زكاة الزرع والثمار والمعادن والركاز على المذهب الحنبلي -كتاب الكافي

زكاة الزرع والثمار والمعادن والركاز على المذهب الحنبلي -كتاب الكافي
1153

اسم الكتاب:
الكافى



[باب زكاة الزرع والثمار]
وهي واجبة
: بقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} [البقرة: 267] . وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر» أخرجه البخاري، وبالإجماع. ولا تجب إلا بخمسة شروط:
أحدها
: أن يكون حباً أو ثمراً، لقول رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا زكاة في حب أو ثمر حتى تبلغ خمسة أوسق» رواه مسلم. وهذا يدل على وجوب الزكاة في الحب والثمر وانتفائها عن غيرهما.
الشرط الثاني
: أن يكون مكيلاً، لتقديره بالأوسق، وهي مكاييل، فيدل ذلك على اعتبارها.
الشرط الثالث
: أن يكون مما يدخر؛ لأن جميع ما اتفق على زكاته مدخر، ولأن غير المدخر لا تكمل ماليته لعدم التمكن من الانتفاع به في المال. فتجب الزكاة في جميع الحبوب المكيلة، المقتات منها، والقطاني، والأبازير والبزور والقرطم، وحب القطن، ونحوها، وفي التمر، والزبيب، واللوز، والفستق، والعناب، لاجتماع هذه

(1/397)

الأوصاف الثلاثة، [وقال ابن حامد: لا زكاة في الأبازير والبزور ونحوها] ، ولا تجب في الخضر كالقثاء، والبطيخ، والباذنجان، لعدم هذه الأوصاف فيها، وقد روى موسى بن طلحة أن معاذاً لم يأخذ من الخضر صدقة: ولا تجب في سائر الفواكه كالجوز، والتفاح، والإجاص، والكمثرى، والتين، لعدم الكيل فيها، وعدم الادخار في بعضها، وقد روى الأثرم بإسناده أن عامل عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كتب إليه في كروم فيها من الفرسك ما هو أكثر غلة من الكرم أضعافاً مضاعفة، فكتب إليه عمر: ليس عليها عشر هي من العضاه. والفرسك: الخوخ، ولا زكاة في الزيتون؛ لأنه لا يدخر، وعنه: فيه الزكاة لقول الله تعالى: {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] .
وقيل
: لم يرد بهذه الآية الزكاة؛ لأنها مكية نزلت قبل وجوب الزكاة، ولهذا لم تجب الزكاة في الرمان. ولا زكاة في تين، ولا ورق، ولا زهر؛ لأنه ليس بحب ولا ثمر ولا مكيل.
وعنه في القطن والزعفران
: زكاة لكثرته، وفي الورس والعصفر وجهان. بناء على الزعفران.
وقال أبو الخطاب
: تجب الزكاة في الصعتر، والأشنان؛ لأنه مكيل مدخر والأول أولى؛ لأنه ليس بمنصوص عليه، ولا في معنى المنصوص.

فصل
:
الشرط الرابع
: أن ينبت بإنبات الآدمي في أرضه، فأما النابت بنفسه، كبزر قطونا والبطم وحب الأشنان والثمام، فلا زكاة فيه. ذكره ابن حامد؛ لأنه إنما يملك بحيازته. والزكاة إنما تجب ببدو الصلاح، ولم يكن ملكاً له حينئذ، فلم تجب زكاته، كما لو اتهبه. وقال [القاضي] : فيه الزكاة، لاجتماع الأوصاف الأول فيه. وما يلتقطه اللقاطون من السنبل لا زكاة فيه. نص عليه أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقال: هو بمنزلة المباحات ليس فيه صدقة. وما يأخذه الإنسان أجرة لحصاده، أو يوهب له لا زكاة عليه

(1/398)

فيه، لما ذكرنا. ومن استأجر أرضاً، أو استعارها فالزكاة عليه فيما زرع؛ لأن الزرع ونفع الأرض له دون المالك. ومن زرع في أرض موقوفة عليه، فعليه العشر؛ لأن الزرع طلق غير موقوف. فإن كان الوقف للمساكين فلا عشر فيه؛ لأنه ليس لواحد معين إنما يملك المسكين ما يعطاه منه، فلم يلزمه عشره، كما لو أخذ عشر الزرع غيره.

فصل
: [في نصاب الزروع] الشرط الخامس: أن يبلغ نصاباً قدر خمسة أوسق، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس فيها دون خمسة أوسق صدقة» متفق عليه. والوسق: ستون صاعاً لما روى أبو سعيد عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «الوسق ستون صاعاً» رواه أبو داود. والصاع خمس أرطال وثلث، والمجموع ثلاثمائة صاع، وهي ألف وستمائة رطل بالعراقي، والرطل مائة وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع، وهو بالرطل الدمشقي المقدر بستمائة درهم، ثلاثمائة رطل واحد وأربعون رطلاً وستة أسباع رطل. والأوساق مكيلة، وإنما نقل إلى الوزن ليحفظ وينقل. قال أحمد: وزنته، يعني الصاع، فوجدته خمسة أرطال وثلثاً حنطة، وهذا يدل على أن قدره ذلك من الحبوب الثقيلة. فإن كان ما وجبت فيه الزكاة موزوناً كالقطن والزعفران اعتبر بالوزن؛ لأنه موزون ذكره القاضي. وحكي عنه أنه قال: إذا بلغت قيمته قيمة خمسة أوسق من أدنى ما تخرجه الأرض ففيه الزكاة، فإن كان الحب [قيمته قيمة خمسة أوسق] مما يدخر في قشره كالأرز، فإنه علم أنه يخرج عن النصف، فنصابه عشرة أوسق مع قشره، وإن لم يعلم ذلك، أو شك في بلوغ النصاب، خير بين أن يستنظر ويخرج عشره قبل قشره وبين قشره واعتباره بنفسه. والعلس: نوع من الحنطة، يزعم أهله أنه إذا خرج من قشره لا يبقى بقاء الحنطة، ويزعمون أنه يخرج عن النصف، فنصابه عشرة أوسق مع قشره، ويعتبر أنه يبلغ النصاب من الحب مصفى، ومن الثمار يابساً.
وعنه
: يعتبر النصاب في الثمرة رطباً ثم يخرج منه قدر عشر رطبه ثمراً، ولا يصح؛ لأنه إيجاب لزيادة على العشر، والنص يرد ذلك.

فصل
:
وتضم أنواع الجنس بعضها إلى بعض ليكمل النصاب، كما ذكرنا في الماشية، فيضم العلس إلى الحنطة، والسلت إلى الشعير؛ لأنهما نوعا جنس واحد، ويضم زرع

(1/399)

العام الواحد بعضه إلى بعض، سواء اتفق وقت إطلاعه وإدراكه أو اختلف، فيقدم بعضه على بعض ويضم الصيفي إلى الربيعي. ولو حصدت الذرة ثم نبتت مرة أخرى يضم أحدهما إلى الآخر لأنه زرع عام واحد فضم بعضه إلى بعض كالمتقارب. ويضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض لذلك. فإن كان له نخل يحمل حملين في العام، ضم أحدهما إلى الآخر كالزرع. وقال القاضي في موضع: لا يضم الحمل الثاني إلى شيء. والأول أولى.

فصل
:
ولا يضم جنس إلى غيره؛ لأنهما جنسان مختلفان، فلم يضم أحدهما إلى الآخر كالماشية
.
وعنه
: تضم كل الحبوب بعضها إلى بعض، اختارها أبو بكر لأنها تتفق في قدر النصاب، والمخرج، والمنبت، والحصاد، أشبهت أنواع الجنس.
وعنه
: تضم الحنطة إلى الشعير، والقطنيات بعضها إلى بعض، اختاره الخرقي والقاضي؛ لأنها تتقارب في المنفعة فأشبهت نوعي الجنس. وهذا ينتقض بالتمر والزبيب، لا يضم أحدهما إلى الآخر مع ما ذكروه.

فصل
:
وقدر الزكاة
: العشر فيما سقي بغير كلفة، كماء السماء والعيون والأنهار، ونصف العشر فيما سقي بكلفة كالدوالي والنواضح ونحوها للحديث الذي في أول الباب، ولأن للكلفة تأثيراً في تقليل النماء، فيؤثر على الزكاة كالعلف في الماشية، فإن سقي نصف السنة بكلفة، ونصفها بما لا كلفة فيه، ففيه ثلاث أرباع العشر، وإن سقي بأحدهما أكثر من الآخر اعتبر بالأكثر؛ لأن اعتبار السقي في عدد مراته، وقدر ما يشرب في كل مرة يشق ويتعذر، فاعتبر بالأكثر، كالسوم. وقال ابن حامد: يجب بالقسط لأن ما وجب فيه بالقسط عند التماثل، ويجب عند التفاضل كزكاة الفطر عن العبد المشترك. وإن جهل المقدار غلبنا إيجاب العشر، نص عليه لأنه الأصل. وإن اختلف الساعي ورب المال في قدر شربه، فالقول قول رب المال من غير يمين؛ لأن الناس لا يستحلفون على صدقاتهم، فإن كان له حائطان، فسقى أحدهما بمؤنة، والآخر بغير مؤنة، ضم أحدهما إلى الآخر في كمال النصاب، وأخذ من كل واحدة فرضه، ويجب فيما زاد على النصاب بحسابه، قل أو كثر؛ لأنه يتجزأ فوجب فيه بحسابه كالأثمان.

(1/400)

فصل:
وإذا بدا الصلاح في الثمار واشتد الحب وجبت الزكاة؛ لأنه حينئذ يقصد للأكل والاقتيات به، فأشبه اليابس، وقيل
: لا يقصد لذلك، فهو كالرطبة. فإن تلف قبل ذلك، أو أتلفه فلا شيء فيه؛ لأنه تلف قبل الوجوب، فأشبه ما لو أتلف السائمة قبل الحول، إلا أن يقصد بإتلافها الفرار من زكاتها فتجب عليه لما ذكرنا، وإن تلف بعد وجوبها، وقبل حفظها في بيدرها وجرينها بغير تفريط، فلا ضمان عليه، سواء خرصت أو لم تخرص؛ لأنها في حكم ما لم تثبت اليد عليه. ولو تلف بجائحة رجع بها المشتري على البائع. وإن أتلفها أو فرط فيها ضمن نصيب الفقراء بالخرص، أو بمثل نصيبهم. وإن أتلفها أجنبي ضمن نصيب الفقراء بالقيمة؛ لأن رب المال عليه تخفيف هذا بخلاف الأجنبي. والقول في تلفها وقدرها والتفريط فيها، قول رب المال؛ لأنه خالص حق الله تعالى، فلا يستحلف فيه كالحد، وإن تلف بعد جعلها في الجرين فحكمها حكم تلف السائمة بعد الحول.

فصل
:
ويستحب الإمام أن يبعث من يخرص الثمار حين بدو الصلاح، لما روت عائشة
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود فيخرص عليهم النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه» . رواه أبو داود. وعن عتاب بن أسيد قال: «أمرنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نخرص العنب كما نخرص النخل. فيؤخذ زكاته زبيباً كما تؤخذ زكاة النخل تمراً» . رواه أبو داود. ويجزئ خارص واحد لحديث عائشة، ولأنه يفعل ما يؤديه إليه اجتهاده، فجاز أن يكون واحداً كالحاكم.
ويعتبر أن يكون مسلماً أميناً غير متهم ذا خبرة، فإن كانت الثمرة أنواعاً خرص كل نوع على حدته؛ لأن الأنواع تختلف، منها ما يكثر رطبه ويقل يابسه، ومنها خلاف ذلك، فإن كانت نوعاً واحداً خير بين خرص كل شجرة منفردة، وبين خرص الجميع دفعة واحدة، ثم يعرف المالك قدر الزكاة، ويخيره بين حفظها إلى الجذاذ، وبين التصرف فيها وضمان حق الفقراء فإن اختار حفظها فعليه زكاة ما يؤخذون منها قل أو كثر؛ لأن الفقراء شركاؤه، فليس عليه أكثر من حقهم منها، وإن اختار التصرف ضمن حصة الفقراء بالخرص، فإن ادعى غلط الساعي في الخرص، دعوى محتملة، فالقول قوله بغير يمين، وإن ادعى غلطاً كثيراً لا يحتمل مثله لم يلتفت إليه لأنه يعلم كذبه، فإن اختار التصرف فلم يتصرف، أو تلفت فهو كما لو لم يخير؛ لأن الزكاة أمانة فلا تصير مضمونة في الشرط كالوديعة
.

(1/401)

فصل:
ويخرص الرطب والعنب، لحديث عتاب، ولأن الحاجة داعية إلى أكلهما رطبين، وخرصهما ممكن لظهور ثمرتهما، واجتماعها في أفنانها وعناقيدها، ولم يسمع بالخرص من غيرهما، ولا هو في معناهما؛ لأن الزيتون ونحوه حبه متفرق في شجره مستتر بورقه
.

فصل
:
وعلى الخارص أن يترك في الخرص الثلث أو الربع توسعة على رب المال، لحاجته إلى الأكل منها والإطعام، ولأنها قد يتساقط منها وينتابها الطير والمارة، وقد روى سهل بن أبي حثمة أن النبي
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا أو تجدوا الثلث فدعوا الربع» رواه أبو داود. وعن مكحول قال: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا بعث الخراص قال: خففوا عن الناس فإن في المال العرية والواطئة والأكلة» رواه أبو عبيد. فالعرية: النخلات يهب رب المال ثمرتها لإنسان، والواطئة: السابلة، والأكلة: أرباب الأموال ومن تعلق بهم. فإن لم يترك الخارص شيئاً فلهم الأكل بقدر ذلك، ولا يحتسب عليهم، وإن لم يخرص عليهم، فأخرج رب المال خارصاً فخرص، وترك قدر ذلك، جاز. ولهم أكل الفريك من الزرع ونحوه، مما جرت العادة بمثله، ولا يحتسب عليهم.

فصل
:
وإذا احتيج إلى قطع الثمرة قبل كمالها، لخوف العطش أو غيره، أو لتحسين بقية الثمرة جاز قطعها؛ لأن العشر وجب مواساة، فلا يكلف منه ما يهلك أصل المال، ولأن حفظ الأصل أحظ للفقراء من حفظ
[الثمرة، لتكرر حقهم فيها كما هو أحظ للمالك. فإن كفى التجفيف لم يجز قطعها] ، فإن لم يكف جاز قطعها كلها، وإن كانت الثمرة عنباً، لا يجيء منه زبيب، أو زبيبه رديء كالخمري، أو رطب لا يجيء منه تمر جاز كالبربنا قطعه.
قال أبو بكر
: وعليه قدر الزكاة في جميع ذلك يابساً، وذكر أن أحمد نص عليه.
وقال القاضي
: لا يلزمه ذلك لأن الفقراء شركاؤه فلم يلزمه مواساتهم بغير جنس ماله. ويتخير الساعي بين مقاسمة رب المال الثمرة قبل الجذاذ بالخرص، ويأخذ نصيبهم

(1/402)

شجرات منفردة، وبين مقاسمة الثمرة بعد جذها بالكيل، ويقسم الثمرة في الفقراء، وبين بيعها للمالك أو لغيره قبل الجذاذ وبعده، ويقسم ثمنها في الفقراء، فإن أتلفها رب المال فعليه قيمتها؛ لأنه لا يلزمه تجفيفها، فأشبه الأجنبي.

فصل
:
وما عدا ذلك لا يجوز إخراج الواجب من ثمرته إلا يابساً، ومن الحبوب إلا مصفى؛ لأنه وقت الكمال وحالة الادخار، فإن كان نوعاً واحداً أخرج عشره منه، جيداً كان أو رديئاً؛ لأن الفقراء بمنزلة الشركاء فيه
. وإن كان أنواعاً أخرج من كل نوع حصته كذلك، ولا يجوز إخراج الرديء عن الجيد، ولا يلزم إخراج الجيد عن الرديء، لما ذكرنا، ولا مشقة في هذا؛ لأنه لا يحتاج إلى تشقيص.
وقال أبو الخطاب
: إن شق ذلك لكثرة الأنواع واختلافها، أخذ من الوسط، وإن أخرج رب المال الجيد عن الرديء جاز، وله ثواب الفضل لما ذكرنا في السائمة.

فصل
:
فأما الزيتون فإن لم يكن ذا زيت أخرج عشر حبه، وإن كان ذا زيت فأخرج من حبه جاز كسائر الحبوب، وإن أخرج زيتاً كان أفضل لأنه يكفي الفقراء مؤنته، ويخرجه في حال الكمال والادخار
.

فصل
:
ويجوز لرب المال بيعه بعد وجوب زكاته؛ لأن الزكاة إذا كانت في ذمته لم يمنع التصرف في ماله كالدين، وإن تعلقت بالمال، لكنه تعلق ثبت بغير اختياره، فلم يمنع التصرف فيه كأرش الجناية، فإن باعه فزكاته عليه دون المشتري ويلزمه إخراجها كما تلزمه لو لم يبعه
.

فصل
:
ويجتمع العشر والخراج في كل أرض فتحت عنوة، الخراج في رقبتها والعشر في غلتها؛ لأن الخراج مؤنة الأرض فهو كالأجرة في الإجارة، ولأنهما حقان يحيان لمستحقين، فيجتمعان كالكفارة، والقيمة في الصيد المملوك على المحرم
.
وقال الخرقي
: يؤدي الخراج ثم يزكي ما بقي؛ لأن الخراج دين من مؤنة الأرض، فأشبه ما استدانه لينفقه على زرعه. وقد ذكرنا فيما استدانه رواية أخرى: أنه لا يحتسب به فكذلك يخرج ههنا.

(1/403)

فصل:
ويجوز لأهل الذمة شراء الأرض العشرية، ولا عشر عليهم في الخارج منها؛ لأنهم من غير أهل الزكاة، فأشبه ما لو اشتروا سائمة
. ويكره بيعها لهم لئلا يفضي إلى إسقاط الزكاة.
وعنه
: يمنعون شراءها لذلك، اختاره الخلال وصاحبه، فعلى هذا إن اشتروها، ضوعف العشر عليهم، كما لو اتجروا إلى غير بلدانهم ضوعف عليهم ما يؤخذ من المسلمين.

فصل
:
وفي العسل العشر، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
«أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يؤخذ في زمانه من قرب العسل، من كل عشر قرب قربة من أوسطها» . رواه أبو عبيد. وعن ابن عمر قال: قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «في العسل في كل عشر قرب قربة» رواه أبو داود والترمذي. وقال الترمذي: في إسناده مقال، ولا يصح في هذا الباب عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كبير شيء. ومقتضى هذا أن يكون نصابه عشر قرب، والقربة مائة رطل. كذلك ذكره العلماء في تقرير القرب التي قدروا بها في القلتين. وقال أصحابنا: نصابه عشر أفراق؛ لأن الزهري قال: في عشرة أفراق فرق، ثم اختلفوا، فقال ابن حامد والقاضي في المجرد: الفرق ستون رطلاً، وحكي عن القاضي أنه قال: الفرق ستة وثلاثون رطلاً، والمشهور عند أهل العربية الفرق الذي هو ثلاثة آصع، هو ستة عشر رطلاً.

[باب زكاة المعدن]
وهو ما استخرج من الأرض مما خلق فيها من غير جنسها كالذهب والفضة

(1/406)

والحديد والنحاس والزبرجد والبلور والعقيق والكحل والمغرة وأشباهها، والقار والنفط والكبريت ونحوه، فتجب فيه الزكاة، لقول الله تعالى: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} [البقرة: 267] . وروى الجوزجاني بإسناده عن بلال بن الحارث المزني: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخذ من معادن القبلية الصدقة» . وقدرها ربع العشر؛ لأنها زكاة في الأثمان، فأشبهت زكاة سائر الأثمان، أو تتعلق بالقيمة أشبهت زكاة التجارة، ولا يعتبر لها حول؛ لأنه يراد لتكامل النماء، وبالوجود يصل إلى النماء فلم يعتبر له حول كالعشر. ويشترط له النصاب وهو مائتا درهم من الورق، أو عشرون مثقالاً من الذهب، أو ما قيمته ذلك من غيرهما، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» ولأنها زكاة تتعلق بالأثمان أو بالقيمة فاعتبر لها النصاب كالأثمان أو العروض. ويعتبر إخراج النصاب متوالياً، فإن ترك العمل ليلاً أو نهاراً للراحة، أو لإصلاح الأداة، أو لمرض أو إباق عبد فهو كالمتصل؛ لأن ذلك العادة. وإن خرج بين النيلين تراب لا شيء فيه فاشتغل به فهو مستديم للعمل، وإن تركه ترك إهمال فلكل دفعة حكم نفسها. قال القاضي: ويعتبر النصاب في كل جنس منفرداً، والأولى ضم الأجناس إلى المعدن الواحد في تكميل النصاب؛ لأنها تتعلق بالقيمة فيضم، وإن اختلفت الأنواع، كالعروض. ولا يحتسب بما أنفق على المعدن في إخراجه وتصفيته؛ لأنه كمؤن الحصاد والزراعة. ولا تجب على من ليس من أهل الزكاة؛ لأنه زكاة. ويمنع الدين وجوبه، كما يمنع في الأثمان. وتجب في الزائد على النصاب بحسابه؛ لأنه مما يتجزأ، ويخرج زكاته من قيمته كما يخرج من قيمة العروض.

فصل
:
فأما الخارج من البحر كاللؤلؤ والمرجان والعنبر ففيه روايتان
:
إحداهما
: لا شيء فيه؛ لأن ابن عباس قال: لا شيء في العنبر إنما هو شيء ألقاه البحر، ولأنه قد كان على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وخلفائه فلم يسبق فيه سنة.
والثانية
: فيه زكاة؛ لأنه معدن أشبه معدن البر. ولا شيء في السمك؛ لأنه صيد فهو كصيد البر.
وعنه
: فيه الزكاة قياساً على العنبر.

فصل
:
ويجوز بيع تراب معادن الأثمان بغير جنسه، ولا يجوز بجنسه لإفضائه إلى الربا،

(1/407)

وزكاته على البائع؛ لأن رجلاً باع معدناً، ثم أتى علياً - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فأخبره، فأخذ زكاته منه. ولأنه باع ما وجبت عليه زكاته فكانت عليه، كبائع الحب بعد صلاحه. وتتعلق الزكاة بالمعدن بظهوره، كتعلقها بالثمرة بصلاحها، ولا يخرج منه إلا بعد السبك والتصفية كالحب والثمر.


[باب حكم الركاز
]
وهو مال الكفار المدفون في الأرض، وفيه الخمس، لما روى أبو هريرة عن رسول الله
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه قال: «وفي الركاز الخمس» متفق عليه. ولأنه مال كافر مظهور عليه بالإسلام فوجب فيه الخمس كالغنيمة، ويجب الخمس في قليله وكثيره من أي نوع كان من غير حول لذلك. ويجب على كل واجد له من أهل الزكاة وغيرهم لذلك. ومصرفه مصرف الفيء لذلك، ولأنه روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه رد بعض خمس الركاز على واجده، ولا يجوز ذلك في الزكاة.
وعنه
: أنه زكاة مصرفه مصرفها، اختارها الخرقي. لأن علياً - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أمر واجد الركاز أن يتصدق به على المساكين، ولأنه حق تعلق بمستفاد من الأرض فأشبه صدقة المعدن والعشر. وفي جواز رده على واجده وجهان لما ذكرنا من الروايتين، ويجوز لواجده أن يفرق الخمس بنفسه، نص عليه واحتج بحديث علي، ولأنه أوصل الحق إلى مستحقه فبرئ منه، كما لو فرق الزكاة.

فصل
:
والركاز
: ما دفنه الجاهلية، ويعتبر ذلك برؤية علاماتهم عليه، كأسماء ملوكهم وصورهم وصلبهم؛ لأن الأصل أنه لهم، فأما ما عليه علامات المسلمين كأسمائهم أو قرآن ونحوه فهو لقطة؛ لأنه ملك مسلم لم يعلم زواله عنه، وكذلك إن كان على بعضه علامة الإسلام وعلى بعضه علامة الكفار؛ لأن الظاهر أنه صار لمسلم فدفنه، وما لا علامة عليه فهو لقطة تغليباً لحكم الإسلام.

فصل
:
ولا يخلو الركاز من أربعة أحوال
:
أحدها
: أن يجده في موات فهو لواجده.
الثاني
: وجده في ملك آدمي معصوم، ففيه روايتان:

(1/408)

إحداهما: يملكه واجده؛ لأنه لا يملك بملك الأرض إذ ليس هو من أجزائها، وإنما هو مودع فيها، فجرى مجرى الصيد والكلأ، يملكه من ظفر به كالمباحات كلها، وإن ادعاه صاحب الأرض فهو له مع يمينه، لثبوت يده على محله.
والثانية
: هو لصاحب الأرض إن اعترف به، وإن لم يعترف به، فهو لأول مالك؛ لأنه في ملكه، فكان له كحيطانه، فإن كان الملك موروثاً فهو للورثة، إلا أن يعترفوا أنه لم يكن لمورثهم فيكون لمن قبله، فإن اعترف به [بعضهم دون بعض فللمعترف به نصيبه وباقيه لمن قبله] .
الثالث
: وجده في ملك انتقل إليه فهو له بالظهور عليه، وإن قلنا: لا يملك به فهو للمالك قبله إن اعترف به، وإلا فهو لأول مالك.
الرابع
: وجده في أرض الحرب وقدر عليه بنفسه فهو له؛ لأن مالك الأرض لا حرمة له فأشبه الموات وإن لم يقدر عليه إلا بجماعة المسلمين فهو غنيمة؛ لأن قوتهم أوصلته إليه وإن وجد في ملك انتقل إليه ما عليه علامة الإسلام، فادعاه من انتقل عنه ففيه روايتان:
إحداهما
: يدفع إليه من غير تعريف ولا صفة؛ لأنه كان تحت يده فالظاهر أنه ملكه، كما لو لم ينتقل عنه.
والثانية
: لا يدفع إليه إلا بصفة؛ لأن الظاهر أنه لو كان له لعرفه. وإن اكترى داراً فظهر فيها دفين، فادعى كل واحد من المالك والمكتري أنه دفنه ففيه وجهان:
أحدهما
: القول قول المالك؛ لأن الدفين تابع للأرض.
والثاني
: القول قول المكتري؛ لأنه مودع في الأرض وليس منها، فكان القول قول من يده عليه كالقماش.

فصل
:
وإذا استأجر أجيراً ليحفر له طالباً لكنز فوجد كنزاً فهو للمستأجر؛ لأنه استأجره لذلك، فأشبه ما لو استأجره ليحتش له، وإن استأجره لغير ذلك فوجد كنزاً فهو للأجير؛ لأنه غير مقصود بالإجارة
. فكان للظاهر عليه كما لو استأجره ليحتمل له فوجد صيداً.




كلمات دليلية: