تعرف مفسدات الحج وحكم الفدية والهدي على المذهب الحنبلي -كتاب الكافي

تعرف مفسدات الحج وحكم الفدية والهدي على المذهب الحنبلي -كتاب الكافي
743

اسم الكتاب:
الكافى



[باب الفدية في الحج]
باب الفدية

من حلق رأسه وهو محرم، فعليه ذبح شاة، أو إطعام ثلاثة آصع لستة مساكين؛ لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام؛ لقول الله تعالى
: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] وروى كعب بن عجرة عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «لعلك تؤذيك هوام رأسك؟ قال: نعم يا رسول الله. فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: احلق رأسك وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين؛ لكل مسكين نصف صاع تمر، أو نسك شاة» متفق عليه، وسواء حلق لعذر أو غيره. وعنه: فيمن

(1/497)

حلق لغير عذر، عليه الدم، من غير تخيير؛ لأن الله تعالى خير بشرط العذر فإن عدم الشرط، زال التخيير، والأول أولى؛ لأن الحكم ثبت من غير عذر المعذور تبعاً له، والتبع لا يخالف أصله، وإنما الشرط لإباحة الحلق؛ لا التخيير، وفي حلق أربع شعرات ما في حلق الرأس كله؛ لأنها كثير، فتعلقت بها الفدية كالكل، وفي الثلاث روايتان:
إحداهما
: هي كالكل، قال القاضي: هو المذهب لأنه يقع عليها، اسم الجمع المطلق، فهي كالأربع.
والثانية
: لا يجب فيها ذلك، وهي اختيار الخرقي. لأن الثلاث آخر القلة، وآخر الشيء منه.
وفيما دون ذلك ثلاث روايات
:
إحداهن
: في كل شعرة مد من طعام؛ لأن الله تعالى عدل الحيوان بالطعام هاهنا وفي الصيد، وأقل ما يجب منه مد من طعام فوجب.
والثانية
: قبضة من طعام؛ لأنه لا تقدير له في الشرع، فيجب المصير إلى الأقل؛ لأنه اليقين.
والثالثة
: درهم؛ لأن إيجاب جزء من الحيوان يشق، فصرنا إلى قيمته وأقل ذلك درهم، وإزالة الشعر بالقطع والنتف والنورة وغيرها كحلقه؛ لأنها في معناه، والأظفار كالشعر في الفدية؛ لأنها في معناها، وفي بعض الشعرة أو الظفر ما في جميعه، كما أن في القصيرة مثل ما في الطويلة، وإن حلق شعر رأسه وبدنه، فعليه فدية واحدة؛ لأنه جنس واحد فأجزأته فدية واحدة، كما لو لبس عمامة وقميصاً، وهذا اختيار أبي الخطاب.
وحكي رواية أخرى
: أن عليه فديتين، اختاره القاضي؛ لأن حلق الرأس يتعلق به نسك، دون شعر البدن فيخالفه في الفدية، ومن أبيح له الحلق، فهو مخير في الفدية قبله وبعده كما يتخير في كفارة اليمين، قبل الحنث وبعده.

فصل
:
ومن لبس أو غطى رأسه أو تطيب، فعليه الفدية، مثل حلق رأسه؛ لأنه في معناه، فقسناه عليها، وإذا لبس عمامة وقميصاً وسراويل وخفين، فعليه فدية واحدة؛ لأنه جنس واحد فأشبه ما لو طيب رأسه وبدنه، وإن لبس وتطيب وحلق وقلم، فعليه لكل جنس فدية؛ لأنها أجناس مختلفة، فلم تتداخل كفاراتها بالأيمان والحدود، وعنه
: إن فعل

(1/498)

ذلك دفعة واحدة، ففديته واحدة؛ لأن الكل محظور فأشبه اللبس في رأسه وبدنه. وإن كرر محظوراً واحداً فلبس ثم لبس، أو تطيب ثم تطيب، أو حلق ثم حلق، ففدية واحدة، ما لم يكفر عن الأول قبل فعل الثاني.
وعنه
: إن فعله لأسباب، مثل من لبس أول النهار للبرد، ووسطه للحر، وآخره للمرض ففديات؛ لأن أسبابه مختلفة، فأشبه الأجناس المختلفة، والأول أولى؛ لأن الحكم يتعلق بالمحظور لا بسببه، فأشبه الحالف بالله ثلاثة أيمان، على شيء واحد؛ لأسباب مختلفة، وقليل اللبس والطيب وكثيره سواء، وحكم كفارة الوطء في التداخل مثل ما ذكرنا؛ لأنها ليست ضماناً.
فأما جزاء الصيد، فلا تداخل فيه، وكلما قتل صيداً حكم عليه
.
وعنه
: أنه يتداخل، كسائر الكفارات.
وعنه
: لا يجب الجزاء، إلا في المرة الأولى؛ لقول الله تعالى: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} [المائدة: 95] ولم يذكر جزاء، والأول المذهب؛ لقول الله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] . وهذا يقتضي كل قاتل، ومثل الصيدين، أكثر من مثل واحد، ولأنه ضمان مال يختلف باختلافه فوجب في كل مرة، كضمان مال الآدمي.
قال أحمد
: روي عن عمر وغيره أنهم حكموا في الخطأ، وفيمن قتل ولم يسألوه، هل كان قتل قبل هذا أم لا؟ .

فصل
:
وإذا وطئ المحرم، في الفرج، في الحج، قبل التحلل الأول، فعليه بدنة؛ لأن ذلك يروى عن ابن عباس
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وسواء كان الفرج قبلاً أو دبراً، من آدمي أو من بهيمة؛ لأنه وطء في فرج، أشبه وطء الآدمية، وإن وطئت المحرمة مطاوعة، فعليها بدنة؛ لأنها أفسدت حجها بالجماع فوجبت عليها البدنة كالرجل، وإن وطئ الرجل محرمة مطاوعة، فعلى كل واحد منهما بدنة لأن ابن عباس قال للمجامع: اهد ناقة، ولتهد ناقة، ولأنه إفساد حج شخصين فأوجبت بدنتين كالوطء من رجلين.
وعنه
: يجزئهما هدي واحد؛ لأنه جماع واحد، فأشبه ما لو أكرهها، فإن وطئها نائمة، أو مكرهة، ففيها روايتان:

(1/499)

إحداهما: أن الواجب هدي واحد عليه دونها؛ لأنها معذورة؛ لم يلزمها كفارة، كالمكرهة على الوطء في الصيام.
والثانية
: يجب هديان؛ لأنه إفساد حج اثنين، فعلى هذا يحتمل الرجل عنها؛ لأن الإفساد وجد منه، فكان موجبه عليه، كما تجب عليه نفقة قضائها، ويحتمل أن تكون عليها؛ لأنها وجبت لفساد حجها، وإن وطئ في العمرة، أو وطئ في الحج بعد التحلل الأول، فعليه شاة؛ لأنه فعل محظور لم يفسد حجاً، فلم يوجب بدنة، كالقبلة.
ومتى وطئ المحرم دون الفرج، أو قبل أو لمس لشهوة، فلم ينزل، فعليه شاة لأنه فعل محرم بالإحرام؛ لم يفسد الحج، فوجبت به الشاة كالحلق، وإن أنزل فعليه بدنة؛ لأنه استمتاع، بالمباشرة أوجب الغسل، فأوجب البدنة كالوطء في الفرج، وإن نظر فلم ينزل، فلا شيء عليه
. وإن نظر فصرف بصره فأنزل، فعليه شاة، وإن كرر النظر حتى أنزل ففيه روايتان:
إحداهما
: شاة، يروى ذلك عن ابن عباس، ولأنه ليس بمباشرة، فلم يوجب البدنة، كما لو صرف بصره.
والثانية
: فيه بدنة، اختارها الخرقي لأنه إنزال باستمتاع، فأوجب البدنة كالمباشرة، وإن فكر فأنزل، فلا شيء عليه؛ لما ذكرنا في الصوم، وإن أمذى في هذه المواضع، فهو كمن لم ينزل؛ لأنه خارج؛ لا يوجب الغسل أشبه البول.

فصل
:
ومن لزمته بدنة، أجزأته بقرة؛ لأن جابراً قال
: وهل هي إلا من البدن، ولأنها تقوم في الأضاحي والهدايا مقامها، فكذا هاهنا، ويجزئه سبع من الغنم لذلك، وإن لم يجد هدياً، فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، ولأن ابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو، قالوا للواطئين: اهديا هدياً، فإن لم تجدا فصوما، ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعتم، وهم الأصل في ثبوت حكم الوطء، وإليهم المرجع فيه، فكذا في بدله، وقال أصحابنا: تقوم البدنة فيشتري بقيمتها طعاماً يتصدق به، فإن لم يجد صام عن كل مد يوماً قياساً على البدنة الواجبة في فدية النعامة.

[باب جزاء الصيد
]
يجب الجزاء في الصيد لقول الله تعالى
: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] الآية. وهو ضربان:

(1/500)

ما له مثل من النعم: وهي بهيمة الأنعام، فيجب فيه مثله للآية، وهو نوعان، ما قضت الصحابة فيه، فيجب فيه ما قضت؛ لأنه حكم مجتهد فيه، واجتهادهم أحق أن يتبع.
فمن ذلك الضبع، قضى فيها عمر وابن عباس بكبش، وقد روي
«أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى فيها بذلك» . رواه أبو داود وغيره، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
والنعامة، قضى فيها عثمان وعلي وزيد وابن عباس ومعاوية ببدنة
.
وحمار الوحش، وفيه روايتان
:
إحداهما
: فيه بقرة؛ لأن عمر قضى فيه بها.
والثانية
: فيه بدنة؛ لأن أبا عبيدة وابن عباس قضيا فيه بها، وقضاء عمر أولى. لأنه أقرب إلى ما قضي به، وعن ابن مسعود أنه قضى في بقرة الوحش، ببقرة.
وقال ابن عباس
: في الإبل، بقرة. وقال ابن عمر: في الأروى، بقرة.
وقضى عمر في الظبي، بشاة، وفي اليربوع بجفرة وهي التي لها أربعة أشهر في المعز
.
وفي الأرنب بعناق، وهي أصغر من الجفرة
. وفي الضب بجدي.
والضرب الثاني
: ما لم تقض فيه الصحابة، فيرجع فيه إلى قول عدلين من أهل الخبرة؛ لقول الله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95] ويجوز أن يكون القاتل أحدهما؛ لدخوله في العموم، ولما روى طارق بن شهاب قال: خرجنا حجاجاً، فأوطأ منا رجل - يقال له إربد - ضباً، ففزر ظهره، فقدمنا على عمر فسأله إربد، فقال له: احكم فيه يا إربد. قال: أنت خير مني يا أمير المؤمنين وأعلم، فقال عمر: إنما أمرتك أن تحكم، ولم آمرك أن تزكيني، فقال إربد: أرى فيه جدياً، قد جمع الماء والشجر، فقال عمر: فذلك فيه. رواه سعيد بن منصور، ولأنه واجب لحق الله فجاز أن يكون من وجب عليه أميناً فيه كالزكاة.
وفي كبير الصيد كبير مثله، وفي الصغير صغير مثله، وفي كل واحد من الصحيح والمعيب مثله، وإن فدى الذكر بالأنثى، جاز؛ لأنها أفضل، وإن فدى الأنثى بالذكر، ففيه وجهان
:

(1/501)

أحدهما: لا يجزئ لذلك.
والآخر
: يجزئ؛ لأن لحمه أوفر وهو المقصود، وإن فدى أعور من عين، بأعور من أخرى، جاز لأن المقصود منهما واحد، وإن فدى معيباً بمعيب من جنس آخر؛ لم يجز؛ لأنهما مختلفان.
وإن أتلف صيداً ماخضاً، ففيه قيمة مثله ماخض، قال القاضي؛ لأن قيمته أكثر من مثله
.
وقال أبو الخطاب
: فيه مثله ماخض للآية. وإن جنى على ماخض، فأتلف جنينها، ففيه ما نقصها، كما لو جرحها، وإن جرح حياً ثم مات ضمنه بمثله.

فصل
:
الضرب الثاني
: ما لا مثل له: وهو الطير وشبهه من صغار الصيد، ففيه قيمته، إلا الحمام، فإن فيه شاة؛ لأن عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن عباس قضوا في حمام الحرم بشاة، والحمام: كل ما عب الماء وهدر، كالحمام المعروف، واليمام والجوازل والقماري، والرقاطي، والدباسي، والقطا؛ لأن هذا كله حمام، وقال الكسائي: كل مطوق حمام، فعلى قوله يكون الحجل حماماً، وعلى الأول ليس بحمام، وما كان أصغر من الحمام، ففيه قيمته؛ لأن لا مثل له، وما كان أكبر منه، ففيه وجهان:
أحدهما
: فيه قيمته لأن القياس يقتضيها في جميع الطير، تركناه في الحمام؛ لقضاء الصحابة، ففيما عداه يبقى على القياس.
والثاني
: فيه شاة؛ لأن إيجابها في الحمام تنبيه على إيجابها فيما هو أكبر منه. وقد روي عن ابن عباس وجابر، أنهما قالا في الحجلة والقطا والحبارى: شاة شاة. وإن نتف ريش طائر ففيه ما نقص، فإن عاد فنبت، ففي ضمانه وجهان، كغصن الشجرة إذا نبت، وفي بيض الصيد قيمته.

فصل
:
ومن وجب عليه جزاء صيد، فهو مخير بين إخراج المثل، أو يقوم المثل، ويشتري بقيمته طعاماً، ويتصدق به، أو يصوم عن كل مد يوماً؛ لقول الله تعالى
: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] و [أو] للتخيير، وعنه: أنها على الترتيب، فيجب

(1/502)

المثل، فإن لم يجد [أطعم فإن لم يجد] صام، ككفارة القتل. وعنه: لا طعام في الجزاء، وإنما ذكره ليعدل به الصيام، والمذهب الأول؛ لأنه ظاهر النص فلا تعويل على ما خالفه.

فصل
:
وإن اشترك جماعة في قتل صيد، فعليهم جزاء واحد
.
وعنه
: على كل واحد جزاء؛ لأنها كفارة قتل، أشبهت كفارة قتل الآدمي.
وعنه
: إن كفروا بالمال فجزاء واحد، وإن كفروا بالصيام فكفارات، والأولى أولى؛ لأن ذلك يروى عن عمر وابنه وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، ولأنه بدل متلف يتجزأ، فيقسم بدله بين المشتركين، كالديات وقيم المتلفات، وإن اشترك حلال وحرام، فلا شيء على الحلال. وهل يكمل الجزاء على الحرام، أو يكون حكمه، حكم المشارك لحرام؟ فيه وجهان:
وإن جرح صيدا، ضمنه، وفي ضمانه وجهان
:
أحدهما
: يضمنه بمثله؛ لأن ما وجب ضمان جملته بمثله، وجب في بعضه مثله، كالمكيلات.
والآخر تجب قيمة قدره، من مثله؛ لأن الجزء يشق إخراجه، فصرنا إلى قيمته
.
وإن جرح صيدا فأزال امتناعه، فقتله حلال، أو سبع، فعلى المحرم جزاء جميعه؛ لأنه سبب تلفه، وإن قتله محرم آخر، فعلى الأول ما نقصه، والباقي على الثاني
. وإن برئ وزال نقصه فلا شيء فيه، كالآدمي، وإن نقص فعليه نقصه، وإن برئ غير ممتنع، فعليه جزاء جميعه؛ لأنه عطله، فصار كالتالف، وإن غاب ولم يعلم خبره، فعليه نقصه؛ لأنه المتيقن.

فصل
:
والقارن والمفرد والمعتمر سواء في جزاء الصيد، وسائر الكفارات؛ لأنهم سواء في الإحرام، فوجب استواؤهم في ذلك
.

فصل
:
وصيد الحرم حرام على الحلال والحرام؛ لما روى ابن عباس أن رسول الله
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

(1/503)

قال: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة؛ لا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها ولا ينفر صيدها، فقال العباس: إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم. فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إلا الإذخر» متفق

(1/504)

عليه. وحكمه في الجزاء حكم صيد الإحرام؛ لأنه مثله في التحريم فكان مثله في الجزاء، والسمك في التحريم كصيد البر؛ لعموم قوله: «لا ينفر صيدها» ولأن حرمته بمحله، وهما في المحل سواء، وعنه: لا يحرم؛ لأنه لا يحرمه الإحرام، فلم يحرمه الحرم كالسباع. وسائر الحيوانات حكمها في الحرم حكمها في الإحرام، فما حرمه الإحرام من الصيد حرمه الحرم، وما أبيح فيه من الأهلي وغير المأكول؛ لم يحرمه الحرم، ولهذا قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم» رواه مسلم. إلا أن القمل لا يحرمه الحرم، رواية واحدة. ويجب الجزاء على كل قاتل في الحرام، مسلماً كان أو كافراً، صغيراً أو كبيراً؛ لأن حرمته لمحله، وهو ثابت بالنسبة إلى كل قاتل، ولو قتل محرم صيداً حرمياً؛ لزمه جزاء واحد؛ لأن المقتول واحد، فكان جزاؤه واحداً كما لو قتله حلال.

فصل
:
ومن ملك صيداً في الحل، فأدخله الحرم؛ لزمه رفع يده عنه وإرساله، فإن تلف في يده أو أتلفه، ضمنه، وإن ذبحه، صار ميتة؛ لأن الحرم سبب لتحريم الصيد، فحرم استدامة إمساكه، كالإحرام
. وإن أمسكه في الحرم، فأخرجه إلى الحل؛ لزمه إرساله كالمحرم إذا مسك الصيد حتى حل.
وإن رمى من الحرم صيداً في الحل، أو أرسل كلبه عليه، أو قتل صيداً على غصن في الحل، أصله في الحرم، فلا ضمان فيه؛ لأنه صيد حل، قاتله حلال فلم يضمن، كما لو كان قاتله في الحل، وقول النبي
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا ينفر صيدها» يدل بمنطوقه على تحريمه في المسألة الأولى، وبمفهومه على حله في الثانية. وإن رمى من الحل صيداً في الحرم، أو أرسل كلبه عليه فقتله، أو قتل صيداً على غصن في الحرم، أصله في الحل، ضمنه؛ لأنه صيد حرمي معصوم بمحله. وعن أحمد فيهما جميعاً روايتان.

(1/505)

فإن كانا جميعاً في الحل، فدخل السهم أو الكلب الحرم، ثم خرج، فقتل صيداً في الحل؛ لم يضمن بحال؛ لأن الصيد والصائد جميعاً في الحل.
وإن رمى صيداً في الحل، فدخل السهم الحرم، فقتل فيه صيداً، ضمنه لأن العمد والخطأ واحد في الضمان
. وإن أرسل كلبه على صيد في الحل، فدخل فقتله في الحرم، أو قتل غيره، ففيه روايتان:
إحداهما
: لا يضمن؛ لأن للكلب اختياراً، وقد دخل باختياره، فلم يضمن جنايته، بخلاف السهم.
والثانية
: إن كان الصيد قريباً من الحرم، ضمنه؛ لتفريطه بتعرضه للاصطياد في الحرم وإن كان بعيداً؛ لم يضمن؛ لعدم تفريطه، ولا يؤكل لأنه صيد حرمي.
وقال أبو بكر
: عليه الضمان بكل حال. وإن جرحه في الحل، فدخل الحرم فمات فيه؛ لم يضمنه، وحل أكله لأنه ذبحه في الحل. وإن وقف صيد في الحرم والحل، فقتله ضمنه، تغليباً للتحريم.
وإن أمسك طائراً في الحل، فهلك فراخه في الحرم، ضمن الفراخ وحدها؛ لأنه أتلفها في الحرم
.
وإن أمسك الطائر في الحرم، فهلك الفراخ في الحل، ضمن الطائر وحكم الفراخ، حكم ما لو رمى من الحرم صيداً في الحل؛ لأن صيد الحل، هلك بسبب كان منه في الحرم
.
وإن نفر صيداً حرمياً، فهلك في نفوره بسبع أو غيره، في حل أو حرم ضمنه؛ لأنه هلك بتنفيره المنهي عنه، وإن سكن من نفوره، ثم هلك؛ لم يضمنه لأن هلاكه بغير سببه
. وقد روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه دخل دار الندوة، فعلق رداءه، فوقع عليه حمام، فخاف أن يبول عليه، فأطاره، فانتهزته حية فقال: أنا أطرت، فسأل من معه، فحكم عليه عثمان ونافع بن عبد الحارث بشاة.

فصل
:
ويحرم قلع شجر الحرم، وحشيشه كله؛ لحديث ابن عباس،
«إلا الإذخر» . وما زرعه الإنسان؛ لأنه كالحيوان الأهلي، وإن غرس شجرة، فقال أبو الخطاب: له قلعها لأنه أنبتها الآدميون، فأشبه الزرع. وإن أخذه من الحرم، فغرسه؛ لم يبح قلعه؛ لأنه حرمي، ويحتمل كلام الخرقي تحريم قلع الشجر كله؛ لقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا يعضد

(1/506)

شجرها» وذكر القاضي وأبو الخطاب: أنه يباح قطع الشوك والعوسج؛ لأنه بمنزلة السباع من الحيوان، والحديث صريح في أنه لا يعضد شوكها، واتباعه أولى.
ولا بأس بقطع ما يبس؛ لأنه بمنزلة الميت، وأخذ ما تناثر أو يبس من الورق، أو تكسر من الشجر والعيدان بغير فعل الآدمي لذلك، وما قطعه الآدمي لم يبح له ولا لغيره الانتفاع به لظاهر كلام أحمد؛ لأنه قطع محرم؛ لحرمة الحرم، فأشبه ذبح الصيد
. ولا يجوز أخذ ورق الشجر الأخضر؛ لأن في بعض الألفاظ: «ولا يخبط شجرها» ولأنه يضر بالشجر، أشبه نتف ريش الطير.

فصل
:
ويجب الجزاء في ذلك، فيجب في الشجرة الكبيرة، بقرة، وفي الصغيرة شاة؛ لما روي عن ابن عباس أنه قال
: في الدوحة بقرة، وفي الجزلة شاة، والدوحة: الكبيرة، والجزلة: الصغيرة. وإن قطع غصناً، ضمنه بما نقص، كأغصان الحيوان، فإن خلف مكانه، فهل يسقط الضمان؟ على وجهين:
أحدهما
: لا يضمنه، كشعر الآدمي وسنه.
والثاني
: يضمنه؛ لأنه أتلفه.
وإن قلع شجرة؛ لزمه ردها إلى موضعها، كمن صاد صيداً لزمه إرساله، فإن أعادها فيبست، ضمنها؛ لأنه أتلفها، وإن نبتت كما كانت؛ لم يضمنها، كالصيد إذا أرسله، وإن نقصت، ضمن نقصها، كالصيد سواء
.

فصل
:
ويحرم قطع حشيش الحرم؛ لقول النبي
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يختلي خلاها» ويضمنه بقيمته، كما يضمن صغار الصيد بقيمته، وإن استخلف فهل يسقط الضمان؟ على وجهين.
وفي إباحة رعيه وجهان
:
أحدهما
: يباح؛ لأن الحاجة تدعو إليه فأشبه قطع الإذخر.
والثاني
: يحرم؛ لأنه تسبب في إتلافه، فهو كإرسال الكلب على الصيد، وتباح الكمأة لأنه لا أصل لها، فأشبهت الثمرة.

فصل
:
ويكره إخراج تراب الحرم وحصاه؛ لما روي عن ابن عمر وابن عباس أنهما

(1/507)

كرهاه. ولا يكره إخراج ماء زمزم؛ لأنه يستخلف، ويعد للإتلاف، فأشبه الثمرة.

فصل
:
ويحرم صيد مدينة النبي
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وشجرها؛ لما روى أنس أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أشرف على المدينة فقال: «اللهم إني أحرم ما بين جبليها، مثل ما حرم إبراهيم مكة» وفي لفظ: «ولا يقطع شجرها» متفق عليه.
ولا جزاء في صيدها وشجرها؛ لأنه موضع يجوز دخوله بغير إحرام، فأشبه صيد وج، ولأن الإيجاب من الشارع، ولم يرد به، وعنه
: فيه الجزاء، وهو سلب القاتل لأخذه؛ لما روي «أن سعداً ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبداً يقطع شجراً أو يخبطه فسلبه، فلما رجع سعد، جاء أهل العبد، فكلموه أن يرد عليهم، فقال: معاذ الله أن أرد شيئاً نفلنيه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبى أن يرد عليهم» . رواه مسلم. وفي لفظ. قال: «إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حرم هذا الحرم» وقال: «من وجد أحداً يصيد منه فليسلبه» رواه أبو داود.
وحد حرمها
: ما بين لابتيها، بريد في بريد، وقال أحمد: كذا فسر أنس بن مالك، وقد روى أبو هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما بين لابتيها حرام» متفق عليه.

فصل
:
ويفارق حرم مكة، في أن من أدخل إليها صيداً من خارج، فله إمساكه وذبحه؛ لأن النبي
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول: «يا أبا عمير ما فعل النغير»

(1/508)

متفق عليه. وهو طائر كان يلعب به، فلم ينكر عليهم إمساكه.
ويجوز أن يأخذ من شجرها ما تدعو الحاجة إليه للمساند والوسائد والرحل، ومن حشيشها ما تدعو الحاجة إليه للعلف؛ لما روى جابر
«أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما حرم المدينة قالوا: يا رسول الله إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح، وإنا لا نستطيع أرضا غير أرضنا، فرخص لنا. فقال: القائمتان والوسادة والعارضة والمسند، فأما غير ذلك فلا يعضد ولا يخبط منها شيء» رواه الإمام أحمد، فأما صيد وج وشجره، وهو واد من أودية الطائف، فحلال؛ لأن الأصل الحل. وقد روي فيه حديث، ضعفه أحمد، وذكره الخلال في كتاب العلل.

فصل
:
وما وجب من الهدي والإطعام جزاء للصيد؛ لزمه إيصاله إلى مساكين الحرم؛ لقول الله تعالى
: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] . وكذلك دم التمتع والقران؛ لأنه نسك، فأشبه الهدي. ودم فدية الأذى، يختص بالمكان الذي وجب سببه فيه؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر كعب بن عجرة بالذبح والإطعام بالحديبية، ولم يأمر بإيصاله إلى الحرم، ونحر علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حين حلق رأس الحسين بالسقبا. وفي معناه ما وجب بلبس أو طيب أو نحوه، وقال القاضي: ما وجب بفعل محظور، فيه روايتان:
إحداهما
: محله، حيث وجد سببه، كفدية الأذى والإحصار.
والثانية
: محله الحرم؛ لقول الله تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 33] وقال ابن عقيل: إن فعل المحظور لعذر يبيحه، فحمل هديه موضع فعله، وإن فعل لغير عذر، فمحله الحرم. وأما هدي المحصر، فمحل نحره محل حصره؛ لما روى ابن عمر «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج معتمراً، فحالت كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية» ، روى البخاري نحوه، وبين الحديبية والحرم ثلاثة أميال، ولأنه جاز التحلل في غير موضعه للحصر، فيجوز النحر في غير موضع النحر، وعن أحمد: لا يجوز نحره إلا في الحرم. لقول الله تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] فعلى هذا يبعثه إلى الحرم، ويواطئ من يبعثه على اليوم الذي ينحره فيه، فيحل حينئذ. وأما الصيام كله

(1/509)

فيجزئه بكل مكان؛ لأنه لا نفع فيه لأهل المكان، فلا يختص بالمكان، كرمضان.

فصل
:
وما وجب لمساكين الحرم؛ لم يجز ذبحه إلا في الحرم، وفي أي موضع منه ذبح جاز؛ لقول النبي
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كل منى منحر، وكل فجاج مكة منحر وطريق» رواه ابن ماجة. مفهومه أنه لا يجوز النحر في غيره مما ليس في معناه. إذا نحر ففرقه على المساكين، فإن أطلقها لهم يقتطعونها، جاز «لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نحر بدنات خمساً، ثم قال: من شاء فليقتطع» رواه أبو داود. ومساكين الحرم من حله من أهله وغيرهم؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أطلقها لمن حضره.


[باب ما يفسد الحج وحكم الفوات والإحصار
]
ومن وطئ في الفرج، فأنزل أو لم ينزل في إحرام الحج قبل التحلل الأول، فقد فسد حجه، وعليه المضي في فاسده، لما روي عن ابن عمر أن رجلاً سأله، فقال
: إني واقعت امرأتي، ونحن محرمان، فقال: أفسدت حجك انطلق أنت وأهلك مع الناس فاقضوا ما يقضون، واحلق إذا حلقوا، فإذا كان العام المقبل فاحجج أنت وامرأتك، واهديا هدياً، فإن لم تجدا فصوما ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعتم. وقال ابن عباس وعبد الله بن عمر مثل ذلك رواه سعيد بن منصور، وروي أيضاً عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ولا مخالف لهم، فكان إجماعاً، ولأنه لا يمكنه التحلل من الإحرام إلا بأفعاله، وعليه القضاء على الفور للخبر، ولأنه حج واجب بالشرع، فكان واجباً على الفور، كحجة الإسلام. ويجب عليهما الإحرام للقضاء من حيث أحرما أولاً أو من قدره، إن سلكا طريقاً غيرها؛ لأنه قضاء لعبادة، فكان على وفقها، كقضاء الصلاة، ويفسد حج المرأة للخبر، ولأنها أحد المتجامعين، فأشبهت الرجل، وعليها القضاء ونفقة القضاء عليها إن كانت مطاوعة كالرجل، وإن كانت مكرهة فعلى الزوج؛ لأنه ألزمها ذلك. فكان موجبه عليه ولا فرق بين العمد والسهو والعلم والجهل للخبر، ولأنه معنى يوجب القضاء، فاستوى فيه ذلك كالفوائت. ولا فرق بين الوطء في القبل والدبر من آدمي أو بهيمة؛ لأنه وطء في فرج أشبه وطء فرج الآدمية.

فصل
:
ويتفرقان في القضاء؛ لأن ابن عباس قال
: ويتفرقان من حيث يحرمان حتى يقضيا حجهما وفيه وجهان:

(1/532)

أحدهما: أنه واجب لأن ابن عباس ذكره حكماً للمجامع، فكان واجباً كالقضاء.
والثاني
: لا يجب؛ لأنه حج فلم يجب فيه مفارقة الزوجة كغير القضاء ولأن مقصود الفراق التحرز من إصابتها، وهذا وهم لا يقتضي الوجوب، ومعنى التفرق: اجتناب الركوب معها على بعير واحد، والجلوس معها في خباء، ولكن يكون قريباً منها، يراعي حالها؛ لأنه محرمها.

فصل
:
ومن وطئ دون الفرج أو قبَّل أو لمس فلم ينزل، لم يفسد حجه، وإن أنزل ففيه روايتان
:
إحداهما
: يفسد حجه؛ لأنه إنزال عن مباشرة أشبه الوطء في الفرج، والأخرى: لا يفسد وهي أصح؛ لأنه فعل لا يجب الحد بجنسه، ولا المهر، ولا يتعلق به حكم بدون الإنزال، أشبه النظر، ولا يفسد النسك بغير ما ذكرنا من المحرمات كلها بغير خلاف.

فصل
:
ومن وطئ بعد التحلل الأول، وقبل الثاني، لم يفسد حجه؛ لأنها عبادة لها تحللان، فوجود المفسد بعد أولهما لا يفسدها، كالصلاة، ولكنه يخرج إلى الحل، فيحرم ليطوف للزيارة بإحرام صحيح
. وإن وطئ المعتمر في عمرته، أفسدها، وعليه إتمامها وقضاؤها كالحج. ويتعلق بالماضي في الفاسد من الأحكام، وتحريم المحرمات، ووجوب الفدية فيها مثل ما يتعلق بالصحيح، سواء لأنه باق على الإحرام فتعلق به ذلك كالصحيح.

فصل
:
ومن لم يقف بعرفة حتى طلع الفجر يوم النحر، فقد فاته الحج، لما روى جابر عن النبي
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع» رواه الأثرم، وعليه أن يتحلل بأفعال العمرة، وهي طواف وسعي وتقصير؛ لأن ذلك يروى عن عمر وابنه وزيد بن ثابت وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، قال عمر لأبي أيوب حين فاته الحج: اصنع ما يصنع المعتمر، ثم قد حللت. وقال ابن أبي موسى: يمضي في حج فاسد، يعني: أنه يلزمه المبيت والرمي، والصحيح الأول؛ لقول الصحابة، ولأن المبيت تبع للوقوف فيسقط بسقوطه، ويجب عليه القضاء على الفور.

(1/533)

وعنه لا قضاء عليه إن كانت نفلاً، وإن كانت فرضاً فعلها بالوجوب السابق، قياساً على سائر العبادات، والمذهب الأول؛ لأنه قول الصحابة والمسلمين، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم، ولأن الحج يلزم بالشروع، فيلزم قضاؤه كالمنذور، بخلاف غيره.
ويجزئه القضاء عن الحجة الواجبة بغير خلاف؛ لأن الحجة لو تمت لأجزأت عن الواجب فكذلك قضاؤها؛ لأنه يقوم مقام الأداء، ويجب على ما فاته الحج هدي
.
وعنه
: لا هدي عليه؛ لأنه لو لزمه هدي لزم المحصر هديان، للفوات والإحصار، والصحيح الأول؛ لأنه قول الصحابة المسلمين، ولأنه حل في إحرامه قبل إتمامه فلزمه هدي، كالمحصر، ويخرجه في سنة القضاء، لما روى سليمان بن يسار: أن هبار بن الأسود حج من الشام، فقدم يوم النحر فقال له عمر: انطلق إلى البيت، فطف به سبعاً، وإن كان معك هدي فانحرها، ثم إن كان عام قادم فاحجج، وإن وجدت سعة فاهد، وإن لم تجد فصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعت إن شاء الله تعالى. رواه الأثرم. فعلى هذا العمل؛ لأنه قول منتشر لم يعرف له مخالف، فإن عدم الهدي، صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
وقال الخرقي
: يصوم عن كل مد من قيمة الشاة يوماً: لأنه أقرب إلى معادلة الهدي كبدل جزاء الصيد، وقول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أولى.

فصل
:
إذا أخطأ الناس العدد، فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم ذلك؛ لأنه لا يؤمن مثل ذلك في القضاء فيشق، وإن وقع لنفر منهم، لم يجزئهم؛ لأنه لتفريطهم، وقد روي أن عمر قال لهبار
: ما حبسك؟ قال: كنت أحسب أن اليوم يوم عرفة. فلم يعذر بذلك.

فصل
:
وإذا حصر المحرم عدو من المسلمين، فمنعه المضي، فالأفضل التحلل، وترك قتاله؛ لأنه أسهل من قتال المسلمين، وإن كان مشركاً لم يجب قتاله إلا أن يبدأ به؛ لأن النبي
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يقاتل الذين أحصروه، وإن غلب على ظن المحرم الظفر، استحب القتال، ليجمع بين الجهاد والحج، وإن غلب على ظنه خلاف ذلك، استحب الانصراف، صيانة للمسلمين عن التغرير، ثم إن وجد طريقاً آمناً، لم يجز له التحلل قرب أو بعد؛ لأنه قادر على أداء نسكه، فأشبه من لم يحصر، فإن كان لا يصل إلا بعد الفوات، مضى وتحلل بعمرة، وفي القضاء روايتان:

(1/534)

إحداهما: يجب؛ لأنه فاته الحج، أشبه من أخطأ الطريق.
والثانية
: لا قضاء عليه؛ لأنه تحلل بسبب الحصر، أشبه من تحلل قبل الفوات وإن لم يجد طريقاً آمناً فله التحلل؛ لقول الله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] . ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حصره العدو بالحديبية فتحلل، ولأنه لو لزمه البقاء على الإحرام لحرج؛ لأنه قد يبقى الحصر سنين. وله أن يتحلل وقت الحصر، سواء كان معتمراً أو مفرداً أو قارناً.
وعنه
: في المحرم بالحج لا يحل إلا يوم النحر، ليتحقق الفوات؛ لأنه لا ييأس من زوال الحصر. وكذلك من ساق هدياً لا يتحلل إلا يوم النحر؛ لأنه ليس له النحر قبل وقته. والصحيح الأول للآية والخبر، فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ساق هدياً فنحره وحل قبل يوم النحر، ولأن الحج أحد الأنساك، فأشبه العمرة، ولو وقف الحل على يقين الفوات، لم يجر الحل في العمرة؛ لأنها لا تفوت.

فصل
:
فإن كان معه هدي، لم يحل حتى ينحره؛ لقول الله تعالى
: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] وله ذبحه حين أحصر.
وعنه
: إن قدر على الحرم، أو على إرساله إليه، لزمه ذلك ويواطئ رجلاً على اليوم الذي يذبحه فيه، فيحل حينئذ؛ لأنه قادر على الذبح في الحرم، فأشبه المحصر في الحرم، والأول أصح؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نحر هديه في الحديبية. وهي من الحل باتفاق أهل السير ولذلك قال الله تعالى: {وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} [الفتح: 25] . ولأنه موضع حله، فكان موضع ذبحه كالحرم، ويجب أن ينوي بذبحه التحلل به؛ لأن الهدي يكون لغيره فلزمته النية، ليميز بينهما، ثم يحلق، لما روى ابن عمر «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج معتمراً فحالت كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية» . وهل يجب الحلاق أو التقصير أو لا؟ مبني على الروايتين فيه، هل هو نسك أو لا؟ فإن قلنا: هو نسك حصل الحل به، وبالهدي وبالنية، وإن قلنا: ليس بنسك حصل الحل بهما دونه.

فصل
:
وإن لم يجد هدياً، صام عشرة أيام، ثم حل؛ لأنه دم واجب للإحرام، فكان له بدل ينتقل إليه، كدم التمتع
. ولا يحل إلا بعد الصيام، كما لا يحل إلا بعد الهدي، فإن

(1/535)

نوى التحلل قبله، لم يحل فكان على إحرامه حتى يذبح أو يصوم؛ لأنه أقيم هاهنا مقام أفعال الحج.

فصل
:
وليس عليه قضاء
.
وعنه
: يجب عليه القضاء؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى عمرة الحديبية، وسميت الثانية عمرة القضية. ولأنه حل من إحرامه قبل إتمامه، فلزمه القضاء كمن فاته الحج.
ووجه الأولى
: أنه تطوع جاز التحلل منه، مع صلاح الوقت له، فلم يجب قضاؤه، كما لو دخل في الصوم يعتقده واجباً، فلم يكن. فأما الخبر، فإن الذين صدوا كانوا ألفاً وأربعمائة، والذين اعتمروا معه في القضاء كانوا نفراً يسيراً، ولم يأمر الباقين بالقضاء، والقضية: الصلح الذي جرى بينهم، وهو غير القضاء، ويفارق الفوات، فإنه بتفريطه.

فصل
:
فإن لم يحل المحصر حتى زال الحصر، لم يجز له التحلل؛ لأنه زال العذر، وإن زال العذر بعد الفوات، تحلل بعمرة، وعليه هدي للفوات لا للحصر؛ لأنه لم يحل به، وإن فاته الحج مع بقاء الحصر، فله الحل به؛ لأنه إذا حل به قبل الفوات فمعه أولى، وعليه الهدي للحل، ويحتمل أن يلزمه هدي آخر للفوات
. وإن حل بالإحصار، ثم زال، وأمكنه الحج من عامه، لزمه ذلك، وإن قلنا بوجوب القضاء، أو كانت الحجة واجبة؛ لأن الحج على الفور وإلا فلا.
ومن كان إحرامه فاسداً، فله التحلل بالإحصار؛ لأنه إذا حل من الصحيح فمن الفاسد أولى، فإن زال الحصر بعد الحل، وأمكنه الحج من عامه، فله القضاء فيه، ولا يتصور القضاء للحج في العام الذي أفسده فيه، إلا في هذا الموضع
.

فصل
:
ومن صد عن عرفة، وتمكن من البيت، فله أن يتحلل بعمرة؛ لأن له ذلك من غير حصر، فمعه أولى
. وعنه: لا يجوز له التحلل، بل يقيم على إحرامه حتى يفوته الحج، ثم يحل بعمرة؛ لأنه إنما جاز له التحلل بعمرة في موضع يمكنه الحج من عامه ليصير متمتعاً [وهذا ممنوع من الحج فلا يمكنه أن يصير متمتعاً] .

(1/536)

فصل:
والحصر الخاص
: مثل أن يحبسه سلطان، أو غريم ظلماً، أو بحق لا يقدر على إيفائه. والعبد إذا منعه سيده، والزوجة يمنعها زوجها، كالعام في جواز التحلل، لعموم الآية [وتحقق المعنى فيه، فأما من أحصره مرض أو عدم نفقة ففيه روايتان:
إحداهما
: له التحلل لعموم الآية] . ولأنه يروى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من كسر أو عرج، فقد حل وعليه حجة أخرى» رواه النسائي. ولأنه محصر فأشبه من حصره العدو.
والثانية
: ليس له التحلل؛ لأن ابن عباس وابن عمر قالا: لا حصر إلا حصر العدو. ولأنه لا يستفيد بالحل الانتقال من حاله، والتخلص من الأذى به، بخلاف حصر العدو.


[باب الهدي]
يستحب لمن أتى مكة أن يهدي؛ لأن النبي
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أهدى في حجته مائة بدنة» [رواه البخاري ولم يقل في حجته] ويستحب استسمانها واستحسانها؛ لقول الله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32] . قال ابن عباس: هو الاستسمان، والاستحسان، والاستعظام، أفضل الهدي والأضاحي الإبل، ثم البقر، ثم الغنم؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة» متفق عليه.
ويجوز للمتطوع أن يهدي ما أحب من كبير الحيوان وصغيره، وغير الحيوان، استدلالاً بهذا الحديث، إذ ذكر فيه الدجاجة والبيضة، والأفضل
: بهيمة الأنعام؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أهدى منها. فإن كانت إبلاً سن إشعارها، بأن تشق صفحة سنامها اليمنى حتى

(1/537)

يسيل الدم، ويقلدها نعلاً، أو نحوها، لما روى ابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى بذي الحليفة، ثم دعا ببدنة، فأشعرها في صفحة سنامها اليمنى، وسلت الدم عنها بيده» ، رواه مسلم، ولأنها ربما اختلطت بغيرها، أو ضلت فتعرف بذلك فترد، وإن كانت غنماً قلدت آذان القرب والعرى؛ لقول عائشة: «كنت أفتل القلائد للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فيقلد الغنم. ويقيم في أهله حلالاً» [أخرجه البخاري ومسلم ونحوه] ولا يشعرها لضعفها، ولأنه يستتر موضع الإشعار. بشعرها وصوفها.

فصل
:
ولا يجب الهدي بسوقه مع نيته، كما لا تجب الصدقة بالمال، بخروجه به لذلك، ويبقى على ملكه وتصرفه، ونمائه له حتى ينحره، وإن قلده وأشعره وجب بذلك، كما لو بنى مسجداً وأذن بالصلاة فيه
. وإن نذره، أو قال: هذا هدي لله وجب؛ لأنه لفظ يقتضي الإيجاب، فأشبه لفظ الوقف، وله ركوبه عند الحاجة من غير إضرار به؛ لأن أبا هريرة روى «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى رجلاً يسوق بدنة، فقال: اركبها فقال: يا رسول الله، إنها بدنة. فقال: اركبها ويلك في الثانية أو في الثالثة» ، متفق عليه. وفي حديث آخر قال: «اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها، حتى تجد ظهراً» رواه أبو داود، فإن نقصها الركوب، ضمنها؛ لأنه تعلق حق غيره بها، وإن ولدت، فولدها بمنزلتها يذبحه معها، لما روي أن علياً - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رأى رجلاً يسوق بقرة معها ولدها، فقال: لا تشرب من لبنها، إلا ما فضل عن ولدها، فإذا كان يوم النحر فانحرها وولدها ولأنه معنى تصير به لله تعالى، فاستتبع الولد، كالعتق، وله أن يشرب من لبنها ما فضل عن ولدها لحديث علي، ولقول الله تعالى: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [الحج: 33] . ولا يجوز أكثر من ذلك للخبر. ولأن اللبن غذاء الولد، فلا يجوز منعه منه. كما لا يجوز منع الأم علفها، فإن لم يمكنه المشي، حمله على ظهرها؛ لأن ابن عمر كان يحمل ولد البدنة عليها، فإن لم يمكنه حمله ولا سوقه، صنع به كما يصنع بالهدي الذي يخشى عطبه، وإن كان عليها صوف في جزه صلاح لها، جزه وتصدق به؛ لأنها تسمن بذلك، فتنفع المساكين، وإن لم يكن في جزه صلاح لم يجز أخذه؛ لأنه جزء منها وينفع الفقراء عند ذبحها، وإن أحصر نحره حيث أحصر؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نحر هديه بالحديبية، وإن تلف من غير تفريط لم يضمنه؛ لأنه أمانة عنده، فلم يضمنه من غير تفريط كالوديعة، فإن تعيب ذبحه وأجزأه؛ لأنه لا يضمن جميعه، فبعضه أولى.

(1/538)

فصل:
وإن عجز عن المشي أو عطب دون محله، نحره موضعه وصبغ نعله الذي في عنقه في دمه، فضرب بها صفحته ليعرفه الفقراء، وخلى بينه وبينهم، ولم يأكل منه هو، ولا أحد من رفقته
. لما روى ذؤيب أبو قبيصة: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يبعث معه بالبدن، ثم يقول: إن عطب منها شيئاً فخشيت عليها موتاً فأنجزها ثم اغمس نعلها في دمها ثم اضرب به صفحتها، ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل رفقتك رواه» مسلم، ولأنه متهم في التفريط فيها ليأكلها، أو يطعمها رفقته فمنعوا من أكلها لذلك. فإن لم يذبحها عند خوفه عليها حتى تلفت ضمنها؛ لأنه فرط فيها، فلزمه ضمانها كالوديعة، إذا رأى من يسرقها فلم يمنعه.
وإن أتلفها ضمنها؛ لأنه أتلف مالاً يتعلق به حق غيره، فضمنه، كالغاصب، ويلزمه أكثر الأمرين من قيمتها، أو هدي مثلها؛ لأنه لزمته الإراقة والتفرقة، وقد فوتهما فلزمه ضمانهما، كما لو أتلف شيئين، وإن كانت قيمتها وفق مثلها، أو أقل، لزمه مثلها، وإن كانت أكثر، اشترى بالفضل هدياً آخر، فإن لم يسع اشترى به لحماً وتصدق به؛ لأنه أقرب إلى المفوت، ويحتمل أن يتصدق بالقيمة، وإن أكل مما منع من أكله، ضمنه بمثله لحماً لما ذكرنا
. وإن أتلفها غيره فعليه قيمتها؛ لأنه لا تلزمه الإراقة، فلزمته قيمتها كغيرها، ويشتري بالقيمة مثلها، فإن زادت فالحكم على ما ذكرنا فيما إذا أتلفها صاحبها.
وإن اشترى هدياً فوجده معيباً فله الأرش، ويحتمل أن يكون للمساكين؛ لأنه بدل عن الجزء الفائت من حيوان جعله لله تعالى، فكان للمساكين، كعوض ما أتلف منه بعد الشراء، ويكون حكمه حكم الفاضل عن المثل، ويحتمل أن يكون له؛ لأن النذر إنما صادف المعيب بدون الجزء الفائت، فلم يدخل في نذره، فلا يستحق عليه بدله
.

فصل
:
ولا يزول ملكه عن الهدي والأضحية بإيجابهما، نص عليه
. وله إبدالهما بخير منهما.
وقال أبو الخطاب
: يزول ملكه، وليس له بيعه، ولا إبداله؛ لأنه جعله لله تعالى، فأشبه المعتق والموقوف.
ووجه الأول
: أن النذور محمولة على أصولها في الفرض، وفي الفرض لا يزول ملكه، وهو الزكاة. وله إخراج البدل، فكذلك في النذور، وأما بيعها بدونها، فلا يجوز؛

(1/539)

لأن فيه تفويت حق الفقراء من الجزء الزائد فلم يجز، كما لو أخرج من الزكاة أدنى من الواجب. ولا يجوز إبدالها بمثلها؛ لأنه تفويت لعينها من غير فائدة تحصل.

فصل
:
ومن وجب في ذمته هدي فعينه في حيوان تعين؛ لأنه ما وجب به معين جاز أن يتعين به ما في الذمة، كالبيع، ويصير للفقراء، فإن هلك بتفريط، أو غيره رجع الواجب إلى ما في الذمة، كما لو كان له عليه دين، فباعه به طعاماً، فهلك قبل تسليمه، فإن تعيب أو عطب فنحره، لم يجزئه لذلك، وهل يعود المعين إلى صاحبه؟ فيه روايتان
:
إحداهما
: يعود، ذكره الخرقي. فقال: صنع به ما شاء؛ لأنه إنما عينه عما في ذمته، فإن لم يقع عنه عاد إلى صاحبه، كمن أخرج زكاته فبان أنها غير واجبة عليه.
والأخرى
: لا يعود؛ لأنه صارت للمساكين بنذره، فلم تعد إليه، كالذي عينه ابتداء، وهل تعود إلى ذمته، مثل المعين، أو مثل الواجب في الذمة؟ ينظر، فإن تلف بغير تفريط لم يلزمه أكثر مما في الذمة؛ لأن الزائد إنما تعلق بالعين، فسقط بتلفها، وإن تلف بتفريط، لزمه أكثر الأمرين؛ لأنه تعلق بالمعين حق الله تعالى. فإن أتلفه فعليه مثل ما فوته. وإن ولد هذا المتعين تبعه ولده، لما ذكرنا في المعين ابتداء، فإن تعيبت الأم فبطل تعيينها، ففي ولدها وجهان:
أحدهما
: يبطل تبعاً كما ثبت تبعاً.
والثاني
: لا يبطل؛ لأن بطلانه في الأم لمعنى اختص بها بعد استقرار الحكم في ولدها، فلم يبطل فيه، كما لو ولدت في يد المشتري ثم ردها لعيبها.

فصل
:
وإذا ذبح هديه، أو أضحيته إنسان بغير أمره في وقته أجزأ عنه؛ لأنه لا يحتاج إلى قصده، فإذا فعله إنسان بغير إذنه وقع الموقع، ولا ضمان على الذابح؛ لأنه حيوان تعين إراقة دمه على الفور حقاً لله تعالى، فلم يضمنه كالمرتد
.

فصل
:
ويجوز الأكل من هدي التمتع والقران؛ لأن أزواج النبي
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كن متمتعات إلا عائشة، فإنها كانت قارنة لإدخالها الحج على عمرتها، وقالت: «إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نحر عن آل محمد في حجة الوداع بقرة واحدة، قالت: فدخل علينا بلحم بقر فقلت: ما هذا؟ فقيل:

(1/540)

ذبح النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن أزواجه» . رواه مسلم. ولأنه دم نسك فجاز الأكل منه كالأضحية، ولا يجوز الأكل من واجب سواها؛ لأنه كفارة فلم يجز الأكل منه، ككفارة اليمين، وعنه: له الأكل من الجميع، إلا المنذور، وجزاء الصيد، ولا يجوز الأكل من الهدي المنذور في الذمة؛ لأنه نذر إيصاله إلى مستحقيه، فلم يجز أن يأكل منه، كما لو نذر لهم طعاماً، وما ساقه تطوعاً استحب الأكل منه، سواء عينه أو لم يعينه. لقول الله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج: 36] . وأقل أحوال الأمر الاستحباب. وقال جابر: «أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من كل بدنة ببضعة. فجعلت في قدر، فأكل منها وحسا من مرقها» . ولأنه دم نسك فأشبه الأضحية. قال ابن عقيل: حكمه في الأكل، والتفريق حكمها. وقال جابر: «كنا لا نأكل من بدننا فوق ثلاث، فرخص لنا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: كلوا وتزودوا فأكلنا وتزودنا» ، رواه البخاري ومسلم ونحوه. والمستحب الاقتصار على اليسير في الأكل، لفعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بدنه. وإن أطعمها كلها فحسن، فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نحر خمس بدنات، ثم قال: «من شاء اقتطع» رواه أبو داود. وظاهر هذا أنه لم يأكل منها شيئاً، ويجوز للمهدي تفريق اللحم بنفسه، ويجوز إطلاقه للفقراء، استدلالاً بهذا الحديث.

فصل
:
إذا نذر هدياً مطلقاً فأقل ما يجزئه شاة، أو سبع بدنة أو بقرة
. لأن المطلق يحمل على أصله في الشرع، ولا يجزئ إلا ما يجزئ في الأضحية. ويمنع فيه من العيب ما يمنع فيها. وإن عينه بنذره ابتداء أجزأه ما عينه كبيراً أو صغيراً أو حيواناً أو غيره؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فكأنما قرب دجاجة، وكأنما قرب بيضة» وإذا أطلق بالنسبة إلى مكانه، وجب إيصاله إلى فقراء الحرم. لأن ذلك المعهود في الهدي. وإن عين الذبح بمكان غيره في نذره لزمه ذلك، ما لم يكن فيه معصية، لما روي «أن رجلاً قال: يا رسول الله، إني نذرت أن أنحر ببوانة. قال: هل بها صنم قال: لا. قال: أوف بنذرك» رواه أبو داود.

فصل
:
ومن وجب عليه دم أجزأه ذبح شاة، أو سبع بدنة أو بقرة
. لقول ابن عباس: في هدي المتعة شاة، أو شرك في دم، فإن ذبح بدنة احتمل أن يكون جميعها واجباً، كما لو اختار التكفير بأعلى الكفارات، واحتمل أن يكون سبعها واجباً وباقيها تطوعاً؛ لأن سبعها يجزئه فأشبه ما لو ذبح شياه.

(1/541)

ومن وجب عليه بدنة بنذر، أو قتل نعامة، أو وطء أجزأه بسبع من الغنم؛ لأنها معدولة بسبع، والشياه أطيب لحماً. وقد روي عن ابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتاه رجل فقال: إن علي بدنة، وأنا موسر لها، ولا أجدها، فأشتريها. فأمره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يبتاع سبع شياه فيذبحهن» . رواه ابن ماجه.
وقال ابن عقيل
: إنما يجزئ ذلك مع عدم البدنة؛ لأنها بدل، فيشترط فيه عدم المبدل، والأول أولى لما ذكرناه وإن وجبت عليه بدنة فذبح بقرة أجزأته، لما روى جابر قال: «كنا ننحر البدنة عن سبعة. فقيل له والبقرة؟ فقال: وهل هي إلا من البدن» ! رواه مسلم. وقال ابن عقيل: إن نذر بدنة، لزمه ما نواه، فإن لم ينو شيئاً، ففيه روايتان:
إحداهما
: هو مخير على ما ذكرناه.
والثانية
: إن لم يجد بدنة أجزأته بقرة.
فإن لم يجد فسبعاً من الغنم
.
وعنه
: عشر؛ لأنه بدل، فلا يجزئ مع وجود الأصل. فأما من وجب عليه سبع من الغنم، فإنه يجزئه بدنة، أو بقرة؛ لأنها تجزئ عن سبع في حق سبعة، ففي حق واحد أولى.




كلمات دليلية: