إخراج الزكاة و الأصناف الذين تدفع الزكاة لهم على المذهب الحنبلي

إخراج الزكاة و الأصناف الذين تدفع الزكاة لهم على المذهب  الحنبلي
391

اسم الكتاب:
الكافى



[باب ذكر الأصناف الذين تدفع الزكاة لهم]
وهم ثمانية ذكرهم الله تعالى في قوله
: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60] .
فلا يجوز صرفها إلى غيرهم من بناء مساجد أو إصلاح طريق أو كفن ميت؛ لأن الله تعالى خصهم بها بقوله
: إنما وهي للحصر تثبت المذكور وتنفي ما عداه. ولا يجب تعميمهم بها.
وعنه
: يجب تعميمهم والتسوية بينهم. وأن يدفع من كل صنف إلى ثلاثة فصاعداً؛ لأنه أقل الجمع، إلا العامل، فإن ما يأخذه أجرة فجاز أن يكون واحداً، وإن تولى الرجل إخراجها بنفسه سقط العامل. وهذا اختيار أبي بكر؛ لأن الله تعالى جعلها لهم بلام التمليك، وشرك بينهم بواو التشريك، فكانت بينهم على السواء كأهل الخمس، والأول: المذهب؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قال لمعاذ: أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» أمر بردها في صنف واحد. «وقال لقبيصة لما سأله في حمالة: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها» وهو صنف واحد. وأمر بني بياضة بإعطاء صدقاتهم سلمة بن صخر وهو واحد، فتبين بهذا أن مراد الآية بيان مواضع الصرف دون التعميم؛ ولذلك لا يجب تعميم كل صنف، ولا التعميم بصدقة واحد إذا أخذها الساعي، بخلاف الخمس.

فصل
:
إذا تولى الإمام القسمة بدأ بالساعي فأعطاه عمالته؛ لأنه يأخذ عوضاً فكان حقه آكد ممن يأخذ مواساة
. وللإمام أن يعين أجرة الساعي قبل بعثه، وله أن يبعثه من غير شرط؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ساعياً ولم يجعل له أجرة فلما جاء أعطاه، فإن عين له أجرة دفعها إليه، وإلا دفع إليه أجرة مثله. ويدفع منها أجرة الحاسب والكاتب

(1/423)

والعداد والسائق والراعي والحافظ والحمال والكيال ونحو ذلك؛ لأنه من مؤنتها فقدم على غيره.

فصل
:
والفقراء والمساكين صنفان، وكلاهما يأخذ لحاجته إلى مؤنة نفسه، والفقراء أشد حاجة؛ لأن الله تعالى بدأ بهم والعرب إنما تبدأ بالأهم فالأهم، ولأن الله تعالى قال
: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} [الكهف: 79] . فأخبر أن لهم سفينة يعملون بها، ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استعاذ من الفقر وقال: «اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين» رواه الترمذي. فدل على أن الفقراء أشد، فالفقير من ليس له ما يقع موقعاً من كفايته من مكسب ولا غيره، والمسكين الذي له ذلك، فيعطى كل واحد منهما ما تتم به كفايته. وإذا ادعى الفقر من لم يعرف بغنى قبل قوله بغير يمين؛ لأن الأصل عدم المال، وإن ادعاه من عرف غناه لم يقبل إلا ببينة، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة رجل أصابته فاقة حتى يشهد له ثلاث من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو سداداً من عيش» رواه مسلم. وإن رآه جلداً وذكر أنه لا كسب له أعطاه من غير يمين، لما روى عبيد الله بن عدي بن الخيار: «أن رجلين أتيا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو يقسم الصدقة فسألاه شيئاً، فصعد بصره فيهما وصوبه، وقال لهما: إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب» رواه أبو داود.
وإن ادعى أن له عيالاً
: فقال القاضي وأبو الخطاب: يقلد في ذلك كما قلد في حاجة نفسه.
وقال ابن عقيل
: لا يقبل إلا ببينة؛ لأن الأصل عدم العيال، فلا تتعذر إقامة البينة عليهم، وإن كان لرجل دار يسكنها، أو دابة يحتاج إلى ركوبها، أو خادم يحتاج إلى خدمته، أو بضاعة يتجر بها، أو ضيعة يستغلها، أو سائمة يقتنيها، ولا يقوم بكفايته فله أخذ ما تتم به الكفاية ولا يلزمه بيع شيء من ذلك قل أو كثر.

فصل
:
الصنف الرابع
: المؤلفة وهم السادة المطاعون في عشائرهم، وهم ضربان: كفار ومسلمون، فالكفار من يرجى إسلامهم أو يخاف شرهم؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطى صفوان بن أمية يوم حنين قبل إسلامه ترغيباً له في الإسلام.

(1/424)

والمسلمون أربعة أضرب:
منهم من له شرف، يرجى بإعطائه إسلام نظيره، فإن أبا بكر الصديق
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أعطى عدي بن حاتم ثلاثين فريضة من الصدقة، وأعطى الزبرقان بن بدر، مع ثباتهما وحسن نياتهما.
الثاني
: ضرب نيتهم ضعيفة في الإسلام، فيعطون لتقوى نيتهم فيه، فإن أنساً قال «حين أفاء الله على رسوله أموال هوزان طفق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعطي رجالاً من قريش المائة من الإبل وقال: إني أعطي رجالاً حدثاء عهد بكفر أتالفهم» متفق عليه.
الثالث
: قوم إذا أعطوا قاتلوا ودفعوا عن المسلمين.
الرابع
: قوم إذا أعطوا جبوا الزكاة، ممن لا يعطيها إلا أن يخاف فكل هؤلاء يجوز الدفع إليهم من الزكاة لأنهم داخلون في اسم المؤلفة. وقد سمى الله تعالى لهم سهماً.
وروى حنبل عن أحمد
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن حكمهم انقطع؛ لأن عمر وعثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لم يعطياهم شيئاً. والمذهب الأول. فإن سهمهم ثبت بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ولا يثبت النسخ بالاحتمال وترك عمر وعثمان عطيتهم، وإنما كان لغناهم عنهم. والمؤلفة إنما يعطون للحاجة إليهم، فإن استغني عنهم فلا شيء لهم.

فصل
:
الخامس
: الرقاب. وهم المكاتبون، يعطون ما يؤدونه في كتابتهم، ولا يقبل قوله: إنه مكاتب إلا ببينة لأن الأصل عدمها، فإن صدقه المولى ففيه وجهان:
أحدهما
: يقبل؛ لأن السيد يقر على نفسه.
والثاني
: لا يقبل؛ لأنه متهم في أن يواطئه ليأخذ الزكاة بسببه. وللسيد دفع زكاته إلى مكاتبه؛ لأنه معه في باب المعاملة كالأجنبي، ويجوز أن يردها المكاتب إليه؛ لأنه يأخذها وفاء عن دينه، فأشبه الغريم. ولا يزاد المكاتب على ما يوفي كتابته، ويجوز أن يدفع إليه قبل حلول النجم لئلا يحل وهو معسر فتنفسخ كتابته. وهل يجوز الإعتاق من الزكاة فيه روايتان:
إحداهما
: يجوز؛ لأنه من الرقاب فيدخل في الآية فعلى هذا يجوز أن يعين في ثمنها، وأن يشتريها كلها من زكاته ويعتقها، ولا يجوز أن يشتري ذا رحمه المحرم عليه، فإن فعل عتق عليه ولم تسقط الزكاة؛ لأن عتقه حصل بسبب غير الإعتاق من الزكاة، ويجوز أن يفتك منها أسيراً مسلماً؛ لأنه فك رقبته من الأسر.

(1/425)

والرواية الثانية: لا يجوز الإعتاق منها لأن الآية تقضي الدفع إلى الرقاب، لقوله: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 60] ، يريد الدفع إلى المجاهدين والعبد لا يدفع إليه.

فصل
:
السادس
: الغارمون، وهم ضربان: ضرب غرم لإصلاح ذات البين، وهو من يحمل دية أو مالاً لتسكين فتنة، وإصلاح بين طائفتين، فيدفع إليه من الصدقة ما يؤدي حمالته، وإن كان غنياً، لما روى قبيصة بن مخارق قال: «تحملت حمالة فأتيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أسأله فيها فقال: أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها. ثم قال: يا قبيصة إن الصدقة لا تحل إلا لثلاث، رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك» رواه مسلم، ولأنه يأخذ لمصلحة المسلمين، فجاز له الأخذ مع الغنى كالغازي.
الضرب الثاني
: من غرم لمصلحة نفسه في مباح، فيعطى من الصدقة ما يقضي غرمه، ولا يعطي مع الغنى لأنه يأخذ لحاجة نفسه فلم يدفع إليه مع الغنى كالفقير. وإن غرم في معصية، لم يدفع إليه قبل التوبة؛ لأنه لا يؤمن أن يستعين بها في المعصية، وفي إعطائه بعد التوبة وجهان:
أحدهما
: يعطى؛ لأنه يأخذ لتفريغ ذمته، لا لمعصية فجاز، كإعطائه لفقره.
والثاني
: لا يعطى؛ لأنه لا يؤمن عوده إلى المعصية، ولا يقبل قوله: إنه غارم إلا ببينة فإن صدقه الغريم فعلى وجهين. ويجوز للرجل دفع زكاته إلى غريمه وأخذها منه لما ذكرنا في المكاتب.

فصل
:
السابع
: في سبيل الله وهم الغزاة الذين لا حق لهم في الديوان إذا نشطوا غزوا، ويعطون قدر ما يحتاجون إليه لغزوهم، من نفقة طريقهم وإقامتهم، وثمن السلاح والخيل إن كانوا فرساناً، وما يعطون السايس وحمولتهم إن كانوا رجالاً مع الغنى؛ لأنهم يأخذون لمصلحة المسلمين. ولا يعطى الراتب في الديوان؛ لأنه يأخذ قدر كفايته من الفيء. وفي الحج روايتان:
إحداهما
: هو من سبيل الله فيعطى من الصدقة ما يحج به حجة الإسلام، أو يعينه فيها مع الفقر، لما روي «أن رجلاً جعل ناقة له في سبيل الله فأرادت امرأته الحج فقال لها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اركبيها فإن الحج في سبيل الله» رواه أبو داود.

(1/426)

والثانية: لا يجوز ذلك؛ لأن سبيل الله إذا أطلق إنما يتناول الغزو، ولأنه لا مصلحة للمسلمين في حج الفقير، ولا حاجة به إلى إيجاب الحج عليه، فلم يدفع إليه كحج النفل.

فصل
:
الثامن
: ابن السبيل. وهو المسافر المنقطع به وله اليسار في بلده، فيعطى من الصدقة ما يبلغه، فأما المنشئ للسفر من بلده فليس بابن سبيل؛ لأن السبيل الطريق، وابنها الملازم لها الكائن فيها، والقاطن في بلده ليس بمسافر، ولا له حكم المسافر. فإن كان هذا فقيراً أعطي لفقره، وإلا فلا. ومن كان سفره لمعصية فهل يدفع إليه بعد التوبة ما يرجع به؟ على وجهين، كما ذكرنا فيمن غرم لمعصية.

فصل
:
ولا يدفع إلى واحد منهم أكثر مما يدفع به حاجته، فلا يزاد الفقير والمسكين على ما يغنيهما، ولا العامل على أجرته، ولا المؤلفة على ما يحصل به التأليف، ولا الغارم والمكاتب على ما يقضي دينهما، ولا الغازي على ما يحتاج إليه لغزوه، ولا ابن السبيل على ما يوصله بلده؛ لأن الدفع لحاجة، فوجب أن يتقيد بها، وإن اجتمع في واحد سببان كالغارم الفقير دفع إليه بهما؛ لأن كل واحد منهما سبب للأخذ، فوجب أن يثبت حكمه حيث وجد
.

فصل
:
وأربعة يأخذون أخذاً مستقراً لا يرجع عليهم بشيء الفقراء والمساكين والعاملون والمؤلفة، وأربعة يأخذون أخذاً مراعى، الرقاب والغارمون والغزاة وابن السبيل، إن صرفوه فيما أخذوا له، وإلا استرجع منهم
. وإن فضل مع المكاتب شيء بعد أداء كتابته أو مع الغارم بعد قضاء غرمه، أو مع الغازي بعد غزوه، أو مع ابن السبيل بعد وصوله إلى بلده استرجع منهم وإن استغنوا عن الجميع ردوه، وإن عجز المكاتب رجع على سيده بما أخذ لأن الدفع إليهم لمعنى لم يوجد.
وقال الخرقي
: إذا عجز المكاتب ورد في الرق، وقد كان تصدق عليه بشيء فهو لسيده. وأربعة يأخذون مع الغنى؛ الغازي والعامل والغرم للإصلاح والمؤلفة؛ لأنهم يأخذون لحاجتنا إليهم. والحاجة توجد مع الغنى، وسائرهم لا يعطون إلا مع الفقر؛ لأنهم يأخذون لحاجتهم، فاعتبر ذلك فيهم، إلا أن ابن السبيل تعتبر حاجته في مكانه، وإن كان له مال في بلده؛ لأنه غير مقدور عليه، فهو كالمعدوم. ولا يستحب إعلام

(1/427)

الآخذ أنها زكاة إذا كان ظاهره الاستحقاق؛ لأن فيه كسر قلبه. قال أحمد: ولم يبلغه بها، يعني: لا يعلمه. فإن شك في استحقاقه أعلمه كما أعلم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرجلين الجلدين.

[باب من لا يجوز دفع الزكاة إليه
]
وهم ستة أصناف
: الكافر، لا يجوز الدفع إليه لغير التأليف، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» ، ولأنها مواساة تجب على المسلم فلا تجب للكافر كالنفقة.
الثاني
: المملوك؛ لأن ما يعطاه يكون لسيده، ولأن نفقته على سيده فهو غني بغناه.
الثالث
: بنو هاشم لا يعطون منها إلا لغزو أو حمالة؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إنما الصدقة أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد وآل محمد» وسواء أعطوا حقهم من الخمس أو منعوه لعموم الخبر، ولأن منعهم لشرفهم، وشرفهم باق، فينبغي المنع.
الرابع
: مواليهم: وهم معتقوهم، فحكمهم حكمهم، لما روى أبو رافع، «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث رجلاً من بني مخزوم على الصدقة فقال لأبي رافع: اصحبني كيما تصب منها، فانطلق إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسأله فقال: إنا لا تحل لنا الصدقة وإن مولى القوم منهم» وهذا حديث صحيح، ولأنهم ممن يرثهم بني هاشم بالتعصيب، فحرمت عليهم الصدقة كبني هاشم.
وفي بني المطلب روايتان
:
إحداهما
: تحل لهم؛ لأن المنع اختص بآل محمد وهم بنو هاشم فلا يلحق بهم غيرهم.
والثاني
: يحرم عليه، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبك أصابعه» أخرجه البخاري [والحديث بتمامه أخرجه الشافعي في مسنده] . ولأنهم يستحقون من خمس الخمس فأشبهوا بني هاشم.
الخامس
: الغني، لا تحل له الزكاة سوى من ذكرنا لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا حظ فيها

(1/428)

لغني ولا لقوي مكتسب» ، وقوله: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي» وهذا حديث حسن. وفي ضابطه روايتان: إحداهما: أنه الكفاية على الدوام، إما بصناعة أو مكسب أو أجرة أو نحوه. اختارها أبو الخطاب وابن شهاب، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث قبيصة: «فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو سدادا من عيش» مد إباحة المسألة إلى حصول الكفاية، ولأن الغنى ضد الحاجة وهي تذهب بالكفاية، وتوجد مع عدمها.
والثانية
: أنه الكفاية أو ملك خمسين درهماً أو قيمتها من الذهب، لما روى ابن مسعود قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خموشاً أو خدوشاً أو كدوحاً في وجهه، فقيل: يا رسول الله ما الغنى؟ قال: خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب» . قال الترمذي: هذا حديث حسن. فعلى هذه الرواية: إن كان له عيال فله أن يأخذ لكل واحد من عياله خمسين، نص عليه. ولو ملك عروضاً تكثر قيمتها لا تقوم بكفايته؛ جاز الأخذ رواية واحدة، وإذا كان للمرأة زوج غني فهي غنية؛ لأن كفايتها واجبة عليه وجوباً متأكداً، فأما من تجب نفقته على نفسه فله الأخذ من الزكاة؛ لأن استحقاقه للنفقة مشروط بفقره، فيلزم من وجوبها له وجود الفقر، بخلاف نفقة الزوجة، ولأن وجوبها بطريق الصلة والمواساة بخلاف غيرها.
السادس
: من تلزمه مؤنته: كزوجته ووالديه وإن علوا، وأولاده وإن سفلوا، الوارث منهم وغيره، ولا يجوز الدفع إليهم؛ لأن في دفعها إليهم إغناء لهم عن نفسه، فكأنه صرفها إلى نفسه، وفيمن يرثه غير عمودي نسبه روايتان:
إحداهما
: لا يدفع إليه؛ لأن الله تعالى أوجب نفقته عليه بقوله: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: 233] .
والثانية
: يجوز لأنه ممن تقبل شهادته له، فجاز الدفع إليه، كالأجانب فإن كان محجوباً عن ميراثه، أو من ذوي الأرحام جاز الدفع إليه، وإن كان شخصان يرث أحدهما صاحبه دون الآخر كالعمة مع ابن أخيها فللموروث دفع زكاته إلى الوارث؛ لأنه لا يرثه، وفي دفع الوارث زكاته إلى موروثه الروايتان. وهل للمرأة، دفع زكاتها إلى زوجها؟ على روايتين:
إحدهما
: يجوز؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لزينب امرأة ابن مسعود: «زوجك وولدك أحق

(1/429)

من تصدقت به عليهم» رواه البخاري، ولأنه لا تلزمها نفقته فلم تحرم عليه زكاتها كالأجنبي.
والثانية
: لا يجوز؛ لأنها تنتفع بدفعها إليه، لوجوب نفقتها عليه، وتبسطها في ماله عادة فلم يجز دفعها إليه كالولد.

فصل
:
ويجوز لكل واحد من هؤلاء الأخذ من صدقة التطوع؛ لأن محمد بن علي كان يشرب من سقايات بين مكة والمدينة، وقال
: إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة. ويجوز لفقراء ذوي القربى الأخذ من وصايا الفقراء والنذور؛ لأنها صدقة تطوع بها، وفي أخذهم من الكفارة وجهان.
وعنه
: منعهم من صدقة التطوع، لعموم الخبر. والأول أظهر، فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «كل معروف صدقة» حديث صحيح. ويجوز اصطناع المعروف إليهم. وروى أبو سعيد عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل ابتاعها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين إلى الغني» رواه أبو داود. ولو أهدى المسكين مما تصدق به عليه إلى الهاشمي حل له؛ «لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أكل مما تصدق به على أم عطية نسيبة وقال: إنها قد بلغت محلها» . متفق عليه.

فصل
:
وإذا دفع رب المال الصدقة إلى غني يظنه فقيراً ففيه روايتان
:
إحداهما
: لا يجزئه؛ لأنه دفعها إلى غير مستحقها، فأشبه دفع الدين إلى غير صاحبه.
والثانية
: يجزئه؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اكتفى بالظاهر لقوله للرجلين: «إن شئتما أعطيتكما منها ولا حظ فيها لغني» ، وهذا يدل على أنه يجزئ، ولأن الغنى يخفى فاعتبار حقيقته يشق، ولهذا قال الله تعالى: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} [البقرة: 273] . وإن بان كافراً أو عبداً أو هاشمياً، لم تجزئه رواية واحدة؛ لأن حال هؤلاء لا تخفى فلم يعذر الدافع إليهم، بخلاف الغني.

(1/430)

فصل:
وإذا تولى الرجل إخراج زكاته استحب أن يبدأ بأقاربه الذين يجوز الدفع إليهم، لقول النبي
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صدقتك على ذي القربى صدقة وصلة» رواه الترمذي والنسائي. ويخص ذوي الحاجة؛ لأنهم أحق، ومن مات وعليه زكاة ودين لا تتسع تركته لهما، قسمت بينهما بحصصهما؛ لأنهما تساويا في الوجوب فتساويا في القضاء.

[باب إخراج الزكاة والنية فيه
]
لا يجوز إخراج الزكاة إلا بنية، لقول النبي
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما الأعمال بالنيات» ولأنها عبادة محضة فافتقرت إلى النية كالصلاة، ويجوز تقديمها على الدفع بالزمن اليسير كما في سائر العبادات، ولأنه يجوز التوكل فيها بنية غير مفارقة لأداء الوكيل. ويجب أن ينوي الزكاة أو الصدقة الواجبة، أو صدقة المال، أو الفطر، فإن نوى صدقة مطلقة لم تجزه؛ لأن الصدقة تكون نفلاً فلا ينصرف إلى الفرض إلا بتعيين، ولو تصدق بجميع ماله تطوعاً لم يجزه؛ لأنه لم ينو الفرض. ولا يجب تعيين المال المزكى عنه، فإن كان له نصابان، فأخرج الفرض عن أحدهما بعينه أجزأه؛ لأن التعيين لا يضر، وإن أطلق عن أحدهما أجزأه؛ لأنه لو أطلق لكان عن أحدهما فلا يضر التقييد به. وإن نوى أنه لو كان الغائب سالماً فهو زكاته وإلا فهو عن الحاضر، صح، وكان على ما نواه. وإن نوى أنه زكاة أو تطوع لم يصح؛ لأنه لم يخلص النية للفرض، وإن نوى أنه زكاة مالي وإن لم يكن سالماً فهو تطوع صح؛ لأنه هكذا يقع فلا يضر التقييد به، ولو نوى إن كان أبي قد مات فصار ماله لي فهذا زكاته لم يصح؛ لأنه لم يبن على أصل. ولو نوى عن ماله الغائب فبان تالفاً لم يكن له صرفه إلى الحاضر؛ لأنه عينه للغائب، فأشبه ما لو أعتق عبداً عن كفارة لم يملك صرفه إلى أخرى.

فصل
:
وإذا كان في إخراج الزكاة، ونوى عند الدفع إلى الوكيل ونوى الوكيل عند الأداء، جاز
. وإن نوى الوكيل ولم ينو الموكل لم يجزه؛ لأنها فرض عليه فلم يجزه من غير نية، وإن نوى الموكل عند الدفع إلى الوكيل ولم ينو الوكيل عند الدفع.
فقال أبو الخطاب
: يجزئ؛ لأن الذي عليه الفرض قد نوى، ويحتمل أنه إن نوى

(1/417)

بعد الأداء من الدفع لم يجزه؛ لأن الدفع حصل من غير نية قريبة ولا مقارنة، وإن دفعها إلى الإمام برئ منها بكل حال؛ لأن يد الإمام كيد الفقراء. وإن أخذها الإمام قهراً أجزأت من غير نية رب المال؛ لأنها تؤخذ من الممتنع فلو لم تجزئ ما أخذت. هذا ظاهر كلام الخرقي ويحتمل أن لا تجزئه فيما بينه وبين الله تعالى إلا بنيتها؛ لأنها عبادة محضة فلم تجز بغير نية، كالمصلي كرهاً، وهذا اختيار أبي الخطاب وابن عقيل، وقال القاضي: تجزئ نية الإمام في الكره والطوع؛ لأن أخذ الإمام كالقسم بين الشركاء، والأول أولى.

فصل
:
ولا يجوز تعجيل الزكاة قبل كمال النصاب؛ لأنه سببها فلم يجز تقديمها عليه كالتكفير قبل الحلف، ويجوز تعجيلها بعده، لما روي عن علي
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن العباس سأل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يرخص له في أن يعجل الصدقة قبل أن تحل فرخص له» . رواه أبو داود. ولأنه حق مال أجل للرفق فجاز تعجيله قبل أجله، كالدين ودية الخطأ.
وفي تعجيلها لأكثر من عام روايتان
:
إحداهما
: يجوز لأنه عجلها بعد سببها.
والثانية
: لا يجوز؛ لأنه عجلها قبل انعقاد حولها، فأشبه ما لو عجلها قبل انعقاد وقت نصابها، فإن ملك نصاباً فعجل زكاة نصابين عنه وعما يستفيده في الحول الآخر أجزأه عن النصاب دون الزيادة؛ لأنه عجل زكاة الزيادة قبل وجودها، ولو ملك خمساً من الإبل فعجل شاتين عنها وعن نتاجها، فحال الحول وقد نتجت خمساً فكذلك، لما ذكرنا، وإن ملك أربعين شاة فعجل عنها شاة، ثم ماتت الأمهات وبقيت سخالها، أجزأت عنها؛ لأنها لا تجزئ عنها وعن أمهاتها لو كانت باقية فعنها وحدها أولى، بخلاف التي قبلها، ولو ملك عرضاً قيمته ألف، فعجل زكاة ألفين، فحال الحول وقيمته ألفان أجزأه عن ألف واحد لما ذكرنا.

فصل
:
وإذا عجل الزكاة فلم تتغير الحال وقعت موقعها، وإن ملك نصاباً فعجل زكاته وحال الحول وهو ناقص مقدار ما عجلها أجزأت عنه
. وإن ملك مائة وعشرين، فعجل شاة ثم نتجت أخرى قبل كمال الحول؛ لزمه شاة ثانية؛ لأن المعجل كالباقي على ما ملكه في إجزائه عن الزكاة عند الحول، وكذلك في إيجاب الزكاة، وإن تغيرت الحال قبل الحول بموت الآخذ أو غناه أو ردته فإن الزكاة تجزئ عن ربها وليس له ارتجاعها،

(1/418)

لأنه أداها إلى مستحقها فبرئ منها، كما لو تلفت عند أخذها أو استغنى بها، أما إن تغيرت حال رب المال بموته أو ردته، أو تلف النصاب أو بعضه، أو بيعه أو حالهما معاً.
فقال أبو بكر والقاضي
: الحكم كذلك لأنه دفعها إلى مستحقها فلم يملك الرجوع بها، كما لو لم يعلمه.
وقال ابن حامد
: إن لم يعلمه رب المال أنها زكاة معجلة لم يكن له الرجوع عليه؛ لأن الظاهر أنها عطية تلزم بالقبض، فلم يكن له الرجوع بها، وإن كان الدافع الساعي أو رب المال، لكنه أعلم الآخذ أنها زكاة معجلة، رجع عليه؛ لأنه دفعها عن ما يستحقه القابض في الثاني، فإذا طرأ ما يمنع الاستحقاق وجب رده، كالأجرة إذا انهدمت الدار قبل السكنى، ثم إن وجدها بعينها أو زائدة زيادة متصلة رجع بها؛ لأن هذه الزيادة تتبع في الفسوخ فتبعت ههنا، وإن زادت زيادة منفصلة فهي للفقير؛ لأنها انفصلت في ملكه، وإن نقصت لزم الفقير نقصها لأنه ملكها بقبضها فكان نقصها عليه كالمعيب، وإن تلفت فعليه قيمتها يوم قبضها؛ لأن ما زاد بعد ذلك أو نقص إنما هو في ملك الفقير، فإن قال المالك: أعلمته الحال فأنكر الفقير فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه منكر.

فصل
:
ولو عجلها إلى غني فافتقر عند وجوبها لم يجزه؛ لأنه لم يعطها لمستحقها وإن عجلها فدفعها إلى مستحقها ثم مات المالك فحبسها الوارث عن زكاته، لم يجزه؛ لأنها عجلت قبل ملكه، فأشبه ما عجلها هو، وإن تسلف الإمام الزكاة فهلكت في يده، لم يضمنها، وكانت من ضمان الفقراء، سواء سأله رب المال أو الفقراء أو لم يسأله الجميع؛ لأن يده كأيديهم وله ولاية عليهم، بدليل أن له أخذ الزكاة بغير إذنهم، فإذا تلفت من غير تفريط لم يضمن كولي اليتيم
.

فصل
:
وظاهر كلام القاضي أنه لا يجوز تعجيل العشر؛ لأنه يجب بسبب واحد وهو بدو الصلاح في الثمرة والحب، فتعجيله تقديماً له على سببه، وقال أبو الخطاب
: يجوز تعجيله إذا ظهرت الثمرة وطلع الزرع، ولا يجوز قبله؛ لأن وجود ذلك كملك النصاب، وبدو الصلاح كتمام الحول. وأما المعدن والركاز فلا يجوز تقديم صدقتهما قولاً واحداً؛ لأن سبب وجوبها يلازم وجوبها ولا يجوز تقديمها قبل سببها.

(1/419)


ملف doc

كلمات دليلية: