الشهر، وبعد وفاته أرشدنا ماذا نعمل؟ قال: افعلوا كذا، وافعلوا كذا. فالواجب على الأمة أن تمتثل أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن تقف عند الحد الذي حده، وأن تحذر خلاف ذلك، فإذا لم تقتنع الدولة المعينة برؤية الدولة الأخرى اعتمدت رؤيتها عندها، وعلماؤها عندها، فتنظر ما يقوله العلماء عندها؛ علماء الشرع، وتعتمد على ذلك، ولو خالفت دولة أخرى؛ لأنها قد لا تقتنع برؤيتها، قد تظن أنها أخطأت لرؤيتها، أو الشهود أخطؤوا فليس في إمكان الناس أن يجمعوا قلوب الناس وعقولهم على عقل واحد، ورأي واحد، هذا إلى الله سبحانه وتعالى، فمن اطمأن إلى رؤية البلد أو الدولة صار معها قرب أو بعد، ومن لم يطمئن ؛ لأن الدولة تحكم بغير الشريعة، ولا تحكم بالشريعة، أو لأسباب أخرى منعت من اتباع تلك الدولة فإنه يستقل ويعمل بما ثبت لديه من الرؤية، ولو سبق الدولة الأخرى أو تأخر عنها في الصوم والفطر فالأمر في هذا واسع والحمد لله، ولا حرج على الناس في ذلك، ولا يضرهم اختلاف صومهم وعيدهم، لا يضرهم في ذلك ما داموا متمسكين بالشرع، وطالبين ما قاله الله ورسوله، ومتمسكين بحكم الله ورسوله لا يضرهم ذلك، والله ولي التوفيق، (الجزء رقم : 16، الصفحة رقم: 58) وعند عدم تيسر الاجتماع فإن لكل بلد رؤيته، أما إذا تيسر الاجتماع، واطمأن الناس إلى دولة يثقون بها ويطمئنون إليها فإنهم يجتمعون عليها، وعندي أن الدولة السعودية أولى الدول في هذا المقام؛ لأن المحاكم - بحمد لله - تعتني بهذا، وتجتهد في توثيق الشهود، ولا تعمل إلا بالرؤية، فإذا عمل الناس بما ثبت في السعودية فقد أحرزوا دينهم، وقد احتاطوا لدينهم والحمد لله، والله ولي التوفيق.


دار النشر: فتاوى نور على الدرب

كلمات دليلية: