القائمة البريدية أرسل بريدك الإلكتروني لتصلك أحدث المواضيع عليه
   
س: صدرت عدة فتاوى من هذا البرنامج بتكفير تارك الصلاة سواء تركها جاحدا أم متهاونا فتتبعنا الأقوال والأدلة في ذلك فرجح لدينا هذا الحكم، لكن وقفت أمامنا مجموعة من الشبهات، نرجو من سماحتكم ردها وهي: أولاً: مصير تارك الصلاة هل هو إلى الجنة أو إلى النار؟ وذلك لتعارض هذا الحكم مع عدة أحاديث منها حديث أبي ذر، وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة . فسأل أبو ذر الرسول: وإن زنى وإن سرق؟ قال الرسول: وإن زنى وإن سرق فعل ذلك أبو ذر مرتين فأجابه الرسول نفس الإجابة وقال في الثانية: على رغم أنف أبي ذر . الحديث، رواه البخاري . (الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 49)  ثانيا: صدرت الفتوى بأن تارك الصلاة إن مات لا يُصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، وهذا يعارض الحديث الذي رواه الدارقطني والبيهقي، وهو قول الرسول: صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله، وعلى من قال: لا إله إلا الله ثالثا: تعارض هذه الفتوى مع حديث آخر لا يحضرني نصه، ولكن معناه أن من أدى الصلاة وحافظ عليها كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له عهد، إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه، فجعل تارك الصلاة في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له . هذه ثلاث شبهات نرجو ردها مع التفصيل، وبيان الأدلة على ذلك، جزاكم الله خير الجزاء

ج: إن الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة كلها قائمة على كفر تارك الصلاة، سواء كان جاحدا أو متساهلا، أما من كان جاحدا لوجوبها فهذا (الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 50) كافر بإجماع المسلمين؛ لأنه مكذب لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام، ومن كذب الله أو كذب رسوله كفر بإجماع المسلمين، أما من تركها تهاونا لا جحدا فهذا هو محل الخلاف بين أهل العلم، والسائل قد عرف ذلك، والصحيح كما عرفه السائل أن تاركها تهاونا يكفر كفرا أكبر وهذا قول جماعة من أهل العلم وقد حكاه التابعي الجليل عبد الله بن شقيق العقيلي عن الصحابة رضي الله عنهم، أنهم ما كانوا يرون شيئا تركه كفر إلا الصلاة، وقد دل على ذلك أحاديث منها قوله عليه الصلاة والسلام: بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة أخرجه مسلم في صحيحه . وقوله عليه الصلاة والسلام: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه بإسناد صحيح عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه، ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ومنها قوله صلى (الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 51) الله عليه وسلم في الصلاة: من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وحشر يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف وهؤلاء من صناديد الكفرة وكبارهم، فحشر تارك الصلاة معهم يدل على كفره، نسأل الله العافية والسلامة . وإن كان لم يتركها بالكلية، بل يترك بعضا ويؤدي بعضا وهناك أدلة أخرى دالة على ذلك، أما الشبهات الثلاث التي ذكرها السائل فجوابها بحمد الله ميسر، أما حديث أبي ذر فهو دليل على أن من مات على التوحيد لا يشرك بالله شيئا فإنه من أهل الجنة وإن زنى وإن سرق، وهكذا لو فعل معاصي أخرى كالعقوق والربا وشهادة الزور ونحو ذلك، فإن العاصي تحت مشيئة الله إن شاء ربنا غفر له، وإن شاء عذبه على قدر معاصيه إذا مات غير تائب، ولو دخل النار وعذب فيها فإنه لا يخلد، بل سوف يخرج منها إلى الجنة بعد التطهير والتمحيص، فمراد النبي صلى الله عليه وسلم أنه وإن زنى وإن سرق فمصيره إلى الجنة إذا مات على التوحيد، وإن جرى عليه قبل ذلك ما يجري على بعض العصاة من العقوبات، وهكذا الأحاديث (الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 52) الأخرى الدالة على أن أهل التوحيد من أهل الجنة كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث عتبان : إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله متفق عليه . وفي حديث جابر عند مسلم يقول صلى الله عليه وسلم : من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار والأحاديث كثيرة فهذا يدل على أن أهل التوحيد مصيرهم إلى الجنة وإن جرى منهم بعض المعاصي فإنهم تحت مشيئة الله فقد يعفى عنهم ويدخلون الجنة من أول وهلة لأعمال صالحة اكتسبوها رجحت بها موازينهم، وقد يدخلون النار ويعذبون فيها على قدر المعاصي ثم يخرجون منها، كما ثبتت بذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتواترت، وأجمع على ذلك أهل السنة أن العصاة لا يخلدون في النار إذا ماتوا مسلمين على التوحيد والإيمان، فإنهم لا يخلدون في النار خلافا للخوارج والمعتزلة ومن سلك (الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 53) مسلكهم، فيكون من دخل النار من أهل التوحيد وهو عاص غير مخلد بخلاف الكفار، فإنهم يخلدون في النار أبد الآباد فحديث أبي ذر وما جاء في معناه إنما هو في حق العصاة الذين لم تصل معصيتهم إلى الكفر أما من وصلت معصيته إلى الكفر كتارك الصلاة، وسب الدين، والمستهزئ بالدين وأشباههم، هؤلاء نقضوا توحدهم ونقضوا إسلامهم، فلم يبق معهم إسلام ولم تنفعهم كلمة التوحيد إذا فعلوا ما ينقض الإسلام، فالذي ترك الصلاة ليس مثل الزاني والسارق، بل شأنه فوق ذلك وأعظم من ذلك فهو من جنس من سب الدين أو سب الله أو سب الرسول أو استهزأ بالدين أو نحو ذلك، هؤلاء كفار بإجماع المسلمين، ولو قالوا: لا إله إلا الله، ولو ماتوا غير مشركين؛ لأن سبهم للدين يدل على احتقارهم له وعدم مبالاتهم به، وهكذا استهزاؤهم به، قال الله تعالى: قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون (65) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم وهكذا لو جحد وجوب الصلاة كفر وإن كان موحدا، وإن كان يقول: لا إله إلا الله، وإن كان لا يشرك بالله شيئا عند جميع العلماء، إذا جحد وجوبها أو جحد وجوب الزكاة، أو جحد (الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 54) وجوب صيام رمضان، أو جحد وجوب الحج مع الاستطاعة، أو جحد تحريم الزنى أو تحريم الخمر ، كفر إجماعا ولو قال: لا إله إلا الله، ولو كان لا يشرك بالله شيئا؛ لأن فعله هذا يجعله كافرا في حكم المشركين، فيكون داخلا فيمن أشرك، وهكذا تركه للصلاة يجعله داخلا في الكفار، والرسول صلى الله عليه وسلم إنما حكم بالجنة لمن مات لا يشرك بالله شيئا، يعني من قال: لا إله إلا الله موحدا غير مشرك، ومن ترك الصلاة خرج من أهل التوحيد إلى أهل الكفر، وهكذا من سب الدين خرج من أهل التوحيد إلى أهل الكفر، وهكذا من استهزأ بالدين، هكذا من جحد وجوب الصلاة ومن جحد وجوب الزكاة ومن جحد وجوب صوم رمضان، ومن جحد تحريم الزنى ومن جحد تحريم المسكر، ومن جحد تحريم العقوق للوالدين ومن جحد تحريم دم المسلم بغير حق، ومن جحد هذه الأمور كفر إجماعا، ولم ينفعه قوله: لا إله إلا الله، ولم ينفعه كونه لا يشرك بالله شيئا من جهة الأصنام أو القبور أو غير ذلك؛ لأنه أتى بناقض من نواقض الإسلام، ومن أتى بناقض من نواقض الإسلام لن تنفعه بقية الأمور التي عنده، وهكذا لو استهان بالمصحف، كفر إجماعا ولو قال: لا إله إلا الله، ولو كان لا يشرك بالله شيئا فلو جلس عليه إهانة له أو بال عليه كفر إجماعا؛ لأنه استهان بكلام الله، (الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 55) واحتقر كلام الله فهو يدل على عدم احترامه لله وعدم احترامه لكلامه سبحانه وتعالى، وبهذا تعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم : من مات لا يشرك بالله دخل الجنة من قال: لا إله إلا الله صدقا من قلبه دخل الجنة إنما هذا في حق من قالها ولم يأت بناقض من نواقض الإسلام، أما إذا قالها وأتى بناقض كفر إجماعا ولم تنفعه هذه الكلمة كما أن من توضأ الوضوء الشرعي فقد أتى بالطهارة الشرعية له أن يصلي، لكن لو أتى بناقض، لو خرج منه الريح بعد ما توضأ أو بال بطل هذا الوضوء ولم تنفعه هذه الطهارة؛ لأنه أتى بناقض ينقضها، فهكذا من أتى بناقض من نواقض الإسلام لم ينفعه قوله: لا إله إلا الله أو شهادة أن لا إله إلا الله، أو كونه لا يشرك بالله؛ لأنه أتى بشي، ينقض دينه، وينقض إسلامه . الشبهة الثانية: حديث عبادة في: إن على الله عهدا لمن أتى يحافظ على الصلوات أن يدخل الجنة، ومن لم يأت يحافظ عليها ليس له عند (الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 56) الله عهد هذا حديث ضعيف لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، هو من أحاديث الفضائل، ولو صح فهو محمول على من حافظ عليها، ولكن أتى بشيء من النقص لم يتركها إنما حصل فيها خلل من بعض الشؤون التي لا تجعله تاركا لها، ولا جاحدا لها، فهذا شأنه شأن من أتى بالمعاصي تحت مشيئة الله إذا كان يصلي ولكنه أخل بشيء مما يجب فيها من جهة نقره لها بعض الأحيان، أو أشياء أخل بها لا تجعله في حكم التاركين، فهذا الإنسان قد يحصل منه نقص في صلاته، فيكمل له عمله بتطوعاته، كما في الحديث الثاني حديث أبي هريرة أن العبد إذا أتى بالصلاة أمر الله أن ينظر فيها فإن كملت كتبت كاملة وإلا قال سبحانه: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل به فرضه فلو (الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 57) صح حمل على أنه أتى بشيء من النقص فيكمل فرضه، ولا يكون حكمه حكم من ترك بخلاف من تركها دائما أو ترك بعضها كمن يصلي الظهر دون الفجر، أو يصلي العصر دون المغرب، والعشاء أو ما أشبه ذلك، فمن ترك بعضها له حكم من تركها كلها نسأل الله العافية . وأما الشبهة الثالثة: حديث: صلوا على من قال: لا إله إلا الله، وصلوا خلف من قال: لا إله إلا الله فهذه أحاديث ضعيفة لا تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولو صحت لكان المعنى: صلوا على من قال: لا إله إلا الله، إذا قالها بحق واستقام عليها، وهكذا صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله، يعني إذا قالها والتزم معناها وأدى حقها، فأما من قالها ونقضها بالشرك أو نقضها بأنواع من الكفر لم تنفعه، فالمنافقون يقولون: لا إله إلا الله ويصلون مع الناس ويصومون ويحجون وهم كفار؛ لأنهم نقضوها بكفرهم الباطن، واعتقادهم الباطن، وتكذيبهم لله في الباطن، فهكذا من قالها كما تقدم وسب الدين أو (الجزء رقم : 6، الصفحة رقم: 58) سب الرسول، أو سب الله، أو استهزأ بالدين، أو استهان بالمصحف، أو ما أشبه ذلك فإن قوله: لا إله إلا الله لا ينفعه؛ لأنه أتى بناقض ينقض هذا الكلام، ويدل على كفره، وأن قوله: لا إله إلا الله ليس بصادق، بل عنده من الاستهانة بالله، وبحقوق أحكامه وبشريعته ما يجعله معدوم الإيمان، باطل هذا القول لأنه قال قولا لا حقيقة له ولا يعضده إيمان وتصديق، ونسأل الله العافية .

فتاوى نور على الدرب