زكاة الإبل والبقر والغنم على المذهب الحنبلي – كتاب الكافي

 زكاة الإبل والبقر والغنم على المذهب الحنبلي – كتاب الكافي
849

اسم الكتاب:
الكافى




[باب زكاة الإبل
]
وهي مقدرة بما قدره به رسول الله
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فروى البخاري بإسناده، عن أنس أن أبا بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كتب له حين وجهه إلى البحرين: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على المسلمين، والتي أمر الله بها رسول

(1/385)

الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فمن سألها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سأل فوقها فلا يعطه.
في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم في كل خمس شاة؛ فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض؛ فإن لم يكن بنت مخاض فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستاً وأربعين ففيها حقة طروقة الفحل، إلى ستين فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستاً وسبعين إلى تسعين ففيها ابنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان، طروقتا الفحل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليست فيها صدقة، إلا أن يشاء ربها
. فإذا بلغت خمساً من الإبل ففيها شاة أوجب دون خمس وعشرين غنماً لأنه لا يمكن المواساة من جنس المال؛ لأن واحدة منها كثير، وإخراج جزء تشقيص يضر بالمالك والفقير، والإسقاط غير ممكن فعدل إلى إيجاب الشياه جمعاً بين الحقوق، وصارت الشياه أصلاً لو أخرج مكانها إبلاً لم يجزئه لأنه عدل عن المنصوص عنه إلى غير جنسه فلم يجزئه، كما لو أخرجها عن الشياه الواجبة في الغنم. ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن والثني من المعز؛ لأنها الشاة التي تعلق بها حكم الشرع، في سائر موارده المطلقة، ويعتبر كونها في صفة الإبل، ففي السمان الكرام شاة سمينة كريمة، وفي اللئام والهزال لئيمة هزيلة؛ لأنها سببها فإن كانت مراضاً لم يجز إخراج مريضة؛ لأن المخرج من غير جنسها، ويخرج شاة صحيحة على قدر المال، ينقص من قيمتها على قدر نقيصة الإبل، ولا يعتبر كونها من جنس غنمه، ولا غنم البلد؛ لأنها ليست سبباً لوجوبها، فلم يعتبر كونها من جنسها، كالأضحية، ولا يجزئ فيها الذكر كالمخرجة عن الغنم، ويحتمل أن يجزئ؛ لأنها شاة مطلقة، فيدخل فيها الذكر كالأضحية، فإن عدم الغنم لزمه شراء شاة، وقال أبو بكر: يجزئه عشرة دراهم؛ لأنها بدل الشاة للجبران ولا يصح؛ لأن هذا إخراج قيمة فلم يجز، كما في الشاة المخرجة عن الغنم، وليست الدراهم في الجبران بدلاً، بدليل إجزائها مع وجود الشاة.

فصل
:
فإذا بلغت خمساً وعشرين أمكنت المواساة من جنسها، فوجبت فيها بنت مخاض، وهي التي لها سنة ودخلت في الثانية، سميت بذلك لأن أمها ماخض أي
: حامل بغيرها، قد حان ولادتها، فإن عدمها أخرج ابن لبون ذكراً، وهو الذي له سنتان ودخل في الثالثة، سمي بذلك لأن أمه لبون أي ذات لبن، وصار نقص الذكورية مجبوراً بزيادة

(1/386)

السن. فإن عدمه أيضاً لزمه شراء بنت مخاض؛ لأنهما استويا في العدم، فأشبه ما لو استويا في الوجود، ولأن تجويز ابن لبون للرفق به، إغناء له عن كلفة الشراء، ولم يحصل الإغناء عنها ههنا، فرجع إلى الأصل. ومن لم يجد إلا بنت مخاض معيبة فهو كالعادم؛ لأنه لا يمكن إخراجها، وإن وجدها أعلى من صفة الواجب أجزأته، فإن أخرج ابن لبون لم يجزئه لأن ذلك مشروط بعدم ابنة مخاض مجزئة، وإن اشترى بنت مخاض على صفة الواجب جاز، ولا يجبر نقص الذكورية بزيادة السن في غير هذا الموضع. وقال القاضي: يجوز أن يخرج عن بنت لبون حقاً، وعن الحقة جذعاً مع عدمهما؛ لأنه أعلى وأفضل، فيثبت الحجم فيه بالتنبيه، ولا يصح لأنه لا نص فيهما، وقياسهما على ابن اللبون ممتنع؛ لأن زيادة سنة يمتنع بها من صغار السباع، ويرعى الشجر بنفسه، ويرد الماء ولا يوجد هذا في غيره.

فصل
:
فإذا بلغت ستاً وثلاثين ففيها بنت لبون، وفي ست وأربعين حقة وهي التي لها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، سميت بذلك لأنها استحقت أن يطرقها الفحل وتركب، ولهذا قال في الحديث
: «طروقة الفحل» .
وفي إحدى وستين جذعة، وهي التي ألقت سناً ولها أربع سنين ودخلت الخامسة، وهي أعلى سن يؤخذ في الزكاة، وفي ست وسبعين ابنتا لبون
.
وفي إحدى وتسعين حقتان إلى عشرين ومائة، وإذا زادت واحدة ففيها ثلاث بنات لبون
.
وعنه
: لا يعتبر الفرض حتى تبلغ ثلاثين ومائة، فيكون فيها حقة وبنتا لبون، والصحيح الأول؛ لأن في حديث الصدقات الذي كتبه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكان عند آل عمر بن الخطاب «فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون» وهذا نص، وهو حديث حسن. ولو ملك زادت جزءاً من بعير لم يتغير الفرض به لذلك، ولأن سائر الفروض لا تتغير بزيادة جزء، ثم في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، للحديث الصحيح.

فصل
:
فإذا بلغت مائتين، اتفق الفرضان، أربع حقاق أو خمس بنات لبون، أيهما أخرج

(1/387)

أجزأه، فإن كان الآخر أفضل منه، والمنصوص عنه في أربع حقاق، وهذا محمول على أن ذلك فيها بصفة التخيير؛ لأن في كتاب الصدقات الذي عند آل عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فإذا كان مائتين ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون، أي السنين وجدت عنده أخذت منه، ولأنه اتفق الفرضان في الزكاة فكانت الخيرة لرب المال كالخيرة في الجبران، وإن كان المال ليتيم لم يخرج عنه إلا أدنى السنين، لتحريم التبرع بمال اليتيم، فإن أراد إخراج الفرض من السنين، على وجه يحتاج إلى التشقيص، كزكاة لمائتين لم يجز، وإن لم يحتج إليه كزكاة ثلاثمائة يخرج عنها حقتين وخمس بنات لبون جاز، وإن وجدت إحدى الفريضتين دون الأخرى، أو كانت الأخرى ناقصة، تعين إخراج الكاملة؛ لأن الجبران بدل، لا يصار إليه مع وجود الفرض الأصلي، وإن احتاجت كل فريضة إلى جبران أخرج ما شاء منها، فإذا كانت عنده ثلاث حقاق وأربع بنات لبون فله إخراج الحقاق وبنت لبون مع الجبران أو بنات اللبون وحقة، ويأخذ الجبران، وإن أعطى حقة وثلاث بنات لبون مع الجبران لم يجزئه؛ لأنه يعدل عن الفرض مع وجوده إلى الجبران، ويحتمل الجواز، فإن كان الفرضان معدومين، أو معيبين فله العدول إلى غيرها مع الجبران، فيعطي أربع جذعات، ويأخذ ثماني شياه، أو يخرج خمس بنات مخاض وعشر شياه، وإن اختار أن ينتقل من الحقاق إلى بنات المخاض مع الجبران، أو من بنات اللبون إلى الجذعات مع الجبران، لم يجز؛ لأن الحقاق وبنات اللبون منصوص عليهن فلا تصعد إلى الحقاق بجبران، ولا ينزل لبنات اللبون بجبران.

فصل
:
ومن وجبت عليه فريضة فعدمها فله أن يخرج فريضة أعلى منها بسنة، ويؤخذ شاتين، أو عشرين درهماً، أو فريضة أدنى منها بسنة، ومعها شاتان أو عشرون درهما، لما روى أنس في كتاب الصدقات الذي كتبه أبو بكر
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة وعنده حقة، فإنها تقبل منه، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده الحقة، وعنده الجذعة فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده إلا بنت لبون، فإنها تقبل منه بنت لبون، ويعطى شاتين أو عشرين درهماً، ومن بلغت صدقته بنت لبون، وعنده حقة، فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهماً، فأما من وجبت عليه جذعة، فأعطى مكانها ثنية بغير جبران جاز، وإن طلب جبراناً لم يعط؛ لأن زيادة سن الثنية غير معتبر في الزكاة، وإن عدم بنت المخاض لم يقبل منه فصيل بجبران ولا غيره؛ لأنه ليس بفرض ولا أعلى منه، والخيرة في النزول والصعود، والشياه والدراهم إلى رب المال؛

(1/388)

للخبر، فإن أراد أعطى شاة وعشرة دراهم، أو أخذ ذلك جاز ذكره القاضي؛ لأن الشاة مقام عشرة دراهم، وقد كانت الخيرة إليه فيهما مع غيرهما، فكانت الخيرة إليه فيهما مفردين ويحتمل المنع؛ لأن الشارع جعل له الخيرة في شيئين، وتجويز هذا يجعل له الخيرة في ثلاثة أشياء، وإن كان النصاب مريضاً لم يجز له الصعود إلى الفرض الأعلى بجبران؛ لأن الشاتين جعلتا جبراناً، لما بين صحيحين، فيكون أكثر مما بين المريضين، وإن أراد النزول ويدفع الجبران جاز؛ لأنه متطوع بالزيادة، ومن وجب عليه فرض فلم يجد إلا أعلى منه بسنتين، فقال القاضي: يجوز أن يصعد إلى الأعلى، ويأخذ أربع شياه أو أربعين درهماً، أو ينزل إلى الأنزل، ويخرج معه أربع شياه أو أربعين درهماً لأن الشارع جوز له الانتقال إلى الذي يليه، وجوز الانتقال من العدول إلى ما يليه [إذا كان هو الفرض، وهنا لو كان موجوداً فإذا عدم جاز العدول إلى ما يليه] ، وقال أبو الخطاب: لا يجوز؛ لأن النص إنما ورد بالانتقال إلى ما يليه فأما إن وجد سناً يليه لم يجز له الانتقال إلى الأبعد؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أقام الأقرب مقام الفرض، ولو وجد الفرض لم ينتقل عنه، فكذلك إذا وجد الأقرب لم ينتقل عنه، وإن أراد أن يخرج مكان الأربع شياه شاتين وعشرين درهماً جاز؛ لأنهما جبران فيهما كالكفارتين، ولا مدخل للجبران في غير الإبل لأن النص فيها ورد وليس غيرها في معناها.

[باب صدقة البقر
]
روى الإمام أحمد
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن يحيى بن الحكم، أن معاذاً قال: «بعثني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أصدق أهل اليمن، فأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعاً، ومن كل أربعين مسنة، ومن الستين تبيعين، ومن السبعين مسنة وتبيعاً، ومن الثمانين مسنتين، ومن التسعين ثلاث أتباع، ومن المائة مسنة وتبيعين، ومن العشرة ومائة مسنتين وتبيعاً، ومن العشرين ومائة ثلاث مسنات أو أربعة أتباع، وأمرني أن لا آخذ فيما بين ذلك شيئاً إلا أن تبلغ مسنة أو جذعاً.» فأول نصابها ثلاثون وفيها تبيع أو تبيعة، وهو الذي له سنة ودخل في الثانية. وفي الأربعين مسنة، وهي التي لها سنتان ودخلت في الثالثة. ويتفق الفرضان في مائة وعشرين، فيخرج رب المال أيهما شاء للخبر، ولما ذكرنا في الإبل.

فصل
:
ولا يؤخذ في الصدقة إلا الأنثى، لورود النص بها
. وفضلها بدرها ونسلها، إلا

(1/389)

الأتبعة في البقر حيث وجبت، وابن لبون مكان بنت مخاض، إذا عدمت، فإن كانت ماشيته كلها ذكوراً جاز إخراج الذكر في الغنم وجهاً واحداً لأن الزكاة وجبت مواساة، والمواساة إنما تكون بجنس المال. ويجوز إخراجه في البقر في أصح الوجهين لذلك. وفي الإبل وجهان:
إحداهما
: يجوز لذلك.
والآخر
: لا يجوز، لإفضائه إلى إخراج ابن لبون عن خمس وعشرين وست وثلاثين، وفيه تسوية بين النصابين. فعلى هذا يخرج أنثى ناقصة بقدر قيمة الذكر، وعلى الوجه الأول يخرج ابن لبون عن النصابين، ويكون التعديل بالقيمة. ويحتمل أن يخرج بن مخاض عن خمس وعشرين فيقوم الذكر مقام الأنثى التي في سنه، كسائر النصب [ويحتمل أن لا يخرج الذكر فعلى هذا يخرج أنثى ناقصة بقدر قيمة الذكر وعلى الوجه الأول يخرج ابن لبون عن نصابين ويكون التعديل بالقيمة] .

فصل
:
والجواميس نوع من البقر، والبخاتي نوع من الإبل، والضأن والمعز جنس واحد
. فإذا كان النصاب نوعين، أو كان فيه سمان ومهازيل، وكرام ولئام؛ أخرج الفرض من أيهما شاء على قدر المالين. فإذا كان نصفين، وقيمة الفرض من أحدهما عشرة، ومن الآخر عشرين أخذه من أيهما شاء قيمته خمسة عشر، إلا أن يرضى رب المال بإخراج الأجود.

[باب صدقة الغنم
]
وأول نصابها أربعون
: وفيها شاة، إلى مائة وعشرين. فإذا زادت واحدة، ففيها شاتان إلى مائتين، فإن زادت واحدة ففيها ثلاث شياه. ثم في كل مائة شاة شاة، لما روى أنس في كتاب الصدقات: «وفي سائمة الغنم إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة؛ فإذا زادت على عشرين ومائة ففيها شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه: فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة عن أربعين شاة شاة واحدة فليس فيها صدقة، إلا أن يشاء ربها» .
وعن أحمد
: أن في ثلاثمائة وواحدة أربع شياه، ثم في كل مائة شاة شاة. اختارها

(1/390)

أبو بكر؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جعل الثلاثمائة غاية، فيجب تغير الفرض بالزيادة عليها، والأول أصح؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جعل حكمها إذا زادت على الثلاثمائة، في كل مائة شاة. فإيجاب أربع فيما دون الأربعمائة يخالف الخبر، وإنما جعل الثلاثمائة حداً لاستقرار الفرض.

فصل
:
ولا يجزئ من الغنم إلا الجذع من الضأن، وهو الذي له ستة أشهر، والثني في المعز، وهو الذي له سنة لما روى سعر بن ديسم قال
: «أتاني رجلان على بعير فقالا: إنا رسولا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لتؤدي صدقة غنمك. قلت: فأي شيء تأخذان؟ قالا: عناقاً جذعة أو ثنية» . رواه أبو داود. لأن هذا السن هو المجزئ في الأضحية دون غيره، كذلك في الزكاة، فإن كان في ماشيته كبار وصغار لم يجب فيها إلا المنصوص، ويؤخذ الفرض بقدر قيمة المالين، ولذلك قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: اعتد عليهم بالسخلة، يروح بها الراعي على يديه، ولا تأخذها منهم. فإن كانت كلها صغاراً جاز إخراج الصغير؛ لقول الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لقاتلتهم عليها. ولا تؤدى العناق إلا عن صغار؛ ولأن الزكاة تجب مواساة، فيجب أن تكون من جنس المال.
وقال أبو بكر
: لا تجزئ إلا كبيرة، للخبر. فإن كانت ماشيته الصغار إبلاً أو بقراً ففيها وجهان:
أحدهما
: تجزئه الصغيرة، لما ذكرناه في الغنم، وتكون الصغيرة الواجبة في ست وأربعين زائدة على الواجبة في ست وثلاثين بقدر تفاوت ما بين الحقة وبنت اللبون، وهكذا في سائر النصب تعدل بالقيمة.
والثاني
: لا يجزئ إلا كبيرة؛ لأن الفرض يتغير بنهاية السن، فيؤدي إخراج الصغيرة إلى التسوية بين النصابين. فعلى هذا يخرج كبيرة ناقصة القيمة بقدر نقص الصغار عن الكبار. وعنه أيضاً: لا ينعقد عليها الحول حتى تبلغ سناً يجزئ في الزكاة، لئلا يلزم هذا المحذور.

فصل
:
لا يجزئ في الصدقة هرمة، ولا معيبة، ولا تيس، لقول الله تعالى
: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267] . وروى أنس في كتاب الصدقات: «لا يخرج في

(1/391)

الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس» . وروى أبو داود عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده وأنه لا إله إلا هو، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، رافدة عليه كل عام، ولم يعط الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشرط اللئيمة، لكن من وسط أموالكم فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره» . الشرط: رذالة المال، والدرنة: الجرباء، فإن كان بعض النصاب مريضاً، وبعضه صحيحاً لم يأخذ إلا صحيحة على قدر المالين، وإن كان كله مريضاً أخذت مريضة منه. وقال أبو بكر: لا يؤخذ إلا صحيحة بقيمة المريضة، والقول في هذا كالقول في الصغار.

فصل
:
ولا يؤخذ في الصدقة الربى، وهي التي تربي ولدها، ولا الماخض، وهي الحامل، ولا التي طرقها الفحل؛ لأن الغالب أنها حامل، ولا الأكولة وهي السمينة، ولا فحل الماشية المعد لضرابها، ولا حزرات المال، وهو خياره تحزره العين لحسنه، لقول النبي
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمعاذ: «إياك وكرائم أموالهم» متفق عليه. وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله لم يسألكم خيره» وقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لساعيه: لا تأخذ الربى ولا الماخض ولا الأكولة ولا فحل الغنم. قال الزهري: إذا جاء المصدق قسم الشاء: أثلاثاً، ثلثاً خياراً، وثلثاً شراراً، وثلثاً وسطاً، ويأخذ المصدق من الوسط. فإن تبرع المالك بدفع شيء من هذا، أو أخرج عن الواجب أعلى منه من جنسه جاز؛ لأن المنع من أخذه، لحقه فجاز برضاه، كما لو دفع فرضين مكان فرض. فإذا دفع حقة عن بنت لبون، أو تبيعين مكان الجذعة جاز لذلك، ولأن التبيعين يجزئان عن الأربعين مع غيرها فلأن يجزئان عنها مفردة أولى. وقد روى أبو داود عن أبي بن كعب «أن رجلاً قدم على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا نبي الله أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي، فزعم أن ما علي فيه بنت مخاض، فعرضت عليه ناقة فتية سمينة، فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ذاك الذي وجب عليك فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك فقال: ها هي ذه يا رسول الله، فأمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقبضها، ودعا له بالبركة» .

فصل
:
ولا تجزئ القيمة في شيء من الزكاة
. وعنه: يجزئ لأن المقصود غنى الفقير بقدر المال. والأول المذهب؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذكر هذه الأعيان المنصوص عليها بياناً لما فرضه تعالى، فإخراج غيرها ترك للمفروض. وقوله: فإن لم تكن بنت مخاض، فابن

(1/392)

لبون ذكر، يمنع إخراج ابن اللبون مع وجود ابنة المخاض، ويدل على أنه أراد العين دون المالية، فإن خمساً وعشرون لا تخلوا عن مالية ابنة المخاض، وإخراج القيمة يخالف ذلك، ويفضي إلى إخراج الفريضة مكان الأخرى من غير جبران، وهو خلاف النص، واتباع السنة أولى. وقد روي عن معاذ أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما بعثه إلى اليمن قال: «خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة من البقر» رواه أبو داود.

[باب حكم الخلطة
]
وهي ضربان
:
خلطة أعيان
: بأن يملكا مالاً مشاعاً يرثانه أو يشتريانه أو غير ذلك.
وخلطة أوصاف
: وهو أن يكون مال كل واحد منهما متميزاً فخلطاه، ولم يتميزا في أوصاف نذكرها، وكلاهما يؤثر في جعل مالهما كمال الواحد في شيئين:
أحدهما
: أن الواجب فيهما كالواجب في مال واحد؛ فإن بلغا معاً نصاباً ففيهما الزكاة، وإن زادا على النصاب لم يتغير الفرض حتى يبلغا فريضة ثانية. فلو كان لكل واحد منهما عشرون كان عليهما شاة، وإن كان لكل واحد منهما ستون، لم يجب أكثر من شاة، وإن كان لهما مال غير مختلط، تبع المختلط في الحكم فلو كان لكل واحد منهما ستون، فاختلط في أربعين لم يلزمهما إلا شاة في مالهما كله؛ لأن مال الواحد يضم بعضه إلى بعض في الملك، فتضم الأربعين المنفردة إلى العشرين المختلطة، فيلزم انضمامها إلى العشرين التي لخليطه، فيصير الجميع كمال واحد، ولو كان لرجل ستون، كل عشرين منها مختلطة بعشرين لآخر، فالواجب شاة واحدة، نصفها على صاحب الستين، ونصفها على الخلطاء، على كل واحد سدس شاة، لما ذكرناه، فإن كان لأحدهم شاة مفردة، لزمهم شاتان.
والثاني
: أن الساعي أخذ الفرض من مال أيهما شاء، سواء دعت إليه حاجة لكون الفرض واحداً أو لم تدع إليه حاجة، بأن يجد فرض كل واحد منهما في ماله؛ لأن مالهما صار كالمال الواحد في الإيجاب، فكذلك في الإخراج، ولذلك قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» رواه البخاري. يعني: إذا أخذ الفرض من مال أحدهما. والأصل في الخلطة ما روى أنس في حديث الصدقات: «ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» . ولأن المالين صارا كالمال الواحد في المؤن، فكذلك في الزكاة.

(1/393)

فصل:
ويعتبر في الخلطة شروط خمس
:
أحدها
: أن تكون في السائمة ولا تؤثر الخلطة في غيرها.
وعنه
: تؤثر فيها خلطة الأعيان لعموم الخبر، ولأنه مال تجب فيه الزكاة فأثرت الخلطة فيه كالسائمة، ولنا قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «والخليطان ما اجتمعا على الحوض والراعي والفحل» رواه الدارقطني وهذا تفسير للخلطة المعتبرة شرعاً، فيجب تقديمه، ولأن الخلطة في السائمة أثرت في الضرر لتأثيرها في النفع، وفي غيرها لا تؤثر في النفع لعدم الوقص فيها، وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يجمع بين متفرق خشية الصدقة» دليل على اختصاص ذلك بالسائمة التي تقل الصدقة بجمعها لأجل أوقاصها، بخلاف غيرها.
الثاني
: أن يكون الخليطان من أهل الزكاة، فإن كان أحدهما مكاتباً أو ذمياً فلا أثر لخلطته؛ لأنه لا زكاة في ماله، فلم يكمل النصاب به.
الشرط الثالث
: أن يختلطا في نصاب، فإن اختلطا فيما دونه، مثل أن يختلطا في ثلاثين شاة لم تؤثر الخلطة، سواء كان لهما مال سواه أو لم يكن؛ لأن المجتمع دون النصاب فلم تجب الزكاة فيه.
الشرط الرابع
: أن يختلطا في ستة أشياء لا يتميز أحدهما عن صاحبه فيها وهي: المسرح، والمشرب، والمحلب، والمراح، والراعي، والفحل لما روى الدارقطني بإسناده عن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة والخليطان ما اجتمعا في الحوض والفحل والراعي» نص على هذه الثلاثة، فنبه على سائرها، ولأنه إذا تميز كل مال بشيء مما ذكرناه لم يصيرا كالمال الواحد في المؤن ولا يشترط حلب المالين في إناء واحد؛ لأن ذلك ليس بمرفق بل ضرر، لاحتياجهما إلى قسمته.
الشرط الخامس
: أن يختلطا في جميع الحول، فإن ثبت لهما حكم الانفراد في بعضه زكيا زكاة المنفردين فيه؛ لأن الخلطة، معنى يتعلق به إيجاب الزكاة فاعتبرت في جميع الحول كالنصاب، فإن كان مال كل واحد منهما منفرداً فخلطاه، زكياه في الحول الأول زكاة الانفراد، وفيما بعد زكاة الخلطة، فإن اتفق حولاهما مثل أن يملك كل واحد منهما أربعين في أول المحرم، وخلطاها في صفر، فإذا تم حولهما الأول أخرجا شاتين، فإذا تم الثاني فعليهما شاة واحدة. وإن اختلف حولاهما، فملك أحدهما أربعين في المحرم، والآخر أربعين في صفر، فخلطاها في ربيع، أخرجا شاتين للحول الأول، فإذا

(1/394)

تم حول الأول والثاني فعليه نصف شاة، فإن أخرجا من غير النصاب فعلى الثاني عند تمام حوله نصف شاة، وإن أخرجها من النصاب فعلى الثاني من الشاة بقدر ماله من جميع المالين، فإذا كان ماله أربعين، ومال صاحب أربعون إلا نصف شاة، فعليه أربعون جزءاً من تسع وسبعين جزءاً ونصف من شاة، وإن ثبت لأحدهما حكم الانفراد دون صاحبه: نحو أن يملكا نصابين فخلطاهما، ثم باع أحدهما ماله أجنبياً، فعلى الأول شاة عند تمام حوله؛ لأنه ثبت له حكم الانفراد، فإذا تم حول الثاني فعليه زكاة الخلطة؛ لأنه لم يزل مخلطاً في جميع الحول.

فصل
:
فإن كان بينهما نصابان مختلطان، فباع أحدهما غنمه بغنم صاحبه وأبقياه على الخلطة، لم ينقطع حولهما ولم تزل خلطتهما، وكذلك إن باع البعض بالبعض من غير إفراد، قل المبيع أو كثر، فأما إن أفرداها، ثم تبايعا ثم خلطاها، وطال زمان الإفراد بطل حكم الخلطة، وإن لم يطل ففيه وجهان
:
أحدهما
: لا ينقطع حكم الخلطة لأن هذا زمن يسير فعفي عنه.
والثاني
: يبطل حكم الخلطة؛ لأنه قد وجد الانفراد في بعض الحول فيجب تغليبه، كالكثير وإن أفردا بعض النصاب وتبايعاه، وكان الباقي على الخلطة نصاباً، لم تنقطع الخلطة؛ لأنها باقية في نصاب، وإن بقي أقل من نصاب فحكمه حكم إفراد جميع المال.
وذكر القاضي
: أن حكم الخلطة، ينقطع في جميع هذه المسائل ولا يصح؛ لأن الخلطة لم تزل في جميع الحول، والبيع لا يقطع حكم الحول في الزكاة فكذلك في الخلطة، ولو كان لكل واحد أربعون، مخالطة لمال آخر، فتبايعاها مختلطة، لم يبطل حكم الخلطة، وإن اشترى بالمخالطة، مفردة، أو بالمفردة مختلطة، انقطعت الخلطة، وزكى زكاة المنفرد؛ لأن زكاة المشتري تجب ببنائه على حول المبيع، وقد ثبت لأحدهما حكم الانفراد في بعض الحول فيجب تغليبه.

فصل
:
[إذا كان لرجل نصاب، فباع نصفه مشاعاً في الحول
] ، فقال أبو بكر: ينقطع حول الجميع؛ لأنه قد انقطع في النصف المبيع، فكأنه لم يجر في حول الزكاة أصلاً، فلزم انقطاعه في الباقي.

(1/395)

وقال ابن حامد: لا ينقطع الحول فيما لم يبع؛ لأنه لم يزل مخالطاً لمال جار في حول الزكاة، وحدوث الخلطة لا يمنع ابتداء الحول، فلا يمنع استدامته، وهكذا لو كان النصاب لرجلين، فباع أحدهما نصيبه أجنبياً فعلى هذا إذا تم حول ما لم يبع ففيه حصته من الزكاة، فإن أخرجت منه نقص النصاب، فلم يلزم المشتري زكاة، وإن أخرجت من غيره، وقلنا الزكاة تتعلق بالعين، فلا شيء على المشتري أيضاً لأن تعلق الزكاة بالعين يمنع وجوب الزكاة.
وقال القاضي
: لا يمنع، فعلى قوله: على المشتري زكاة حصته إذا تم حوله، وإن قلنا تتعلق بالذمة لم يمنع وجوب الزكاة على المشتري؛ لأن النصاب لم ينقص، فأما إن أفرد بعض النصاب وباعه، ثم خلطه المشتري بمال البائع، فقال ابن حامد: ينقطع حولهما، لثبوت حكم الانفراد لهما. وقال القاضي: يحتمل أن لا ينقطع حكم حول البائع؛ لأن هذا زمن يسير.
ولو كان لرجلين نصاب خلطة، فاشترى أحدهما نصيب صاحبه، أو ورثه، أو اتهبه في أثناء الحول فهذه عكس المسألة الأولى صورة ومثلها معنى؛ لأنه في الأولى كان خليط نفسه ثم صار خليط أجنبي، وههنا كان خليط أجنبي فصار خليط نفسه، والحكم فيها كالحكم في الأولى، لاشتراكهما في المعنى
.
ولو استأجر أجيراً يرعى غنمه بشاة منها، فحال الحول ولم يفردها فهما خليطان، ولو أفردها فنقص النصاب فلا زكاة فيها، لنقصانها، وإن استأجره بشاة موصوفة صح وجرت مجرى الدين في منعها من الزكاة على ما مضى من الخلاف فيه
.

فصل
:
وذكر القاضي شرطاً سادساً وهو نية الخلطة؛ لأنه معنى يتغير به الفرض فافتقر إلى النية، كالسوم، والصحيح أنه لا يشترط؛ لأن النية لا تؤثر في الخلطة فلا تؤثر في حكمها؛ لأن المقصود بها الارتفاق بخفة المؤونة، وذلك يحصل في عدم النية
.

فصل
:
إذا أخذ الساعي الفرض من مال أحدهما رجع على خليطه بقدر حصته من المال، لقول رسول الله
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» فإذا كان لأحدهما الثلث فأخذ الفرض من ماله، رجع على خليطه بقيمة ثلثيه، وإن أخذه من صاحبه، رجع صاحبه عليه بقيمة ثلثه، فإن اختلفا في القيمة فالقول قول المرجوع عليه، إذا عدمت البينة؛ لأنه غارم فالقول كالغاصب، وإن أخذ الساعي أكثر من الواجب بغير

(1/396)

تأويل، فأخذ مكان الشاة اثنتين، لم يرجع على صاحبه إلا بقدر الواجب؛ لأن الزيادة ظلم، فلا يرجع بها على غير ظالمه، وإن أخذه بتأويل فأخذ صحيحة كبيرة عن مراض صغار رجع على صاحبه؛ لأن ذلك إلى اجتهاد الإمام، فإذا أداه اجتهاده إلى أخذه وجب دفعه إليه، وكان بمنزلة الواجب، وإن أخذ القيمة رجع بالحصة منها لأنه مجتهد فيه.

فصل
:
فإن كانت سائمة الرجل في بلدين لا يقصر بينهما الصلاة فهي كالمجتمعة وإن كان بينهما مسافة القصر فكذلك اختاره أبو الخطاب؛ لأنه مال واحد يضم إلى بعض، كغير السائمة، وكما لو تقارب البلدان، والمشهور عن أحمد
: أن لكل مال حكم نفسه، لظاهر قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة» ، ولا يختلف المذهب في سائر الأموال أنه يضم مال الواحد بعضه إلى بعض، تقاربت البلدان أو تباعدت، لعدم تأثير الخلطة فيها.



ملف doc

كلمات دليلية: