عيد الفطر .. في أسباب الفرح بحصاد رمضان

عيد الفطر  في أسباب الفرح بحصاد رمضان
263

 أيام قليلة تفصلنا عن عيد الفطر؛ موسم الفرح السنوي بحصاد رمضان؛ وتكبيرات المآذن تشق عنان السماء وتغمر الأرواح نورا وعزة ومحبة لخالق الأكوان، تنشد في ليلة العيد وصبحه: "الله أكبر ولله الحمد"؛ مرات ومرات ترددها شاكرًا أنعم ربك أن بلغك شهر الصوم والقرآن.. أن فتح لك بابا في السماء وقد أغلقت دونك الأبواب.. أن منحك خلوة بنفسك وبربِّك ..  تغتسل بدموعك فتتطهر وتصفو وتبصر.. أن جمع شملك بأهلك وألان قلبك الذي اعتلاه ركام الخطايا فلم يعد يتنفس..

رمضان بداية الفرح ومنتهاه العيد.. النفوس الفرحة بإرادتها التي هزمت الشهوات، والصدقات التي أشبعت فقيرا وأبقت لك طهرًا ورحمة والقرآن الذي لازمها ربيعًا يبيد الهم والحزن..

هذا العام وبعد تفشي فيروس كورونا يشعر المسلمون بغصّة امتدت من غلق المساجد في عدد كبير من البلدان الإسلامية ضمن إجراءات التباعد لمنع تفشي الوباء؛ وأدت لمنع صلاة العيد التي تعد أكبر مظاهر الفرح بالفطر؛ ومع ذلك تجدهم يجدّون في طلب الفرح ويجهزون بيوتهم وملابسهم لبهجة العيد ويشترون البالونات وكروت المعايدة لصغارهم؛ فعيدنا فرح وانتظار لرحمة الله برفع البلاء.

سنة النبي في عيد الفطر

عيد الفطر هو اليوم الذي يفطر المسلمون فيه بعد صيام رمضان، ويمتد من غروب شمس اليوم الأخير من شهر رمضان وحتى غروب شمس اليوم الأول من شهر شوال، وقد احتفل به الصحابة للمرة الأولى في السنة الثانية للهجرة المباركة إلى المدينة فوجدوا أهلها يحتفلون بيومين

«فقال رسول الله: " قدْ أبدلَكم اللهُ تعالَى بِهِمَا خيرًا مِنْهُمَا يومَ الفطرِ ويومَ الأَضْحَى"»

وهو من الأيام التي يُسنّ فيها إظهار الفرح والسرور،يقول الله تعالى:  
 "قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ" [10:58]

وكان الصحابة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إذا التقوا صبيحة عيد الفطر قالوا "تقبل الله منكم" فأجازها النبي لهم.

وروي عن الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال عن عيد الفطر : إن هذا يوم جعله الله عيدًا للمسلمين، فاغتسلوا، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه، وعليكم بالسواك". (رواه ابن ماجه)

وكان في يوم العيد يخرج في أبهى حلته، ويختلف في طريق ذهابه للمسجد عن عودته ليلتقى بأكبر عدد من أصحابه

وقد كان النبي يشيع البهجة فيمن حوله في العيد، وقد سمح لفتاتين صغيرتين بالغناء في حجرة زوجته عائشة، رضي الله عنها – قالت:" ( دخل عليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعندي جاريتان تغنّيان بغناء يوم بعاث، فاضطجع على الفراش، وحوّل وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمارة الشّيطان عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فأقبل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - فقال: دعهما، فلمّا غفل غمزتهما فخرجتا ) رواه البخاري .

وفى رواية أخرى: ( يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا ).

ولما شعر النبي برغبة زوجته صغيرة السن في رؤية لعبة يمارسها الأولاد بالجلد يوم العيد، قال:" "تشتهين تنظرين؟، فقلت: نعم، فأقامني وراءه، خدّي على خدّه، وهو يقول: دونكم يا بني أرفدة، حتّى إذا مللت، قال: حسبك؟، قلت: نعم، قال: فاذهبي ) رواه البخاري

وأباح النبي للنساء بأن تشهد صلاة العيد فقال: ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولكن ليخرجن وهن تَفِلات (غير متطيبات) ) رواه أبو داود

ومن مظاهر العيد التكبير من ليلة العيد حتى حضور الصلاة، حيث ثبت عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه كان يخرج يوم الفطر فيكبِّر حتى يأتي المُصلَّى، وحتى يقضيَ الصلاة، فإذا قضى الصلاة قطع التكبير . قال الحافظ البغوي: " ومن السُّنة إظهار التكبير ليلتي العيد مقيمين وسفراً، وفي منازلهم ومساجدهم وأسواقهم، وبعد الغدو في الطريق وبالمصلى، إلى أن يحضر الإمام ".

وكان النبي يفطر قبل خروجه لصلاة العيد، فعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال:" ( كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمراتٍ، ويأكلهن وِتراً ) رواه البخاري

وصلاة العيد لا أذان لها ولا إقامة، فعن جابر بن سمُرة ـ رضي الله عنه ـ قال: ( صليت مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذانٍ ولا إقامة ) رواه مسلم .

وعن عائشة رضي الله عنها:" ( أن رسول الله كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات،وفي الثانية خمساً) [صحيح سنن أبي داود]

زكاة الفطر.. طهر ومرحمة

فرض الله سبحانه تعالى على عِباده زكاة الفطر، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال:" "فرض رسولُ الله  زكاة الفطر, صاعًا من تمرٍ, أو صاعًا من شعيرٍ، على العبد والحرِّ, والذكر والأنثى, والصَّغير والكبير, من المسلمين, وأمر بها أن تُؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة"

تجب زكاة الفطر على كل مسلم لديه ما يزيد عن قوته وقوت أولاده وعن حاجاته في يوم العيد وليلته، كما يُلزم المسلم بإخراج زكاة الفطر عن نفسه وزوجته وأولاده.

وقد تأمل المفكرون طويلًا تلك الشعيرة الإسلامية والركن الثالث من أركان الإسلام؛ وفيه معنى تطهير النفس من جشعها واكتنازها للمال، وتوفية حق الفقير من مال المقتدر.

وتجب زكاة الفطر بغروب الشمس من آخر يوم من شهر رمضان، والسنة إخراجها يوم عيد الفطر قبل صلاة العيد. ويجوز تعجيل إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين وقد كان هذا فعل ابن عمر وغيره من الصحابة.

شرع الله تعالى زكاة الفطر لما فيها من تطهير للصائم مما قد يقع به من الكلام وزلل اللسان والأقوال غير المقبولة، إضافةً إلى أن فيها إطعاماً للفقراء والمساكين، قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: “زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين

وعادة ما ترتبط الصدقات والزكاة في القرآن بتطهير النفس وتنزيل الرحمات، ومنها قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم..} [التوبة:103]

وقوله سبحانه: ( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) سورة النور[56] 

 

وهكذا يثمر الصوم تقوى في القلوب كما تثمر الصدقات والزكاة طهرا ومرحمة، ويصبح عيد الفطر هو اجتماع تلك القيم؛ الطهر والتقوى والمرحمة، وهو الفرح بما زرعته في أيام رمضان، وهو سؤالك المتجدد عما إذا كنت قد خرجت من الشهر إنسانًا جديدا يشعر بسلام مع نفسه ومع ربه ومع المخلوقات أم لا؟!