تعرف أحكام الحيض والنفاس على المذهب الحنبلي - كتاب الكافي

تعرف أحكام الحيض والنفاس على المذهب الحنبلي - كتاب الكافي
2048

اسم الكتاب:
الكافى



[باب الحيض]
وهو دم ترخيه الرحم يخرج من المرأة في أوقات معتادة يتعلق به ثلاثة عشر حكماً
:

(1/133)

أحدها: تحريم فعل الصلاة؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة» متفق عليه.
والثاني
: سقوط فرضها؛ لقول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «كنا نحيض على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة» ، متفق عليه.
والثالث
: تحريم الصيام، ولا يسقط وجوبه، لحديث عائشة، وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أليس إحداكن إذا حاضت لم تصم ولم تصل؟ "

(1/134)

قلن: بلى» ، رواه البخاري.
والرابع
: تحريم الطواف؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعائشة إذ حاضت: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» متفق عليه.
والخامس
: تحريم قراءة القرآن؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن» رواه الترمذي.
والسادس
: تحريم مس المصحف؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79] ولقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعمرو بن حزم: «لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر» رواه الأثرم.
والسابع
: تحريم اللبث في المسجد، لما ذكرناه من قبل.
والثامن
: تحريم الطلاق، لما نذكره في النكاح.
والتاسع
: تحريم الوطء في الفرج؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] .
ولا يحرم الاستمتاع بها في غير الفرج؛ لقول النبي
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اصنعوا كل شيء غير

(1/135)

النكاح» رواه مسلم.
وقالت عائشة
: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يأمرني فأتزر فيباشرني، وأنا حائض» ، متفق عليه، ولأنه وطء حرم للأذى، فاختص بمحله، كالوطء في الدبر.
والعاشر
: منع صحة الطهارة؛ لأنه حدث يوجب الطهارة فاستمراره يمنع صحتها كالبول.
والحادي عشر
: وجوب الغسل؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي» متفق عليه.
الثاني عشر
: وجوب الاعتداد به، لما نذكره في العدد.
الثالث عشر
: حصول البلوغ به لما نذكره في موضعه.
فإذا انقطع دمها ولم تغتسل زالت أربعة أحكام
: سقوط فرض الصلاة؛ لأن سقوطه بالحيض قد زال، ومنع صحة الطهارة لذلك، وتحريم الصيام؛ لأن وجوب الغسل لا يمنع

(1/136)

فعله، كالجنابة، وتحريم الطلاق؛ لأن تحريمه لتطويل العدة، وقد زال هذا المعنى.
وسائر المحرمات باقية؛ لأنها تثبت في حق المحدث الحدث الأكبر، وحدثها باق، وتحريم الوطء باق؛ لأن الله تعالى قال
: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} [البقرة: 222] قال مجاهد: حتى يغتسلن.
فإن لم تجد الماء تيممت، وحل وطؤها؛ لأنه قائم مقام الغسل، فحل به ما يحل بالغسل، وإن تيممت للصلاة حل وطؤها؛ لأن ما أباح الصلاة أباح ما دونها
.
وإن وطئ الحائض قبل طهرها؛ فعليه كفارة
[دينار أو] نصف دينار، لما روى ابن عباس عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: " يتصدق بدينار أو بنصف دينار» ، قال أبو داود: كذا الرواية الصحيحة.
وعن أحمد
: لا كفارة فيه؛ لأنه وطء حرم للأذى، فلم تجب به كفارة كالوطء في الدبر، والحديث توقف أحمد عنه للشك في عدالة راويه.
وإن وطئها بعد انقطاع دمها، فلا كفارة عليه؛ لأن حكمه أخف ولم يرد الشرع بالكفارة فيه
.

فصل

وأقل سن تحيض له المرأة تسع سنين، فإن رأت قبل ذلك دماً فليس

(1/137)

بحيض، ولا يتعلق به أحكامه؛ لأنه لم يثبت في الوجود لامرأة حيض قبل ذلك، وقد روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أنها قالت: إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة.
وأقل الحيض يوم وليلة
.
وعنه
: يوم؛ لأن الشرع علق على الحيض أحكاماً ولم يبين قدره، فعلم أنه رده إلى العادة، كالقبض والحرز، وقد وجد حيض معتاد يوماً، ولم يوجد أقل منه.
قال عطاء
: رأيت من تحيض يوماً، وتحيض خمسة عشر.
قال أبو عبد الله الزبيري
: كان في نسائنا من تحيض يوماً، وتحيض خمسة عشر يوماً.
[وأكثره خمسة عشر يوماً
] لما ذكرنا، وعنه سبعة عشرة يوماً.
وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً لما روي عن علي
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه سئل عن امرأة ادعت انقضاء عدتها في شهر، فقال لشريح: قل فيها، فقال: إن جاءت ببطانة من أهلها يشهدن أنها حاضت في شهر ثلاث مرات تترك

(1/138)

الصلاة فيها، وإلا فهي كاذبة، فقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: قالون " يعني جيد، وهذا اتفاق منهما على إمكان ثلاث حيضات في شهر، ولا يمكن إلا بما ذكرنا من أقل الحيض، وأقل الطهر.
وعنه
: أقله خمسة عشر؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تمكث إحداكن شطر عمرها لا تصلي» وليس لأكثره حد، وغالب الحيض ست أو سبع؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لحمنة بنت جحش: «تحيضي - في علم الله - ستة أيام أو سبعة، ثم اغتسلي وصلي أربعة وعشرين يوماً، أو ثلاثة وعشرين كما تحيض النساء، وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن» حديث حسن، وغالب الطهر أربعة وعشرون أو ثلاثة وعشرون، لهذا الحديث.
وإذا بلغت المرأة ستين عاماً يئست من المحيض؛ لأنه لم يوجد لمثلها حيض معتاد، فإن رأت دماً فهو دم فاسد، وإن رأته بعد الخمسين، ففيه روايتان
:

(1/139)

إحداهما: هو دم فاسد أيضاً؛ لأن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: إذا بلغت المرأة خمسين سنة خرجت من حد الحيض.
والثانية
: إن تكرر بها الدم فهو حيض، وهذا أصح؛ لأنه قد وجد ذلك، وعنه: أن نساء العجم ييأسن في خمسين، ونساء العرب إلى ستين؛ لأنهن أقوى جبلة.
وقال الخرقي
: إذا رأت الدم، ولها خمسون سنة، فلا تدع الصلاة، ولا الصوم، وتقضي الصوم احتياطاً، وإن رأته بعد الستين، فقد زال الإشكال، فتصوم وتصلي، ولا تقضي.
والحامل لا تحيض، فإن رأت دماً، فهو دم فاسد؛ لقول النبي
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «في سبايا أوطاس: " لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة» يعني تستعلم براءتها من الحمل بالحيضة، فدل على أنها لا تجتمع معه.

(1/140)

فصل
والمبتدأ بها الدم في سن تحيض لمثله تترك الصلاة والصوم؛ لأن دم الحيض جبلة وعادة، ودم الفساد عارض لمرض ونحوه، والأصل عدمه، فإن انقطع لدون يوم وليلة، فهو دم فساد، وإن بلغ ذلك جلست يوماً وليلة، فإن انقطع دمها لذلك اغتسلت وصلت، وكان ذلك حيضها
.
وإن زاد عليه، ففيه أربع روايات
: أشهرهن: أنها تغتسل عقيب اليوم والليلة، وتصلي؛ لأن العبادة واجبة بيقين، وما زاد على أقل الحيض مشكوك فيه، فلا تسقطها بالشك، فإن انقطع دمها، ولم يعبر أكثر الحيض، اغتسلت غسلاً ثانياً، ثم تفعل ذلك في شهر آخر، وعنه: تفعله في شهرين آخرين.
فإن كان في الأشهر كلها مدة واحدة، علمت أن ذلك حيضها، فانتقلت إليه، وعملت عليه، وأعادت ما صامت الفرض فيه؛ لأننا تبينا أنها صامته في حيضها
.

(1/141)

والثانية: تجلس ما تراه من الدم إلى أكثر الحيض؛ لأنه دم يصلح حيضاً، فتجلسه كاليوم والليلة.
والثالثة
: تجلس ستاً أو سبعاً؛ لأن الغالب من النساء هكذا يحضن، ثم تغتسل وتصلي.
والرابعة
: تجلس عادة نسائها؛ لأن الغالب أنها تشبههن في جميع ذلك، فإذا انقطع الدم لأكثر الحيض فما دون وتكرر، صار عادة، فانتقلت إليه، وأعادت ما صامته من الفرض فيه.
وإن عبر دمها أكثر الحيض، علمنا استحاضتها فنظر في دمها، فإن كان متميزاً بعضه أسود ثخين منتن، وبعضه رقيق أحمر، وكان الأسود لا يزيد على أكثر الحيض، ولا ينقص عن أقله، فهذه مدة حيضها زمن الدم الأسود، فتجلسه، فإذا خلفته اغتسلت وصلت، لما روي أن فاطمة بنت أبي حبيش
«قالت: يا رسول الله، إني أستحاض، فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: " لا إنما ذلك عرق، ليس بالحيض، فإذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، وإذا أدبرت، فاغسلي عنك الدم، وصلي» متفق عليه.
يعني بإقباله
: سواده ونتنه، وبإدباره: رقته وحمرته، وفي لفظ، قال: «إذا كان دم الحيض، فإنه أسود، يعرف فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الأحمر فتوضئي إنما هو عرق» رواه النسائي , وقال ابن عباس: ما رأت الدم البحراني، فإنها تدع الصلاة، إنها والله لن ترى الدم بعد أيام محيضها إلا كغسالة ماء اللحم، ولأنه خارج من الفرج يوجب الغسل، فرجع إلى صفته عند الاشتباه، كالمني والمذي، وإن لم تكن مميزة

(1/142)

جلست من كل شهر ستة أيام، أو سبعة، لما روي أن حمنة بنت جحش «قالت: يا رسول الله، إني أستحاض حيضة شديدة، منكرة، قد منعتني الصوم والصلاة، فقال لها: " تحيضي ستة أيام، أو سبعة أيام، في علم الله، ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت، فصلي ثلاثاً وعشرين ليلة أو أربعاً وعشرين ليلة وأيامها، وصومي فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
وذكر أبو الخطاب في المبتدأة هذه الروايات الأربع، وحكي عن ابن عقيل في المبتدأة المميزة أنها تجلس بالتمييز في أول مرة، لما ذكرنا من الأخبار؛ ولأن التمييز يجري مجرى العادة، والمعتادة تجلس عدة أيام عادتها، كذلك المميزة
.

فصل

وإن استقرت لها عادة، فما رأت من الدم فيها، فهو حيض سواء كان كدرة أو صفرة أو غيرهما، لما روى مالك عن علقمة عن أمه
: أن النساء كن يرسلن بالدرجة، فيها الشيء من الصفرة، إلى عائشة فتقول: لا تصلين حتى ترين القصة البيضاء.
قال مالك وأحمد
: هو ماء أبيض يتبع الحيضة، ولأنه دم في زمن العادة أشبه الأسود، فإن تغيرت العادة، لم تخل من ثلاثة أقسام: أحدها: أن ترى الطهر قبل تمامها، فإنها تغتسل وتصلي؛ لأن ابن عباس قال: لا يحل لها ما رأت الطهر ساعة إلا أن تغتسل، ولأنها طاهر فتلزمها الصلاة، كسائر الطاهرات.

(1/143)

وإن عاودها الدم في عادتها، ففيه روايتان: إحداهما: تتحيض فيه، وهي الأولى؛ لأنه دم صادف العادة، فكان حيضاً كالأول.
والثانية
: لا تجلسه حتى يتكرر؛ لأنه جاء بعد طهر، فلم يكن حيضاً بغير تكرار، كالخارج عن العادة، وإن عاودها بعد العادة، وعبر أكثر الحيض، فهو استحاضة، وإن لم يعبر ذلك وتكرر، فهو حيض، وإلا فلا؛ لأنه لم يصادف عادة، فلا يكون حيضاً بغير تكرار.
القسم الثاني
: أن ترى الدم في غير عادتها، قبلها أو بعدها مع بقاء عادتها، أو طهرها فيها، أو في بعضها، فالمذهب أنها لا تجلس ما خرج عن العادة حتى يتكرر، وفي قدره روايتان: إحداهما: ثلاثاً؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «دعي الصلاة أيام أقرائك» وأقل ذلك ثلاثاً.
والثانية
: مرتان؛ لأن العادة مأخوذة من المعاودة، وذلك يحصل بمرتين، فعلى هذا تصوم وتصلي فيما خرج عن العادة مرتين أو ثلاثاً، فإذا تكرر، انتقلت إليه، وصار عادة، وأعادت ما صامته من الفرض فيه؛ لأنا تبينا أنها صامته في حيضها.
قال الشيخ
- رَحِمَهُ اللَّهُ -: ويقوى عندي أنها تجلس متى رأت دماً يمكن أن يكون حيضاً، وافق العادة أو خالفها؛ لأن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء، ولم تقيده بالعادة وظاهر الأخبار تدل على أن النساء كن يعددن ما يرينه من الدم حيضاً من غير افتقاد عادة، ولم ينقل عنهن ذكر العادة، ولا عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

(1/144)

بيان لها ولا الاستفصال عنها إلا في التي قالت: إني أستحاض فلا أطهر، وشبهها من المستحاضات، أما في امرأة يأتي دمها في وقت يمكن أن يكون حيضاً، ثم يطهر فلا، والظاهر أنهن جرين على العرف في اعتقاد ذلك حيضاً، ولم يأت من الشرع تغيير، ولذلك أجلسنا المبتدأة من غير تقدم عادة، ورجعنا في أكثر أحكام الحيض إلى العرف، والعرف أن الحيضة تتقدم وتتأخر وتزيد وتنقص، وفي اعتبار العادة على هذا الوجه، إخلال ببعض المنتقلات عن الحيض بالكلية، مع رؤيتها للدم في وقت الحيض على صفته، وهذا لا سبيل إليه.

فصل

القسم الثالث
: أن ينضم إلى العادة ما يزيدان بمجموعهما على أكثر الحيض، فلا تخلو من حالين: أحدهما: أن تكون ذاكرة لعادتها، فإن كانت غير مميزة، جلست قدر عادتها، واغتسلت بعدها وصلت وصامت؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لفاطمة بنت أبي حبيش: «دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي» متفق عليه، وإن كانت مميزة ففيها روايتان:
إحداهما
: تعمل بالعادة، لهذا الحديث، والأخرى: تعمل بالتمييز، وهو اختيار الخرقي، لما تقدم من أدلته.
الحال الثاني
: أن تكون ناسية لعادتها: فإن كانت مميزة، عملت بتمييزها؛ لأنه دليل لا معارض له، فوجب العمل به كالمبتدأة.

(1/145)

وإن لم تكن مميزة فهي على ثلاثة أضرب: إحداهن: المتحيرة وهي الناسية لوقتها وعددها، فهذه تتحيض في كل شهر ستة أيام أو سبعة، على حديث حمنة بنت جحش، ولأنه غالب عادات النساء، فالظاهر، أنه حيضها، وعنه: أنها ترد إلى عادة نسائها، كما تقدم، وقيل: فيها الروايات الأربع.
ويجعل حيضها من أول كل شهر في أحد الوجهين؛ لقول النبي
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تحيضي في علم الله ستة أيام، أو سبعة أيام، من كل شهر، ثم اغتسلي، وصلي ثلاثة وعشرين يوماً» فجعل حيضها من أوله، والصلاة في بقيته.
والآخر
: تجلسه بالاجتهاد؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ردها إلى الاجتهاد في العدد بين الست والسبع، فكذلك في الوقت.

(1/146)

وإن علمت أن حيضها في وقت من الشهر كالنصف الأول ولم تعلم موضعه منه، ولا عدده فكذلك، إلا أن اجتهادها يختص بذلك الوقت دون غيره.
الضرب الثاني
: أن تعلم عددها وتنسى وقتها، نحو أن تعلم أن حيضها خمس ولا تعلم لها وقتاً، فهذه تجلس قدر أيامها من أول كل شهر في أحد الوجهين، وفي الآخر تجلسه بالتحري.
وإن علمته في وقت من الشهر، مثل أن علمت أن حيضها في العشر الأول من الشهر أو العشر الأوسط، جلست قدر أيامها من ذلك الوقت دون غيره
.
الضرب الثالث
: ذكرت وقتها ونسيت عددها، مثل أن تعلم أن اليوم العاشر من حيضها، ولا تدري قدره، فحكمها في قدر ما تجلسه حكم المتحيرة، واليوم العاشر حيض بيقين، فإن علمته أول حيضها، جلست بقية أيامها بعده، وإن علمته آخر حيضها، جلست الباقي قبله.
وإن لم تعلم أوله ولا آخره جلست مما يلي أول الشهر في أحد الوجهين، وفي الآخر تجلس بالتحري
.

فصل

ومتى ذكرت الناسية عادتها، رجعت إليها؛ لأنها تركتها للعجز عنها، فإذا زال العجز، وجب العمل بها لزوال العارض، فإن كانت مخالفة لما عملت قضت ما صامت من الفرض في مدة العادة، وما تركت من الصلاة والصيام فيما خرج عنها؛ لأننا تبينا أنها تركتها وهي طاهرة
.

(1/147)

فصل
ولا تصير المرأة معتادة حتى تعلم حيضها وطهرها وشهرها، ويتكرر
.
وشهرها
: هو المدة التي يجتمع لها فيه حيض وطهر، وأقل ذلك أربعة عشر يوماً، يوم للحيض وثلاثة عشر للطهر، وغالبه الشهر المعروف، لحديث حمنة، ولأنه غالب عادات النساء، وأكثره، لا حد له [لأن أكثر الحيض لا يتعداه] وتثبت العادة بالتمييز، كما تثبت بانقطاع الدم، فلو رأت المبتدأة خمسة أيام دماً أسود، ثم احمر وعبر أكثر الحيض، وتكرر ذلك ثلاثاً، ثم رأت في الرابع دماً مبهماً، كان حيضها أيام الدم الأسود؛ لأنه صار عادة لها.

فصل

والعادة على ضربين
: متفقة ومختلفة.
فالمتفقة
: مثل من تحيض خمسة من كل شهر، والمختلفة مثل من تحيض في شهر ثلاثة، وفي الثاني أربعة، وفي الثالث خمسة، ثم يعود إلى الثلاثة، ثم إلى أربعة على هذا الترتيب، أو في شهر ثلاثة، وفي الثاني خمسة، وفي الثالث أربعة، ثم تعود إلى الثلاثة، فكل ما أمكن ضبطه من ذلك، فهو عادة مستقرة، وما لم يمكن ضبطه نظرت إلى القدر الذي تكرر منه، فجعلته عادة، كأنها رأت في شهر ثلاثة، وفي شهر أربعة، وفي شهر خمسة، فالثلاثة حيض، لتكررها ثلاثاً.
فإذا رأت في الرابع ستة، فالأربعة حيض
: لتكررها ثلاثاً، فإذا رأت في الخامس سبعة، فالخمسة حيض، وعلى هذا ما تكرر، فهو حيض، وما لا فلا.

فصل

في التلفيق
: إذا رأت يوماً دماً، ويوم طهراً، فإنها تغتسل، وتصلي في زمن الطهر، لقول ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا يحل لها إذا رأت الطهر ساعة إلا أن تغتسل، ثم إن انقطع الدم لخمسة عشر فما دون، فجميعه حيض، تغتسل عقيب كل يوم وتصلي في الطهر، وإن عبر الخمسة عشر، فهي مستحاضة ترد إلى عادتها، فإن كانت عادتها، سبعة متوالية، جلست ما وافقها من الدم، فيكون حيضها منه ثلاثة أيام، أو أربعة، وإن كانت ناسية، فأجلسناها سبعة فكذلك، وإن أجلسناها أقل الحيض، جلست

(1/148)

يوماً وليلة لا غير، وإن كانت مميزة، ترى يوماً دماً أسود، ثم ترى نقاء ثم ترى أسود إلى عشرة أيام، ثم ترى دماً أحمر وعبر، ردت إلى التمييز، فيكون حيضها زمن الدم الأسود دون غيره، ولا فرق بين أن ترى الدم زمناً يمكن يكون أن يكون حيضاً كيوم وليلة، أو دون ذلك، كنصف يوم، ونصف ليلة، فإن كان النقاء أقل من ساعة، فالظاهر أنه ليس بطهر؛ لأن الدم يجري تارة، وينقطع أخرى، وقد قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء.

فصل

وإذا رأت ثلاثة أيام دماً، ثم طهرت اثني عشر يوماً، ثم رأته ثلاثة دماً، فالأول حيض؛ لأنها رأته في زمان إمكانه، والثاني استحاضة؛ لأنه لا يمكن أن يكون ابتداء حيض، لكونه لم يتقدمه أقل الطهر، ولا من الحيض الأول؛ لأنه يخرج عن الخمسة عشر
.
والحيضة الواحدة لا يكون بين طرفيها أكثر من خمسة عشر يوماً
. فإن كان بين الدمين ثلاثة عشر يوماً فأكثر وتكرر، فهما حيضتان؛ لأنه أمكن جعل كل واحد منهما حيضة منفردة، لفصل أقل الطهر بينهما، وإن أمكن جعلهما حيضة واحدة بأن لا يكون بين طرفيهما أكثر من خمسة عشر يوماً مثل أن ترى يومين دماً وتطهر عشرة، وترى ثلاثة دماً وتكرر، فهما حيضة واحدة؛ لأنه لم يخرج زمنهما عن مدة أكثر الحيض. وعلى هذا يعتبر ما ألقي من المسائل في التلفيق.

فصل

في المستحاضة وهي
:
التي ترى دماً ليس بحيض ولا نفاس
. وحكمها حكم الطاهرات في وجوب العبادات وفعلها؛ لأنها نجاسة غير معتادة، أشبه سلس البول، فإن اختلط حيضها باستحاضتها، فعليها الغسل عند انقطاع الحيض، لحديث فاطمة، ومتى أرادت الصلاة؛ غسلت فرجها، وما أصابها من الدم، حتى إذا استنقأت عصبت فرجها، واستوثقت بالشد، والتلجم، ثم توضأت وصلت، لما روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قال لحمنة بنت جحش حين شكت إليه كثرة الدم: " أنعت لك الكرسف " يعني القطن، تحشي به المكان. قالت: إنه أشد من ذلك، فقال: " تلجمي» .

(1/149)

وعن أم سلمة «أن امرأة كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: "لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر، قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة، قدر ذلك من الشهر فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر بثوب، ثم لتصل» رواه أبو داود، فإن خرج الدم بعد الوضوء لتفريط في الشد، أعادت الوضوء؛ لأنه حدث أمكن التحرز عنه.
وإن خرج لغير تفريط، فلا شيء عليها لما روت
«عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: اعتكفت مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امرأة من أزواجه، فكانت ترى الدم، والصفرة والطست تحتها، وهي تصلي» رواه البخاري.
ولأنه لا يمكن التحرز منه فسقط، وتصلي بطهارتها ما شاءت من الفرائض والنوافل قبل الفريضة وبعدها، حتى يخرج الوقت فتبطل بها طهارتها، وتستأنف الطهارة لصلاة أخرى، لما روي في حديث
«فاطمة أن النبي (- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) قال لها: "اغتسلي ثم توضئي لكل صلاة وصلي» قال الترمذي: هذا حديث صحيح، ولأنها طهارة عذر وضرورة، فتقيدت بالوقت كالتيمم، وإن توضأت قبل الوقت، بطل وضوءها بدخوله، كما في التيمم، وإن انقطع دمها بعد الوضوء، وكانت عادتها انقطاعه وقتاً لا يتسع للصلاة لم يؤثر انقطاعه؛ لأنه لا يمكن الصلاة فيه، وإن لم تكن به عادة أو كانت عادتها انقطاعه مدة طويلة، لزمها استئناف الوضوء، وإن كانت في الصلاة، بطلت؛ لأن العفو عن الدم، لضرورة جريانه فيزول بزواله، وحكم من به سلس البول أو المذي أو الريح أو الجرح الذي لا يرقأ دمه حكمها في ذلك إلا أن ما

(1/150)

لا يمكن عصبه يصلي بحاله، فقد صلى عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وجرحه يثعب دماً.

فصل

قال أصحابنا
: ولا توطأ مستحاضة لغير ضرورة؛ لأنه أذى في الفرج، أشبه دم الحيض، فإن الله تعالى قال: {هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] فعلله بكونه أذى، وإن خاف على نفسه العنت، أبيح الوطء؛ لأنه يتطاول، فيشق التحرز منه، وحكمه أخف، لعدم ثبوت أحكام الحيض فيه، وحكى أبو الخطاب فيه عن أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - روايتان: إحداهما: كما ذكرنا.
والثانية
: يحل مطلقاً لعموم النص في حل الزوجات، وامتناع قياس المستحاضة على الحائض، لمخالفتها لها في أكثر أحكامها، ولأن وطء الحائض ربما يتعدى ضرره إلى الولد، فإنه قد قيل: إنه يكون مجذوماً بخلاف دم المستحاضة.

فصل

ويستحب لها الغسل لكل صلاة؛ لأن عائشة
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - روت: «أن أم حبيبة استحيضت، فسألت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأمرها أن تغتسل لكل صلاة.» [رواه أبو داود] ، وإن جمعت بين الصلاتين بغسل واحد، فهو حسن، لما روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لحمنة: «فإن قويت أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر، ثم تغتسلين حتى تطهرين، وتصلين الظهر والعصر جميعاً، ثم تؤخرين المغرب، وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين، وتغتسلين مع الصبح، كذلك فافعلي إن قويت على

(1/151)

ذلك هو أعجب الأمرين إلي» وهو حديث صحيح، وإن توضأت لوقت كل صلاة أجزأها لما ذكرنا سابقاً.

[باب النفاس
]
وهو خروج الدم، بسبب الولادة، وحكمه حكم الحيض فيما يحرم ويجب ويسقط به؛ لأنه دم حيض مجتمع، احتبس لأجل الحمل، فإن خرج قبل الولادة بيومين، أو ثلاثة، فهو نفاس؛ لأن سبب خروجه الولادة، وإن خرج قبل ذلك، فهو دم فساد؛ لأنه ليس بنفاس، لبعده من الولادة، ولا حيض؛ لأن الحامل لا تحيض
.
وأكثر النفاس أربعون يوماً لما روت أم سلمة قالت
: «كانت النفساء على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تقعد بعد نفاسها أربعين يوماً أو أربعين ليلة» رواه أبو داود.
وليس لأقله حد فأي وقت رأت الطهر فهي طاهر تغتسل وتصلي، ويستحب لزوجها الإمساك عن وطئها حتى تتم الأربعين، فإن عاودها الدم في مدة النفاس، فهو نفاس؛ لأنه في مدته أشبه الأول، وعنه
: أنه مشكوك فيه، تصوم وتصلي وتقضي الصوم احتياطاً؛ لأن الصوم واجب بيقين، فلا يجوز تركه لعارض مشكوك فيه، ويجب قضاؤه لأنه ثابت بيقين فلا يسقط بفعل مشكوك فيه، ويفارق الحيض المشكوك فيه، لكثرته وتكرره ومشقة إيجاب القضاء فيه، وما زاد على الأربعين، فليس بنفاس، وحكمها فيه حكم غير النفساء، إذا رأت الدم وصادف عادة الحيض فهو حيض، وإلا فلا.

(1/152)

فصل
وإذا ولدت توأمين، فالنفاس من الأول؛ لأنه دم خرج عقيب الولادة، فكان نفاساً، كما لو كان منفرداً، وآخره منه، فإذا أكملت أربعين من ولادة الأول انقضت مدتها؛ لأنه نفاس واحد، لحمل واحد، فلم تزد العادة منه على أربعين
.
وعنه
: أنه من الأول، ثم تستأنفه في الثاني؛ لأن كل واحد منهما سبب للمدة، فإذا اجتمعا اعتبر أولها من الأول، وآخرها من الثاني، كالوطء في إيجاب العدة.

[باب أحكام النجاسات
]
بول الآدمي نجس؛ لأن النبي
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في الذي يعذب في قبره: «إنه كان لا يستتر

(1/153)

من بوله» متفق عليه، والغائط مثله.
والودي
: ماء أبيض يخرج عقيب البول، حكمه حكم البول لأنه في معناه.
والمذي نجس؛ لقول النبي
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في المذي: «اغسل ذكرك» ولأنه خارج من الذكر لا يخلق منه الولد، أشبه البول، وعنه: أنه كالمني: لأنه خارج بسبب الشهوة، أشبه المني.
وبول ما لا يؤكل لحمه، ورجيعه نجس؛ لأنه بول حيوان غير مأكول، أشبه بول الآدمي إلا بول ما لا نفس له سائلة، فإن ميتته طاهرة فأشبه الجراد
.
وبول ما يؤكل لحمه ورجيعه طاهر، وعنه أنه كالدم؛ لأنه رجيع، والمذهب الأول؛ لأن النبي
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «صلوا في مرابض الغنم» حديث صحيح، وكان يصلي فيها قبل بناء

(1/154)

مسجده، وقال للعرنيين: «انطلقوا إلى إبل الصدقة فاشربوا من ألبانها وأبوالها» متفق عليه.
ومني الآدمي طاهر؛ لأن عائشة قالت
: «كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فيصلي فيه» ، متفق عليه، ولأنه بدء خلق آدمي، فكان طاهراً كالطين، وعنه: أنه نجس، يجزئ فرك يابسه، ويعفى عن يسيره لما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا «أنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» هذا حديث صحيح؛ لأنه خارج من مخرج البول أشبه المذي.

(1/155)

وفي رطوبة فرج المرأة روايتان: إحداهما: أنها نجس؛ لأنها بلل من الفرج، لا يخلق منه الولد، أشبه المذي.
والثانية
: أنها طاهرة؛ لأن عائشة كانت تفرك المني من ثوب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهو من جماع؛ لأن الأنبياء لا يحتلمون، وهو يصيب رطوبة الفرج.
والقيء نجس؛ لأنه طعام استحال في الجوف إلى الفساد، أشبه الغائط
.
وفي كل حيوان غير الآدمي ومنيه، في حكم بوله في الطهارة والنجاسة؛ لأنه في معناه
.

(1/156)

والنخامة طاهرة، سواء خرجت من رأس، أو صدر؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه، فإن لم يجد، فليقل هكذا ووصف القاسم، وتفل في ثوبه ومسح بعضه على بعض» رواه مسلم.
وذكر أبو الخطاب
: أن البلغم نجس، قياساً على القيء، والأول أصح، والبصاق والمخاط والعرق، وسائر رطوبات بدن الآدمي طاهرة؛ لأنه من جسم طاهر، وكذلك هذه الفضلات، من كل حيوان طاهر.

فصل

والدم نجس؛ لقول النبي
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأسماء في الدم: «اغسليه بالماء» متفق عليه، ولأنه نجس لعينه، بنص القرآن، أشبه الميتة، إلا دم السمك، فإنه طاهر؛ لأن ميتته طاهرة مباحة.
وفي دم ما لا نفس له سائلة، كالذباب والبق والبراغيث والقمل، روايتان
: إحداهما: نجاسته؛ لأنه دم أشبه المسفوح.
والثانية
: طهارته؛ لأنه دم حيوان، لا ينجس بالموت، أشبه دم السمك، وإنما حرم الدم المسفوح.

(1/157)

والعلقة نجسة؛ لأنها دم خارج من الفرج، أشبه الحيض، وعنه: إنها طاهرة؛ لأنها بدء خلق آدمي، أشبهت المني.
والقيح نجس؛ لأنه دم استحال إلى نتن وفساد، والصديد مثله، إلا أن أحمد قال
: هما أخف حكماً من الدم، لوقوع الخلاف في نجاستهما، وعدم النص فيهما.
وما بقي من الدم في اللحم معفو عنه، ولو علت حمرة الدم في القدر، لم يكن نجساً؛ لأنه لا يمكن التحرز منه
.

فصل

والخمر نجس؛ لقول الله تعالى
: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90] ولأنه يحرم تناوله من غير ضرر، فكان نجساً كالدم، والنبيذ مثله؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» رواه مسلم، ولأنه شراب فيه شدة مطربة، أشبه الخمر، فإن انقلبت الخمرة خلاً بنفسها طهرت؛ لأن نجاستها لشدتها المسكرة، وقد

(1/158)

زال ذلك، من غير نجاسة خلفتها فوجب أن تطهر، كالماء الذي تنجس بالتغير [إذا زال تغيره] .
وإن خللت لم تطهر لما روي
: «أن أبا طلحة، سأل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: عن أيتام ورثوا خمراً فقال: أهرقها، قال: أفلا أخللها؟ قال: لا» ، رواه أحمد في مسنده والترمذي، ولو جاز التخليل، لم ينه عنه، ويتخرج أن تطهر لزوال علة التحريم، كما لو تخللت، ولا يطهر غيرها من النجاسات بالاستحالة، فلو أحرقت فصارت رماداً أو تركت في ملاحة، فصارت ملحاً لم تطهر؛ لأن نجاستها لعينها بخلاف الخمر، فإن نجاستها لمعنى زال بالانقلاب.
ودخان النجاسة وبخارها نجس، فإن اجتمع منه شيء، أو لاقى جسماً صقيلاً، فصار ماءً، فهو نجس
.
وما أصاب الإنسان من دخان النجاسة، وغبارها، فلم يجتمع منه شيء، ولا ظهرت صفته فهو معفو عنه، لعدم إمكان التحرز منه
.

فصل

ولا يختلف المذهب، في نجاسة الكلب والخنزير، وما تولد منهما، إذا

(1/159)

أصابت غير الأرض أنه يجب غسلها سبعاً إحداهن بالتراب، سواء كان من ولوغه أو غيره، لما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً إحداهن بالتراب» متفق عليه، ولمسلم: «أولاهن بالتراب» .

(1/160)

وعنه: «يغسله سبعاً، وواحدة بالتراب» ، لما روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا ولغ الكلب في الإناء، فاغسلوه سبعاً وعفروه الثامنة بالتراب» رواه مسلم والأولى أصح؛ لأنه يحتمل أنه عد التراب ثامنة، لكونه مع الماء، من غير جنسه، والأولى جعل التراب، في الأولى للخبر، وليكون الماء بعده، فينظفه، وحيث جعله جاز، لقوله في اللفظ الآخر: «وعفروه الثامنة بالتراب» فيدل على أن عين الغسلة غير مرادة.
وإن جعل مكان التراب جامداً آخر كالأشنان، ففيه ثلاثة أوجه
: أحدها: يجزئه؛ لأن نصه على التراب تنبيه على ما هو أبلغ منه في التنظيف.
والثاني
: لا يجزئه؛ لأنه تطهير ورد الشرع فيه بالتراب، فلم يقم غيره مقامه كالتيمم.

(1/161)

والثالث: يجزئه إن عدم التراب، أو كان مفسداً للمغسول للحاجة، وإلا فلا.
وإن جعل مكانه غسلة ثامنة، لم يجزه؛ لأنه أمر بالتراب معونة للماء، في قلع النجاسة، أو للتعبد، ولا يحصل بالماء وحده، وقد ذكر فيه الأوجه الثلاثة، وإن ولغ في الإناء كلاب، أو وقعت فيه نجاسة أخرى، لم تغير حكمه؛ لأن الغسل لا يزداد بتكرار النجاسة، كما لو ولغ الكلب فيه مرات
.
وإن أصاب الثوب من ماء الغسلات، ففيه وجهان
: أحدهما: يغسل سبعاً إحداهن بالتراب؛ لأنها نجاسة كلب.
والثاني
: حكمه حكم المحل الذي انفصل عنه في الغسل بالتراب وفي عدد الغسلات؛ لأن المنفصل كالبلل الباقي، وهو يطهر بباقي العدد كذلك هذا.

فصل

والنجاسات كلها على الأرض، يطهرها أن يغمرها الماء، فيذهب عينها ولونها؛ لقول النبي
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صبوا على بول الأعرابي ذنوباً من ماء» متفق عليه، ولو كانت أرض البئر نجسة فنبع عليها الماء طهرها.

(1/162)

ولا تطهر الأرض النجسة بشمس، ولا ريح؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أمر بغسل بول الأعرابي، ولأنه محل نجس، أشبه الثوب.
وإن طبخ اللبن المخلوط بالزبل النجس، لم يطهر، لكن ما يظهر منه يحترق فيذهب عينه، ويبقى أثره، فإذا غسل طهر ظاهره، وبقي باطنه نجساً لو حمله مصل، لم تصح صلاته، وإن ظهر من باطنه شيء فهو نجس
.

فصل

إذا أصاب أسفل الخف، أو الحذاء نجاسة، ففيه ثلاث روايات
: إحداهن: يجزئ دلكه بالأرض، لما روى أبو هريرة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه، فطهورهما التراب» وفي لفظ: «إذا وطئ بنعله» ، رواه أبو داود؛ لأنه محل تتكرر فيه النجاسة، فأجزأ فيه المسح، كمحل الاستنجاء.
والثانية
: يجب غسله؛ لأنه ملبوس فلم يجز فيه المسح كظاهره.
والثالثة
: يجب غسله من البول والعذرة لفحشهما، ويجزئ دلكه من غيرهما، فإن قلنا: يجزئ المسح، ففيه وجهان: أحدهما: يطهر اختاره ابن حامد، للخبر.

(1/163)

والثاني: لا يطهر؛ لأنه محل نجس فلم يطهره المسح كغيره، وفي محل الاستنجاء بعد الاستجمار وجهان أيضاً: أحدهما: يطهر، قال أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في المستجمر: يعرق في سراويله: لا بأس به، «وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الروث والرمة: لا يطهران» دليل على أن غيرهما يطهر.
والثاني
: لا يطهر، لما ذكرنا من القياس.

فصل

ويجزئ في بول الغلام الذي لم يطعم الطعام النضح، وهو أن يغمره بالماء، وإن لم يزل عنه لما
«روت أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن لها صغير، لم يأكل الطعام، إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأجلسه في حجره، فبال على ثوبه

(1/164)

فدعا بماء فنضحه ولم يغسله» متفق عليه.
ولا يجزئ في بول الجارية إلا الغسل، لما روى علي
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بول الغلام ينضح، وبول الجارية يغسل» رواه أحمد في

(1/165)

" المسند " فإن أكلا الطعام وتغذيا به غسل بولهما؛ لأن الرخصة وردت فيمن لم يطعم، فبقي من عداه على الأصل.
وفي المذي روايتان
: إحداهما: يجزئ نضحه، لما «روى سهل بن حنيف، قال: كنت ألقى من المذي شدة وعناء، فقلت: يا رسول الله، فكيف بما أصاب ثوبي منه؟ قال: يكفيك أن تأخذ كفاً من ماء، فتنضح به حيث ترى أنه أصاب منه» ، قال الترمذي: هذا حديث صحيح.

(1/166)

والثانية: يجب غسله؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بغسل الذكر منه، ولأنه نجاسة من كبير، أشبه البول.

فصل

وما عدا المذكور من النجاسات، في سائر المحال، فيه روايتان
: إحداهما: يجزئ مكاثرتها بالماء حتى تذهب عين النجاسة ولونها من غير عدد، قياساً على نجاسة الأرض، ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لأسماء في الدم: «اغسليه بالماء» ولم يذكر عدداً، «وروى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: كان غسل الثوب من النجاسة سبع مرات، فلم يزل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسأل، حتى جعل الغسل من البول مرة» رواه أبو داود.
والثانية
: يجب فيها العدد، وفي قدره روايتان: إحداهما: سبع؛ لأنها نجاسة في غير الأرض، فأشبهت نجاسة الكلب، وفي اشتراط التراب وجهان.

(1/167)

والثانية: ثلاث؛ لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء، حتى يغسلها ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يده» أمر بالثلاث، وعلل بوهم النجاسة، ولا يرفع وهمها إلا ما يرفع حقيقتها.
فإن قلنا بالعدد، لم يحتسب برفع الثوب من الماء غسلة، حتى يعصره، وعصر كل شيء بحسبه، فإن كان بساطاً ثقيلاً أو زلياً فعصره بتقليبه ودقه، حتى يذهب أكثر ما فيه من الماء
.

فصل

وإذا غسل النجاسة، فلم يذهب لونها أو ريحها لمشقة إزالته، عفي عنه، لما
«روي

(1/168)

أن خولة بنت يسار قالت: يا رسول الله، أرأيت لو بقي أثره، تعني: الدم، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الماء يكفيك، ولا يضرك أثره» رواه أبو داود بمعناه.

فصل

ويعفى عن يسير الدم في غير المائعات؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، فإن الغالب أن الإنسان، لا يخلو من حبة وبثرة، فألحق نادره بغالبه، وقد روي عن جماعة من الصحابة الصلاة مع الدم، ولم يعرف لهم مخالف، وحد اليسير ما لا ينقض مثله الوضوء، وقد ذكر في موضعه
.
والقيح والصديد كالدم لأنه مستحيل منه، وفي المني إذا حكمنا بنجاسته روايتان
: إحداهما: أنه كالدم؛ لأنه مستحيل منه.
والثانية
: لا يعفى عنه؛ لأنه يمكن التحرز منه.

(1/169)

وفي المذي، وريق البغل والحمار وعرقهما، وسباع البهائم وجوارح الطير وبول الخفاش، روايتان: إحداهما: يعفى عن يسيره، لمشقة التحرز منه، فإن المذي يكثر من الشباب، ولا يكاد يسلم مقتني هذه الحيوانات من بللها، فعفي عن يسيرها كالدم.
والثانية
: لا يعفى عنها، لعدم ورود الشرع فيها.
وفي النبيذ روايتان
: إحداهما: يعفى عن يسيره، لوقوع الخلاف فيه.
والثانية
: لا يعفى عنه؛ لأن التحرز عنه ممكن.
وما عدا هذا من النجاسة، لا يعفى عن شيء منه، ما أدركه الطرف منها، وما لم يدركه؛ لأنها نجاسة، لا يشق التحرز منها، فلم يعف عنها كالكثير
.

(1/170)


ملف doc

كلمات دليلية: